واسمه عمرو بن عبد الله بن جابر الليثي من كنانة، وقيل لعمرو الهادي لأنه كان يوقد النار ليلًا للضياف فيهتدي إليها م سلك الطريق، وولد عبد الله على عهد النبي ﷺ، وكان شداد سلفا لرسول الله ﷺ ولأبي بكر الصديق، كانت تحته سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس، وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، وسكن شداد المدينة ثم تحول إلى الكوفة.
وروى عبد الله عن أبيه وعن عمر وعلى وكان من أهل العلم. ع قد تقدم ذكر جميع الشعراء الذين أنشد لهم في هذه القصة معروفها. لأبي الأسود:
وإن امرأ لا يرتجى الخير عنده يكن هينا ثقلا على من يصاحب
هكذا أنشده أبو علي، صواب إنشاده وصحة إعرابه:
وأي امرئ لا يرتجى الخير عنده يكن هينا. هكذا أنشده غيره، وهو الصحيح، وتتوجه رواية أبى على بعد ووجه ضعيف، وذلك أن قوله يكن جواب لقوله: لا يرتجة
[ ١ / ٨٢١ ]
لأنه في موضع لامئ وفيه معنى الجزاء تقول: كل رجل يأتيني فله كذا وكذا. وأخبرني غير واحد عن يونس بن عبد الله أنه قال: حملني أبى وأنا غلام غلى ابى على البغدادي على تفيئة قدومه، وقال له أفد ابني هذا! شيأ يذكرك ويفخر بروايته عنك، فأخذ سفرا من كتبه وأملى على هذا الوصية إلى آخرها، قال يونس: وأملى على فيها: إصحاب الأخيار وارغب فيهم رب من صاحبته مثل الجرب وأنشد أبو على لعروة بن الورد:
لا تشتمني يا ابن ورد فإني تعود على ما لي الحقوق العوائد
ومن يؤثر الحق النؤوب تكن به وأنت امرؤ عافى إنائك واحد
أقسم جسمى في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
ع هذا وهم بين وغلط واضح، والبيت الأول لقيس بن زهير يخاطب عروة بن الورد، ألا تراه يقول: لا تشتمني يا ابن ورد واللذان بعدهما لعروة، وبينهما بيت أسقطه أبو علي، به يقوم معنى البيت الآخر، وهو:
أتهزأ منى أن سمنت وقد ترى بجسمي مس الحق والحق جاهد
[ ١ / ٨٢٢ ]
وكان بين قيس وعروة تنافس وتحاسد، وكان قيس أكولًا مبطانا، وكان عروة يعرض له بلك في أشعاره، وله يقول قيس بن زهير:
أذنب علينا شتم عروة خاله بقرة أحساء ويومًا ببديد
رأيتك ألافا بيوت معاشر تزال يد في فضل قعب ومرفد
هلم إلينا نكفك الأمر كله فعالًا وإحسانا وإن شئت فابعد
ويقال: إن عروة جاوبه على هذا الشعر بقوله:
إني امرؤ عافى إنائي شركة وأنت امرؤ عافى إنائك واحد
وهو قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العيسى، صاحب حرب داحس، شاعر فارس جاهلي يكنى أبا هند. وعروة بن الورد بن زيد وقيل ابن عمرو بن عبد الله العبسي وهو عروة الصعاليك لقب بذلك لقوله:
لحى الله صعلوكا إذا جن ليله مصافي المشاش آلفًا كل مجزر
وهي أبيات، وقيل إنه كان يكنى أبا الصعاليك، وقيل بل كان يكنى أبا مجدة، وقيل كنيته أبو المغلس، وقال آخرون: كانت كنيته في الحرب أبا عبلة، وفي السلم أبا هراسة، وهو
[ ١ / ٨٢٣ ]
شاعر جاهلي، إلا أن أبا الفرج روى عن بعض رجاله أن رسول الله ﷺ أجلاه مع من أجلي من بني النضير، وكان نازلًا فيهم بامرأة سباها من مزينة. وقال عمر ابن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف حازم، قال: وكيف ذاك؟ قال: كان فينا قيس ابن زهير وكان حازما ولا نعصيه فكأنا ألف حازم، وكنا نقدم بإقدام عنترة ونأتم بعشر عروة.
