عبيد الله بن يحيى وزير مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية.، كان يقول: البلاغة ما رضيته الخاصة وفهمته العامة.
الربيع بن يونس وزير المنصور كان يقول: من كلم الملوك في الحاجات في غير أوقات الكلام لم يظفر ببغتيه وضاع كلامه، وما أشبه الحال في ذلك إلا بأوقات الصلاة لا تقبل إلا فيها. فمن أراد خطاب الملوك فليترصد الوقت المنجح الذي يصلح فيه ذكر ما أراد ليحصل النجح وإلا فلا.
أبو عبيد الله وزير المهدي كان يقول: حسن الشيم علم من أعلام النجح.
ومن كلامه: خير الكلام ما قل وجل ودل ولم يمل.
واعتذر إليه رجل بكلام غير حسن فقال له: ما رأيت عذرًا أشبه باستئناف ذنب من هذا.
يحيى بن خالد البرمكي كان يقول: الصديق ما ينفع أو يستنفع.
وقوله: المواعيد شباك الأحرار والكرام يصيدون بها محامد الأخيار.
وقوله: أنا مخير بين الإحسان إلى من لم أحسن إليه، ومرتهن إلى من أحسنت إليه.
وقوله: الدنيا سعة المنزلة وكثرة الخدم وطيب الطعام ووطأة الفراش وطيب الرائحة وموافقة الأهل والقدرة على الإحسان بالإخوان.
وقيل له: لم لا تستبدل بحاجبك فقد شاخ؟ قال: فمن يعرف إخواني القدماء؟ وكان يقول: ثلاثة تدل على عقول أربابها: الكتاب والرسول والهدية.
الفضل بن يحيى رحمه الله تعالى، جرى يومًا مديح الناس إياه لجوده فقال: ما قدر الدنيا حتى يمدح من يجود بكلها فضلًا عن بعضها؟ وكان يقول: ما سروري بالموعد كسروري بإنجازه.
جعفر بن يحيى ﵀ اختصم إليه رجلان فقال لأحدهما: أنت خلي وهذا شجي، فجوابك يجري على برد العافية وجوابه يجري على حر المصيبة.
إسماعيل بن صبيح، قال صاحب الكتاب: لم أسمع ولم أقرأ أحسن وأظرف في الجمع بين الشكر والشكاية في فصل قصير أوجز مما كتب إلي يحيى بن خالد: في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه. وما زلت أطلب شعرًا في هذا المعنى حتى وجدته لأبي الطيب، قال متقارب:
فإن فارقتني أمطاره فأكثر غدرانها ما نضب
رأى الرشيد رحمه الله تعالى يومًا رجلًا في داره وبيده حزمة خيزران فقال: ما هذه؟ فقال: عروق القنا، لموافقته اسم أم الرشيد.
وهو الذي يقول: إياكم ومخاطبة الملوك بما يقتضي جوابًا، فإنه إذا جاوبكم اشتد عليهم وإن لم يجيبوكم اشتد عليكم.
الفضل بن سهل ذو الرئاستين، من ظريف كلامه: ما استرضي الغضبان ولا استعطف السلطان، ولا سلت السخائم، ولا رفعت المغارم، ولا استمسك المحبوب ولا توقي المحذور بمثل الهدية.
وقوله عند برئه من علة: إن في العلل نعمًا لا ينبغي للعقلاء أن يجحدوها، منها تمحيص الذنب، وتعرضٌ لثواب الله تعالى، وإيقاظٌ من الغفلة، وإذكارٌ بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء التوبة، وحض على الصدقة.
أخوه الحسن بن سهل، من ظريف كلامه: عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه.
وقوله: لا يصلح للصدر إلا واسع الصدر.
وقيل له: لا خير في السرف. فقال: لا سرف في الخير. فرد اللفظ واستوفى المعنى.
[ ٦ ]
وتعرض إليه رجل فقال: من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسن إلي الأمير عام كذا وكذا. فقال: مرحبًا بمن توسل غلينا بنا وشكر إحساننا. وقضى حوائجه.
