ورزئت عزّة فما أنسب.
قال المبرّد في كتاب الروضة: كان بشار عند الرواة غير محقّق في الحبّ، وكذلك كثيّر عزّة. ويروى أن عبد الملك بن مروان قال لكثيّر احلف لتصدقني فيما أسألك عنه. ففعل. فقال: اختر بين أن أزوّجك عزّة أو أعطيك ألف دينار. قال: بل الألف الدينار.
أنشد أبو علي " ١ - ٣٢، ٣١ " لإسحاق بن إبراهيم الموصليّ:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري فذلك أمر ما إليه سبيل
ع هو إسحاق بن إبراهيم بن ميمون بن ماهان من الفرس ولهم بيت في العجم
[ ١ / ١٣٧ ]
وشرف. وكان ميمون نزل الكوفة في بني عبد الله بن دارم فمات في الطاعون الجارف فتخلّف إبراهيم طفلًا فكفله آل خزيمة بن خازم فبهذا السبب صار ولاؤه لبني تميم. يكنى إسحاق أبا محمد وهو شاعر متقدم وعالم متفنّن وأحذق خلق الله بالغناء. وكان أبوه إبراهيم حاذقًا بالغناء شاعرًا. وإبراهيم هو الذي يعرف بالموصلي لأنه لما بدأ يطلب الغناء بالكوفة اشتدّ عليه أخواله فهرب إلى الموصل فلما انصرف قال له إخوانه: مرحبًا بالفتى الموصلي فجرت عليه. وقوله: قلت لها اقصري يقال قصر عن الشيء وأقصر فجاء به على قصر ورأيته بخطّ أبي عليّ في أماليّ ابن الأنباري اقصدي وعليه بخطّه اقصدي إلى قول الحقّ.
أنشد أبو علي " ١ - ٣٣، ٣٢ " لأعرابي شعرًا منه:
أبتغي إصلاح سعدي بجهدي وهي تسعى جهدها في فسادي
ع أصل هذا المعنى لعمرو بن معدي كرب في قوله، وقد تقدّم إنشاده موصولًا ص ١٣
أريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
ثم تبعه الناس. فقال جميل:
ألا قم فانظرن أخاك رهنًا لبثنة في حبائلها الصحاح
أريد صلاحها وتريد قتلي فشتّى بين قتلي والصلاح
وقال الحسين بن مطير:
ويا عجبًا من حبّ من هو قاتلي كأني أجازيه المودّة من قتلي
ومن بيّنات الحبّ أن كان أهلها أحبّ إلى قلبي وعيني من أهلي
وينظر إلى هذا المعنى قول الأعشى، وهو مما سبق إليه أيضًا:
علّقتها عرضًا وعلّقت رجلًا غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل
[ ١ / ١٣٨ ]
وقال عديّ بن الرقاع:
تبلتك أخت بني لؤيّ إذ رمت وأصاب نبلك إذ رميت سواها
وأعارها الحدثان منك مودّة وأعار غيرك ودّها وهواها
وقال كثيّر عزّة:
[ ١ / ١٣٩ ]
ويعذب لي من غيرها فأعافها مشارب فيها مقنع لو أريدها
وأمنحها أقصى هواي وإنّني على ثقة من أنّ حظّي صدودها
وقال آخر:
جننّا على ليلى وجنّت بغيرنا وأخرى بنامجنونة لا نريدها
وكيف يودّ القلب من لا يودّه بلى قد تريد النفس من لا يريدها
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٣، ٣٢ " للعطوى يرثي أخاه:
لقد باكرته بالملام العواذل فما رقأت منه الدموع الهوامل
هو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي عطيّة مولى بني ليث بن كنانة يكنى أبا عبد الرحمن من شعراء الدولة العباسية بصرى المولد والمنشأ.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٣، ٣٢ ":
أقول لصاحبي والعيس تخدى بنا بين المنيفة فالضمار
أنشده أبو تمام للصمّة بن عبد الله القشيري والد دريد وروايته: بين المنيفة فالغمار، وروى أيضًا بين القبيبة فالعمار.
أنشد أبو علي " ١ - ٣٣، ٣٢ " لابن أبي مرّة المكّيّ أبياتًا منها:
[ ١ / ١٤٠ ]
إن وصفوني فناحل الجسد أو فتّشوني فأبيض الكبد
ع هو أبو عمارة محمد بن أبي مرّة المكّيّ ويلقب بشمروخ شاعر من شعراء الدولة الهاشمية لا يتجاوز النسيب شاعر غزل. وقوله أبيض الكبد يريد أنه محبّ ناصح. وأسود الكبد العدوّ الكاشح.
