يرادى: يريد أنخنا الإبل لنسقي الخيل بقايا الماء في المزاد وهي النطاف وتهيأنا للغارة. وقوله: فشارب قليلًا وآب. يقول: هي مجرّبة قد علمت أنه يغار عليها فطرادها بعد الشرب من الزمع والحرص على الغارة. وقيل في قوله: يرادى أنه يريد به يداري فقلب، أي كأنّما يعالج بعلاجه جذع في طوله.
وأنشد أبو عليّ " ٢٤٠، ٢٣٦ ":
ظللنا معًا جارين نحترس الثأي يسائرني من نطفة وأسائره
ع هذا البيت لشاعر من بلهجيم، وقال الجرميّ: هو لأبي سدرة الأعرابي. وصلته:
تحسّب هوّاس وأيقن أنّني بها مفتد من واحد لا أغامره
ظللنا معًا جارين نحترس الثأي يسائرني من نطفة وأسائره
فقلت له فاهًا لفيك! فإنّها قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره
قوله: يسائرني يريد يسأر لي وأسأر له. وقوله: فاها لفيك: كأنّه همّ بقلوصه فقال له الخيبة لفيك! وقوله: قاريك ما أنت حاذره إشارة إلى السهام وسائر السلاح. وهذا البيت من أبيات الكتاب.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٤١، ٢٣٦ " خبر أبي الجهم ابن حذيفة مع معاوية، وقوله: نحن عندك يا أمير المؤمنين كما قال عبد المسيح لابن عبد كلال:
[ ١ / ٥٣٩ ]
نميل على جوانبه كأنّا نميل إذا نميل على أبينا
ع وأسقط أول الحديث الذي حمله على الاستشهاد بالبيتين، وهو أن أبا جهم دخل على معاوية بعد عام الجماعة فسلّم عليه فلم يردّ معاوية، فقبض أبو جهم على ثوبه وقال: سلّم يا معاوية فلعهدي بأمّك قد عرضت عليّ نفسها بعكاظ لأتزوّجها. فقال له معاوية: لو تزوّجتها وجدتها حرّة حصانًا وكنت لها كفأ كريمًا، فحينئذ قال له: نحن عندك يا أمير المؤمنين كما قال عبد المسيح. وروى الحسن بن عبد الرحيم أن أبا جهم قال لمعاوية: لقد جئت أخطب أمّك قبل أبيك وقبل زوجها حفص بن المغيرة، ثم تزوّجها أبوك فأتت بك وبإخوتك. فقال له معاوية: إنها كانت تستكرم الأزواج ويقال الخداج. وزعم المدائني أن هندًا كانت من المتخيّرات على أعينهنّ، روى ذلك عن ابن إسحاق. قال المدائني: وروى ابن عيّاش عن محمد بن المنتشر قال: سمعت شيخًا من قريش زمن ابن الزبير والشيخ يومئذ ابن مائة وثلاثين سنة يقول: ما رأيت معاوية قطّ إلا وذكرت مسافر ابن أبي عمرو، لكان أشبه به من الماء بالماء قال: وكان أبو سفيان دميمًا قصيرًا أخفش العينين قال: وروى زحر بن حصن عن جدّه حميد بن منهب الطائيّ قال: كان الفاكه بن المغيرة من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة، وكانت تحته هند بنت عتبة، فقال معها يومًا من الأيام، ثم عرضت له حاجة فذهب لها، وجاء رجل من الناس فولج ذلك البيت، فلما بصر بامرأة نائمة ولّى هاربًا وبصر الفاكه به وهو خارج من البيت فأتى هندًا فركلها برجله وقال: من هذا الذي كان معك؟ قال: والله ما كان معي نم أحد ولا انتبهت حتى أنبهتني، فقذفها
[ ١ / ٥٤٠ ]
بالفاحشة وقال: الحقي بأهلك. فأتت أباها عتبة فذكرت ذلك له. فقال لها يا بنيّة إن يكن الرجل صادقًا دسست إليه من يغتاله، وإن يكن كاذبًا حاكمته إلى كاهن اليمن. فحلفت له أنه لكاذب. فأتاه عتبة فقال أيها الرجل: إنك قد رميت ابنتي بما لا قرار معه، ولا بدّ من محاكمتك إلى كاهن اليمن. فاتّعدا ليوم من الأيام، فخرج الفاكه في جماعة من مخزوم وخرج عتبة في جماعة من بني أميّة، فلمّا شارفوا الكاهن تغيّر وجه هند. فقال لها أبوها: إني قد أرى ما بوجهك من التغيّر