سمع سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ رجلا يقول: اللهم اجعلني من الأقلين، فقال: ما هذا الدعاء؟ فقال: سمعت الله يقول: وَقَلِيلٌ ما هُمْ
«١» وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
«٢»، وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
«٣» .
وقال بعض العلماء: إن الكثرة ليست بممدوحة في كتاب الله ﷿، وإنما الممدوح الأقلون، لأنا سمعنا الله يثني على أهل القلة ويمدحهم، ويذم أهل الكثرة ويوبخهم. حيث يقول عز من قائل:
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
«٤»، ويقول: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
«٥»، ويقول: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
«٦»، ويقول جل ذكره حكاية عن إبليس: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
«٧»، ويقول ﷻ في ذم الكثرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ
[ ٩٨ ]
الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا
«١»، ويقول:
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
«٢» . ويقول: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ*
«٣» . ويقول: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ
«٤» .
ويقول: وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ
«٥» . ويقول: وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
«٦»، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
«٧» . ويقول: وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
«٨» . ويقول: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
«٩» .
وقال الشاعر «١٠»:
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا فقلت لها إنّ الكرام قليل
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
[ ٩٩ ]
وقالت الفلاسفة: كل كثير عدوّ للطبيعة. وقالت الأطباء:
الإقلال مما يضر، خير من الإكثار مما ينفع. وقال إسحق الموصلي:
هل إلى نظرة إليك سبيل فيروي الظما ويشفي الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي وكثير من الحبيب القليل
وقال الإمام جعفر الصادق، رضي الله تعالى عنه: لا تستح من إعطاء القليل فكل فوائد الدنيا قليل، والحرمان أقل منه. وقال الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل