يريد أن الناس كلهم عدو لكم إذا شبعوا كبكر بن وائل.
قال المؤلف: ولم يرد الشاعر هذا المعنى لأن الناس كلهم لم يكونوا عدوّا لبني تميم ولا أقلهم إنما يريد أن الناس إذا شبعوا هاجت أضغانهم وطلبوا الطوائل والترات في أعدائهم فكانوا لهم كبكر بن وائل لبني تميم كما قال الشاعر. أنشده ثعلب عن ابن الأعرابي:
لو وصل الغيث لأبنينا امرأ كانت له قبّة سحق بجاد
[ ١ / ٢٣ ]
يقول لو اتصل الغيث وأخصبنا لأغرنا على الملك فنأخذ متاعه وقبته إلى أن يحوجه إلى أن يسوّي قبّة من قطعة كساء. قال أبو عمرو وإنما يغيرون في الخصب لا في الجدب قال ومثله:
يا ابن هشام أهلك الناس اللبن فكلهم يسعى بسيف وقرن
يقول لما كثر الخصب سعى بعضهم إلى بعض بالسلاح. ومثله قول الآخر:
قوم إذا نبت الربيع لهم نبتت عداوتهم مع البقل
ومثله:
فقد جعل الوسميّ ينبت بيننا وبين بني رومان نبعا وشوحطا
ومثله:
وفي البقل إن لم يدفع الله شرّه شياطين ينزو بعضهن إلى بعض
[ ١ / ٢٤ ]
وقال آخر:
قوم إذا اخضرّت نعالهم يتناهون تناهق الحمر
يعني يتناهقون من الأشر والبغي. وبعض الناس يتأول أن النعال هنا نعال الأقدام، وإنما النعال الأرضون الصلاب وأحدهما نعل وهو ما غلظ من الأرض، وإذا أخصب النعال فما ظنّك بالدماث، ومنه الحديث: إذا ابتلّت النعال فصلّوا في الرحال، معناه إذا تزلّقت الأرض فصلّوا في البيوت. والرحال ههنا المنازل والبيوت. ومثله:
إذا اخضرّت نعال بني غراب بغوا ووجدتهم أشرى لئاما
وروى عبد الرحمن عن عمه عن يونس أن قوما من الأعراب قدموا على ابن الزبير يطلبون الفرض فقال: ما أصنع بكم؟ والله إن سلاحكم لرثّ، وإن حديثكم لغثّ، وإنكم لأعداء في الخصب، عيال في الجدب. ومن أبيات المعاني في هذا الباب قول الشاعر:
جلبت غذيرة قوشة ابنة مخرم بطرًا أشلّ أبا الحباب عشيرها
والعبد ينزو حين يربو بطنه حتى يمجّ ذراع كفّ ريرها
الغذيرة: ضرب من أطعمة العرب. يقول: طعام هذه المرأة أبطر عشيرها أبا الحباب لما شبع ربا بطنه فبغى فقطعت يده ومجّت ذراعه ريرها وهو المخّ الرقيق يقال له رير ورير
[ ١ / ٢٥ ]
ومن هذا اللحن ما رواه غير واحد أن قومًا من العرب أسروا فتى من طيء فخرج أبوه في بعض الأشهر الحرم يريد آسريه ليكون يفديه، فأتاهم فاستاموا به شططا وابنه حاضر. فقال لهم الطائي: لا والذي جعل الفرقدين يطلعان ويغربان على جبلي طيء " لا أزيدكم على ما أعطيتكم " ثم انصرف إلى قومه فسألوه عن ابنه فقال لهم: قد ألقيت إليه كلمة إن كان لقنها فقد نجا؛ فلما جنّ الليل على الفتى انتهز فرصة من غفلة القوم فاستاق قطعة من إبلهم وخرج يؤمّ السمت الذي لحن له به أبوه حتى أتى قومه. وذكر الليثي أن رجلًا تزوّج امرأة وبعث إليها ثلاثين شاة وزقّ خمر، فذبح الرسول شاة وشرب بعض الزق، فلما أتى المرأة علمت أن الرجل لم يبعث إلاّ ثلاثين شاة وزقاّ مملوءًا خمرًا، فقالت له: قل لصاحبك إن سحيما قد رثم وإن رسولك جاءني في المحاق؛ فلما أتاه بالرسالة قال يا عدوّ الله ذبحت من الشاة شاة وشربت من رأس الزقّ. أرادت أن ليلة تسع وعشرين هي ليلة المحاق. ورثم: كسر فوه. والرثم بياض الشفة العليا هذا أصله ثم استعمل في الهتم. وسحيم كناية عن الزقّ. ومن أغرب ما ورد في هذا الباب أن بكرًا وتغلب لما سئموا الحرب وطال ذلك عليهم اتخذ مهلهل بن ربيعة عبدين فكان يغير بهما على قبائل بكر فسئم العبدان أيضًا
[ ١ / ٢٦ ]
ذلك فأجمعا على قتل سيّدهما. فلما تيقّن مهلهل أنهما قاتلاه قال إن كنتما لابدّ فاعلين فأبلغا الحيّ وصيّتي ثم أنشأ يقول:
من مبلغ الأحياء أن مهلهلًا لله دركمو ودرّ أبيكمو
فقتلاه ثم رجعا إلى الحيّ فقالا إن مهلهلًا مات ودفنّاه بموضع كذا، قالوا فهل وصّى بشيء قالا نعم. قال وأنشدوا البيت فلم يدر القوم ما معنى ذلك حتى أتت ابنته وكانت غائبة عند زوجها في بعض الأحياء فأنشدوها ما قال أبوها فقالت إن أبي يخبركم أن العبدين قتلاه، ثم قالت إنما أراد
من مبلغ الأحياء أن مهلهلًا أمسى صريعًا في الضريح مجدّلا
لله دركمو ودر أبيكمو لا يبرح العبدان حتى يقتلا
وقيل في موت مهلهل غير ذلك وأن عمرو بن مالك عم المرقّش الأكبر عمرو بن سعد بن مالك أسر مهلهلًا فأحسن إساره وسقاه خمرًا. فلما انتشى تغنّى بشعره في كليب فقال عمرو إنه لريّان، والله لا يشرب حتى يرد ربيب وهو جمل كان له يرد بعد عشرة في حمارّة القيظ فطلب ربيب فلم يقدر عليه حتى مات مهلهل عطشًا. وكان هبنّقة أحد بني قيس بن ثعلبة رهط المرقش يقول: لا يكون لي جمل إلا سمّيته ربيبًا لقتله مهلهلًا. وعوف بن مالك أخو عمرو وهو الذي قال في يوم قضة:
في كل يوم موارد برك
[ ١ / ٢٧ ]
فسمّى البرك. وقيل إن البيت الذي أنشدناه لمهلهل هو لمرقّش هذا الأكبر وذلك أنه كان يهوى ابنة عمّه أسماء فلمّا زوّجها أبوها من المرادي سار في طلبها ومعه رجل من غفل مع امرأته فمرض مرقّش فقال لزوجه اتركيه فأبت فعزم عليها فسمع مرقّش الأمر فكتب على مؤخرة الرحل:
يا صاحبي تلبّثًا لا تعجلا إن الرواح رهين أن لا تفعلا
فلعل لبثكما يفرّط سيّئا أو يسبق الإسراع سيبًا مقبلا
يا راكبًا إمّا عرضت فبلّغن أنس بن سعد إن لقيت وحرملا
لله درّكما ودرّ أبيكما إن أفلت الغفليّ حتى يقتلا
يفرّط: يقدم مأخوذ من الفارط وقال الخليل فرط عندما يجذر أي نجا وقلّما يستعمل إلا في الشدائد. وأنشد بيت مرقش. فرجع الغفلي وقال مات مرقّش ورأى حرملة وأنس أخوا مرقش الأبيات فخوّفا الغفلي فصدقهما فقتلاه وأتيا موضع أخيهما فوجداه ميّتًا عند أسماء وكان راعيها وجده فأتاها به وقد أكل الذئب أنفه. وروى أن عليّ ابن أبي طالب خطب الناس فقال: إنكم أكثرتم عليّ في قتل عثمان ألا وإن الله قتله وأنا معه فأرضاهم بظاهر قوله وهو يريد أن الله قتله وسيقتلني معه. وخرج المأمون يومًا وبيده رقعة فرمى بها إلى الوزراء والكتّاب وقال اقرأوا هذه الرقعة فجعلوا يقولون هذه رقعة عاشق إلى معشوق وفيها حرف
[ ١ / ٢٨ ]
لسنا نعلم المراد به وهو " يا موسى " فقال المأمون عن الحرف سألت. فهم على ذلك إذ دخل إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ فأمره المأمون بالنظر في الرقعة ففكّر فقال هذه رقعة إنسان اطّلع على سرّك فحذّر منه فقال وكيف ذلك. فقال لأن الله تعالى يقول: " يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين " قال المأمون: صدقت هذه رقعة فلانة الجارية وقفت على شيء تكلّمت به في أمر علي بن هشام فلحنت له وأنذرته وذلك قبل أن يوقع بعلي بن هشام.