وكان يقول: من أدمن شم النرجس في الشتاء أمن البرسام في الصيف.
وكان يقول: من طعام الملوك المح والمخ، والحمل الذي رضع شهرين ورعى شهرين، والدجاج الكسكري المسمن بلباب البر، وفرخ الحمام البيتي. ومن الحلاوات اللوزينج بالطبرزد، وماء الورد المبخر بالند. ومن الفواكه قصب السكر والرطب الأزاد والتين الوزيري والعنب الرزاقي والتفاح الشامي، ومن الرياحين الورد. ومن المسك الأذفر والبنفسج المعنبر، والنرجس المورد، والشاهسفرم المكوفر.
أحمد بن يوسف كان يقول: نهار الكاتب العاقل لعلمه، وليه لطربه. ودعا صديقًا له فكتب إليه: يوم الالتقاء قصير فأعن عليه بالبكور.
وطلب المأمون السكين، فناوله إياها وحدها مما يليه، فعلم أنه أخطأ فقال: في نحر أعدائك يا أمير المؤمنين.
الفضل بن مروان، من لطيف كلامه: الشرب في ليالي الجمع من المروءة!.
المعلى بن أيوب أهدى إلى المعتز بالله في نيروزه مرآة خسروانية في نهاية الحسن فقال: أهديتها ليذكرني بها إذا رأى حسن وجهه فيها.
محمد بن عبد الملك الزيات كتب إلى عبد الله بن طاهر: قطعت كتبي عنك قطع إجلال لا قطع إخلال.
أحمد بن أبي دؤاد كان يقول: الخبز ليومه والطبيخ لساعته والنبيذ لسنته.
محمد بن الفضل الجرجاني عاتبه المتوكل على اشتغاله بالملاهي والقيان عن أعمال السلطان فقال: يا أمير المؤمنين، إني ربما أستعين على الجد بالهزل، وبالباطل على الحق لأن مقاساة المشرق والمغرب لا تتهيأ ولا تتمكن إلا باستجلاب شيء من السرور. فقال: صدقت يا محمد!.
العباس بن عبد الله بن الحسين العلوي وصف ثقيلًا فقال: والله ما الحمام على الإصرار، والدين على الإعسار، والصوم في الأسفار، بأثقال من فلان.
عيسى بن فرخان شاه، من ظريف كلامه وتشبيهه: القلم الرديء كالولد العاق. وكان يقول: إني لأشكر لحظه وأشكو لفظه.
أحمد بن إسرائيل كان يقول: أربعة من تعودهم لا يصبر عنهم: السمع والند والحيس والثلج، وأربعة لا يقيمها إلا رجل حاذق: عمل السلطان واتخاذ القيان ومواصلة الدعوات.
أحمد بن صالح بن سيروان وصف جارية كاتبة فقال: كأن خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بنانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها، وكأنه قلب عاشقها.
سليمان بن وهب من ظريف كلامه: ظرف الصداقة أملح من ظرف الصيانة، والنفس بالصديق آنس منها بالعشيق.
وكان يقول: إني أغار على أصدقائي كما أغار على حرمي. قال: الشاعر طويل:
وكن عالمًا أني أغار على أخي وخلي كما أني أغار على أهلي
ونظر يومًا في المرآة فرأى شيبًا كثيرًا في وجهه فقال: عيب لا عدمناه!.
الحسن بن وهب سئل عن مبيته فقال: شربت على عقد الثريا ونطاق الجوزاء، فلما انتبه الصبح نمت، فلما أستيقظ إلا بلبسي قميص الشمس.
ونظر إلى رجل في مجلسه يعبس في كأسه فقال له: ما أنصفتها! تضحك في وجهك وأنت تعبس في وجهها.
ووصف مغنيًا فقال: كأنه خلق من كل قلب فهو يغني كلًاّ بما يشتهيه.
