إن القوافي لم تنمك وإنما محقتك حتى صرت ما لا يوجد
وهما من الكامل الأول في قول الخليل، ومن السحل الثالث في قول غيره.
يقال: محق الشيء بمحقه؛ إذا أهلكه، ومال ممحوق إذا لم تكن فيه بركة. وقالوا لشدة الحر: ماحق، كأنه يمحق الشيء الذي يصادفه، (٥٥/ب) فإذا طلع على العشب يبس وذهبت نضرته، وإذا اشتد على الثمار تضاءلت منه، قال الهذلي: [البسيط]
ظلت صوافن بالأرزان ضاويةٍ في ماحقٍ من نهار القيظ محتدم
جمع رزنٍ، وهو ما غلظ من الأرض.
ومن بيتين أولهما
تستكثرون أبياتًا نأمت بها لا تحسدن على أن ينئم الأسدا
وهما من أول البسيط في قول الخليل، ومن السحل الثاني في قول غيره.
الأبيات تصغير أبيات من الشعر.
وإنما قيل للكلام المنظوم بيت تشبيهًا ببيت الشعر، وربما ألغزوا به، كما قال الشاعر: [الوافر]
وبيتٍ ليس من شعرٍ وصوفٍ على أوصال راحلةٍ بنيت
[ ٣٨٥ ]
يريد بيت الشعر.
والنئيم: صوت خفي يستعمل للأسد وغيره، ومنه قولهم: أسكت الله نأمته؛ أي: لا سمع له صوت. وقد استعملوا النئيم في صوت الحمام. وقوله:
لا تحسدن على أن ينئم الأسدا
أعمل الفعل الأول وهو قوله: لا تحسدن؛ لأن القافية منصوبة، وإعمال الفعل الأول اختيار الكوفيين، ولو أن البيت مرفوع لكان ذلك على إعمال الفعل الثاني وهو ينئم، وإلى هذا الوجه يذهب البصريون؛ لأن مذهبهم إعمال أقرب الفعلين من المعمول فيه.
وقوله:
لو أن ثم قلوبًا يعقلون بها أنساهم الذعر مما تحتها الحسدا
ثم: كلمة مبنية على الفتح، وهي كناية عن الأمكنة. يقال: فلان هنا؛ أي: هو قريب، وفلان ثم؛ أي: بعيد، وكأنها ضد هنا، وتقع على ما بين الناطق وبينه أذرع إذا كان ثم ما هو أقرب إليه منه، ويجوز أن يقول المقيم بالشام إذا ذكر أبعد الأماكن ليس ثم كذا.