بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
قال أبو نصر أحمد بن عبد الرزاق المقدسي «١»، أسعده الله بمرضاته: الحمد لله خير ما طلب به استفتاح الكلام، واستنجاح المرام، وصلى الله على سيد الأنام محمد وآله وأصحابه الطيبين الكرام.
وبعد، فهذا الكتاب كان في نسختين متناسبتي الجمع، متناسختي الوضع، سمّى الشيخ أبو منصور الثعالبي «٢» - ﵀
[ ٥ ]
تعالى- أحدهما: كتاب الظرائف واللطائف «١»، والآخر: كتاب اليواقيت في بعض المواقيت. وأفرد لكل منهما صدرا أورد فيه لمن عمله باسمه ذكرا. فجمعت بينهما في قرن، وعطفت عنانيهما إلى سنن، اختصارا للطريق إلى فوائدهما، وضما لشمل فرائدهما.
وعسى أن يحمد أثري فيما آثرت، ويستظرف رأي رأيت فيه وأشرت، والله تعالى يوزعنا من الاعتقاد أرصنه، ومن العمل أحصنه، ويجعلنا من: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
«٢» .
فافتتح الظرائف واللطائف بقوله: «حمدا حمدا لخالق الخلق، وباسط الرزق، وصلواته على الصادع بالحق، محمد رسوله الداعي إلى الصدق. وشكرا شكرا لبحر المجد وبدر الأرض مولانا الأمير السيد المؤيد العادل العالم أبي العباس مأمون بن مأمون خوارزم شاه «٣»، مولى أمير المؤمنين، أدام الله سلطانه، وحرس غرسه ومكانه، فقد بسط باع العدل، وأطال عنان الفضل، وجلا صفحة
[ ٦ ]
الإحسان، وفرش مهاد الأمن والأمان، ونشر شعاع اليمن على أهل الإيمان، وأقام قناة الدين، ومد رواق الملك الأمين، وفاق في الأرض بمكارم الأخلاق:
وكاد يحكيه صوب الغيث منسكبا لو كان طلق المحيّا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يجر والشمس لو نطقت والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا «١»
نعم وجدد رسوم العلم بعد أن نسجت عليها العنكبوت، وأحيا أنواع الآداب وقد كادت أن تموت، فهو يحبها حب المحسن لمن أحسن إليه، والغارس غرس يديه، ويتوفر على استجلاب ما بعد من دررها، واستثارة ما كمن من غررها، ويحرص عليها حرص النفس على تنفس الهواء، ويطلبها طلب طير الماء للماء؛ ذاك لامتزاج الأدب بطبعه، كامتزاج الشرف بنبعه، والتحام الفضل بخلقه، كالتحام الكرم بخلقه، وكونه من السؤدد في سواد عينه وسويداء قلبه، فعين الله عليه من كل طرف عائن، وقلب خائن. وأدام الله جمال العلم بطول عمره وثبات ملكه، ونفاذ أمره وانتظام سلكه، ولا أخلاه من علو الراية، وإدراك الغاية، وإعزاز الأولياء، وإذلال الأعداء، ولقاء
[ ٧ ]
النجح بين مطارح آرائه، ومصارف أقلامه، والصنع في مضارب سيوفه ومناقب أعلامه.
وهذا دعاء لو سكت كفيته لأني سألت الله فيك وقد فعل
ثم إن هذا الكتاب دلني ما استسعدت به من الخدمة، واستشعرته من شكر النعمة، على ابتداء وضعه، وابتداع جمعه، واختراع ما لم أسبق إلى مثله، ولم أشارك في ارتباط شكله، فألفته بالاسم العالي بمنة الله في مدح كل شيء وذمه وتزيينه وتهجينه، وسياقه أحسن ما أحاضر به فيه وفي ضده وترجمته بالظرائف واللطائف في الأضداد» .
وافتتح اليواقيت في بعض المواقيت بخطبة هذه نسختها:
«الحمد لله ما أمكن الحمد، إلى أن يقطع العد، وصلواته على خير من أرسل بخير ما أنزل، سيدنا محمد المصطفى وآله وأصحابه الذين ارتضى.
هذا- أطال الله بقاء الأمير الأجل- كتاب مترجم باليواقيت في بعض المواقيت، في مدح كل شيء وذمه. ولم أسبق إلى جمعه، وابتداع وضعه، وشاهدي على دعواي أن خزانة كتبه عمرها الله بدوام عمره ونظام أمره، وهي أم الفقر والغرر، ومعدن الملح والطرف، وقانون التحف والنكت، خالية من مثله في فنه، وأن العبد أبا نصر سهل بن المرزبان «١»، وهو حليف الكتب وأليفها وابن
[ ٨ ]
بجدتها، وأخو جملتها وأبو عذرتها، لم تقع عينه على شبهه، وطالما اقترح على الزمان أن يتفق لأحد تأليفه، ويتقدم له تبويبه وترتيبه، فافتتحته بنيسابور «١»، وتطرفته بجرجان «٢»، وتنصفته بالجرجانية «٣»، واستتممته بغزنة «٤» . إذ كان مدخورا لعالي مجلسه، ومقصورا على خزانة مجده، ولم يعن عليه إلا علو همته ويمن دولته، وإذا كان مولانا أوحد السادات وهم آحاد الدنيا، وفرد الملوك وهم أفراد العليا، فينبغي أن يكون الكتاب الذي يخدم به من وسائط عقود الأدب، وأناسي عيون الكتب. ولئن أحياني الله تعالى على يده، ورزقني المثول بحضرة عزه وكعبة سؤدده، لأنفقن باقي عمري على خدمته، وأغرب وأبدع تأليفاتي باسمه وسمته. لا زال مولانا للمحاسن كالينبوع للماء والزند للنار، وأدام الله ملكه وأعز نصره، وزاد علو أمره، وأراه من أشباله وأهليته ليوثا وبدورا يستقلون بأعباء المملكة، ويصلون جناحه في حماية الحوزة، ويرحم الله عبدا قال آمينا.
وهذا الكتاب مشتمل على مائة واثنين وستين بابا.
[ ٩ ]