وذكر أبو عليّ " ١ - ١٤٧، ١٤٧ " قدوم الوفد على هشام بن عبد الملك، وفيهم إسماعيل ابن أبي الجهم. وذكر كلامه وكلام هشام إلى قوله:
هكذا فليكن القرشي
رواه أحمد بن عبيد. قال أخبرني هشام بن الكلبي عن أبي محمد ابن سفيان القرشيّ عن أبيه قال: كنّا عند هشام بن عبد الملك وقد قدم عليه وفد أهل الحجاز، وكان شباب الكتّاب إذا قدم الوفود حضروا لاستماع بلاغة خطبائهم، فحضرت كلامهم رجلًا رجلًا حتى قام محمد ابن أبي الجهم ابن حذيفة العدويّ، وكان أكبر القوم سنًّا فقال: أصلح الله أمير المؤمنين إن خطباء قريش قد قالت فيك وأطنبت. وذكر الحديث إلى آخر ما ذكره أبو علي وزاد قال ثم قال هشام: إنا والله لنحبّ الحقّ إذا نزل كما نكره الإسراف والبخل، وما نعطي تبذيرًا ولا نمنع تقتيرًا وما نحن إلاّ خزّان الله في بلاده وأمناؤه على عباده، فإذا أذن أعطينا وإذا منع أبينا، ولو كان كلّ قائل يصدق وكل سائل يستحق ما جبهنا طالبًا ولا رددنا سائلًا، فاسأل الذي في يده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا فإنه يفتح الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بعباده خبير بصير. هكذا قال أحمد " محمد بن أبي الجهم " وقال أبو علي إسماعيل ابن أبي الجهم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٨، ١٤٧ " لابن أحمر:
كالكواكب الأزهر انشقّت دجنّته
ع وصلته:
يهدي الجيوش ويهدي الله شيمته في طرمس البيد سامي الطرف معتدل
كالكواكب الأزهر انشقّت دجنّته في الناس لا رهق فيه ولا بخل
هاد ضياء منير فاصل فلج قضاؤه سنّة وقوله مثل
[ ١ / ٣٩٧ ]
يمدح بهذا الشعر النعمان بن بشير الأنصاريّ. والطرمساء والطلمساء: الليلة المظلمة. ومعتدل: قاصد عن الجور. فلج: يفلج بحجّته. وفاصل: يفصل الحقّ من الباطل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٨، ١٤٨ " لابن هرمة:
خير الرجال المرهّقون كما خير تلاع البلاد أكلؤها
ع وهو إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن هرمة من خلج قريش. والخلج هو قيس بن الحارث بن فهر سمّوا بذلك لأنهم كانوا في عدوان ثم في هوزان، فلما استخلف عمر أتوه ليفرض لهم فأنكر نسبهم. فلما استخلف عثمان أتوه فأثبتهم في بني الحارث بن فهر فسمّوا بذلك الخلج لأنّهم اختلجوا ممّن كانوا معه، وقيل سمّوا بذلك لأنّهم نزلوا بالمدينة على خلج جمع خليج. وابن هرمة من متقدّمي الشعراء وممن أدرك الدولتين الأمويّة والهاشميّة يكنى أبا إسحاق وصلة بيت ابن هرمة:
مرتع ذودي من البلاد إذا ما شاع جدب البلاد أكلؤها
يكنّ ضيفي إذا تأوّبني أوسع أبياتنا وأدفؤها
خير الرجال المرهّقون كما خير تلاع البلاد أوطؤها
وهكذا صحّة إنشاد الشاهد.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤٨، ١٤٨ " لأبي صخر الهذليّ:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها وأخرى بذات البيت آياتها سطر
ع وهو عبد الله بن أسلم السهميّ أحد بني سهم بن مرّة بن معاوية بن هذيل شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأموية وفي الشعر:
وقفت بربعيها فعيّ جوابها فكدت وعيني دمعها سرب همر
هكذا قرأ أبو علي وثبتت الرواية عنه، وصوابه فقلت، ولروايته وجه تخرّج عليه وهو حذف الجواب كأنه قال: فكدت أهلك أو أقضى كما حذف الجواب في قوله تعالى: " ولو أن قرآنًا سيّرت به الجبال " ويحتمل أن يكون قوله: فكدت من قولك هو يكيد بنفسه بمعنى يجود بنفسه ولا يكون في الكلام حذف. ورواية الناس ما أنبأتك به. وفيها:
خليليّ هل يستخبر الرمث والغضا وطلح الكدا من بطن مرّان والسّدر
هكذا قرأ أبو عليّ يستخبر بفتح الياء لم تختلف الرواية عنه في ذلك، وإنما يصحّ المعنى بأن يكون هل يستخبر بضم الياء لأن الرمث لا يستخبر. وقال أبو علي هكذا أنشدناه أبو بكر ابن الأنباري. وطلح الكدا: بفتح الكاف أظنّه أراد كداء فقصّر للضرورة.
ع وهو لا يجوز لأن كداء معرفة لا تدخلها الألف واللام وكداء هي عرفة بعينها وكديّ: جبل قريب من كداء. قال الشاعر:
[ ١ / ٣٩٩ ]
أقفرت بعد عبد شمس كداء فكديّ فالركن فالبطحاء
وفيها:
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها بتاتًا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلاّ أن أراها فجاءة فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر
ذكر الحاتميّ أن كثيراّ اهتدم هذين البيتين فقال:
وإنّي لآتيها وفي النفس هجرها بتاتًا لأخرى الدهر أو لتثيب
فما هو إلاّ أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب
ولا أعلم هذين البيتين في شعر كثيّر وقد نسبا إلى مجنون بني عامر في شعر أوّله:
حلفت لها بالمشعرين وزمزم وذو العرش فوق المقسمين رقيب
لئن كان برد الماء حرّان صاديًا إليّ حبيبًا إنّها لحبيب
قوله أو لتثيب: بعض العرب يقسم على الحال ويحذف النون وقد حمل بعضهم قراءة من قرأ لأقسم بيوم القيامة على ذلك. وفيها:
مخافة أنّي قد علمت لئن بدا
ويروى مخافة بالنصب لإضافته إلى غير متمكن كما قرأوا من عذاب يومئذ وفيها:
وإنّي لتعروني لذكراك فترة كما انتفض العصفور بلله القطر
تعروني ههنا من العرواء يقال رجل معروّ إذا أصابته العرواء، وأراد أن يقول:
وإنّي لتعروني لذكرك عرواء
فلم يستقم له فقال:
وإنّي لتعروني لذكرك فترة
[ ١ / ٤٠٠ ]
فجاء بالضد كما قال الشاعر، وقد نقله أبو علي عنه في هذا الكتاب " ١ - ١٨٦، ١٨٣ ":
كأنّي طريف العين يوم تطالعت بنا الرمل سلاّف القلاص الضوامر
حذارًا على القلب الذي لا يضيره أحاذر وشك البين أم لم يحاذر
قال أبو علي في كتاب البارع أراد بقوله لا يضيره: لا ينفعه. فلما لم يستقم له الشعر جاء بالضدّ لمّا دلّ عليه المعنى ثقة بفهم المخاطب وكذلك بيت أبي صخر قد دلّ عليه اللفظ وهو قوله وإنّي لتعروني وفهم المعنى بتشبيه وهو قوله كما انتفض العصفور. وحقيقة الفترة في اللغة الضعفة تصيب المفاصل من مرض أو كبر، وقد بيّن عروة بن حزام معنى هذه الفترة التي يجدها العاشق فقال:
عشيّة لا عفراء منك بعيدة فتسلو ولا عفراء منك قريب
وإنّي لتغشاني لذكراك فترة لها بين جلدي والعظام دبيب
يريد أبو صخر أنه يعروه انتفاض عند ذكرها كما ينتفض المرء من الشيء يهابه والأمر يحذره وكما قال العجير السلوليّ وقد تقدّم إنشاده " ٣٩ ":
لدي ملك يستنفض القوم طرفه له فوق أعواد السرير زئير
يريد أنه إذا نظر إلى أحدهم أرعد هيبة وأهرع إعظامًا له وهذا من قول أبي صخر كما قال نصيب:
إهابك إجلالًا وما بك قدرة عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وقال الآخر:
وإنّي لأستحييك حتّى كأنّما عليّ بظهر الغيب منك رقيب
[ ١ / ٤٠١ ]
وقال قوم إن معنى بيت أبي صخر:
وإنّي لتعروني لذكراك فترة بعد حركة
