ع ذو فائش مأخوذ من المفايشة وهي المفاخرة؛ وعلبة هذا هو علبة بن ربيعة بن عبد يغوث بن صلاءة الحارثي. وعبد يغوث هو الشاعر أسير يوم الكلاب وعلبة شاعر وابنه جعفر بن علبة شاعر، وعمّر علبة إلى أول دولة بني هاشم. وفي الخبر إذا شبهّت
[ ١ / ١١٠ ]
الأعجاز بالحوارك معناه إذا لم يهتدوا للفرق بين أعجازها وحواركها دهشًا كما قال الشاعر:
يجعل الخيل كالسفين ويوفي عاديًا فوق طرفه المشكول
يريد أن لجام السفينة السكّان وهو في مؤخرها، فهذا لجبنه وخوره يمضي باللجام إلى عجز ذنب فرسه. وقوله فوق طرفه المشكول، لأن الجبان أيضًا ربما ركب الفرس بشكاله من الذعر، وقال جرير:
لو قيل أين هواديها لما علموا قالوا لأعجازها هذي هواديها
وقيل: إن ذلك من الدهش والذعر، وقيل بل وصفهم بالجهل وأنهم ليسوا أصحاب خيل وهو الصحيح.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٥، ٢٤ " لمهلهل:
فلو نبش المقابر عن كليب
ع مهلهل اسمه امرؤ القيس بن ربيعة بن الحارث من بني تغلب بن وائل وقيل اسمه عديّ، والشاهد لذلك قوله:
ضربت صدرها إليّ وقالت يا عديًّا لقد وقتك الأواقي
ومن قال: إن اسمه امرؤ القيس يروي هذا البيت:
ضربت صدرها إليّ وقالت يا امرأ القيس حان وقت الفراق
[ ١ / ١١١ ]
" أ " ويقول: إن هذا إنما هو أخوه ويكنى أبا ربيعة وإنما لقّب مهلهلًا لأنه أول من هلهل الشعر أي رقّقه. وقال الطوسي: سمي مهلهلًا ببيت قاله لزهير بن جناب وهو:
لمّا توعّر في الكراع هجينهم هلهلت أثأر جابرًا أو صنبلا
شاعر جاهلي، وهذا الشعر يقوله لّما أدرك بثأر أخيه كليب، واسم كليب وائل وكنيته أبو الماجدة، وإنما لّقب كليبًا بالجرو الذي اتّخذه، قال مهلهل:
فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالذنائب أيّ زير
بيوم الشعثمين لقرّ عينًا وكيف إياب من تحت القبور
بأني قد تركت بواردات بجيرا في دم مثل العبير
وهمّام بن مرّة قد تركنا عليه القشعمان من النسور
وهي كلمة طويلة. الشعثمان شعثم وشعيث ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة
[ ١ / ١١٢ ]
واسم شعثم حارثة عن ابن السكّيت.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٦، ٢٥ ":
ينبي تجاليدي وأقتادها ناو كرأس الفدن المؤيد
قال المؤلف: هذا الشعر للمثقّب العبدي واسمه عائد بن محصن بن ثعلبة يكنى أبا عديّ، وإنما لقب المثقب لقوله:
ظهرن بكلّة وسدلن رقمًا وثقبّن الوصاوص للعيون
وهو شاعر جاهليّ وقد نسب قاسم بن ثابت هذا البيت إلى رجل من الأزد أحد بني عوذ بن سود وهو وهم، وصلة البيت:
حتى تلوفيت بكليّة معجمة الحارك والمحفد
تعطيك مشيًا حسنًا مرّة جذبك بالمرود والمحصد
[ ١ / ١١٣ ]
ينبي تجاليدي وأقتادها ناو كرأس الفدن المؤيد
ويروى تامكة الحارك. ولكّيّة من لكائك اللحم وهو شرائحه. والمرود ما ترودها به أي تصرفها. والفدن القصر. والمؤيد الموثّق المشدّد المشيّد. وناو سمين من النّيّ وهو الشحم ويروى ناق من النقي، ويروى ناب من الارتفاع. والفدن القصر شبّه به هذا السنام لعظمه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٦، ٢٥ " للأسود بن يعفر:
إما تريني قد بليت وشفّني