وأنشد أبو علي أشعارا في صفة النار، منها قول الشماخ:
إذا ما قلت أخمدها زهاها سواد الليل والريح الدبور
ع قال أخمدها: ولم يتقدم ذكر خامد، ولكنه قد علم أن كل نار لا بد لها من موقد، فيريد أخمدها الموقد وأنشد فيها:
كأن نيراننا في جنب قلعتهم مصبغات على أرسان قصار
أنشده أبو على مصقلات والمحفوظ مصبغات، وإنما يريد أن لون النار يختلف باختلاف أصناف حطبها. وهذا البيت لأبي بكر المكي في فتح الرشيد هرقلة ورميه سورها
[ ١ / ٨٢٤ ]
بحجارة المنجنيق عليها الكتان والنفط قد ضرمت فيه النار، فكانت النار تلصق به، وتأخذه الحجارة وقد تصدع فيتهافت وقبل البيت:
هوت هرقلة لما أن رأت عجبا حوائما ترتمي بالنفط والقار
كأن نيراننا.
وأنشد أبو علي بيتا مفردا:
وإني بنار أوقدت عند ذي الحمى على ما بعيني من قذى لبصير
ع اختلف في هذا البيت، فقال أبو زيد إنه للقلاخ بن حزن المنقري، وقال صاعد بن الحسين في كتابه: إنه لمبذول الغنوي، وصلته:
لقد زادني حبا لزينة أنهامقوت لأخلاق اللئام قذور
تنول بمعروف الحديث وإن ترد سوى ذاك تذعر منك وهي ذعور
وإني بنار عند زينة أوقدت القذور: من النساء التي تجتنب الأقذار. وذعور: ها هنا للمفعول، كما قال: إذا لم يكن في المنقبات حلوب وأنشد أبو علي لنصيب شعرا، منه:
[ ١ / ٨٢٥ ]
وسكنت ما بي سآم ومن كرى وما بالمطايا من جنوح ولا فتر
ع هكذا روى عن أبي على ولا فتر وإنما المحفوظ ومن فتر. وما في قوله: وما بالمطايا بمعنى الذي - لا نافية - معطوفة على قوله: وسكنت ما بي يريد أنه سكن بذكراها سآمة وفتر المطايا، وعلى هذا يصح المعنى، وهو مثل قول ذي الرمة:
ونشوان من كأس النعاس كأنه بحبلين في مشطونة يتطوح
أطرت الكرى عنه وقد مال رأسه كما مال شراب الفضال المرنح
إذا مات فوق الرحل أحييت ذكره بذكراك والعيس المراسيل جمح
ونحوه قول عمرو بن شأس:
أليس يزيد العيسى خفة أذرع وإن كن حسرى أن تكون أماميا
وهذا الشعر الذي أنشده أبو علي لنصيب مولى بني مروان قد رواه جماعة لأبي الحجناء نصيب المتأخر مولى المهدى.
وأنشد للنظار الفقعسي:
فإن تر في بدني خفة فسوف تصادف حلمي رزينا
ع هو النظار بن هشام بن الحارث بن ثعلبة، أحد بني فقعس بن طريف بن عمرو من بني أسد وهو شاعر إسلامي: وأنشد أبو علي للأعور الشني:
لقد علمت عميرة أن جارى إذا ضن المثمر من عيالي
[ ١ / ٨٢٦ ]
ع هذا الأعور اسمه بشر بن منقذ بن عبد القيس، وشن منهم، شاعر إسلامي مجيد، وله ابنان شاعران أيضًا يقال لهما جهم. قال أبو علي ويقال إن هذا الشعر لابن خذاق.
ع وهو للأعور بلا امتراء، إلا أبياتًا منه وإنما التبس الأمر على من قال إنها لابن خذاق من أجل شعر ابن حذاق والذي على الوزن الروى، وقد مضت منه أبيات وهي مختلطة بهذا الشعر.