قال الأعشى:
وما أجشمت من إتيان قوم هم الأعداء والأكباد سود
فإذ فارقتني فاستبدلي بي فتى يطعى الجزيل ويستفيد
وأنشد ابن الأعرابي في نحوه:
إنا وإن بني بكر لفي خلق أراه عما قليل سوف ينكشف
يزمّلون جنين الضغن بينهم فالضغن أسود في وجه به كلف
يزمّلون يسترون ويخفون. والجنين المستور في نفوسهم، فهم يجتهدون في ستره ولا ينستر. وقيل معنى أبيض الكبد أنه لفرط حبّه وشدة تباريحه قد استحالت كبده إلى البياض والكبد الصحيحة إنما تكون حمراء. والشاهد لهذا المعنى قول المؤمّل بن أميل بن أسيد المحاربي:
[ ١ / ١٤١ ]
بليت لشقوتي بكم غلامًا ظاهر الجلد
فشيّب حبّكم رأسي وبيّض هجركم كبدي
وقوله جعلت كفى على فؤادي معنى قد كرّره فقال في أخرى فأحسن وتروى لغيره:
له من فوق وجنته يد ويد على الكبد
يسكّن قلبه بيد ويمسح دمعه بيد
ومن الشعر الذي أنشده أبو علي قوله:
لم أجن ذنبًا كما زعمت فإن جنيت ذنبًا فغير معتمد
قد تطرف العين كفّ صاحبها ولا يرى قطعها من الرشد
وأنشد علي بن الحسين " غ ٢٠ - ٥٨ " بعض أبيات ابن أبي مرة لأحمد بن يوسف الكاتب أنشد له:
كم ليلة فيك لا صباح لها أحييتها قابضًا على كبدي
قد غصّت العين بالدموع وقد وضعت خدّي على بنان يدي
وأنت خلو تنام في دعة شتّان بين الرقاد والسهد
كأن قلبي إذا ذكرتكم فريسة بين ساعدي أسد
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٤، ٣٣ " لأعرابيّ:
وإني لأهواها وأهوى لقاءها
[ ١ / ١٤٢ ]
قال المؤلف: هذا الشعر للأحوص بلا خلاف وله خبر. وذلك أن يزيد بن عبد الملك لما استهتر بقينتيه وامتنع من الظهور إلى العامّة وعن صلاة الجمة لأمه مسلمة أخوه وعذله فارعوى وأراد المراجعة فبعثت سلاّمة إلى الأحوص أن يصنع شعرًا تغنّى فيه فقال فيه:
وما العيش إلاّ ما تلذّ وتشتهي وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
بكيت الصبى جهدي فمن شاء لامني ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وأشرفت في نشز من الأرض يافع وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا
فقلت ألا يا ليت أسماء أصقبت وهل قول ليت جامع ما تبدّدا
وإني لأهواها وأهوى لقاءها
فلما غنّت عند يزيد ضرب بخيزرانته الأرض وقال: صدقت صدقت قبّح الله مسلمة وقبّح ما جاء به وتمادى على غيّه. ومثل قوله وقد تشعف الأيفاع قول الآخر:
لا تشرفنّ يفاعًا إنه طرب ولا تغنّ إذا ما كنت مشتاقا
[ ١ / ١٤٣ ]
وإلى هذا ذهب أبو تمام في قوله يعني توفلس صاحب عمّورية:
ولّى وقد ألجم الخطيّ منطقه بسكته تحتها الأحشاء في صخب
موكّلًا بيفاع الأرض يفرعه من خفّه الخوف لا من خفّة الطرب
والمقصد المرمىّ بسهم الحبّ يقال رماه فأقصده إذا أصاب مقتله.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٤، ٣٣ " لأبي بكر ابن دريد:
بنا لا بك الوصب المولم
ع هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن الحسن أزدي إمام من أئمة اللغة وهو أشعر العلماء قاطبة بلا اختلاف.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٥، ٣٤ ":
يصيخ للنبأة أسماعه إصاخة الناشد للمنشد
قال المؤلف: البيت للمثقّب العبدي، وقد تقدم ذكره قال وذكر ناقته:
كأنها أسفع ذو جدّة يمسده الوبل وليل سد
كأنما ينظر في برقع من تحت روق سلب المرود
يصيخ للنبأة أسماعه إصاخة الناشد للمنشد
صرّ صماخيه لنكريّة من خلسة القانص والمؤسد
أسفع ذو جدّة. يعني ثورًا. يمسده: أي يطويه ويشدّده. والمعنى أنه أكل ما نبت
[ ١ / ١٤٤ ]
بعد الوبل وهذا السدى فمسد عنه. والسدى الندى ولا واحد له. ويروى كأنما ينظر من برقع يقول هو أبيض الوجه أسود العينين. والسلب الطويل. والمرود يعني طرف قرنه الذي به يذود عن نفسه. والموسد الذي يوسد كلبه أي يغريه بالصيد. وقد زعم أبو عبيدة أنه يقال نشدت الضالّة بمعنى أنشدتها أي عرّقتها، واستشهد على ذلك بقول أبي دؤاد:
ويصيخ أحيانًا كما استمع المضلّ لصوت ناشد
ولم يجامع على ذلك. قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن بيت أبي دؤاد وقلت: أليس الناشد هو المضلّ؟ فقال: هذا كقولهم الثكلى تحبّ الثكلى كأنه يسمع صوتًا فيتأسىّ به وهو معنى قول الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٥، ٣٤ " لذي الرمّة:
جاءت من البيض زعرًا لا لباس لها إلاّ الدهاس وأمّ برّة وأب
ع بعد البيت:
أشداقها كصدوع النبع في قلل مثل الدحاريج لم ينبت لها زغب
كأنّ أعناقها كرّاث سائفة طارت لفائفه أو هيشر سلب
شبه مناقرها وقد فتحت عنها بالصدوع في العصا كما قال علقمة:
[ ١ / ١٤٥ ]
فوه كشقّ العصا ما إن تبيّنه أسك ما يسمع الأصوات مصلوم
والقلل يعني رؤسها. والدحاريج ما دحرجه الصبيان من بندق وغيره الواحدة دحروجة. وشبّه أعناقها في الطول والتثني بالكرّاث، والسائفة: ما استرقّ من الرمل. والهبشرة: شجرة لها ساق في رأسها كعبرة وهي شهباء. وسلب لا ورق عليها.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٦، ٣٤ ":
إليكم لا نكون لكم خلاة ولا نكع النقاوى إذ أحالا
ع نسب غير واحد هذا البيت إلى الراعي ولم يرو لنا في قصيدته التي على هذا الوزن والرويّ. خلاة واحدة الخلا، وهو الرطب والعرب تضربه مثلًا للضعيف فتقول: ما فلان في يديّ إلا كالخلاة. وقال غير أبي على النكع والنكع نبت شبيه بالطرثوث، ولذلك يقال رجل نكعة إذا كان أحمر أشقر، والذي نقله أبو علي هو قول ابن الأعرابيّ. وأحال أتى عليه حول. وقوله إليكم: أي ابعدوا عنا فلسنا بمنزلة الخلا لمختليه نحن أمنع من ذلك.
