وأبهى ما يكون هذا المكان وقت الأصيل، حتّى يفئ الظلّ الظّليل فترى فيه أسراب الغزلان، والرعابيب الحسان، يمشين مشي القطا الكدريّ في الدمث النديّ، فتارةً وقوفًا على شريعةِ ماء، وحينًا جلوسًا تحت رفرف أيكةٍ خضراء، وآونةً يبدون للنظر وطورًا يختفين في الشجر، وكأنّ الثّوب طاوس وصليلُ الحليّ ناقوس، والوجوه أقمارٌ وشموس، وكأنّي بك وقد رأيت منهنّ ذات دلٍّ لعوبا، فينانةٍ خرعوبا، غرّاء فلجاء خدلجةً
[ ٦٢ ]
لفاء، أملودًا خمصانة شموعًا خوطانة في وجهٍ كالوذيلة، وخدٍ كالجليلة، وقوس حاجب، كأنه قوس حاجب.
وشعرٌ كاللّيل، أو أذنابُ الخيل وثغرٌ أشنب، كأنّما ذُرَّ عليه الزرنب، وثنايا غر، ذات أشر، ومبتسم برد، وشفاه كأنّما ورق الورد - وعينين كسيفين في جفنين، أو سهمين في قوسين وقدٌّ كالرّمح، وفُرْقٌ كالصّبح، حسن للترك والجرج، لا يوجد عند الإفرنج، الّلهم إلّا صورًا في ألواح روفائيل، مَثّل بها
[ ٦٣ ]
إسرافيل وميكائيل، أو صفاتٍ في أشعار دانتي ولامارتين صورًا بها الخلد والحور العين فلمّا لمحتها أشرتُ إليها بالكفِّ، فأومتْ لك بالطّرف، فحسبتها أقرب من مداركة، فإذا هي أمنع من عاتكة وتخيّلت أنّها منك على طرف الثمامة، وإذا بها طارت كالحمامة.
[ ٦٤ ]