وأنشد أبو علي بعد هذا " ١ - ٩، ٧ " لجميل:
فما صائب من نابل قذفت به
وهو جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث العذري ويعرف بابن قميئة وهي أم جدّه
[ ١ / ٢٩ ]
معمّر شاعر من شعراء الدولة الأموية يكنى أبا عمرو وصلة البيت:
وما صائب من نابل قذفت به يد وممرّ العقدتين وثيق
له من خوافي النسر حمّ نظائر ونصل كنصل الزاعبيّ فتيق
على نبعة زوراء أما خطامها فمتن وأمّا عودها فعتيق
بأوشك قتلًا منك يوم رميتني نوافذ لم يظهر لهنّ خروق
ويروي: لم يعلم لهن طريق. زوراء: يعني القوس لانعطافها. وخطامها: وترها وإذا كان الوتر من المتن كان أشد له وأقوى لإرساله السهم كما أن عود القوس إذا عتق وقدم كان أجود له وأكرم ولذلك قال أوس بن حجر:
فمظّعها حولين ماء لحائها تعالى على ظهر العريش وتنزل
يقول يكنّها بالنهار من الشمس ويخرجها ليلًا لتضر بها الريح.
وأنشد أبو علي بعد هذا " ١ - ٩، ٧ " شاهدًا على الحرد الذي هو القصد للجميح:
أمّا إذا حردت حردي فمجرية ضبطاء تسكن غيلا غير مقروب
قال المؤلف الجميح لقب واسمه منقذ بن الطمّاح الأسدي ويقال إنه لغير رشدة من شعراء بني أسد وفرسانهم جاهلي قتل يوم جبلة قال الأصمعي وأول هذا الشعر:
أمست أمامة صمتًا ما تكلّمنا مجنونة أم أحسّت أهل خرّوب
[ ١ / ٣٠ ]
مرّت براكب ملهوز فقال لها ضرّى الجميح ومسيّه بتعذيب
ولو أصابت لقالت وهي صادقة إن الرياضة لا تنصبك للشيب
أما إذا حردت حردي فمجرية جرداء تمنع غيلًا غير مقروب
وإن يكن حادث يخشى فذو علق تظلّ تزجره من خشية الذيب
أمامة امرأة وأهل خرّوب قومها وهو موضع، ويروي صمتي على فعلي يقول رأت بعض أهلها فأفسدها، وقوله مرّت براكب ملهوز يقول براكب من أعدائي الذين هذا ميسم إبلهم فسامها الإضرار بي. وقوله مجرية يقول لبؤة ذات جراء، ومجر يصحّ مثل مرضع وهكذا رواه الأصمعي:
جرداء تمنع غيلًا غير مقروب
أي لا يقربه أحد والضبطاء من قولهم رجل أضبط إذا كان يعمل بيديه جيمعًا. والقلعة بقيرة وهي من ثياب الصبيان يقول هي عند الحوادث صبيّ يخشى عليها ما يخشى على الصبي لنحرقها وضعفها وقلة غنائها فإذا أمنت كانت اللبؤة الضبطاء في شدّتها وكثرة مضرّتها.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩، ٧ ":
أقبل سيل جاء من أمر الله
قال المؤلف لا تحذف الألف من اسم الله ﷿ إلا في الوقف، وقال أبو حاتم: هذا البيت مصنوع صنعة من لا أحسن الله ذكره يعني قطربًا. وقوله المغلّة يحتمل أن يكون
[ ١ / ٣١ ]
من الغلة التي هي العطش وأن يكون من الغلة التي هي الريع والفائدة ويروى: جاء من عند الله وأنشد أبو علي " ١ - ٩، ٧ " لعباس بن مرداس:
وحارب فلان مولاك حارد نصره
قال المؤلف هو عباس بن مرداس ابن أبي عامر السلمى من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان يكنى أبا الهيثم وأمّه الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشريد وأمّ إخوته الثلاثة وكلّهم شاعر ولم تلد الخنساء إلا شاعرًا ومن ولدها أبو شجرة وقال ابن الكلبي أم ولد مرداس جميعًا خنساء إلى العبّاس فإنها ليست أمّه ولم يذكر من أمّه. وذكر أبوالفرج عن رجاله أن الخنساء أمه وهو مخضرم وهو الذي قال: النبي ﷺ حين أعطى المؤلفة قلوبهم من نفل جنين مائة مائة وأعطى العباس أباعر فسخطها وقال:
[ ١ / ٣٢ ]
أتجعل نهبي ونهب العبيد بينعيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ فلم أعط شيأً ولم أمنع
وما كان حصن ولاحابس يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرىء منهم ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال النبي ﷺ: اقطعوا عني لسانه. فزاده حتى رضى والعبيد اسم فرسه ويعني عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وروى مغيرة عن عامر الشعبي أن النبي ﷺ كان ينشد بيت عباس بين الأقرع وعيينة فقيل له إنما هو بين عيينة والأقرع فأعادهما بين الأقرع وعيينة. وصلة بيت الشاهد الذي أنشده أبو علي على ما رواه الرياشي.
أتشحذ أرماحًا بأيدي عدوّنا وتترك أرماحًا بهن نكايد
عليك بجار القوم عبد بن حبتر فلا ترشدن إلاّ وجارك راشد
إذا طالت النجوى بغير أولي النهى أضاعت وأصنعت خد من هو فارد
فحارب فان مولاك حارد نصره ففي السيف مولى نصره لا يحارد
عبد بن حبتر بطن من خزاعة، ويروي بغير أولي القوى.
وأنشد أبو علي في المحاردة " ١ - ٩، ٨ " أيضًا للكميت:
وحاردت النكد الجلاد " ولم يكن "
[ ١ / ٣٣ ]
قال المؤلف: قد تقدم ذكر الكميت، وصلة البيت:
خضمّون أشراف بهاليل سادة مطاعيم أيسار إذا الناس أجدبوا
إذا ما المراضيع الخماص تأوّهت من القرّ إذ مثلان سعد وعقرب
وحاردت النكد الجلاد ولم يكن لعقبة قدر المستعيرين معقب
قوله إذ مثلان سعد وعقرب يقول صارت السعود مثل النحوس في شدة الزمان. والعقبة ما يردّه مستعير القدر في أسفله من المرق فهم لسوء الحال لا يعقبون ما استعاروا من القدور. وقال أبو عبيد النكد الغزيرات الألبان من الإبل وأنشد بيت الكميت. وقد ردّ عليه وقيل إنه صحّف والمكد بالميم هي الغزيرات الألبان الدائمة الحلاب، فأما النكد بالنون فهي التي لا ألبان لها قال الكميت أيضًا:
ووحوح في حضن الفتاة ضجيعها ولم يك في النكد المقاليت مشخب
وقيل هي التي لا يعيش لها ولد. وواحدة المكد مكود. والمشخب صوت اللبن عند الحلب. والوحوحة صوت نفس المقرور.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩، ٨ " للأشهب بن رميلة:
أسود شرى لاقت أسود خفيّة
[ ١ / ٣٤ ]
قال المؤلف هو الأشهب بن ثور ابن أبي حارثة من بني نهشل بن دارم ورميلة أمّه أمة بها يعرف وهو شارع مخضرم، وصلة البيت:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا أم خالد
هم ساعد الدهر الذي يتّقي به وما خير كفّ لا تنوء بساعد
أسود شرى لاقت أسود خفيّة تساقوا على حرد دماء الأساود
وقوله: إن الذي حانت بفلج، يريد الذين فأتى بواحد يدلّ على الجنس كما قال الله ﷿: " والذي جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتقون " وقال ابن كيسان: هذه لغة لربيعة يحذفون النون فيكون الجمع كالواحد حد لّما كان الأعراب فيما قبلها وأنشد:
يا ربّ عبس لا تبارك في أحد في قائم منهم ولا فيمن قعد
غير الذي قاموا بأطراف المسد
وقال أبو محمد ابن قتيبة في قولهم الذي لغة أخرى. اللّذ بلا ياء فمن ثنّى على هذه اللغة قال اللّذا في الرفع واللّذى في النصب والخفض واللذى في الجمع كما كان واحده، وهو اسم لا يدخله الأعراب حذفت النون من تثنيته وجمعه. قال الأخطل في تثنيته على هذه اللغة
أبني كليب إن عمّيّ اللّذا قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
وقال الأشهب في جمعه على هذه اللغة: إن الذي حانت والشرى وخفيّة مأسدتان معروفتان. وقد نسب قوم هذا الشعر إلى الفرزدق وسببه أن ستّين من بني دارم لقوا عدادهم
[ ١ / ٣٥ ]
من بني فراس بن غنم فاقتتلوا حتى ذهب من كل فريق ثلاثون. فقال شاعر بني دارم هذا. ومن نادر ما قيل في الحرد أنه الثقب قاله الشيباني في باب الحاء وأنشد لتأبّط شراّ:
أتركت أسعد للرماح دريئة هبلتك أمّك أيّ حرد ترقع
قال الفسويّ في هذا البيت: الحرد الثوب الخلق وروى غيرهما: أي جرد ترقع بالجيم وهو المعروف في الثوب الخلق.