قال أبو علي " ١ - ٣٦، ٣٥ ": وأحمر عاتك هكذا الرواية بالتاء معجمة باثنتين وهو الصحيح، وبعضهم يقرأ عانك بالنون وهو خطأ، وإنما دخلت عليهم الداخلة من قول الخليل: والعانك من الرمل الأحمر، ويقال عتكت القوس إذا قدمت فاحمرّ عودها، وكذلك عتكت المرأة بالطيب إذا تضمّخت به، ومنه اشتقاق اسم عاتكة.
قال أبو علي " ١ - ٣٦، ٣٥ " تزوّج رجل من بني عامر بن صعصعة وذكر الحديث وأنشد فيه:
وحاذري ذا الريق في يميني
ع ذو الريق اسم سيفه تشبيهًا بالحية التي ريقها سمّ لا يبلّ سليمها. قال الراجز:
[ ١ / ١٤٦ ]
يهدي له الليل إذا ما ناما ولم يخف في ليله ظماما
ذا الريق لا يخطئه حماما
وسميّ أبو حيّة سيفه لعاب المنيّة هذا قول. وقال أبو عبيدة كان لمرّة بن ربيعة بن قريع بن عوف بن كعب سيف يقال له ذو الريقة لكثرة مائه، وهو الذي دلّ النابغة الذبياني النعمان عليه فأخذه منه فيكون سيف هذا العامري سميّ ذا الريق لكثرة مائه كما قال أبو عبيدة.
قال أبو علي " ١ - ٣٦، ٣٥ "
أحمر كالقرف وهو الأديم الأحمر
أنشد اللحياني:
أحمر كالقرف وأحوى أدعج
ع أنشده أبو عبيدة في كتاب الديباج في ألوان الخيل فقال: أشقر سلّغد وهو الذي خلصت شقرته. قال الراجز:
أشقر سلّغد وأحوى أدعج أصكّ أظما وحبقس أفلج
ورأيته أيضًا موصولًا على خلاف هذا قال:
يأتيك بالماء رشاء مدمج وما يخاف جاذب ومخلج
أحمر كالقرف وأحوى أدعج
قال أبو علي " ١ - ٣٧، ٣٥ " في صفة الأبيض حضّيّ.
[ ١ / ١٤٧ ]
ع قال الزبيدي: إنما هو حصّيّ بالصاد المهملة من الحصّ والحسّ بالسين والصاد وهو ضرب من الورس قال ابن كلثوم:
مشعشعة كأن الحصّ فيها
أنشد أبو علي " ١ - ٣٧، ٣٥ ":
واستنوكت وللشباب نوك
ع يريد أنها! متنوكته ثم قال ومن كان في حاله من الشباب فالنوك يصحبه.
أنشد أبو علي " ١ - ٣٧، ٣٦ ":
إمّا تريني اليوم نضوا خالصًا
ع الرجز لأبي محمد عبد الله بن ربعيّ بن خالد الفقعسي راجز إسلاميّ قال:
إما تريني اليوم ثلبًا شاخصًا أسود حلبوبًا وكنت وابصا
فقد طلبت الظعن الشواخصا على جمال تغمز المراهصا
غمزًا يبذّ جذبه الفرائصا
هكذا رواه الأصمعي. والمراهص الحجارة التي ترهص أخفافها.
قال أبو علي " ١ - ٣٧، ٣٦ ":
وأرمك رادنيّ.