وأنشد أبو علي: يا قوم ما بال أبي ذؤيب ع خبر هذا الرجز أن أبا ذؤيب كان يشبب بامرأة يقال لها أم عمرو، وكان يختلف إليها، وكان الرسول بينهما خالد بن زهير ابن أخت أبي ذؤيب، فلما شب خالد أرادته أم عمرو على نفسها، فأبى ذلك حينا ثم طاوعها، فلما رجع إلى أبي ذؤيب، قال: والله إني لأجد ريح آخرة زيادة: من أجل أن يرميني بعيب ورواه المفضل:
يا قوم ما لي وأبا ذؤيب وقال نصب لأنه نسق على مكنى
مخفوض، ولم يعد ذكر الجار.
وأنشد أبو علي:
ألكنا الشوى حتى إذا لم نجد شوى أشرنا إلى خيراتها بالأصابع
[ ١ / ٨٢٧ ]
ع هو لأبي يزيد العقيلي، وبعده:
وإنك ما سليت نفسًا شحيحة عن المال في الدنيا بمثل المجاوع
وأنشد أبو علي:
فهم شر الشوايا من ثمود وعوف شر منتعل وحاف
وأنشد أبو علي:
بلاد عريضة وأرض أريضة مدافع غيث في فضاء عريض
ع هو لامرئ القيس في بعض الروايات متصل بقوله:
أصاب قطيات فسال لواهما فوادى البدى فانتحى للأريض
والمتفق على الرواية له قوله:
ومرقبة كالزج أشرفت فوقها أقلب طرفي في فضاء عريض
فظلت وظل الجون عندي بلبده كأني أعدى عن جناح مهيض
يقول: أنا ابقى عليه كما يبقة ذو الجناح الكسير على جناحه، لفرط حدته ونشاطه، وهذا كما قال الشماخ:
فظلت كأني أتقى رأس حية بحاجتها إن تخطئ النفس تعرج
[ ١ / ٨٢٨ ]
وأنشد أبو علي: يسن على مراغمة القسام ع هو لبشر ابن أبي خازم، وصلته:
ليالي تستبيك بذى غروب كأن رضابه وهنا مدام
وأبلج مشرق الخلعين فخم يسن على مراغمه القسام
قوله وهنا: يعني بعد ساعة من الليل. وأبلج: وجه واضح الحسن. والمراغم: الأنف وما حولها وأحدها مرغم والقسام: الحسن وأنشد: ورب هذا الأثر المقسم ع قد تقدم القول فيه ومضى موصولا.
وأنشد أبو علي:
ويوما توافينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
ع هو لراشد بن شهاب اليشكرى. ويروى: كأنه ظبية، وكأن ظبية على زيادة أن كما تزيدها في قولك: لما أن جاءني زيد كلمته، ومن نصب فإنه أعمل كأن مخففة عملها مثقلة، ومن رفع فعلى حذف الضمير أراد كأنها ظبية كما قال سبحانه: " علم أن سيكون منكم مرضى ". ولم يرو المفضل هذا البيت في قصيدة راشد بن شهاب.
وأنشد أبو علي:
[ ١ / ٨٢٩ ]
لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم
ع هذا عل لغة من يقول: أنا إعلم وأنت تعلم. وفيه حذف يريد ما في قومها أحد، ونظيره في الحذف قول الله سبحانه: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ".
وأنشد أبو علي:
سليخ مليخ كلحم الحوار فلا أنت حلون ولا أنت مر
ع هو للأشعر الرقبان الأسدس قال:
تجانف رضوان عن ضيفه ألم تأت رضوان منا النذر
وقد علم المعشر الطارقون بأنك للضيف جوع وقر
سليخ مليخ. ويروى: مسيخ مليخ. وروى أبو زيد: وأنت مسيخ كلحم الحوار.