قال أبو علي " ١ - ٩، ٨ " وحدثنا أبو بكر ابن دريد فرفعه إلى موسى بن محمد بن إبراهيم التّيمي عن أبيه عن جدّه قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم جالسًا وذكر الحديث.
قال المؤلف وهو حديث مسند وإبراهيم هو ابن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة والحارث من جلّة الصحابة من المهاجرين الأولين. وقد فسّر أبو علي ما في الحديث من الغريب إلاّ قوله في البرق أم يشقّ شقاّ. قال اللغويون
[ ١ / ٣٦ ]
شقّة أن يستطير فيها البرق من طرفها إلى طرفها فهو الذي لا يشكّ في مطره وجوده وإذا كان البرق في أسافلها لم يكد يصدق. وأما المسلسل في أعاليها فلا يكاد يخلف. وقال رجل من العرب لابنه وقد كبر وكان في داخل بيته تحت السماء: كيف تراها يا بنيّ؟ قال أراها قد تبهّرت وأرى برقها أسافلها، قال أخلفت يا بنيّ. يعني تبهّرت أضاءت.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠، ٨ "
فدارت رحانا بفرسانهم
قال المؤلف البيت لربيعة بن مقروم بن قيس الضبيّ شاعر جاهلي إسلامي قال:
وساقت لنا مذحج بالكلاب مواليها كلّها والصميما
فدارت رحانا بفرسانهم فعادوا كأن لم يكونوا رميما
بطعن يجيش له عاند وضرب يفلّق هاما جثوما
يعين كلاب بني تميم ثم جمّعت اليمن فهزمتهم بني تميم وأسرت عبد يغوث. وأراد فعادوا رميمًا كأن لم يكونوا. والعاند ما عند من الدم أي خرج على غير قصد لكثرته. والجثوم في الطير كالبروك في الإبل والربوض في الغنم.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠، ٩ " شاهدًا على الوميض قول امرئ القيس:
[ ١ / ٣٧ ]
أعنّى على برق أراه وميض يضيء حبيّا في شماريخ بيض
قال المؤلف قيل أن امرأ القيس لقب. والقيس الشدّة بلغة اليمن قال الشاعر:
وأنت على الأعداء قيس وشدّة وللطارق العافي ربيع وجدول
ويروي:
وأنت على الأعداء قيس ونجدة وللطارق العافي هشام ونوفل
قيس ونجدة على هذه الرواية رجلان مذمومان. وهشام ونوفل رجلان محمودان. وأنّ اسمه حندج بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر الأكبر ويكنى أبا الحرث. وأم امرئ القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحرث أخت مهلهل وكليب ومن قبل خاله أتاه الشعر. وكذلك زهير خاله بشامة بن الغدير وهو القائل:
[ ١ / ٣٨ ]
لا يعدم السائلون الخير أفعله إمّا نوالا وإمّا حسن مردود
ومن قبله أتاه الشعر. وكذلك الأعشى خاله أبو الفضّة المسيّب بن علس ومن قبله أتاه الشعر. وكذلك الفرزدق خاله العلاء بن قرظة وهو القائل:
إذا ما الدهر جرّ على أناس حوادثه أناخ بآخرينا
ومن قبله أتاه الشعر. وخفاف بن ندبة السلمى أتاه الشعر من قبل خاله تأبّط شرا وهو القائل يرثيه:
إنّ بالشعب الّذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطلّ
وشعره كثير. ودريد بن الصمّة أتاه الشعر من قبل خاله عمرو بن معدي كرب. أمّ دريد ريحانة بنت معدي كرب التي يقول لها عمرو:
[ ١ / ٣٩ ]
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرّقني وأصحابي هجوع