ع هو الأسود بن يعفر بن عبد الأسود جاهليّ من بني نهشل بن دارم يكنى أبا الجراح كذلك نقل ابن دريد ورأيت لغيره أنه يكنى أبا نهشل، وقد يكون للرجل منهم كنيتان وكان أعمى ولذلك قال في هذا الشعر:
ومن الحوادث لا أبالك أنني ضربت عليّ الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تلعة بين العراق وبين أرض مراد
قال فيها يخاطب امرأته:
إما تريني قد بليت وغاضني ما نيل من بصري ومن أجلادي
وعصيت أصحاب الصبابة والصبا وأطعت عاذلتي ولان قيادي
فلقد أروح على التجار مرجّلًا مذلًا بمالي لينًا أجيادي
هكذا رواه الأخفش، غاضني أي نقصني ومنه قول الله تعالى: " وما تغيض الأرحام وما تزداد " وقوله مذلًا بمالي، أي قلقًا بمالي حتى أنفقه. وقوله ليّنًا أجيادي يريد لم أكبر
[ ١ / ١١٤ ]
أنا شابّ وقال أجيادي وإنما له جيد لأنه جمعه وما حوله كما يقال شابت مفارقه وإنما له مفرق واحد.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٦، ٢٥ ":
هجوم عليها نفسه غير أنّه
ع هذا الشاعر يصف بيض نعام. قال الجرميّ هو ذو الرمّة وليس هذا الشعر في ديوانه وقبل البيت:
وبيض رفعنا بالضحى عن متونها سماوة جون كالخباء المقوّض
هجوم عليها نفسه غير أنه متى يرم في عينيه بالشبح ينهض
سماوة جون يعني الظليم شبّهه بالخباء المقوّض. وهجوم عليها نفسه، أي ملق فإذا رأى شخص إنسان نهض ونبذها. وأنشد سيبويه هذا البيت على إعمال فعول.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٦، ٢٥ " لساعدة:
موكّل بشدوف الصوم ينظرها
ع ساعدة بن جؤيّة من تميم بن سعد بن هذيل جاهلي إسلاميّ. الجؤوة لون مثل الصدأة والجؤوة أيضًا رقعة في المزادة، وقبل البيت الذي أنشده أبو علي:
تالله يبقى على الأيام ذو حيد أدفا صلود من الأوعال ذو خدم
يأوي إلى مشمخرّات مصعّدة شمّ بهن فروع القان والنشم
موكّل بشدوف الصوم ينظرها من المخاوف مخطوف الحشا زرم
حتى أتيح له رام بمحدلة جشء وبيض نواحيهن كالينم
[ ١ / ١١٥ ]
ذو حيد أي في قرونه حيود. والأدفأ الذي في قرنه دفأ وهو كالحدب وهو أن ينحني إلى ظهره. والصلود الذي يسمع لقوائمه صوت على الصخرة ومن ثم قيل حجارة صلاّدة أي تسمع لها صوتًا. والقان والنشم شجرتان يتخذ منهما القياس. ويروي من المغارب وكل مكان يتوارى فيه ويستتر فهو مغرب والجمع مغارب. وقوله مخطوف الحشا زرم يقال زرم يزرم زرمًا وأزرمه غيره وهو أن يقطع عليه البول والحاجة والأمر كلّه. وقال النبي ﷺ: " وقد أرادوا حمل الحسين بن عليّ من حجره وقد أخذ في البول: لا تزرموا ابني وقد فسّر الزرم في البيت الذي لا يتسقرّ في مكان. والمحدلة القوس التي غمز طائعاها حتى اطمأنّا من قولك رجل أحدل وهو أن يرتفع أحد منكبيه ويطمئنّ الآخر. والجشء القضيب الخفيف. والبيض السهام. والينم شجر له ورق كورق الخلاف.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٦، ٢٥ " للعجّاج:
صلب القناة سلهب القوميّة
قبل هذا الشطر:
إما تريني اليوم ذا رذيّة
فقد أروح غير ذي رثيّة صلب القناة سلهب القوميّة
أرى الرجال تحت منكبيّه لا أتشكّى رضف ركبتيّه
الرذيّة من الإبل العي الملقى لإعيائه. والرثيّة وجع المفاصل ويقال بالتخفيف والرضفة الفلكة المنطبقة على رأس الركبة وهي أيضًا الداغصة.
أنشد أبو علي " ١ - ٢٦، ٢٥ " للأعشى:
وإن معاوية الأكرمين حسان الوجوه طوال الأمم
ع قد مضى ذكر الأعشى وبعد البيت:
متى تدعهم للقاء الحرو ب تأتك خيل لهم غير جمّ
[ ١ / ١١٦ ]
وأما إذا ركبوا فالوجو هـ في الروع من صدإ البيض حمّ
معاوية قبيلة من كندة. وقوله غير جمّ الأجمّ من الرجال الذي لا رمح معه. قال الشاعر:
ألم تعلم لحاك الله أني أجمّ إذا لقيت ذوي السلاح
فإذا لم يكن " معه " عصًا فهو باهل.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٧، ٢٦ " لذي الرمّة:
حتى كأن رياض القفّ ألبسها
ع قد مضى ذكر ذي الرمّة وصلة هذا البيت قال وذكر حمارًا وأتنًا:
تستنّ أعداء قريان تسنّمها غرّ الغمام ومرتجّاته السود
حتى كأن رياض القفّ ألبسها من وشى عبقر تجليل وتنجيد
الأعداء: النواحي. وقريان جمع قرىّ وهي مجاري الماء إلى الرياض من أشراف الأرض. والمرتجّ: السحاب الذي له رجّة بالرعد. واستنان الحمر حركتها ذاهبة وجائية في هذه المواضع. والقفّ ما ارتفع من الأرض. شبّه الزهر به بوشي عبقري في اختلاف ألوانه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٧، ٢٦ " للنابغة:
يظل من خوفه الملاّح معتصما
ع قد مضى ذكر النابغة وصلة البيت قال يمدح النعمان:
فما الفرات إذا جاشت غواربه ترمي أواذيّه العبرين بالزبد
يمدّه كل واد مزبد لجب فيه حطام من الينبوت والحصد
يظلّ من خوفه الملاّح معتصمًا بالخيزرانة بعد الأين والنجد
يومًا بأجود منه سيب نافلة ولا يحول عطاء اليوم دون غد
وروى الأصمعي. إذا مدّت حوالبه، يعني أوديته التي تمدّه تزيد فيه. وأواذيّه: أمواجه واحدها آذيّ. وغواربه أعاليه ومتونه أخذ من غارب البعير وهو ما انحدر من سنامه إلى
[ ١ / ١١٧ ]
عنقه، ويروى: كل واد مترع لجب. واللجب: الشديد الصوت ومنه جيش لجب. وروى أن صفيّة بنت عبد المطلب ضربت الزبير وهو غلام فعوقبت في ذلك فقالت:
من قال لي أبغضه فقد كذب لكنّني أضربه لكي يلبّ
ويهزم الجيش كميًّا ذا اللجب
والينبوت والحصد نبتان، ويروى الخضد بالضاد والخاء معجمتين وهو ما تكسّر من الشجر وتخضّد. والخيزرانة هنا السكّان، وقال أبو عمرو: الخيزرانة هنا المرديّ، وروى أبو عبيدة بالخيسفوجة وهي الشراع. والسيب: العطاء. والنافلة: الفضل، وروى أبو عبيدة بأجود منه سيب فاضلة. يقول: إذا أعطاك اليوم لم يمنعه ذلك من إعطائك غدًا.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٧، ٢٦ " لأبي زبيد:
صاديًا يستغيث غير مغاث
ع أبو زبيد اسمه حرملة بن المنذر بن معد يكرب الطائي شاعر جاهلي إسلامي،
[ ١ / ١١٨ ]
وكان نصرانيًا وزعم الطبري أنه مات مسلمًا واحتج في ذلك برثائه لعثمان ولعلي ولأن الوليد بن عقبة أوصى بأن يدفن معه وكان نديمه. قال أبو زبيد من قصيدة يرثى بها اللّجلاج ابن اخته وكان من أحبّ الناس إليه فقتل:
غير أن اللجلاج هدّ جناحي يوم فارقته بأعلى الصعيد
عن يمين الطريق عند صدى حرّ أن يدعو بالويل غير معود
صاديًا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجود
عند صدى يعني الهامة التي كانوا يزعمون. والعصرة والعصر الحرز والملجأ. ومن غريب ما اتفق في أمر هذا الصدى ما رواه أبو عبيدة من أن ليلى الأخيلية وهي ليلى بنت عبد الله بن كعب، وكان جدّها عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يلقب الأخيل، فمرّت مع زوجها في بعض نجعهم بالموضع الذي فيه قبر توبة بن الحميّر وكانت مزوّجة في بني الأذلغ بن عباد بن عقيل، فقال لها زوجها لا بدّ أن أعوج بك إلى قبر توبة
[ ١ / ١١٩ ]
بن الحميّر كي تسلّمي عليه حتى أرى هل يجيبك صداه كما زعم حيث يقول:
ولو أن ليلى الأخيليّة سلّمت عليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أوزقًا إليها صدى من جانب القبر صائح
فقالت وما تريد من رمّة وأحجار. فقال: لابدّ من ذلك، فعدل بها عن الطريق إلى القبر وذلك في يوم قائظ، فلما دنت راحلتها من القبر ورفعت صوتها بالسلام عليه إذا بطائر قد استظلّ بحجارة القبر من فيح الهاجرة فطار فنفّر راحلتها فوقصت بها فماتت. فكان ذلك ما ذكر من الصدى الذي يزقو إليها من جانب القبر. وتوبة بن الحميّر بن حزن الخفاجي وخفاجة هو ابن عمرو بن عقيل شاعر جاهلي " كذا والصواب إسلاميّ " وأنشد أبو علي " ١ - ٢٧، ٢٦ " لعبدة بن الطبيب:
عيهمة ينتحي في الأرض منسمها
ع قد مضى ذكر عبدة. قال يصف ناقة:
رعشاء تنهض بالذفري مواكبة في مرفقيها عن الدفيّن تفتيل
عيهمة ينتحي في الأرض منسمها كما انتحى في أديم الصرف إزميل