ورعدة كفترة العصفور أثر انتفاضة وحركته فأوقع تشبيه الفترة في اللفظ على الانتفاض من البلل اختصارًا وثقة بفهم المخاطب، ونظيره في الاختصار لعلم المخاطب قوله عزّ من قائل " ومن الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع " فأوقع تشبيه الكّفار على الناعق بالغنم وإنما شبّههم في الحقيقة بالمنعوق به الذي لا يعقل ولا يعرف معنى النعيق وجعل المؤمنين في دعائهم الكفّار إلى الإيمان وهم لا يسمعون ولا يعقلون كالناعق بالغنم، والمعنى مثلكم أيّها المؤمنون ومثل الكفّار كمثل الناعق والمنعوق به هذا مذهب البصريين في الآية. وخصّ العصفور في البيت لضعفه وصغر جرمه وقصر ريشه فهو إذا أصابه القطر وانتفض انتفش ريشه فدخل الماء خلاله لرقّته فالماء لا يزال يتوصّل وهو لا يزال ينتفض. وهذا من المعاني التي سبق إليها أبو صخر، ويستحسن في هذا المعنى قول محمد بن هانئ:
ولي سكن تأتي الحوادث دونه فيبعد عن عيني ويقرب من فكري
إذا ذكرته النفس جاشت لذكره كما عثر الساقي بجام من الخمر
وقوله:
على رمث في البحر ليس لنا وفر
الرمث: أعواد يضمّ بعضهن إلى بعض كالطوف يركب عليها البحر. والطوف: قرب تنفخ ويشدّ بعضها إلى بعض يحمل عليها. وقوله:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
ع قال أصحاب المعاني يريد أنّ الدهر قصر بقربها ووصلها فكأنه كان ساعيًا جاريًا وكأن اختلاف الملوين بينهما سدّ فلمّا فقد ذلك سكن أي طال. والسعي إنما يكون مصدر سعي بالقدم فأما إذا سعى بالبغي فمصدره السعاية ومن هذا البيت أخذ
[ ١ / ٤٠٢ ]
أبو الطيّب قوله:
ذكرت به وصلًا كأن لم أفز به وعيشًا كأنّي كنت أقطعه وثبا
فأتى بالوثب بإزاء السعي، وذكر وصلًا كأن لم يفز به لقصر أمره وسرعة فناء مدّته وقال آخر:
ظللنا عند دار أبي نعيم بيوم مثل سالفة الذباب
وقال شبرمة بن الطفيل:
ويوم شديد الحرّ قصّر طوله دم الزقّ عنّا واصطفاق المزاهر
ويروى كظلّ الرمح. وقول أبي صخر:
هجرتك حتى قلت ما يعرف القلى وزرتك حتى قلت ليس له صبر
أراد ما يعرف القلى المتعاهد أي الذي يستبقي به سبب للتواصل فحذف الصفة كما تقول لبائع اشتطّ في سومه أنت ما تعرف البيع، وقد قيل إنّ ما ههنا بمعنى الذي وهذا ليس بشيء لا في المعنى ولا في صناعة الكلام لأن مقابلة النفي بالنفي أولى. وقوله:
تباريح حبّ خامر القلب أو سحر
من مذهبهم أنهم إذا أرادوا المبالغة في ذكر الحبّ والهوى جعلوه سحرًا. قال رجل من بني ربيعة:
هل الوجد إلاّ أن قلبي لو دنا من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا وإن كنت مسحورًا فلا برأ السحر
وقال أبو عطاء:
فوالله ما أدري وإنّي لصادق أداء عراني من حبابك أم سحر
[ ١ / ٤٠٣ ]
فإن كان سحر فاعذريني على الهوى وإن كان داء غيره فلك العذر
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٠، ١٥٠ " لأعرابيّ شعرًا فيه:
ولئن غضبت لأشربنّ بواحدي
ع وبعده في غير روايته:
ولئن عصيت لأشربن بك إنني ماض على قسمي بعهدي موف
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥١، ١٥٠ " لذي الرمّة:
كأنّ أعجازها والريط يعصبها بين البرين وأعناق العواهيج
ع وقبلها:
يا حادي بنت فضّاض أما لكما حتى نكلّمها همّ بتعريج
خود كأنّ اهتزاز الريح مشيتها لفّاء ممكورة من غير تهبيج
كأن أعجازها
الممكورة التي إذا لمستها لم تكد تجد عظمًا، ويقال المكر في الساق خاصّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥١، ١٥١ " في خبر سنمّار:
جزاء سنمار بما كان يعمل
ع وتمامه:
جزاني جزاه الله شرّ جزائه جزاء سنمّار بما كان يعمل
[ ١ / ٤٠٤ ]
والملك الذي فعل به ذلك هو النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس، وقيل إنه صاحب الخورنق وإنه لما علا على الخورنق ورأى بنيانًا لم ير مثله، وخاف إن هو استبقاه أن يعمل لغيره مثله رمى به من أعلى القصر. فقال في ذلك الكلبيّ في شئ كان بينه وبين بعض الملوك:
جزاني جزاه الله شرّ جزائه جزاء سنّمار وما كان ذا ذنب
سوى رصّه البنيان سبعين حجّة يعلّى عليه بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تمّ سحوقه وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
وظنّ سنمّار به كلّ حبوة وفاز لديه بالمودّة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهق فذاك لعمر الله من أعظم الخطب
قال كراع السكب: النحاس وقال ابن الأعرابي وقد أنشد قول أبي الطمحان:
وإنّي لأرجو ملحها في بطونكم وما بسطت من جلد أشعث أغبر
جزاء سنمّار جزوها وربّها وبالله والنعمى جزاء المكّفر
قال سنمّار عبد روميّ وهو الذي بنى الحصن لأحيحة بن الجلاح: وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٢، ١٥١ ":
طوال الأيادي والحوادي كأنّها سماحيج قبّ طار عنها نسالها
[ ١ / ٤٠٥ ]
ع هذا الشاعر يصف خيلًا شبّهها في طولها وارتفاعها بإبل سماحيج: أي طوال طار عنها نسالها لسمنها. وهذا البيت حجّة في جمع اليد العضو على أياد، وأياد جمع أيد فهو جمع الجمع، وكذلك قول القحيف العقيليّ:
ومن أعجب الدنيا إليّ زجاجة تظلّ أيادي المنتشين بها فتلا
قال أبو علي والحوادي: الأرجل التي تتلو الأيدي وتحدوها. وروى غيره طوال الأيادي والهوادي بالهاء: أي المقادم وهو الصحيح لأن الأيدي إذا طالت طالت الأرجل لا محالة إذ لا يجوز أن تختلف إلاّ ما يذكر من خلق الزرافة أن رجليها أقصر من يديها، وخلق الأرانب على خلاف ذلك أرجلها أطول من أيديها، وأما الهوادي فقد تكون قصارًا مع طول القوائم. ولا أعلم أحدًا روى هذا البيت إلاّ طوال الأيادي والهوادي لا الحوادي ولولا أن أبا علي فسّره لقيل إنه وهم من الناقل، والهوادي هي التي توصف بالطول.