وقيل إن امرئ القيس تملك بنت عمرو بن معدي كرب وهي التي عنى بقوله:
ألا هل أتاها والحوادث جمّة بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
والبيت أو القصيدة وبعده:
ويهدأ تارات سناه وتارة ينوء كتعتاب الكسير المهيض
الحبيّ: السحاب المتداني بعضه إلى بعض. والشماريخ: ما ارتفع من أعاليه ويروى في شماريخ بيض على الإضافة هذا قول الطوسي. وقال محمد بن حبيب: الحبيّ ما حبا من السحاب أي شخص وارتفع كحبوّ الرمل وهو إشرافه. والشماريخ رءوس الجبال. وينوء ينهض في ثقل. وكتعتاب هو من العتبان وهو أن يمشي على ثلاث قوائم يقال منه عتب يعتب. والمهيض: الذي قد جبر ثم أصابه بعد ذلك كسر أو عنت ولم يذكر أبو علي في البرق ومض وهي لغة جيدة فصيحة. قال الراجز:
يا أسم أسقاك البريق الوامض
[ ١ / ٤٠ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠، ٩ ":
بيادر الآثار أن تؤوبا
قال المؤلف وأول الرجز:
لا تسقه محضًا ولا حليبًا إن لم تجده سابحًا يعبوبا
ذا ميعة يلتهم الجبوبا يبادر الآثار أن تؤوبا
وحاجب الجونة أن تغيبا بمجمرات قعّبت تقعيبا
كالذئب يتلو طعمًا قريبا
اليعبوب: الكثير الجري. والمعية الحدّة والنشاط وصنف من الطيب يسمى ميعة
[ ١ / ٤١ ]
لحدّة رائحته. والجبوب الأرض وقيل ظاهر الأرض، يقول هذا الفرس من شدة جريه كأنه يبلع الأرض بلعًا كما قالوا جيش لهام كأنه يلتهم ما مرّ به. ويبادر الآثار أي آثار القوم الذين يطلبهم قبل أن يرجعوا إلى قومهم ومأمنهم. أن تؤوبا: أي أن ترجع إلى ما كانت عليه من الطموس إذ لا تستبين إلا على قرب عهد من الناس. ويروي يؤبا وتؤوبا بالتاء وبالياء ضبطها أبو علي في كتابه من نوادر ابن الأعرابي وصحح عليهما ورواه أبو العباس ثعلب عن الفرّاء يبادر الآثار جمع ثأر. وقال أبو العباس في الكتاب الكامل المتأوّب الذي يأتيك لطلب ثأره عندك فهذا التفسير على تلك الرواية وقد يكون تؤوب على هذه الرواية بمعنى تذهب لأن الرجوع ذهاب، يريد يبادر ثأره أن يذهب ويبطل. ورواه أبو بكر ابن دريد:
يبادر الأشباح أن تغيبا والجونة البيضاء أن تؤوبا
على أن ذلك كان ليلًا وقال الأصمعي: إنما سميت الشمس جونة لأنها تسودّ حين تغيب.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١، ٩ ":
وسفر كان قليل الأوان وقال الأون الفتور
قال المؤلف يقال آن أونا رفق في سيره وأمره وآن في عيشه أونا ترفّه. وآن الشيء يئين أينا حان وأصله من الواو ولكنه من باب فعل يفعل مثل ولي يلي وجاء المصدر بالواو ليطّرد على فعله.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١، ٩ " للفرزدق:
[ ١ / ٤٢ ]
وجون عليه الجصّ فيه مريضة تطلّع منه النفس والموت حاضره
قال المؤلف وبعد البيت:
فما زلت حتى أصعدتني حبالها إليها وليلي قد تقارب آخره
فلم أر منزولًا به بعد هجعة ألذّ قرى لولا الذي قد نحا ذره
أحاذر بوّابين قد وكلا بها وأسمر من ساج تئطّ مسامره
وقوله مريضة: امرأة منعّمة قد فتّرها النعيم وكسّلها وثقّل جسمها. فكأنها لذلك مريضة كما قال الشمردل بن شريك:
يشبّهون سيوفًا في مضائهم وطول أنضية الأعناق والأمم