فألاّ كان هذا! قبل أن يشتهر في الناس مسيرنا. فقالت: والله يا أبت ماذاك لشيء تكرهه، ولكني أعلم أنكم تأتون بشرًا يخطئ ويصيب، ولست آمن أن يسمني بميسم سوء. قال فإني سأخبره. فصفر بفرسه فودي فأولج في إحليله حبّة برّ وأوكى عليها بسير. فصبّحوا الكاهن. فنحر لهم وأكرمهم. فقال له عتبة بن ربيعة: إني قد خبأت لك خبيئًا. قال ثمرة في كمرة. قال: أريد أبين من هذا. قال له: حبّة برّ في إحليل مهر: قال صدقت، انظر في أمر هؤلاء النسوة، وقد أجلس هندًا مع صواحب لها، فجعل يمسّ كفّ واحدة واحدة ويشمّ رأسها حتى انتهى إلى هند، فقال لها قومي غير خزيًا ولا زانية لتلدنّ ملكًا يقال له معاوية. فنهضت فتعلق بها الفاكه. فقالت: إليك عنّي فوالله لأحرصنّ أن يكون من غيرك. فتزوّجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية. هكذا في بعض الروايات أن زوج هند الفاكه بن المغيرة، وفي بعضها حفص بن المغيرة. ولمّا طلّقها زوجها قالت لأبيها: يا أبت إنّي امرأة قد ملكت أمري فلا تزوجّني رجلًا حتى تعرضه عليّ. قال لك ذلك. ثم قال لها إنك قد خطبك رجلان من قومك ولست مسميًّا لك واحدًا منهما حتى أصفه لك. أما الأول ففي الشرف الصميم والحسب الكريم تخالين به هوجًا من غفلته وذلك إسجاح من شيمته حسن الصحابة، سريع الإجابة، إن تابعته تبعك وإن
[ ١ / ٥٤١ ]
ملت كان معك، تقضين عليه في ماله، وتكتفين برأيك عن مشورته، وأما الآخر ففي الحسب الحسيب، والرأي الأريب، بدر أرومته، وعزّ عشيرته، يؤدّب أهله ولا يؤدّبونه، إن اتّبعوه أسهل، وإن جانبوه توعّر عليهم، شديد الغيرة، سريع الطيرة، صعب حجاب القبّة، وإن حاجّ فغير منزور، وإن نوزع فغير مقسور. قد بيّنت لك كليهما. قالت: أمّا الأوّل فسيّد مضياع لكريمته، موات لها فيما عسى أن تغتصّ أن تلين بعد إبائها، وتضيع تحت خبائها، إن جاءته بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطإ ما أنجبت. أطو ذكر هذا عنّي لا تسمّه لي. وأما الآخر فبعل الحرّة الكريمة، إنّي لأخلاق هذا لوامقة، وإنّي له لموافقة، وإنّي لآخذ بأدب البعل مع لزوم قبّتي وقلّة تلّفتي، وإن السليل بيني وبينه لحريّ أن يكون المدافع عن حريم عشيرته، الذائد عن كتيبته، المحامي عن حقيقتها، المثيب
لأرومتها، غير مواكل ولا زمّيل عند صعصعة الحروب. قال ذاك أبو سفيان ابن حرب. قالت: زوّجه ولا تلقني إلقاء السلس، ولا تسمه سوم الضرس، ثم استخر الله في السماء يخر لك في القضاء. وأبو جهم اسمه عامر وقيل عمير وقيل عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر، قرشيّ من بني عديّ بن كعب، أسلم يوم فتح مكة، وهو من معمّري قريش، بني في الكعبة مرّتين مرّة في الجاهليّة ومرة حين بناها ابن الزبير، ومات في تلك الفتنة، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان ﵀. وأما عبد المسيح فهو عبد المسيح بن عسلة، وعسلة أمّه بنت عامر الغسّاني وهو عبد المسيح بن حكيم بن عفير أحد بني مرّة بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان شاعر جاهليّ. تها، غير مواكل ولا زمّيل عند صعصعة الحروب. قال ذاك أبو سفيان ابن حرب. قالت: زوّجه ولا تلقني إلقاء السلس، ولا تسمه سوم الضرس، ثم استخر الله في السماء يخر لك في القضاء. وأبو جهم اسمه عامر وقيل عمير وقيل عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر، قرشيّ من بني عديّ بن كعب، أسلم يوم فتح مكة، وهو من معمّري قريش، بني في الكعبة مرّتين مرّة في الجاهليّة ومرة حين بناها ابن الزبير، ومات في تلك الفتنة، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان ﵀. وأما عبد المسيح فهو عبد المسيح بن عسلة، وعسلة أمّه بنت عامر الغسّاني