ع رادنيّ من قولهم ليل مردن. أي مظلم.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٧، ٣٦ ":
معاوي إنّنا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
[ ١ / ١٤٨ ]
ع الشعر لعقيّبة بن هبيرة الأسدي شاعر جاهلي إسلاميّ قال يخاطب معاوية:
معاوي إننا بشر فأشجح فلسنا بالجبال ولا الحديد
فهبها أمّة هلكت ضياعا يزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا فجردتموها فهل من قائم أو من حصيد
وأنشد النحويون:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
بالنصب والقوافي مخفوضة كما ترى وأنشد أبو علي " ١ - ٣٧، ٣٦ " لرؤبة:
فبات والنفس من الحرص الفشق
قال رؤبة وذكر صائدًا:
وقد بنى بيتًا خفيّ المنزبق مضطمرًا كالقبر في البيت الأزق
[ ١ / ١٤٩ ]
أسّسه بين القريب والمعق فبات والحرص من النفس الفشق
في الزرب لو يمضغ شريًا ما بزق لمّا تسدّي في خفيّ المندمق
وأوفقت للرمي حشرات الرشق ساوي بأيديها ومن قصد اللمق
مشرعة ثلماء من سيل الشدق
هكذا رواه الأصمعي وابن السكّيت " والحرص من النفس " وعلى هذه الرواية يصحّ تفسير أبي علي لأنه قال: بات هذا الصائد في القترة وهي الناموس وهي الزرب أيضًا، وقد أبصر وحشًا فانتشرت نفسه، يعني انتشرت حرصًا. فأما انتشار الحرص فهو عدمه يقال منه فشق يفشق فشقًا، ويقال أيضًا فشقت الشيء أفشقه فشقًا إذا كسرته وهو راجع إلى هذا لأن ما تكسّر فقد تفرّق وانتشر، ورواه ابن الأعرابي وغيره كما رواه أبو علي:
فبات والنفس من الحرص الفشق
وتخرّج رواية أبي عليّ على غير تفسيره، وهو ما ذكره وفسّره سلمة عن الفرّاء عن الزبيريّة قالت: الفشق أسوأ الحرص. والمنزبق: المدخل، ومنه قولهم زبقته في السجن: أي أدخلته، والزابوقة: ناحية البيت. والأزق: الضيق. يقال أزقت الشيء أي ضيّقته. والمعق البعد. يقول أسّسه بين هذين لم يدنه فتنفر الوحش منه ولم يبعد فتصيف سهامه ولا تدرك الوحش. وقوله لّما تسدّي يعني الصائد. والمندمق: المدخل. واوفقت أي وضع الفوق في الوتر صيّر الواو وهي عين الفعل فاء الفعل وكان الأصل أن يقول وأفوقت. والحشر الملزّق القذذ أي ألطف ريشه. ويقال قوس رشيقة إذا كانت سريعة السهم. والرشق: المصدر. والرشق: الوجه الذي يريده. وقوله
[ ١ / ١٥٠ ]
ساوي بأيديها. أي الصائد حيال أيديها. واللمق: الطريق. وقوله مشرعة ثلماء: أي حيث انثلم الوادي فالحمير تشرع فيه وتدخل منه، والمشرعة: الطريق إلى الماء. والشدق: الميل في الوادي.
أنشد أبو علي " ١ - ٣٨، ٣٦ ":
نحن نطحناهم غداة الغرزين بالضابحات في غبار النقعين
ع اختلفوا في معنى الضبح في كتاب الله ﷿: " والعاديات ضبحًا "، فقال أبو عبيدة: الضبح والضبع سواء يقال ضبح وضبع إذا حرّك ضبعيه في مشيه، وقيل هو عدو فوق التقريب وقال قوم بل الضبح الخضيعة التي تسمع في جوف الفرس وأنشد أبو عبيدة شاهدًا على ذلك قوله:
وشوازبًا قبّ البطون عوابسًا يعدون ضبحًا
والخضيعة هي الوقيب، وهي الوعاق والوعيق، والزّعاق والزعيق، ونقله أبو علي الزغاق والزغيق بغين معجمة. وقال أبو عبيدة يقال من الوقيب وقب ولا فعل من الخضيعة.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٨، ٣٧ ":
إذا ما القلنسي والعمائم أخنست
ع صلة هذا البيت وهو للعجير السلوليّ وقد تقدم ذكره " ص ٢٤ ":
فجئت وخصمي يعلكون نيوبهم كما صرفت تحت الشفا جزور
[ ١ / ١٥١ ]
لدي ملك يستنفض القوم طرفه له فوق أعواد السرير زئير
إذا ما القلنسي والعمائم أدرجت وفيهن عن صلع الرجال حسور
وظلّ رداء العصب ملقى كأنه سلا فرس تحت الرجال عقير
لو أنّ الصخور الصمّ يسمعن صلقنا لرحن وفي أعراضهن فطور
قوله يستنفض القوم طرفه: أي إذا نظر إليهم أرعدوا من الفرق. ومعنى أخنست أزيلت وأخّرت وإنما يريد الخصام والجدال وعند الخصومة ما يكشف الرجل رأسه ويسقط رداؤه لأنه يزحف للخصام ويجثو للركب ويكثر الإشارة ويتابع الحركة ويعلك الأنياب كما قال:
فجئت وخصمي يعلكون نيابهم
وشبّه رداء العصب بالسلا لحمرته.
قال أبو علي " ١ - ٣٨، ٣٧ " في خبر بعد هذا: " وشابّ جميل الوجه ملوّح الجسم ".
