فإذا أقبل الحرور ألفيت كلّ أرضٍ كشِعر أبي نوّاس، وكلّ نهى كقطعةٍ من ماس، وعلى كلّ علمٍ، برد منمنم، وفي كلّ غيطٍ، وشيٍ وديط، إلى أزاهر كأنّها دنانيرُ جدد، أو ولّاهم بدد، أو فصوص من يواقيت، أو أوائل النّار في أطراف كبريت، وعندليبٌ وكركي، وحمامٌ وقمري، وبطٌ، على الشط، وإوزٌ في النز.
حتى إذا استحكمت من الصذيف الوقدات، واستحرّت الوغرات، إذا الحجران قد اصفرّت، والعيون قد نشت، واستُنّ السفا والذرق، على القبق، وغدت الحقول، وهي عصفٌ مأكول والبطاح صعيدًا تذوره الرّياح ولاح السّراب على الشعاب،
[ ٧٨ ]
كالرّياط البيض، والملاء الرّخيص، وجنّ الذباب، وصمّ الغراب، وسكن العصفور مع الضبّ في حجر، وسال لعاب الشّمس كمذاب الصّفر ودوّى النحل في المحل، ووثب الجراد، في الوهاد، وانساب النضناض، على الرضراض، وخرج الذرّ من الجفر وطاب المقيل، في الظّل الظّليل، ففي كلّ دوحةٍ أستارٌ وحجب، وتحت كلّ سدرةٍ قيّةٌ وطنب وسرى النّسيم في الظّهيرة بين الأشجار، كأنّه نسيم بين الأسحار.