[ ١ / ٥٤٢ ]
وهو عبد المسيح بن حكيم بن عفير أحد بني مرّة بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان شاعر جاهليّ.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٤١، ٢٣٧ " خبر أسيد بن عنقاء وعميلة الفزاري ع وهما جاهليّان. وعميلة من سادات فزارة، وهو عميلة بن كلدة بن هلال بن حزن بن عمرو بن جابر بن خشين بن لأي بن عصيم بن شمخ بن فزارة بن ذبيان. ومن ولده الربيع بن عميلة وهو من جلة المحدثين، وكذلك ولده الدكين بن الربيع. وقد اختلف في اسم ابن عنقاء فقيل أسيد، وقال السكري اسمه قيس بن بجرة يعرف بأمه عنقاء. وقوله فيه:
غلام رماه الله بالخير يافعًا له سيمياء لا تشقّ على البصر
قال أبو علي ورواه ابن الأنباري: رماه الله بالحسن، قال الرياشي لا يروى بيت ابن عنقاء رماه الله بالحسن إلاّ أعمى البصيرة، لأن الحسن مولود. وروى غير أبي علي في الشعر زيادة وهي:
كريم نمته للمكارم حرّة فجاء ولا بخل لديه ولا حصر
وروى ابن شبّة قال قال العتبي سأل عويف القوافي في حمالة، فمرّ به عبد الرحمن بن محمد بن مروان، فقال له: لا تسأل أحدًا وصر إلىّ أكفك، فأتاه فاحتملها، فقال عويف يمدحه: غلام رماه الله بالخير يافعًا وأنشد الأبيات كلّها إلاّ البيت الأوّل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٢، ٢٣٨ ":
[ ١ / ٥٤٣ ]
إذا غدا المسك يجري في مفارقهم راحوا كأنهم مرضى من الكرم
وأنشد له أمثلة. ع وهذان البيتان للشمردل بن شريك بن عبد الله أحد بني ثعلبة بن يربوع، شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأمويّة. وغرض الشاعر في هذا المعنى صفة الممدوح بالحياء الشديد والحلم، وكأنهما من إماتة نفس هذا الممدوح وإزالتهما عنه الأشر قد غادراه سقيمًا. وقال أبو عبد الله النمريّ وقد أنشد بيت أبي دهبل الجمحيّ:
نزر الكلام من الحياء تخاله ضمنًا وليس بجسمه سقم
قال نزر الكلام من الحياء لئلاّ يظنّ ذلك عيًّا، وقال تخاله ضمنًا: وإنما يريد أنه يؤثر على نفسه بزاده ويطوي فكأنه سقيم لنجابته وهو صحيح كما قال الآخر:
يبيت كأنه أشلاء سوط وفوق جفانه شحم ركام
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٢، ٢٣٨ ":
أحلام عاد لا يخاف جليسهم إذا نطقوا العوراء غرب لسان
ع هذا الشعر لودّاك بن ثميل المازنيّ. وقبل البيتين:
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم بكلّ رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأيّة حرب أو لأيّ مكان
[ ١ / ٥٤٤ ]
أحلام عاد الشعر ومثل قوله: إذا استنجدوا قول الطفيل:
بخيل إذا قيل اركبوا لم يقل لهم عواوير يخشون الردى أين نركب
ولكن يجاب المستغيث وخيلهم عليها كماة بالمنيّة تضرب
وقول أبي الغول: الصواب قريط
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٣، ٢٣٨ " لبكر بن النطّاح يمدح خربان بن عيسى:
لم ينقطع أحد إليك بودّه إلاّ اتّقته نوائب الحدثان
قد مضى ذكر ابن النطّاح. فأما خربان الممدوح وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٣، ٢٣٩ " لأبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