وأنشد أبو علي:
رأوا وقرة في العظم منى فبادروا بها وعيها لما رأوني أخيمها
ع وقبله:
وأصفح من أعرضهم وأعدهم لغيري وقد يعدى الكرام لئيمها
وأنشد أبو علي:
كأنما كسرت سواعده ثم وعى جرحه وما التألما
[ ١ / ٨٣٠ ]
ع يقول كأن ساعديه كسرا ثم جبرا، لشدة معاقمه وامتلاء مفاصله، وهذا في صفة الأسد كما قال أبو زبيد:
خبعثنة في ساعديه تزيل تقول وعى من بعد ما تكسرا
وأنشد أبو علي للقطامى: كما بطنت بالفدن السياعا ع قال يصف ناقته:
فلما أن جرى سمن عليها كما بطنت بالفدن السياعا
أمرت بها الرجال ليأخذوهاونحن نظن أن لن تستطاعا إذا التياز ذو العضلات قلنا: إليك إليك! ضاق بها ذراعا
قوله: كما بطنت بالفدن السياعا هذا مقلوب أراد كما بطنت بالسياع الفدن، والفدن: القصر، والسياع: الطين إذا وضع فيه التبن، يقول: هي مطلية بالشحم. والتيار: القصير الغليظ مع شدة.
[ ١ / ٨٣١ ]
وأنشد أبو علي للمرار العدوي:
وحشوت الغيظ في أضلاعه فهو يمشى حظلانًا كالنقر
ع هو المرار بن منقذ العدوي تميمي. وبنو العدوية ينسبون إلى أمهم، وهي: الحرام بنت خزيمة بن تميم بن جبل بن عدي بن عبد مناة، وهم صدى وزيد ويربزع بنو مالك بن حنظلة. وقد نسب هذا الشعر إلى المرار بن سعيد الفقعسي الأسدي، وقبل البيت:
كم ترى من شانئ يحسدني قد وراه الغيظ في صدر وغر
وحشوت الغيظ. يقال وراه الغيظ والداء والحسد: أي أفسد جوفه. وغر: أي ذو وغر حر يجده في صدره من شدة الغيظ.
وأنشد أبو علي لابن مقبل:
يعتادها فرج ملبونة خلج ينفخن في برعم الحواذن والخضر
ع وقبله:
فينا تجاوب أفلاء الوجيه إذا صامت ضحى تقدع الذبان كالشجر
الواحد من الأفلاء: فلو الواو مشددة ولا يقال فلو والوجيه: اسم فحل سابق من الخيل. وتم الكلام في قوله: تقدع الذبان يعني بأخفافها إذا طرقت، ثم رجع إلى صفتها فقال:
[ ١ / ٨٣٢ ]
هي كالشجرة جمع شجار وهي خشبات تعرض بينهن عارضات شبه الخشب. والخلج: التي تختلج عن أولادها، أي يذهب بأولادها والبرغم: الغلاف الذي فيه الثمر والحب.
وأنشد أبو علي للبيد:
يلمج البارض لمجًا في الندىمن ما ربيعرياض ورجل
ع قال لبيد يصف فرسه:
وكأن ملجم سوذانقًا أجدليا كره غير وكل
يلمج البارض.
فتدليت عليه قافلًا وعلى الأرض غيابات الطفل
لم أقل إلا عليه أو على مرقب يفرع أطراف الجبل
الرجل: مسايل الماء من الأدوية إلى الرياض احدها رجلة. وتدليت عليه: انحدرت. والغيابة: الظلمة. والغيابة: من الأرض ما سترته الأشجار. والطفل: وقت غروب الشمس وأنشد أبو علي لابن الزبعرى:
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
ع هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي الشاعر، وأمه عاتكة بنت عبد الله بن عمرو الجمحية، يخاطب بهذا الشعر رسول الله ﷺ بعد إسلامه، وكان قبل ذلك شارعا من كفار قريش يهجو المسلمين. وبعد البيت:
إذ أجارى الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور
[ ١ / ٨٣٣ ]
يشهد السمع والفؤاد بما قل ت ونفسي الشهيد وهو الخبير
أن ما جئتنا به حق صدق ساطع نوره مضيء منير
جئتنا باليقين والصدق والب ر وفي الصدق واليقين السرور
أذهب الله ضلة الجهل عنا وأتانا الرجاء والميسور
وأنشد أبو علي:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى فأبعدكم الله من شجرات
ع الشعر لحعيسة البكائي، قال وحيف عليه في خرص نخله:
إذا كان هذا الخرص فيكن دائما فأنكد بما ملكت من نخلات!
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى فأبعدكن الله من شجرات!
وروى:
وأخبث طلع طلعكن لأهله فأبعدكن الله من شجرات
وهذا حجة في أن النخل من الشجر، وبذلك فسر قوله تعالى: ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. وروى ابن أبي طاهر أن أعرابية سألت أبا جعفر المنصور، فمنعها، فقال:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى
ثم سألت محمدا المهدى، فمنعها، فقالت:
دنوك إن كان الدنو كما أرىعلى وبعد الدار مستويان
وأنشد أبو علي:
وابى ترك الملوك وجمعهم يصهاب هامدة كأمس الدابر
[ ١ / ٨٣٤ ]
ع صهاب: قرية البحرين. وهذا البيت منسوب إلى رجل من بنى مرة مرة، وأظنه أحد بنى حرملة.
وأنشد أبو علي:
فر ابن قهوس الشجا ع بكفه رمح متل
ع هذا الشعر لدختنوس بنت لقيط بن زرارة تهزأ بابن قهوس، وكان فر يوم جبلة. والقهوسة: مشية فيها سرعة، وهو النعمان بن قهوس التيمي من تيم الرباب، وكان حامل لواء قومه يوم جبلة، وفيه تقول دختنوس:
ولقد رأيت أباك وس ط القوم يربق أو يجل
متقلدا ربق الفرا ر كأنه في الجيد غل
يجل: يلقط البعر وهو الجلة. والفرار: صنف من الغنم صغار. والبيت الشاهد أول الشعر.
وأنشد أبو علي:
[ ١ / ٨٣٥ ]
لعمر بن شهاب ما أقاموا صدور الخيل والأسل النياعا
ع هو لدريد بن الصمة، وبعده:
ولكني كررت بفضل قومي فجدت بنعمة ومررت باعا
وكانت بنو يربوع قتلت الصمة أباه غدرا، فغزاهم دريد بيني نصر ثم بنى رباب بن واثلة، فوجد بنى يربوع وبنى سعد جميعًا، فقتل فيهمن وأدرك بثأره منهم.
وأنشد أبو علي:
ولن أعود بعدها كريا
ع وفسر قوله: المنفة الأميا: على ما يقتضيه معنى الأبيات، فقال هي العي القليل الكلام. وكان ينبغي ا، يستوعب تفسير هذه الكملة لما كانت من صفات نبينا ﷺ وآيات نبوته. والأمي: الذي لا يكتب فيه، منسوب إلى الأمة، لأن أكثرها لا يكتب، كما يقال عامى: لمن لم يتأدب، لأن أكثر الناس كذلك. وقيل إنه منسوب إلى الأم، لأن الأغلب في النساء أن لا يكتبن، فكان الإنسان في ذلك كأمه، وقيل منسوب إلى أم القرى وهي مكة.
وأنشد أبو علي:
[ ١ / ٨٣٦ ]
الحزم والقوة خير من ال إدهان والفكة والهاع
ع هو لأبي قيس ابن الأسلت، وبعده:
ليس قطا مثل قطى ولا ال مرعى في الأقوام كالراعي
لا نألم القتل وجزى به ال أعداء كيل الصاع بالصاع
الفهة: مثل السقطة والجهلة يقال منه جمل فه وفهية، وقد يكون ذلك من العي أيضًا. وقوله: ليس قطًا مثل قطى هذا مثل، والمعنى يقول: ليس فلان كفلان على التصغير لأحدهما.
وأنشد أبو علي:
إن ذوات الدل والبخانق
ع هذه الأشطار تروى لعمارة بن طارق، ولم تقع في أرجوزته التي على هذا الروى وأنشد أبو علي لروبة:
تفرجت أكاته وغممة عن مستثير لا يرد قسمه
ع وقبله:
وإن حسام الدهر عضت أزمة بالغاربين والصفاح مؤلمه
تفرجت تمضى عوافيه ويخشى نقمه
الأزم: جمع آزم وهو العاض.