قال طفيل:
طوال الهوادي والمتون صليبة مغاوير فيها للأريب معقّب
[ ١ / ٤٠٦ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١٥٢، ١٥٢ ":
لو كنت من زوفن أو بنيها
ع هكذا رواه أبو علي زوفن بالزاي وذكره ابن دريد في الاشتقاق " ص ١٩٢ " دوفن بالدال وهو مشتقّ من الدفن. ودوفن من ضبيعة بن ربيعة بن نزار وهم رهط المتلمّس الشاعر ورهط الحارث بن عبد الله بن دوفن الأضجم سيّد بني ضبيعة في الجاهلية، وكذلك ذكره ابن ولاّد وغيرهما وهو الصحيح. وزوفن وهم من ناقلة لا يعرف في العرب زوفن بالزاي.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٢، ١٥٢ " للنابغة:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم
ع وقبله:
جمع يظلّ به الفضاء معضّلا يدع الإكام كأنهنّ صحارى
لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم طفحت عليك بناتق مذكار
يخاطب بهذا الشعر زرعة بن عمرو بن خويلد أخا يزيد بن عمرو بن الصعق. وقوله: طفحت عليك: أي اتّسعت ونثرت ولدًا كثيرًا.
قال أبو عليّ " ١ - ١٥٢، ١٥٢ " كان لرجل من مقاول حمير ابنان إلى آخر ما أورده من خبره.
ع المقاول والأقوال هم الذين دون الملك الأعظم، فمن جمع قيلا على أقيال جعله من تقيّل أباه أي أتّبعه كما قال تبّع من الأتّباع، ومن جمعه على أقوال أخذه من قال يقول، لأنه صاحب القول المسموع المعمول.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٥٥، ١٥٤ " في تفسير هذا الخبر لذي الرمّة:
لها بشر مثل الحرير
ع وصلته:
تميميّة حلاّلة كلّ شتوة بحيث التقى الصمّان والعقد العفر
[ ١ / ٤٠٧ ]
تطيب بها الأرواح حتّى كأنّما يخوض الدجى من برد أنفاسها العطر
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
وعينان قال الله كونا فكانتا فعولين بالألباب ما تفعل الخمر
وروى أبو العباس رقيق الحواشي. وقوله: من برد أنفاسها: يعني أنفاس الرياح. والهراء: هو هذر الكلام وسقطه.
ومما لم يفسّره أبو علي من هذا الحديث " ١ - ١٥٤، ١٥٣ " قوله: الضعيف الجنان الجعد البنان ع قال بعض اللغويين: الجنان: النفس. سميّت بذلك لأن الجسم يجنّها، وقال آخرون: الجنان: روع القلب، وروعه ورواعه: ذهنه. ومنه حديث رسول الله ﷺ إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفسًا لا تموت حتى تستكمل أجلها وزقها. فأما جعد البنان: فهو كناية عن البخيل وإشارة إلى انقباض اليد، ويقولون في ضدّه سبط البنان: أي منبسط اليد جواد، ووصف الله تعالى نفسه فقال: " بل يداه مبسوطتان " وقال الشاعر:
سبط البنان إذا احتبى بنجاده غمر الجماجم والسماط قيام
وقال العطوي:
فعدت وما فلّ الحجاب عزيمتي إلى شكر سبط الراحتين أريب
وقد يكون أيضًا جعد البنان كناية عن صغر اليد وكزازتها وقصر الأصابع وذلك مذموم عندهم قال:
فقبّلت رأسًا لم يكن رأس سيّد وكفًّا ككفّ الضبّ أو هي أحقر
ومما لم يفسّره " ١ - ١٥٤، ١٥٣ " الخبوط والخروط. والخبوط من الخيل الذي
[ ١ / ٤٠٨ ]
يخبط بيديه. ويقال خبط بيده ورمح برجله ونفح أيضًا بيده، وزبنت الناقة برجلها، فأما الخروط فهو الذي يجذب رسنه من يد ممسكه وهو الخراط.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٦، " للحسين بن مطير:
فيا عجبًا للناس يستشرفونني
ع قوله يستشرفونني معناه يرفعون أبصارهم إليّ وأنا على شرف من الأرض. والقول الثاني في يستشرفونني قد ذكره أبو عليّ. وقال الحسين بن علي البصري وروى بعضهم يستشرفونني أي ينسبون إليّ الشرف والرواية الأولى أصحّ. وقوله:
كأن لم يروا بعدي محبًّا ولا قبلي
يريد بعد إذ أحببت هذا ولا قبله. كقولك للرجل ينظر إلى سيف متعجبًّا كأن لم تر قبله ولا بعده مثله. تريد قبل أن رأيته وبعده ولم ترد قبل أن يطبع ولا بعد أن يفقد ويعدم. وهو الحسين بن مطير بن مكمل مولى لبني سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. وكان مكمل عبدًا فأعتقه مولاه. وكان الحسين من ساكني زبالة، وكان رواية وكلامه ومذهبه يشبه كلام الأعراب ومذاهبهم. وهو شاعر متقدم من شعراء الدولتين.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٦، ١٥٦ ":
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها خلقت هواك كما خلقت هوى لها
ع اختلف في نسبة هذا الشعر فقيل إنه لعروة بن أذينة، وقيل إنه لبشار، وقد تقدّم ذكرهما " ٣٦، ٧٤ ". وقوله فصاغها بلبانه فأدقّها وأجلّها، وروى غير أبي علي بلباقة، يقال رجل لبق ولبيق: وهو الحاذق بالشيء والمصدر اللباقة واللبق. قال الشاعر:
[ ١ / ٤٠٩ ]
وكان بتصريف القناة لبيقا
وقال ابن الأعرابي: ومعنى قوله فأدقّها وأجلّها: دقّ منها حاجباها وأنفها وخصرها، وجلّ عضداها وساقاها وبوصها. وهذا كما قال آخر:
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
وقوله:
ما كان أكثرها لنا وأقلّها
يريد أن تحيّتها وإن كانت نزرة قليلة فإنّها عندنا كثيرة جليلة، وهذا كما قال العباس بن قطن:
أليس قليلًا نظرة إن نظرتها إليك وكلاّ! ليس منك قليل
وكما قال ابن إسحاق بن إبراهيم:
هل إلى نظرة إليك سبيل يشف منها الجوى ويرو الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي وكثير ممن تحبّ القليل
وقال آخر:
ولكن قليلك ما يقال له قليل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٥٧، ١٥٦ " لابن الدمينة:
ولّما لحقنا بالحمول ودونها خميص الحشا توهي القميص عواتقه
ع قال ابن الأعرابيّ وأبو عمرو والأصمعيّ هذا الشعر لابن الطثريّة غصبه عليه ابن الدمينة وقد تقدّم ذكرهما " ٢٧، ٦٤ " وقوله:
توهي القميص عواتقه
يعني لزومه حمل السيف فيؤثّر نجاده في عاتقه، وهذا كما قالت أخت ابن الطثريّة:
[ ١ / ٤١٠ ]
فتى لا ترى قدّ القميص بخصره ولكنّما توهي القميص كواهله
والعرب تتمدح بذلك وترى أن تمام زيّها وكما لأبّهتها في تقلّد السيوف ولبس العمائم. وقال الأحنف: لا تزال العرب عربًا ما لبست العمائم وتقلّدت السيوف ولم تر الحلم ذلًاّ. وكانوا يقولون: عمائم العرب تيجانها، وحباها حيطانها. وقال امرؤ القيس:
تجافى عن المأثور بيني وبينها وتدني عليّ السابريّ المضلّعا
وقال عنترة:
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي سلاحي لا أفلّ ولا فطارا
والكمع: الضجيج. وقال أبو تمام في مثله:
عاتق معتق من الهون إلاّ من حمالات مغرم أو نجاد
للحمالات والحمائل فيه كلحوب الموارد الأعداد
وروى أبو تمام في شعر ابن الدمينة:
قليل قذى العينين تعلم أنّه هو الموت إن لم تصر عنّا بوائقه
وإن لم تسر عنّا بالصاد والسين. وقوله قليل قذى العينين: يصفه بحدّة البصر وبعد النظر فلا يمكن معه اختلاس ولا انتهاز فرصة. وروى أبو تمام أيضًا: فرافقته مقدار ميل وهو أحسن لقوله بعد:
وليتني على رغمه ما دام حيًّا أرافقه
فيتوازن اللفظ وتأتي فيه الصناعة التي تسمى الترديد.