ع وزاد أبو الفرج في آخره:
كأنّ وفود الفيض لمّا تحمّلوا إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
وأبو الأسد هو نباتة بن عبد الله الشيبانيّ، من أهل الدينور من شعراء الدولة الهاشميّة. والفيض الذي ذكره هو الفيض ابن أبي صالح وزير المهديّ، انقطع أبو الأسد إليه بعد عزله عن الوزارة ولزومه منزله أيّام الرشيد.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٤، ٢٣٩ " للعرندس الكلابيّ يمدح بني عمرو الغنوييّن. قال
[ ١ / ٥٤٥ ]
وكان الأصمعي يقول هذا المحال كلابيّ يمدح غنويًّا:
هينون لينون أيسار ذوو كرم سوّاس مكرمة أبناء أيسار
ع ذكر أبو تمّام أن الذي كان يقول هذا المحال هو أبو عبيدة. وروى محمد بن يزيد هذا الشعر لعبيد بن العرندس لا لأبيه يمدح قومًا نزل بهم ولم يذكر ممّن هم. وإنما أنكر أبو عبيدة أن يكون كلابي يمدح غنوياّ، لأن فزارة كانت قد أوقت ببني أبي بكر ابن كلاب وجيرانهم من محارب وقعة عظيمة ثم أدركتهم غنيّ فاستنقذتهم، ففي ذلك يقول طفيل الغنويّ:
وحيّ أبي بكر تداركن بعد ما أذاعت بسرب الحيّ عنقاء مغرب
تداركن: يعني خيلهم. وأذاعت فرّقت. فلمّا قتلت طئ قيس الندامي الغنويّ وقتلت عبس هريم بن سنان الغنوي استغاثت غنيّ ببني أبي بكر وبني محارب، فقعدوا عنهم ولم يحلبوهم فلم يزالوا بعد ذلك متدابرين متغاورين. ولّما أدرك طفيل ثأر قيس الندامي في طئ قال من جملة كلمته:
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر من الغيظ في أكبادنا والتحوّب
التحوّب: التوجّع. وبات فلان بحيبة سوء.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٤، ٢٤٠ " للنمر:
لقد غدوت بصهبي وهي ملهبة إلهابها كضرام النار في الشيح
ع وهذا أوّل الشعر، وقد مرّ أبو عليّ على آخره، وترتيب إنشاده بعد البيت:
جالت لتسنحني يسرًا فقلت لها على يمينك! إني غير مسنوح
ثم استمرّت تريد الريح مصعدة نحو الجنوب فعزّتها على الريح
يا ويل صهبي قبيل الريح مهذبة بين النجاد وبين الجزع ذي الصوح
والشاهد لاستقبال الطريدة الريح قول مضرّس الأسديّ:
وما استنكرت من وحش بقفر رأين الإنس فاستقبلن ريحًا
والإهذاب: أشدّ العدو، وكذلك الإلهاب. والنجاد: ما ارتفع من الأرض في غلظ. والصوح: صفح الجبل، وكذا سنده وعرضه.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٤٦، ٢٤١ " خبر الزياديّ عن المطّلب بن المطّلب ابن أبي وداعة قال رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر على باب بني شيبة فمرّ رجل وهو ينشد:
يا أيّها الرّجل المحوّل رحله هلاّ نزلت بآل عبد الدار
[ ١ / ٥٤٧ ]
ع الزيادي هو محمد بن يزيد بن زياد الكلبي. ولا يعلم للمطّلب ابن أبي وداعة ابن يسمى المطّلب، وإنما يروى عنه كثير ابنه وابن ابنه كثير بن كثير بن المطّلب عن أبيه عن جدّه، وأراد أبو علي كثير بن كثير بن المطّلب ابن أبي وداعة، فقال المطّلب بن المطّلب ابن أبي وداعة، وإنما هو المطّلب ابن أبي وداعة والله أعلم. واسم أبي وداعة الحارث بن ضبيرة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص، وأسر أبو وداعة يوم بدر فقال رسول الله ﷺ: إن له بمكة ابنًا كيّسًا، فافتدى المطّلب أباه بأربعة آلاف درهم. وهو أوّل من افتدى من أسرى بدر، وأسلم هو وابنه يوم الفتح. وروى غير واحد عن كثير بن كثير بن المطّلب عن أبيه عن جدّه المطّلب قال رأيت النبي ﷺ يصلّي حذو الركن الأسود والرجال والنساء يمرّون بين يديه ما بينه وبينهم سترة. وفي الشعر:
الخالطين فقيرهم بغنيّهم حتى يعود فقيرهم كالكافي
هذا هو المدح الصحيح والمذهب المستحسن كما قالت خرنق بنت هفّان من بني قيس بن ثعلبة:
لا يبعدن قومي الذين هم سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك والطيّبون معاقد الأزر
والخالطين نحيتهم بنضارهم وذوي الغنى منهم بذي الفقر
وهذا البيت يروى لحاتم الطائي أيضًا في أبيات أولها:
إن كنت كارهة لعيشتنا هاتا فحلّي في بني بدر
[ ١ / ٥٤٨ ]
الضاربين لدى أعنّتهم والطاعنين وخيلهم تجري
والخالطين نحيتهم بنضارهم وذوي الغنى منهم بذي الفقر
وعيب على زهير قوله:
على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلّين السماحة والبذل
فأثبت فيهم مقلّين. وروى أبو عمر المطرّز قال أخبرني أبو جعفر ابن أنس الكرباسيّ عن رجاله قال: كان رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم في طريق من طرقات مكّة فسمع جارية تنشد:
كانت قريش بيضة فتفلّقت فالمحّ خالصه لعبد الدار
فأقبل على أبي بكر فقال أهكذا قال الشاعر، قال فداك أبي وأمّي! إنما قال:
فالمحّ خالصه لعبد مناف
فقال رسول الله ﷺ نعم: وليس ميل الرجل إلى أهله بعصبيّة. والعرب تقول هو بيضة البلد يمدحونه بذلك، وتقول للآخر: هو بيضة البلد يذمّونه به. فالممدوح يراد به البيضة التي يحتضنها الظليم ويصونها ويوقّيها لأنّ فيها فرخه، والمذموم يراد به البيضة المنبوذه بالعراء المذرة التي لا حائط لها ولا يدري لها أب وهي تريكة الظليم. قال الرّمّانيّ: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة والبصرة فبيضة البلد مدح، وإن نسبت إلى البلاد التي أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذمّ. قال حسّان في المدح:
أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
أي واحد البلد، وكان المنافقون يسمّون المهاجرين الجلابيب، فلما قال حسّان هذا
[ ١ / ٥٤٩ ]
الشعر اعترضه صفوان بن المطّل فضربه بالسيف، فأعلموا النبيّ ﷺ فقال لحسّان: أحسن في الذي أصابك، فقال: هي لك، فأعطاه النبيّ عوضًا بيرحي، وهي قصر بني جديلة اليوم، وسيرين فهي أم عبد الرحمن بن حسّان. وفي بعض النسخ من الأمالي ببيت زائد في الشّعر الفائيّ وهو:
منهم عليّ والنبيّ محمّد القائلان هلمّ للأضياف
وهذا بيت محدث ذكر أبو نصر أن جده صالحًا أبا غالب ألحقه به. واسم أبي نصر هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسيّ، أندلسيّ أصله من الثغر من حصن مجريط، سكن قرطبة إلى أن مات.
وذكر أبو علي " ١ - ٢٤٦، ٢٤٢ " خبر داود بن سلم مع حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية ع وهو داود بن سلم الأسود مولى تيم بن مرّة، حجازي مدنيّ شاعر مجيد رقيق الشعر حسنه، أدرك آخر أيام بني أميّة وأوّل أمر بني هاشم وكان يعرف بداود الأدلم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٧، ٢٤٢ " للنمر بن تولب:
تضّمنت أدواء العشيرة بينها وأنت على أعواد نعش تقلّب
ع يرثي أخاه الحرث بن تولب. وبعده:
[ ١ / ٥٥٠ ]
كأنّ امرأ في الناس كنت ابن أمّه على فلج من بحر دجلة مطنب
يعني بما كان فيه من الخير والسعة. ومطنب بعيد الذهاب شديد الجري لا ينقطع.