ع يقال لاحه الحزن والسقم ولوّحه إذا غيّره من هذا قوله سبحانه: " لوّاحة للبشر " أي مغيّرة محرقة. وقال ابن مقبل:
عقاب عقنباة كأنّ وظيفها وخرطومها الأعلى بنار ملوّح
والملواح: الضامر، والملواح أيضًا: العريض الألواح كل عظم عريض.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٨، ٣٧ ":
سقى بلدًا أمست سليمى تحلّه من المزن ما تروي به وتسيم
ع يقال سامت الماشية إذا دخل بعضها في بعض عند الراعي، وإنما يكون ذلك في الخصب وكثرة العشب. والسائمة: هي الراعية، وسام الرجل ماشيته إذا رعاها فهو
[ ١ / ١٥٢ ]
مسيم ولم يقولوا سائم خرج هذا من القياس، ويقال أسأم إذا كثرت سائمته وهو الذي أراد في البيت.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٩، ٣٧ " لذي الرمة:
كأن عرى المرجان منها تعلّقت
ع صلته:
فما زلت أطوي النفس حتى كأنها بذي الرمث لم تخطر على قلب ذاكر
حياء وإشفاقًا من الركب أن يروا دليلًا على مستودعات السرائر
لميّة إذ ميّ معان تحلّه فتاخ فحزوى في الخليط المجاور
إذا خشيت منه الصريمة أبرقت له برقة من خلّب غير ماطر
كأن عرى المرجان منها تعلّقت على أم خشف من ظباء المشاقر
بذي الرمث هو المكان الذي جمعهم فيه المرتبع. وقوله لميّة. أي هذه الأماكن لميّة. ومعان مكان تنزله ومعان مرفوع فتاخ. وتحلّه من صلة معان. وعرى المرجان يريد خروقه التي تكون فيها السلوك. والمرجان ما صغر من اللؤلؤ وهو أشدّ بياضًا وكذلك فسّر التنزيل.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٩، ٣٨ " أيضًا لذي الرمّة:
قف العنس في أطلال ميّة فاسأل رسومًا كأخلاق الرداء المسلسل
ع هذا أول الشعر وبعده:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها دموعًا كتبديد الجمان المفصّل
وما يوم حزوي إن بكيت صبابة لعرفان ربع أو لعرفان منزل
بأوّل ما هاجت لك الشوق دمنة بأجرع مرباع مربّ محلّل
مربّ أي موضع إقامة وحلول يقال ربّ بالمكان وأربّ إذا أقام به.
[ ١ / ١٥٣ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٩، ٣٨ " لكثيّرة:
فأسحق برداه ومحّ قميصه
ع صلته:
أمنّي صرمت الحبل لّما رأيتني طريد خطوب طوّحته الطوائح
فأسحق برداه ومحّ قميصه فأثوابه ليست لهنّ مضارح
فأعرضت إن الغدر منكن شيمة وفجع الأمين بغتة وهو ناصح
فلا تجبهيه ويب غيرك إنّه فتى عن دنيّات الخلائق نازح
المضارع والموادع والمباذل واحد يقول ليس له ما يتبذّل به ويصون ثيابه، وهذا من قولهم:
إلبس جديدك إني لابس خلقي ولا جديد لمن لا يلبس الخلقا
وقيل المضارح فضول الثوب. سميّت بذلك لأنها تضرح أي تدفع بالأرجل والضرح الدفع بالرجل خاصّة قال امرؤ القيس:
[ ١ / ١٥٤ ]
فاليد سابحة والرجل ضارحة والعين قادحة والبطن مقبوب
وهي أول ما يخلق من الثوب.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٩، ٣٨ " للعجّاج:
ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا من طلل كالأتحميّ أنهجا
ع هذان الشطران أول الرجز وبعدهما:
أمسى لعافي الرامسات مدرجا واتّخذته النائجات منأجا
واستبدلت رسومه سفنّجا كالحبشيّ التفّ أو تسبّجا
في شملة أو ذات زفّ عوهجا
الأتحمي موضع باليمن تعمل فيه البرود وتنسب إليه وهي برود عصب غير وشى وإنما شبّهه بالأتحميّ من أجل الخطوط التي فيه. والنائحات الرياح التي تمرّ مرًّا سريعًا يقال نأجت تنأج نأجًا والسفنّج الواسع الخطو وأراد به هنا الظليم. وتسبّجًا لبس سبجة وهي ثوب أسود من صوف وقيل هو مخطّط بسواد وبياض مثل البقيرة تلبسه الجواري، وقال الأصمعي تسبّجا لبس القميص وهو بالفارسية شبى، وقد صحّف أبو عبيدة في هذا الاسم فرواه السبجة وجمعها سباج ثياب من جلود وإنما هي السبحة بالحاء المهملة والسبحة بالحاء ثوب من جلود وهو الذي عنى الهذلي بقوله:
[ ١ / ١٥٥ ]
إذا عاد المسارح كالسباح
يريد عادت من الجدب ملسًا لا نبات بها.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٩، ٣٨ " للأعشى:
قالت قتيلة ما لجسمك شاحبًا وأرى ثيابك باليات همّدا
ع وبعد البيت:
أذللت نفسك بعد تكرمة لها أو كنت ذا عوز ومنتظرا غدا
أو غاب ربّك فاعترتك خصاصة فعل ربّك أن يعود مؤيّدا
وأول القصيدة:
أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
يقولها لكسرى حين أراد منهم رهائن وفيها:
آليت لا نعطيه من أبنائنا رهنًا فيفسدهم كما قد أفسدا
حتى يقيدك من بنيه رهينة نعش ويرهنك السماك الفرقدا
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٩، ٣٨ ":
أتيح لها أقيدر ذو حشيف
هو لصخر بن عبد الله الملّقب بصخر الغيّ الهذلي يرثي بهذا الشعر ابنه وأوله:
[ ١ / ١٥٦ ]
أرقت فبت لم أذق المناما وليلي لا أحسّ له انصراما
لعمرك والمنايا غالبات وما تغني التميمات الحماما
أرى الأيام لا تبقي كريمًا ولا العصم الأوابد والنعاما
ولا العصم العواقل في صخور كسين على فراسنها خداما
أتيح لها أقيدر ذو حشيف إذا سامت على الملقات سامي
خفيّ الشخص مقتدر عليها يسنّ على ثمائلها السماما
قوله أقيدر تصغير أقدر هو من الرجال القصير العنق، ومن الخيل الذي تقع رجلاه موضع يديه. وسامت: أي استمرّت في سيرها. والملقات: صخور ملس. والثميلة موضع الطعام وأصله بقيّة الطعام. ويسنّ يصبّ، وكذلك يشنّ بالسين والشين، وقد فرّق بينهما بعض أهل اللغة. فقال: السنّ بالسين المهملة فيما لا تفترق أجزاؤه والشّنّ بالشين المعجمة فيما افترقت أجزاؤه، تقول سننت الدرع على نفسي وشننت عليهم الغارة.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٩، ٣٨ " للمتنخّل:
وقد حال دون دريسيه مأوّبة مسع لها بعضاه الأرض تهزيز
صلته:
لو جاءني بائس جوعان مهتلك من بؤس الناس عنه الخير محجوز
قد حال دون دريسيه
لبات أسوة حجّاج وإخوته في مالنا أو له فضل وتمزيز
وفيها يقول:
لا درّ درّي إن أطعمت نازلكم قرف الحتيّ وعندي البرّ مكنوز
قوله تمزيز من قولهم هذا أمزّ من هذا أي أفضل منه. قال الأصمعي: ليس للعرب
[ ١ / ١٥٧ ]
زائية أفضل من قصيدة الشمّاخ، ولو طالت قصيدة المتنخّل لكانت خيرًا منها، وقد تقدم ٣٤ نسب المتنخّل ويكنى أبا واثلة وحجاج وإخوته بنوه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٤٠، ٣٨ " لتأبط شرًّا
نهضت إليها من جثوم كأنها عجوز عليها هدمل ذات خيعل
ع قبله:
ومرقبة يا أمّ عمرو طمرّة مذبذبة فوق المراقب عيطل
نهضت إليها من جثوم كأنها عجوز عليها هدمها ذات خيعل
هكذا رواه أبو عبيدة هدمها والهدم الثوب الخلق. وقوله: مذبذبة يعني مشرفة والذبذبة التعلّق والاضطراب كأنها من طولها وإشراقها معلّقة أو متعلّقة فوق المراقب ويروى مذبذبة بالفتح. وقوله: من جثوم أي من بروك وكمون ورواية أبي عبيدة من جثوم بفتح الجيم وقال: هو من جثمت الطائر والتراب إذا جمعته. والخيعل قميص قصير من أدم يخاط أحد جانبيه ويترك الآخر.
واسم تأبّط شراّ ثابت بن جابر بن خالد بن سفيان أحد بني فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان يكنى أبا زهير. وقال ابن الأعرابي: هو أحد غربان العرب. وإنما لقّب
[ ١ / ١٥٨ ]
تأبط شرًّا لأن أمّه رأته قد وضع جفير سهامه تحت إبطه وأخذ القوس فقالت: لقد تأبّط شرًّا، وقال أبو عمرو: لقّب بذلك لأنهم زعموا أنه قتل الغول ثم جاء بها في جوف الليل إلى أصحابه وألقاها عندهم من تحت حضنه فقالوا له: لقد تأبّط شرًا. فقال في ذلك جابر:
تأبّط شرًا ثم راح أو اغتدى يطالع غنمًا أو يسيف إلى ذحل
ويروى:
يوائم غنمًا أو يسيف إلى ذحل
وقيل إن أمّه قالت له: مالك لا تأتينا بشيء كما يفعل أخوتك فصاد أفاعي وأتاها بها فقلن لها ما جاءك به متأبّطًا. فقالت شرّا.
وأنشد أبو علي " ١ - ٤٠، ٣٨ " للكميت:
فأصبح باقي عيشنا وكأنه لواصفه هدم الخباء المرعبل
ع لم يقل المؤلف هنا شيئًا.
وأنشد أبو علي " ١ - ٤٠، ٣٨ " لشاعر قديم:
وعاذلة هبّت بليل تلومني ولم يغتمزني قبل ذاك عذول
قال المؤلف: هذا الشعر لبعض فزارة ورأيت عن أبي تمام في نوادر ابن الأنباريّ بخطّ أبي علي ومن هناك نقله وعنه رواه: ولم تغتمزني قبل ذاك عذول بالتاء. والاغتماز
[ ١ / ١٥٩ ]
الاستضعاف وبخطه هناك: فلا تتبعي العين الغويّة. وبخطه فإنني له بالخصال الصالحات وصول. وروى أبو تمام: ولا خير في حسن الجسوم ونبلها. وقوله: فلا تتبعي العين الغويّة أي لا تتبعي عينك فيما تبعثك عليه من النظر إلى ذوي المناظر فربّ منظر لا حسب له ولا غناء عنده وفيه:
فإن لا يكن جسمي طويلًا فإنّني له بالفعال الصالحات وصول
قال محمد بن الحسن الزبيدي: الجيّد الفعال بكسر الفاء جمع فعلة بفتح الفاء ولذلك قال الصالحات ولكن الرواية الفعال بالفتح.
وأنشد أبو علي " ١ - ٤١، ٣٩ " لابن الروميّ:
وذخرته للدهر أعلم أنه
ع هو علي بن العباس بن جريج الرومي وجريج مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور أبي جعفر وكان علي يتشيّع للطالبيّين ويبغض مواليه وهذا الشعر يرثي به محمد بن نصر بن بسّام. ومن مختاره:
أودي محمد بن نصر بعد ما ضربت به في فضله الأمثال
ملك تنافست العلى في عمره وتنافست في يومه الآجال
من لم يعاين سير نعش محمد لم يدر كيف تسيّر الأجبال
وذخرته للدهر أعلم أنه كالحصن فيه لمن يؤول مآل
وتمتّعت نفسي بروح رجائه زمنًا طويلًا والتمتع مال
ورأيته كالشمس إن هي لم تنل فضياؤها والرفق منه ينال
لهفي لفقدك يا محمد إنّه فقدت به النفحات والأنفال
[ ١ / ١٦٠ ]
بالله أقسم أن عمرك م انقضى حتى انقضى الإحسان والإجمال
وقوله: من لم يعاين سير نعش محمد هذا المعنى أول من نطق به ابن المعتزّ في رثائه عبيد الله بن سليمان قال:
قد استوى الناس ومات الكمال وصاح صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشه قوموا انظروا كيف تزول الجبال
وتلاه ابن الرومي بقوله هذا وتلاهما الرضى فقال في رثائه الصاحب:
أكذا المنون تقطّر الأبطالا وكذا الزمان يضعضع الأجبالا
جبل تسنّمت البلاد هضابه حتى إذا ملأ الأقالم زالا
وقوله ورأيته كالشمس إشارة إلى أنه لم يفد من نيله شيأ وشبيه به قول أبي تمام:
وآسى على جيحان لو غاض ماؤه وإن كان ذودًا غير ذودي ناهله
وأنشد أبو علي " ١ - ٤١، ٣٩ " لسعيد بن حميد:
أهاب وأستحي وأرقب وعده فلا هو يبداني ولا أنا أسأل
هو الشمس مجراها بعيد وضوءها قريب وقلبي بالبعيد موكّل
ع هو سعيد بن حميد بن سعيد بن بحر من الأولاد الدهاقين وأصله من النهروان، وكان يقول إنه مولى بني سامة بن لؤيّ ويكنى سعيد أبا عثمان وهو كاتب شاعر فصيح كان
[ ١ / ١٦١ ]
أبوه حميد شاعرًا أيضًا. وقد كرّر سعيد معنى هذا الشعر في أشعاره فقال: وقد دخلت عليه فضل الشاعرة فسألها أن تقيم فاعتذرت:
تقرّبنا الآمال ثم تعوقها مماطلة الدنيا بها واعتلالها
فأصبحت كالشمس المنيرة ضوءها قريب ولكن أين منّا منالها
وقد كرّر الشعراء هذا المعنى فقال البحتري في المديح:
دنوت توضعًا وبعدت قدرًا فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامي ويدنو الضوء منها والشّعاع
ومما يجانس هذا في المعنى قول علي بن الجهم:
وقلن لنا نحن الأهلّة إنما نضيء لمن يسري إلينا ولا نقري
فلا بذل إلاّ ما تزوّد ناظر ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
وأنشد أبو علي " ١ - ٤١، ٣٩ " لامرأة:
يا من بمقتله زهى الدهر قد كان فيك تضاءل الأمر
ع قولها زهى: تريد زهى لغة طائية، والمعنى أن الزمان زهى وانتخى بإصابته غرّة من هذا الميّت لأنه كان يجير على الدهور ويكفي خطوبه ويدفع مكروهه ويصرف صروفه، فكأن ذلك عناد بينهما وتضاد من أمرهما، وقد بيّن هذا بعض الشعراء فقال:
[ ١ / ١٦٢ ]
أسأت إلى النوائب فاستثارت فأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجير من صرف الليالي فصار مطالبًا لك بالترات
" والأصل فيه قول أبي نواس في آل برمك:
لم يظلم الدهر إذ توالت فيهم مصيباته دراكا
كانوا يجيرون من يعادي منه فعاداهم لذا كا "
ولله درّ أبي الطيّب في قوله:
تفيت الليالي كلّ شيء أخذته وهنّ لما يأخذن منك غوارم
إذا كان ما تنويه فعلًا مضارعًا مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
فجعل الممدوح والزمان كقرنين متساجلين وجعل للمدوح الغلبة والفلج. وأما قولها:
زعموا قتلت وما لهم خبر
فإنها تعني أصحابه الذين غادروه ونجوا واعتذروا في قتله، وزعموا أنهم لم يكن لهم خبر بأمره وقولها:
وإذا رقدت فأنت منتبه
تريد يقظته وشهامته كما قال تأبّط شرًا
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل له كاليء من قلب شيحان فاتك
وقولها:
وإذا انتبهت فوجهك البدر
لأن المعهود في وجه الهابّ من نومته العبوس والبسور والكسل وقلّة النشاط.
وأنشد أبو علي " ١ - ٤١، ٤٠ " شعرًا فيه:
[ ١ / ١٦٣ ]
قوم تخيّر طيب العيش رائدهم فأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
هذا كقول طرفة:
فإذا ما شربوها وانتشوا وهبوا كلّ أمون وطمّر
ثم راحوا عبق المسك بهم يلحفون الأرض هدّاب الأزر
وقال آخر:
أيّام ألحف مئزري عفر الملا وأغضّ كلّ مرجّل ريّان
وقال عروة المرّار أبو هانئ بن عروة:
أرجّل جمّتي وأجرّ ذيلي وتحمل شكّتي أفق كميت
أمشّي في سراة بني غطيف إذا ما سامني ضيم أبيت
ودخل هانئ على معاوية ﵁ وهو لا يعرفه وكان نذر دمه لإجارته كثير بن شهبا المذحجيّ، وكان معاوية ولاّه خراسان فاختان مالًا كثيرًا وهرب واستجار بهانئ فأجاره، فقال معاوية لهانئ: من أنت؟ قال: أنا هانئ بن عروة. قال: ليس هذا بيوم يقول فيه أبوك: ارجّل جمّتي قال هانئ: أنا اليوم أعزّ مني ذلك اليوم. قال بم ذلك؟ قال: بالإسلام يا أمير المؤمنين. قال: أين كثير بن شهاب؟ قال: عندي يا أمير المؤمنين.
