قال المؤلف: وهو كثيّر بن عبد الرحمن بن الأسود وكانت أمه جمعة وهو خزاعيّ رافضي المذهب يكنى أبا صخر من شعراء الدولة الأموية. وقرأ أبو علي الشعر المذكور وفيه:
ولكن مضى ذو مرّة متثبّت بسنّة حقّ واضح مستبينها
المستبين: هو الممدوح كأنه قال ذو مرّة متثبت بسنّة حق واضح مستبين منه الحقّ.
وأنشد له " ١ - ١٥، ١٤ " أيضًا متصلًا بذلك شعرا فيه: نبلت لها أبا الوليد نبالها أي أعددت لها نبالها جمع نبل. وقال يعقوب نبلت لذلك الأمر نبله ونبله ونبالته إذا أخذت له أهبته وفيه:
فما أسلموها عنوة عن مودّة ولكن بحدّ المشرفيّ استقالها
[ ١ / ٦١ ]
والعنوة: الطوع بلغة خزاعة وهذيل، وبلغة نجد القهر، يقول كثيّر: لم يسلموها طائعين عن مودّة وانشراح صدر ولكن كارهين عن غلبة وقهر. وبعد ما أنشده أبو علي يقول:
وإن أمير المؤمنين هو الذي غزا كامنات الودّ مني فنالها
تبلّج لما جئت واهتز ضاحكًا وبلّ رسالاتي إليه بلالها
وكان عبد الملك قد قال لعبد العزيز أخيه لم قبلت من كثيّر قوله:
وما زالت رقاك تسلّ ضغني وتخرج من مكامنها ضبابي
ويرقيني لك الراقون حتى أجابت حيّة تحت اللصاب
فبلغ ذلك كثيّرًا فقال: والله لأقولن له مثلها فقال البيتين المذكورين.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٥، ١٤ " للعباس بن الوليد بن عبد الملك أبياتًا قالها لمسلمة بن عبد الملك أوّلها:
ألا تقني الحياء أبا سعيد وتقصر عن ملاحاتي وعذل
[ ١ / ٦٢ ]
ي
وفيها:
كقول المرء عمرو في القوافي لقيس حين خالف كل عدل
قال المؤلف: يعني قول عمرو بن معدي كرب الزّبيدي وزبيد من مذحج لقيس بن مكشوح المرادي وكانت بينهما منافسات:
تمنّاني ليلقاني قييس وددت وأينما منّي ودادي
تمنّاني وسابغة قميصي خروس الحسّ محكمة السّراد
مضاعفة تخيّرها سليم كأن قتيرها حدق الجراد
أريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليك من مراد
يعني بسليم سليمان النبي ﵇. والقتير رؤوس مسامير الدرع، وإذا دقّت دلّت على ضيق الأخرات وذلك أحكم لها. وعذير الرجل: ما يحاول مما يعذر عليه. ويكنى عمرو أبا ثور وهو خال دريد بن الصمّة بن الحرث القشيري الشاعر الفارس. أمّ دريد ريحانة بنت معدي كرب وإياها أراد أخوها عمرو بقوله:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرّقني وأصحابي هجوع
ومثل قوله أريد حباءه ويريد قتلي قول ابن الذئبة الثقفي:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه حفاظًا وينوي من سفاهته كسري
[ ١ / ٦٣ ]
أظنّ خطوب الدهر بيني وبينه ستحمله مني على مركب وعر
وقول جميل:
ألا قم فانظرنّ أخاك رهنًا لبثنة في حبائلها الصحاح
أريد صلاحها وتريد قتلي فشتّى بين قتلي والصلاح
وقول الحسين بن مطير:
فيا عجبًا للناس يستشرفونني كأن لم يروا بعدي محبًّا ولا قبلي
ويا عجبًا من حبّ من هو قاتلي كأني أجزيه المودّة من قتلي
وعمرو من فرسان العرب المشهورين في الجاهلية والإسلام أسلم على عهد رسول الله ﷺ. ثم ارتدّ بعد وفاته فيمن ارتدّ باليمن ثم أسلم وهاجر إلى العراق فشهد القادسية فحسن فيها أثره، وأوفده سعد ابن أبي وقّاص على عمر بالفتح. وأما قيس بن مكشوح فإن اسم المكشوح هبيرة بن عبد يغوث المرادي سمّي المكشوح لكيّ بطنه والكشح الكيّ، وإنما فعل ذلك مكرًا بعمرو بن أمامة أخى عمرو بن هند في حديث طويل وقيل إنما سمي المكشوح لأنه ضرب على كشحه، ويكنى قيس أبا شداد وهو ابن أخت عمرو، وكان يناقضه في الجاهلية، وكانا في الإسلام متباغضين. وهو القائل لخاله عمرو بن معدي كرب:
فلولا قيتني لاقيت قرنا وودّعت الحبائب بالسلام
لعلّك موعدي بيني زبيد وما قامعت من تلك اللئام
ومثلك قد قرنت له يديه إلى اللحيين يمشي في الخطام
وقيس من الصحابة وله ذكر في الفتوحات وقتل بصفّين مع علي ابن أبي طالب عليه
[ ١ / ٦٤ ]
السلام وهو كان حامل لواء بجيلة هناك لأنه بجلى حليف لمراد. وقد نسبه الطبري في مراد.
وهذا الشعر الذي أنشده أبو علي للعباس بن الوليد هو لعبد الرحمن بن الحكم يعاتب أخاه مروان بن الحكم، ذكر ذلك عليّ بن الحسين وإنما كتب به العباس متمثلًا ولم يغيّر منه إلا الكنية. والعباس ليس بشاعر ولا يحفظ له بيت فما فوقه، وإنما كان رجلًا بئيسًا وهو فارس بني مروان. وعبد الرحمن بن الحكم شاعر مكثر محسن وهو الذي كان يهاجي عبد الرحمن بن حسان.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦، ١٤ " بعد هذا أبياتًا لخارجة بن فليح الملليّ أولها:
ألا طرقتنا والرفاق هجود فباتت بعلاّت النوال تجود
قال المؤلف هو فليح مولى أسلم. وملل التي ينسب إليها على مقربة من المدينة في شقّ الروحاء. شاعر مطبوع من شعراء الدولة العباسية. وقوله فباتت بعلات النوال تجود علات النوال ما تتابع منه.