إذا غدا المسك يجري في مفارقهم راحوا تخالهم مرضى من الكرم
يعني من ترفّههم وشدة حيائهم. وقالت ليلى الأخيلية:
ومخرّق عنه القميص تخاله وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته وسط الخميس على الخميس زعيما
وهم يسمّون أيضًا فتور الطرف مرضًا وقال جرير:
إن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لا يحيين قتلانا
وقوله تطلّع منه النفس: أي من أجله تخرج النفس، ويروي منها أي من أجل المرأة. والموت حاضره أي حاضر القصر، يعني أنه محروس لا يوصل إليه فمن أراد ذلك حضره
[ ١ / ٤٣ ]
الموت. ويقال نفس فلان متطلّعة أي خائفة وجلة. والفرزدق لقب واسمه همّام بن غالب بن صعصعة من بني مجاشع بن دارم يكنى أبا فراس شاعر إسلامي لقي علي ابن أبي طالب ﵁، وتوفي سنة عشرة ومائة وقيل أربع عشرة وقيل سنة اثنتي عشرة. ولّقب الفرزدق لغلظه وقصره شبّه بالفتيتة التي يشدّ بها النساء، والفرزدق رغيف ضخم يتخذ منه ذلك. وقيل إنما لّقب به لأنه كان غليظ الوجه جهمه. وقيل إنما سمّي الفرزدق بدهقان الحيرة لأنه كان يشبه في تيهه وأبّهته وكان الدهقان يسمى الفرزدق. ولقيه رجل فتجاهل عليه وقال له من تكون؟ قال أما تعرفني! قال لا. قال أنا الفرزدق ما أعرف الفرزدق إلا شيئًا تأكله النساء لتسمن به. قال الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم.
أنشد أبو علي " ١ - ١١، ٩ " للأخطل:
ربيع حيًا ما يستقلّ بحمله سؤوم ولا مستنكش البحر ناضبه
قال المؤلف الأخطل لقب واسمه غياث بن غوث من بني تغلب يكنى أبا مالك شاعر إسلاميّ، والبيت من شعره يمدح به الوليد بن عبد الملك وقبله:
إلى ملك لو خايل النيل أزحفت من النيل فوّاراته ومشاعبه
فإن أتعرّض للوليد فإنّه نماه إلى خير العروق مضاربه
نساء بني كعب وعبس ولدنه أجدن فنعم الحالبات حوالبه
[ ١ / ٤٤ ]
ربيع حيًا ما يستقلّ بحمله سؤوم ولا مستنكش البحر ناضبه
يعني كعب بن لؤيّ بن غالب. وقوله وعبس أم الوليد وأخيه سليمان ولاّدة بنت العبّاس بن جزء العبسي. وقوله لا يستقلّ بحمله سؤوم يعني الممدوح نفسه أي ليس بسؤوم ولا معي فيما تحمّله وقام به وكان أبو علي الفارسي يسمى هذا النحو من المعنى التجريد لأنه جرّد الممدوح من هذه الصفة ومثله قول الأعشى:
يا خير من يركب المطيّ ولا يشرب كأسًا بكفّ من بخلا
وقوله طرفة:
جازت القوم إلى أرحلنا آخر الليل بيعفور خدر
يعني بيعفور خدر من نفسها. وقول الآخر وهو الأخطل أيضًا:
بنزوة لصّ بعد ما مرّ مصعب بأشعث لا يفلى ولا هو مقمل
وهو نفسه هو الأشعث. وقال النابغة:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم طفحت عليك بناتق مذكار
وإذا استنكش البحر فقد انقطع وذهب ماؤه، يقال ماء لا ينكش أي لا ينزف. ويروى ولا مستنكش البحر بكسر الكاف ويقال استنكش الماء إذا قلّ ونضب. ويروى ولا مستبكأ البحر من البكء وهو القليل.
[ ١ / ٤٥ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١١، ٩ ":
إنا ملوك حيًا للتابعين لنا مثل الربيع إذا ما نبته نضرا
ع البيت لابن جذل الطعان من بني فراس بن غنم.