وذكر أبو علي قولهم حسن بسن، وأن النون في بسن زائدة كزيادتها في خلبن وهي الخلابة، وناقة علجن من التعلج: وهو الغلظ، وامرأة سمعنة نظرنة: أي كثير النظر والاستماع، فكان الأصل في بسن مصدر بسست السويق أبسه بسا،
[ ١ / ٨٣٧ ]
فهو مبسوس إذا لتته بسمن أو زيت ليكمل طيبه، فوضع البس في موضع المبسوس، وهو المصدر كما قلنا درهم ضرب الأمير: نريد مضورب الأمير. ثم حذفت إدى السينين وزيد فيه النون وبنى على مثال حسن، فمعناه حسن كامل الحسن. وأحسن من هذا المذهب الذي ذكرناه أن تكون النون بدلًا من حرف التضعيف، لأن حروف التضعيف تبدل منها الياء مثل تظنيت وتقضيت وأشاهما مما قد مضى، فلما كانت النون من حروف الزيادة كما أن الياء من حروف الزيادة، وكانت من حروف البدل، أبدلت من السين، إذ مذهبهه في الاتباع أن تكون أواخر الكلم على لفظ واحد مثل القوافي والسجع، ولتكن مثل حسن ويقولون حسن قسن فعمل بقسن ما عمل ببسن على ما ذكرنا، والقس: تتبع الشئ وطلبه. فكأنه حسن مقسوس: أي متبوع مطلوب.
ع هذه هذرمة، وحجاج مقحمة، وهذا شاذ لا نظير له، لأنها الثلاثة لا تحتمل الزيادة لأنها أقل الأصول. ثم قال: وأحسن من هذا أن تكون النون بدلا من حرف التضعيف كأن الأصل بسس مثل تظنيت، وهذا بدل لاجتماع ثلاثة أمثلة. وإنما في بس مثلان، فإن قال قائل فقد قالوا أمليت وأحسيت في أمللت وأحسست وإيما في إما فهذا شاذ، وهو الياء معهود مع ذلك، ولم يأت في النون فكيف يقاس ما لم يسمع وأنشد أبو علي:
أسرع من لفت رداء المتردي
ع هو لحميد الأرقط، قال الصائد والحمر:
ثم انتحى بذي غرار مؤجد فمر من بين اللبان واليد
وانصعن يوقدن الحصا بالفدفد أسرع من لفت رداء المرتدي
[ ١ / ٨٣٨ ]
قال أبو علي وذكر الربحل، ومنه قول عبد المطلب لسيف وملكا ربحلًا. ع هذا وهم من أبى على وإنما هو قول سيف لعبد المطلب بن هاشم، ولمن وفد معه من رجالات قريش يهنئونه بظفره بالحبشة، فتكلم عبد المطلب، فقال له سيف: أيهم أنت! قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال ابن أختنا، قال: نعم، فادناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبًا وأهلًا وسهلًا، وناقة ورحلًا، ومناخًا سهلًا، وملكًا ربحلًا، يعطى عطاء جزلا، قد سمعنا مقالتكم، وعرفنا قرابتكم، فلكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم، في حديث طويل.
وأنشد أبو علي:
إني لا أحسن قبلًا فع فع! والشاة لا تمشي على الهملع
ع هذا رجل أمرته امرأته أن يبيع إبله ويشتري غنما، فقال:
لا تأمريني ببنات أسفع إني لا أحسن قيلًا قيلًا فع فع!
والشاة لا تمشي على الهمنع
والفعفعة: زجر الغنم. والهملع: الذئب.