[ ١ / ١٦٤ ]
قال: انظر ما اختاته فخذ منه بعضًا وسوّغه بعضًا. هذا كان مذهب العرب وبه كانوا يمتدحون حتى جاء الله بالإسلام. وقال رسول الله ﷺ: فضل الإزار في النار. فصار الفضل في التشمير. وقوله ﷺ: فضل الإزار في النار إنما ذلك لمن يسحبه خيلاء وكبرًا، كما روى موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقيّ إزاري ليسترخي إلاّ أن أتعاهد ذلك منه، فقال ﷺ: لست ممن يصنعه خيلاء. خرّجه البخاري وغيره. وكانت إزرة أصحاب رسول الله ﷺ إلى أنصاف سوقهم والقميص فوق ذلك. وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيّوب قال: كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها، والشهرة اليوم في تقصيرها، وأبيح للمرأة إسبال الإزار وأن ترسله من ورائها ذراعًا لئلا ينكشف قدماها عند المشي. وروى أن عبد الله بن الزبير قاتل يوم أصيب حتى بقي وحده. فقالت له امرأته: ألا تخرج فأقاتل معك فأنشدها:
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جرّ الذيول
وخرج هشام وهو سوقة إلى بيت المقدس فمرّ بدمشق فلقيه محمد بن الضحّاك بن قيس الفهري وهو واليها يومئذ وعلى هشام ثياب يجرّها. فقال له: أما رأيت أمير المؤمنين عبد الملك؟ يعرّض له بجرّ ثيابه. فقال هشام: بلى. قال: فيكف رأيته. قال: مهجّرًا مشمّرًا قال: فما بالك أنت؟ قال: فعلت هذا لقول الشاعر:
قصير الثياب فاحش عند بيته وشرّ قريش مركّبا
[ ١ / ١٦٥ ]
يعرّض له بأن أباه الضحاك هجى بهذا الشعر.
وأنشد أبو علي " ١ - ٤٢، ٤٠ ":
سأشكر عمرًا ما تراخت منيّتي أيادي لم تمنن وإن هي جلّت
ع الشعر لأبي الأسود الدؤلي وكان عند عمرو بن سعيد بن العاص فبينا هو يحدّثه إذ ظهركمّ قميصه من تحت جبّته وبه خرق، فلما انصرف بعث إليه بعشرة آلاف درهم ومائة ثوب فقال هذا الشعر. وقال الليثي: الشعر لمحمد بن سعيد مولى. وذكر علي بن الحسين أن الشعر لعبد الله بن الزبير الأسديّ وأنه أتى عمرو بن أبان بن عثمان فسأله فقال لوكيله اقترض لنا مالًا فقال: ما يعطيناه التجّار. فقال: أربحهم فاقترض ثمانية آلاف باثني عشر ألفًا فهو أوّل من تعيّن فقال فيه ابن الزبير:
سأشكر عمرًا ما تراخت منيّتي
وقوله:
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها كان رأى تحت ثيابه ثوبًا رثًّا
وأما الشعر الذي لأبي الأسود في هذا المعنى بلا اختلاف فقوله:
كساك ولم تستكسه فشكرته أخ لك يعطيك الجزيل وياصر
وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحًا بحمدك من أعطاك والعرض وافر
[ ١ / ١٦٦ ]
ويروى: والوجه وافر. وكان من خبر هذا الشعر أن عبيد الله بن زياد وقيل: المنذر بن الجارود رأى علي أبي الأسود مقطّعة يطيل لبسها. فقال له في ذلك فقال: " ربّ مملوك لا يستطاع فراقه " فصارت مثلًا فأهدى إليه ثيابًا. فقال أبو الأسود الشعر.
وأنشد أبو علي " ١ - ٤٢، ٤١ ":
إني حمدت بني شيبان إذ خمدت نيران قومي وفيهم شبّت النار
ع الشعر ليزيد بن حمار السّكوني. وقوله إذ خمدت نيران قومي: يريد نار الحرب لمدافعتهم عنه، ويحتمل أن يريد نار القرى لمّا ذكر المحل في البيت الثاني. وقوله حتى يكون عزيزًا من نفوسهم: يريد كأنه من عزّته من نفوسهم أي منهم لا جار لهم أو أن
[ ١ / ١٦٧ ]
يبين جميعًا: يريد موفور الماء مجتمعه وهو مختار لفراقهم لا من ضيم لحقه منهم ولا إخفار لذمّته فيهم.
وأنشد أبو علي " ١ - ٤٢ " ٤١ ":
نزلت على آل المهلّب شاتيًا غريبًا عن الأوطان في زمن المحل
فما زال بي إحسانهم وافتقادهم وبرّهمو حتى حسبتهمو أهلي
ع هذان البيتان لأبي الهنديّ وهو عبد الملك بن عبد القدّوس بن شبث بن ربعيّ الرياحي، وقال علي بن الحسين اسمه غالب بن عبد القدوس شاعر إسلاميّ وقد أدرك أوّل الدولة الهاشمية وقيل بل الشعر لبكير بن الأخنس بن شهاب.