ترى الحصا مشفترًاّ عن مناسمها كما تلجلج بالوغل الغربيل
الرعشاء التي تهتز في سيرها لنشاطها وحدّتها. تنهض بالذفرى يريد أنها سامية الطرف. والذفرى: العظم خلف الأذن. ومواكبة " لا " تأخّر " عن " المواكب. ثم قال: إنها مفرجة لا يلحق مرفقها جنبها لأن ذلك عيب يكون منه الحازّ والضاغط. والعيهمة الشديدة
[ ١ / ١٢٠ ]
التامّة الخلق. والمنسم: طرف الخفّ. والصرف صبغ أحمر تصبغ به الجلود، قال سلمة بن الخرشب:
كميت غير محلفة ولكن كلون الصرف علّ به الأديم
معنى قوله غير محلفة أن المحلف من الخيل الكميت الأحمّ والأحوى لأنهما متدانيان في اللون حتى يشكّ فيهما فيحلف هذا أنه كميت أحمّ ويحلف هذا أنه أحوى. فيقول هذا الشاعر فرسي ليست من هذين اللونين ولكن هي خالصة اللون كلون الصرف أحمر صاف والعرب تقول " حضار والوزن محلفان " وهما نجمان يشبهان سهيلًا فإذا طلع أحدهما تحالف الرجلان أحدهما يحلف أنه سهيل ويحلف الآخر أنه ليس بسهيل. وزعم ابن عاصم في كتابه في الأنواء أن هذين النجمين يبدوان من كورة ريّة بالأندلس.
قال أبو علي " ١ - ٢٨، ٢٧ " عن ابن الكلبي قال لي أعرابي: ما معنى قول الله تعالى؟ " أإنّا لمردودون في الحافرة " إلى آخر ما أورده في ذلك.
قال المؤلف: التفسير الذي ذكره في الحافرة هو قول أكثر الناس، يقال رجع فلان على حافرته إذا رجع في الطريق الذي أخذ فيه، ورجع الشيخ على حافرته إذا خرف كأنه رجع إلى حال الطفولة، وقال مجاهد: الحافرة في الآية الأرض المحفورة كما قال ﷿:
[ ١ / ١٢١ ]
" من ماء دافق " وهو مدفوق وتكون في على هذا بمعنى من كأنه قال: أنبعث من قبورنا بعد البلى، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم عظامًا ناخرة، وعلى هذه القراءة يصح التفسير الذي ذكره أبو علي. فأما من قرأ نخرة وهي قراءة الباقين فمعناه بالية، وقد قيل في ناخرة أيضًا بالية يقال نخر العظم ينخر نخرًا إذا بلى وهو عظم نخر وناخر وكذلك العود.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٨، ٢٧ ":
أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه وعار
والأعرابيّ الذي سأل ابن الكلبيّ هو رجل من همدان من بني مرهبة والذي يقول:
أقدم أخانهم على الأساوره
همدانيّ أيضًا. ونهم اسم صنم كان في الجاهلية وبه سميّ عبد نهم اسم رجل وهو أبو بطن من بني تميم منهم هذا الذي خاطبه الراجز وهو عبد نهم بن جشم بن عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم وهو رهط عبدة بن الطبيب. وقال ابن حبيب أخبرني أبو عبيدة قال: تميم كلها كانت تسمّى في الجاهلية عبد نهم ونهم صنم كانوا يعبدونه وقوله:
ولا تهولنك رجل نادرة
[ ١ / ١٢٢ ]
كان أحدهم قد ضربت رجله فندرت، أي بانت. وقوله:
فإنما قصرك ترب الساهرة
أي قصارك. وقال سيف بن عمر في حروب القادسيّة: كان في بعض تلك الأيام عشرة إخوة من بني كاهل بن أسد يقال لهم بنو حرب فجعل أحدهم يرتجز ويقول:
أنا ابن حرب ومعي مخراق أضربهم بصارم رقراق
إذ كره الموت أبو إسحاق وجاشت النفس على التراق
صبرًا عفاق إنّه الفراق
يعني بأبي إسحاق سعد ابن أبي وقاص، ويعني بقوله عفاق أحد إخوته فأصيبت رجل هذا المرتجز يومئذ فأنشأ يقول:
صبرًا عفاق إنها الأساوره صبرًا ولا تذعرك رجل نادره
فإنما قصرك ترب الساهره حتى تعود بعدها في الحافرة
قال ابن الكلبي في أنساب همدان: ومنهم الحارث بن سميّ بن رؤاس بن دألان بن صعب بن الحارث بن مرهبة شهد القادسية وهو الذي يقول:
[ ١ / ١٢٣ ]
أقدم أخانهم على الأساوره ولا تهالنّ لروس نادره
فإنما قصرك ترب الساهره ثم تعود بعدها في الحافره
من بعد ما كنت عظامًا ناخره
وقال الهمداني: إن هذه الأشطار للحارث بن سميّ بن رؤاس الهمداني، وقد سأل الهمدانيّ أيضًا ابن الكلبي عن قوله تعالى: " فإذا هم بالساهرة " فقال: الساهرة الأرض التي لم توطأ هذا قول ابن الكلبي، وروى عن ابن عباس أنها الأرض المستوية وهي التي قال الله سبحانه فيها: " يوم تبدّل الأرض غير الأرض " وقال أبو عبيدة: هي الأرض كأنها سمّيت بهذا لأن فيها سهر الحيوان ونومهم، وهذا القول غير مخلّص وإنما سمّيت بذلك لأن عملها في النبات بالليل كعملها فيه بالنهار، والدليل على أن الساهرة الأرض قول أميّة ابن أبي الصلت يصف الجنّة:
وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به لهمو مقيم
والأساورة واحدها إسوار: وهو الفارس من العجم ومعناه ذو الفرس أو عالي الفرس وقيل إنهم قوّاد الفرس. قالت الخنساء:
مثل الردينيّ لم تدنس شبيبته كأنه تحت طيّ البرد إسوار
ويقال أسوار بالضمّ.
[ ١ / ١٢٤ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٨، ٢٧ ":
يعصب فاه الريق أيّ عصب
ع وعصب الريق يكون من الجبن في مواطن الحرب ومن الحصر والعيّ في مواطن الجدال، قال الأعشى:
وإذا ما الأكسّ شبّه بالأر وق عند الهيجا وقلّ البصاق
ركبت منهم إلى الروع خيل غير ميل إذ يخطأ الأنفاق
الأكسّ: القصير الأسنان، والأورق: الطويل الأسنان يعني أنه يكلح فيظهر أسنانه كما قال الراجز:
إذا العوالي أخرجت أقصى الفم
وقال عامر بن معشر بن أسحم العبدي:
فداء خالتي لبني حيّ خصوصًا يوم كسّ القوم روق
وقال عبد الله بن سبرة الحرشي:
[ ١ / ١٢٥ ]
وكنّا فوراس يوم الهرير إذ مال سرجك فاستقدما
عطفنا وراءك أفراسنا وقد أسلم الشفتان الفما
وقال خداش بن زهير:
ويوم تخرج الأضراس فيه لأبطال الكماة به أوام
وهو معنى قول عنترة:
والخيل ساهمة الوجوه كأنما تسقى فوارسها نقيع الحنظل
وقلّة الريق مذمومة في الرجال والنساء، قال رؤبة يصف نفسه بربط الجأش وكثرة الريق:
عمدًا أذرّي حسبي أن يشتما لا ظالم الناس ولا مظلّما
ولم أزل عن عرض قومي مرجما بهدر هدّار يمجّ البلغما
وقال آخر:
إني إذا ما زبّب الأشداق وكثر الضجاج واللقلاق
ثبت الجنان مرجم ودّاق
يقال زبّ وزبّب إذا اجتمع الريق في صماغيه عند الخصومة وكثرة الكلام ومنه خبر صعصعة بن صوحان أنّه كان في مجلس فتكلّم وأطال فقال له بعض القرشيين: جهدت نفسك أبا عمر حتى عرقت وزبّب صماغاك. فقال له صعصعة: إن العتاق لنضّاخة بالماء. والصماغان
[ ١ / ١٢٦ ]
ملتقى الشفتين عن يمين وشمال، وفي الحديث نظّفوا الصماغين لأنهما موضعا الملكين. وقالت بنت جرير: كنت أنشد أبي يزبّب شدقاي. وقال ابن أحمر:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه وقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال طرفة يصف امرأة:
وإذا تضحك تبدي حببًا كرضاب المسك بالماء الخصر
أراد حببًا من ريقها أي طرائق يقول ليس فوها بقليل الريق عاصب وإذا كان الفم لا ريق له كان خبيثًا. ورضاب المسك قطعه. وقال سويد ابن أبي كاهل:
حرّة تجلو شتيتًا واضحًا كشعاع الشمس في الغيم سطع
أبيض اللون لذيذًا طعمه طيّب الريق إذا الريق خدع
قال الأصمعي: خدع أي نقص وإذا نقص خثر وإذا خثر أنتن ومن ثمّ يخلف فم الصائم، وفي الحديث: إن قبل الدجال سنين خدّاعة أي ناقصة الزكاة ويقال للفرس إذا هرم ونقص حضره كان جوادًا فخدع. وقال أبو زبيد:
إذا اللثى رقأت بعد الكرى وذوت وأحدث الريق بالأفواه عيّابا
جادت مناصبه شفّان غادية بسكرّ ورحيق شيب فانشابا
رقأت: أي ذهب ريقها وانقطع من رقوء الدم. وأحدث الريق: أي عدم الريق وهذا مثل قوله:
وأهلك مهر أبيك الدواء
[ ١ / ١٢٧ ]
أي عدمه. ومناصبه: أصول الأسنان، يقول هي كثيرة الريق في ذلك الوقت حتى كأن سحابة غادية جادته ببرد شيب بسكّر ورحيق. والجباب للإبل كالزبد للبقر والغنم.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٨، ٢٧ " للحطئة:
تفادي كماة الخيل من وقع رمحه
وأول الشعر:
إلاّ يكن مال يثاب فإنه سيأتي ثنائي زيدًا ابن مهلهل
فما نلتنا غدرًا ولكن صبحتنا غداة التقينا بالمضيق بأخيل
تفادي كماة الخيل من وقع رمحه تفادي خشاش الطير من وقع أجدل
يقوله لزيد الخيل بن مهلهل الطائي وقد مضى ذكره " ص ١٥ " وكان أسره فمنّ عليه. وقوله بأخيل: أي بشؤم والشقرّاق يدعى الأخيل وهو يشّاءم به، ويروى بأخيل جماعة خيل ومثل قوله: تفادي كماة الخيل قول ذي الرمّة:
من أل أبي موسى ترى القوم حوله كأنهم الكروان أبصرن بازيا
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٩، ٢٨ " لأبي زبيد:
لها صواهل في صمّ السلام كما
ع قبل البيتين مما يتمّ به الكلام وينكشف المعنى:
يا بؤس للأرض ما غالت غوائلها من حكم عدل وجود غير مكفوف
على جنابيه من مظلومة قيم تعاورتها مساح كالمناسيف
لها صواهل في صمّ السلام كما صاح القسيّات في أيدي الصياريف
كأنهن بأيدي القوم في كبد طير تكشّف عن جون مزاحيف
[ ١ / ١٢٨ ]
يا ليت من سار بالأنباء كان له دون المنيّة ستر غير مكشوف
قوله من مظلومة يريد أنه حفر له بقفر وفي غير موضع حفر. قال الشاعر:
ألا لله ما مردي حروب حواه بين حضنيه الظليم
يعني رجلًا قتل فحفر له ودفن في غير موضع دفن. وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. والقيم جمع قامة. والمناسيف جمع منسف، وهو الذي ينسف به الطعام. ويروى لها صلاصل. والقسيّ: الزائف من الدراهم سميّ بذلك لقسوته وصلابته وشدته من قولك: قسا يقسو. وقوله في كبد: أي في مشقّة وشدّة، وكذلك فسّره أبو عبيدة في قوله سبحانه: " لقد خلقنا الإنسان في كبد " وقال غيره الكبد اعتدال القامة، ويحتمل البيت أيضًا هذا التفسير الثاني. والمزاحيف المعيية: يعني إبلًا جوفا معيية فالطير تقع على ما دبر منها. وقوله: سترًا غير مكشوف يعني العمى.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٩، ٢٨ " للعلاء بن حذيفة الغنوي أبياتًا فيها:
وماذا عليكم أن أطاف بأرضكم مطالب دين أو نفته حروب
ع هذا العطف محمول على المعنى كأنه قال أطاف بأرضكم رجل طلب دينًا أو نفته حروب كما قال أبو الحسن الأخفش في قول الله تعالى: " أو كالذي مرّ على قرية " أنه محمول على المعنى لأن معنى قوله: " ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه " أرأيت كالذي حاجّ إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية. ويروى أو بقته حروب.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٩، ٢٨ ":
[ ١ / ١٢٩ ]
لعمري لئن كنتم على النّأي والغنى بكم مثل ما بي إنكم لصديق
ع وفيها:
فما ذقت طعم النوم منذ هجرتكم ولا ساغ لي بين الجوانح ريق
هكذا رواه أبو علي " وما يجمع بين الأروى والنعام " كيف يقرّ على نفسه بالهجران وهو يدّعي من شدّة الوجد وزفرات الحبّ ما يدّعيه والرواية الصحيحة:
فما ذقت طعم النوم منذ نأيتم
ألا تراه يقول:
لئن كنتم على النأي والغنى
فأعلمك أنهم متباعدون غائبون والهجر إنما يكون بين المتدانيين لا بين المتباينين وفيها:
إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشا كررن فلم يعلم لهن طريق
شأن المتحيّر الضالّ الذي لا يتوجّه لسبيل ولا يهتدي لمقصد المضيّ في طريقه والرجوع والإقبال والإدبار، فلما كانت زفراته متواصلة لا تنفد ومصعدة كارّة تردّد شبّهها بمن حار عن سننه فلم يعلم طريقًا ولا علم له فيهتدي إليه: وأنشد أبو علي " ١ - ٢٩، ٢٨ " للهذليّ:
لا يسلمون قريحًا حلّ وسطهم يوم اللقاء ولا يشوون من قرحوا
ع البيت للمتنخّل واسمه مالك بن عمرو وقيل عويمر بن غنم من بني لحيان بن هذيل وقبل البيت:
لكن كبير بن هند يوم ذلكمو فتخ الشمائل في أيمانهم روح
تعلو السيوف بأيديهم جماجمهم كما يفلّق مرو الأمعز الصرح
[ ١ / ١٣٠ ]
لا يسلمون قريحًا. البيت وقوله فتخ الشمائل. أي هم باسطوها للرمي. والفتخ: لين في المفاصل. وفي أيمانهم روح: أي هم يضربون ضربًا يميل الكفّ من الروح الذي هو الفحج. وزعموا أن عمر بن الخطاب ﵀ كان أروح. والأمعز: المكان الغليظ الكثير الحصى. والصرح الخالص. ولا يشوون من قرحوا: يقال أشواه إذا لم يصب مقتله، وشواه إذا أصاب منه المقتل، والشوى: القوائم.