وأنشد أبو علي:
جرى ابن ليلى جرية السببوح جرية لا وان ولا أنوح
وأنشد أبو علي للمهلبي:
لا تخافي إن غبت أن نتناسا ك ولا إن وصلتنا أن نملا
ع هو يزيد بن محمد بن المهلب بن الغيرة بن المهلب ابن أبي صفرة، يكنى أبا خالد بصرى
[ ١ / ٨٣٩ ]
شاعر محسن من شعراء الدولة الهاشمية، وهو القائل:
إن أكن مهديًا لك الشعر إني لابن بيت تهدى له الأشعار
غير أني أاك من أهل بيت ما على المرء أن يسودوه عار
وأنشد أبو علي:
ما كان من سوقة أسقى على ظمأ خمرًا بماء إذا ناجودها بردا
ع هذا الشعر لأبي دؤاد يقوله في كعب بن مامة، وتمامة:
أوفى على الماء كعب ثم قيل له رد كعب إنك وارد فما وردا
قوله: ما كان من سوقة أسقى: اسم وهو خبر كان. وزو المنية: قدرها. يقول عييت المنية أن تدركه إلا عطشا، من حيث كان يمنعها هو وغيره. ووقدى: فعلى مثل بشكى. وذكروا أن كعب بن مامة بن عمرو الإيادي خرج في ركب من إياد بن نزار بن ربيعة، حتى إذا كانوا بالدهنا - وهم في حمارة القيظ - عطشو ومعهم شئ من ماء يتصافنونه: أي يقتسمونه بالحصاة، فلما أخذ كعب الإناء، نظر إليه شمر بن مالك النمري، فلما رآه كعب ينظر إليه علم أنه عطشان، فقال للساقي: اسق أخاك النمري، فشرب النمري نصيب كعب، وأدرك كعبا الموت، فنزل في ظل شجرة، فقيل له: إنا نرد الماء فرد كعب إنك وارد. فضربت به العرب المثل في الجود والإيثار على نفسه، قال الفرزدق:
[ ١ / ٨٤٠ ]
كنا كأصحاب ابن مامة إذ سقى أخا النمر العطشان يوم الضجاعم
إذا قال كعب هل رويت ابن قاسط! يقول له زدني بلال الحلاقم
ولما تصافنا الإداوة أجهشت إلى غضون العنبري الجراضم
وجاء بجلمود له مثل رأسه ليشرب ماء القوم بين الصرائم
قال أبو علي العرب تقول للبغيض إذا سعل وريًا وقحابا! وللحبيب عمرًا وشبابا! ع وروى غيره ا، العرب تقول: وريًا وريًا، يقطع العظام بريًا، كأكل عنز شريًا. وذكر أبو علي قول العرب بفيه البرى، وحمى خيبرى، ع وزاد غيره وشر ما يرى، فإنه خيسرى وهم يقولون لا حمى كحمى خيبري، ولا دماميل الجزيرة، ولا جرب كجرب اليمن، ولا طواعين كطواعين الشأم، ولا صواعق كصواعق تهامة، ولا زلازل كزلازل سياف.
وذكر أبو علي أن عبد الرحمن بن حسان سأل حاجة، فقصر فيها فسألها غيره فقضاها، إلى آخر ما ذكره. ع المقصر فيها هو محمد بن عمرو بن حزم
[ ١ / ٨٤١ ]
وهو عامل سليمان على المدينة، والذي قضاها هو عمر بن عبد العزيز ﵀.
وأنشد أبو علي شعرًا، منه:
ومن يفتقر في قومه يحمد الغنى وإن كان فيهم ماجد العم مخولا
ع الشعر لجابر بن حنى بن الثعلب الطائي ويقال ابن ثعلبة وروى غيره: وإن كان فيهم واسط العم مخولا، وفيه:
فإن الفتى ذا الحزم رام بنفسه حواشي هذا الدهر كي ستامولا
وروى غير أبي علي:
جواشن هذا الليل وهو أصح وتمام الشعر:
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
ولم يك في بؤس إذا بات ليلة يناغى غزالا ناعم الطرف أكحلا
ومثله لبعض بنى فقعس:
كأنك لم تنصب من الدهر ليلة إذا انت أدركت الذي كنت تطلب
وقال قيس بن معاذ:
كأن لم يكن بين إذا كان بعده تلاق ولكن لا إخال تلاقيا
وأنشد أبو علي شعرا، منه:
بنا أنت من بيت دخولك لذة وظلك لو يستطاع بالبارد السهل
[ ١ / ٨٤٢ ]
ع يريد بالدخول الذي لا جهد ولا مشقة فيه، والعرب تقول غنيمة بادرة إذا لم يلق دونها ضراب ولا حرارة قتال، وقال النبي ﷺ: الصوم في الشتاء هي الغنيمة الباردة.