كان يقال: الوحدة خير من جليس السوء. ويقال: العزلة من الناس تقي العرض، وتبقي الجلالة، وتستر الفاقة، وترفع مؤنة المكافأة في الحقوق الواجبة. وقال الشاعر:
كن لقعر البيت جلسا وارض بالوحدة أنسا
لست بالواجد خلا أو ترد اليوم أمسا
وأنشدني ميمون بن سهل الواسطي قال: أنشدني القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني «١» لنفسه:
ما تطعمت لذة العيش حتى سرت في وحدتي لكتبي جليسا
إنما الذّل في مداخلة الناس فدعها وكن كريما رئيسا
ليس عندي شيء أجلّ من العلم فلا أبتغي سواه أنيسا
وقال مكحول: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في الوحدة والعزلة.
[ ١٢٥ ]
ومن أحسن ما قيل في هذا الباب قول منصور بن إسماعيل المصري:
الناس بحر عميق والبعد عنهم سفينه
وقد نصحتك فانظر لنفسك المسكينه
ولبعضهم:
الناس داء دفين لا تركننّ إليهم فيهم خداع ومكر
لو اطّلعت عليهم
وأنشدني البستي لأبي سليمان الخطابي «١»:
قد أولع الناس بالتلاقي والمرء صبّ إلى مناه
وإنما منهم صديقي من لا يراني ولا أراه
وله أيضا:
إذا خلوت صفا ذهني وعارضني خواطر كطراز البرق في الظّلم
فإن توالى صياح الناعقين على أذني عرتني منه حكلة العجم «٢»
ومن أحسن ما قيل في الانفراد قول أبي هيان:
إن أمس منفردا فالليث منفرد والبدر منفرد والسيف منفرد
[ ١٢٦ ]
وقلت في المبهج: من لزم الخلوة بربه، حصل في العيش الأمتع والحي الأمنع. وقال أبو العتاهية:
وحدة الإنسان خير من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير من جلوس المرء وحده