أنشد أبو علي " ١ - ٣٠، ٢٩ " لعشرقة المحاربيّة:
ما لبس العشّاق من حلل الهوى ولا خلعوا إلا الثياب التي أبلى
قال المؤلف: هي أربعة أبيات أولها:
جريت مع العشّاق في حلبة الهوى ففتّهم سبقًا وجئت على رسلي
تسربلت ثوب الحبّ مذ أنا يافع ومتّعت منه بالصدود وبالوصل
وما لبس العشّاق من حلل الهوى ولا خلعوا إلاّ الثياب التي أبلى
ولا شربوا كأسًا من الخمر مرّة ولا حلوة إلاّ وشربهمو فضلي
ويروى:
وما لبس العشاق ثوبًا من الهوى
أنشد أبو علي " ١ - ٣٠، ٢٩ " للقطاميّ:
إلى حيزبون توقد النار بعد ما
ع اسم القطامي عمير بن شييم بن عمرو من بني تغلب، لقّب القطاميّ لقوله:
[ ١ / ١٣١ ]
يصكّهن جانبًا فجانبًا صكّ القطاميّ القطا القواربا
وكان نصرانيًا وهو شاعر إسلامي يكنى أبا سعيد، وهو أول من لقب صريع الغواني لقوله يعني نفسه:
لمستهلك قد كان من شدّة الهوى يموت ومن طول العدات الكواذب
صريع غوان راقهنّ ورقنه لدن شبّ حتى شاب سود الذوائب
وصلة الشاهد:
سأخبرك الأنباء عن أم منزل تضيّفتها بين العذيب فراسب
تعمّمت في طلّ وريح تلفّني وفي طرمساء غير ذات كواكب
إلى حيزبون توقد النار بعد ما تلّفعت الظلماء من كل جانب
فسلّمت والتسليم ليس يسوءها ولكنه حق على كل جانب
يهجو بهذا الشعر امرأة من محارب نزل بها فلم تقره. وأراد بالحيزبون العجوز التي لا خير عندها. والطرمساء والطلمساء: الليلة الظلماء.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٠، ٢٩ ":
لقد علمت سمراء أن حديثها
ع هذا الشعر لعمرو بن حكيم بن معيّة التميميّ من ربيعة الجوع شاعر إسلامي
[ ١ / ١٣٢ ]
وأول الأبيات:
خليليّ أمسى حبّ سمراء ممرضي ففي القلب مني وقدة وصدوع
ولو جاورتنا العام سمراء لم نبل على جدبنا أن لا يصوب ربيع
لقد علمت سمراء أن حديثها نجيع كما ماء السماء نجيع
ثم البيتان بعده. وقوله هفت كبد: أي خفّت فطاشت كما تهفو الريح بالشيء. وقد أنشد أبو علي هذه الأبيات في آخر كتابه للضحّاك بن عمارة وقد روى أيضًا بعضها لقيس بن ذريح. قال أحمد بن يحيى قال قيس بن ذريح:
مضى زمن والناس يستشفعون بي فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع
ندمت على ما كان منّي ندامة كما يندم المغبون حين يبيع
فقدتك من نفس شعاع ألم أكن نهيتك عن هذا وأنت جميع
فقرّبت لي غير القريب وأشرفت هناك ثنايا ما لهنّ طلوع
فيا حجرات الحيّ حيث تحمّلوا بذي سلم لا جادكنّ ربيع
فلو لم يهجني الظاعنون لهاجني حمائم ورق في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوى نوائح ما تجري لهن دموع
إذا أمرتني العاذلات بهجرها أبت كبد من قولهن صديع
[ ١ / ١٣٣ ]
وكيف أطيع العاذلات وحبّها يؤرّقني والعاذلات هجوع
أنشد أبو علي " ١ - ٣٠، ٢٩ " لإبراهيم بن المدبّر:
ما دمية من مرمر صوّرت أو ظبية في خمر عاطف
ع هو إبراهيم بن محمد بن المدبّر، وكان يزعم أنه من بني ضبّة من أنفسهم، وقد زعموا أنهم من الفرس ولذلك قال الشاعر في مديحهم وهو أبو شارعة أحمد بن محمد:
لبني المدبّر إرث مكرمة تفترّ عنها العرب والعجم
قوم أنور شروان والدهم كسرى وسابور لهم عمّ
هو أنوشروان بن قباد بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن هرمز بن سابور الأكبر ابن أردشير، فسابور هذا جدّ أنوشروان وإنّما يعني ابن شراعة سابور ذا الأكتاف وهو سابور بن هرمز بن سابور الأكبر وهو عمّ جدّ أنوشروان. ويكنى إبراهيم أبا إسحاق، وهو شاعر حسن الشعر كثيره، وكذلك أخوه أحمد بن محمد بن المدبّر. ويكنى أحمد أبا الحسن ووزر إبراهيم للمعتمد.
وأنشد أبو علي " ١ - ٣٠، ٢٩ ":
الله يعلم والدنيا مفرّقة والعيش منتقل والدهر ذو دول
وأنشد أبو علي " ١ - ٣١، ٣٠ ":
أعليّ ما ماء العذيب وبرده منّي على ظمإ وفقد شراب
ع عما لعمر ابن أبي ربيعة من كلمة له، وسينشدها أبو علي بكمالها بعد هذا " ٢ - ٢٦، ٢٤ "
[ ١ / ١٣٤ ]
وأنشد أبو علي لأبي نخيلة " ١ - ٣١، ٣٠ ":
أمسلم إني يا ابن كل خليفة
قال المؤلف إنما سميّ أبا نخيلة لأن أمه ولدته تحت نخلة، فهو اسمه، وكنيته أبو الجنيد هذا قول الأصمعي، وقال غيره اسمه يعمر وهو ابن حزم بن زائدة من بني حمّان بن عبد العزيّ بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وذكر دعبل أنه كان أسود. ويمدح بهذا الشعر مسلمة بن عبد الملك. والرجز أغلب على أبي نخيلة من الشعر وقوله:
ونبّهت من ذكري وما كان خاملًا
أخذه أبو تمام فكشف معناه وحسّنه بالصناعة فقال:
لقد زدت أوضاحي امتدادًا ولم أكن بهيمًا ولا أرضى من الأرض مجهلا
ولكن أياد صادفتني جسامها أغرّ فأوفت بي أغرّ محجّلا
وأنشد أبو علي " ١ - ٣١، ٣٠ " لعبد الصمد بن المعذّل:
تمارضت كي أشجى وما بك علّة تريدين قتلي قد رضيت بذلك
نسبهما بعض الرواة إلى ابن الدمينة ووصلهما بالشعر الذي له وأوله:
[ ١ / ١٣٥ ]
سل البانة الغيناء بالأجرع الذي به البان هل حيّيت أطلال دارك
وهل قمت في أظلالهن عشيّة مقام أخي البأساء واخترت ذلك
وهي مما اختار أبو علي وسينشدها بعد هذا " ٢ ٣٥، ٣٣ "، وبعضها من اختيارات أبي تمّام في الحماسة. وابن الدمينة هو عبد الله بن عبيد الله أحد بني مبشّر بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن خلف بن أقبل وهو خثعم يكنى أبا السريّ غلبت عليه أمّه الدمينة بنت حذيفة السّلوليّة شاعر إسلاميّ.
أنشد أبو علي " ١ - ٣٢، ٣١ " لأعرابيّ:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
قال المؤلف: لم يختلف أحد أن هذين البيتين لعروة بن أذينة وأذينة لقب، واسمه يحيى بن مالك بن الحارث. وعروة هو الفقيه المحدّث الشاعر وكان شاعرً غزلًا مقدّمًا من شعراء أهل المدينة وكان ثقة ثبتًا وروى عنه مالك وغيره. قال مالك حدثني عروة بن أذينة قال: خرجت مع جدّة لي عليها مشى إلى بيت الله الحرام حتى إذا كنّا ببعض الطريق عجزت فأرسلت مولى لها يسأل عبد الله بن عمر فخرجت معه فسأل عبد الله فقال له مرهاُ فلتركب ثم لتمش من حيث عجزت. وكان عروة شاعرًا مجيدًا ومن جلّة علماء المدينة. ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالح وأنت تقول:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
[ ١ / ١٣٦ ]
لا والله ما خرجا من قلب سليم وهو القائل:
قالت وأبثثتها وجدي فبحت به قد كنت عندي تحبّ الستر فاستر
ألست تبصر من حولي فقلت لها غطّي هواك وما ألقى على بصري
وأبو علي ﵀ إذا جهل قائل الشعر نسبه إلى أعرابيّ كما أنشد بعد هذا الأعرابي إذا وجدت أوار الحبّ.