ومدح محمد بن عبد الملك الزيات فقال: خلق كما تشتهي إخوانه ودعاه محمد إلى الديوان فكتب إليه: لباس بهي وطعام شهي وشراب هني، فكيف أتحول من حال السعيد إلى حال الشقي؟ سعيد بن أحمد كتب إلى محمد بن مكرم يدعوه إلى مجلس أنسه: طلعت الكواكب وهي تنتظر بدرها، فرأيك في الطلوع قبل غروبها، فالأمر بمعنى من قال، شعر طويل:
كأنا نجوم في السماء مضيئةٌ ولا بد من بدر فهل أنت طالع
عبيد الله بن سليمان بن هب وقع في كتاب يستنجز أباه وعدًا: الشرط أملك، والوعد كأخذ باليد، والوفاء من سجايا الكرام.
القاسم بن عبيد الله كان يقول: عقل الكاتب في قلمه، والكلام الحسن من مصايد القلوب.
وعزم يومًا على ترك الركوب فقال لندمائه: تعالوا بنا نسرق هذا اليوم من السلطان كما نسرق ماله.
أبو العباس بن الفرات كتب إلى وزير الوقت: إن رأيت أن تكرمني بأمرك ونهيك فأما سلامتك فهي أجل من أن تخفى على أحد.
[ ٧ ]
أخوه أبو الحسن بن الفرات كان يقول: والله ما رأيت أحدًا علي ثان وليس لي إليه إحسانٌ مني إلا استحييت منه وصرفت همتي إلى إزالة فاقته وتحصيل مراده.
ومن ظريف كلامه: إني لآلف كل شيء حتى الطرق.
العباس بن الحسن قال له يونس المقتدري: ما أقصرك! قال: أقصر مني عمرك.
أبو الفتح كشاجم من ظريف كلامه: لولا أن المخمور يعرف قصته لقدم وصيته.
أبو عبد الله بن ثوابة دخل عليه صديق له ومجلسه غاص بأهله فقال ابن ثوابة: ما زادك بعدك عني إلا قربًا من قلبي، فقعد بعيدًا.
أبو القاسم الإسكافي من ظريف كلامه: استيعذوا بالله من نزغات الشيطان ونزوات الشبان.
أبو الفضل بن العميد من ظريف كلامه: أطيب ما يكون الحمل إذا نزلت الشمس برج الحمل.
وقوله: خير الكلام ما أغناك جده وألهاك هزله.
ابنه أبو الفتح ذو الكفايتين كتب إلى رجل يستهديه الشراب: قد انتظمت يا سيدي مع رفقة في سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام بإهداء المدام صرنا كبنات نعش، والسلام.
وكتب إلى مؤدبه: وصلت رقعة الشيخ أصغر من أنملة نملة وعنفقة بقة.
أبو سعيد الفرد كتب إلى ابن العميد: أنا أيد الله الأستاذ سليمان بيته، وأبو هريرة مجلسه، وأنس خدمته، وبلال دعوته، وحسان مدحته.
أحمد بن أبي حذيفة كتب إلى وكيله: استكثر من غرس أشجار الفرصاد فإن سعفها حطب وثمرها رطب وورقها ذهب.
الصاحب لما رجع عن العراق سأله ابن العميد عن بغداد فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.
ورفع إليه أن رجلًا غريب الوجه يدخل داره لاستراق السمع فوقع: دارنا هذه خان، يدخلها من وفى ومن خان.
وذكر بعض الفقهاء وعدًا وعده إياه فقال: وعد الكريم ألزم من دين الغريم.
وفي وصف الحر: وجدت حرًا يشبه قلب الصب، ويذيب دماغ الضب.
وكتب: وصلت رقعة مولاي فكانت فاتحته أحسن من الفتح، وواسطته أنفس من واسطة العقد، وخاتمته أشرف من خاتم الملك.
وكتب في الاستزارة: يومنا طاووسي الأرض فاختي السماء، وقد غابت شمس السماء عنا فلا بد أن تؤثر شمس الأرض منا.
وكتب إلى من يعتذر لخوف الثقل: متى ثقل الجفن على العين؟ وأطال رجل المكث عنده ولم يقتد بغيره في القيام فقال: الفتى من أين؟ قال: من قم. قال: فإذا قم!.
وقال له علي بن عبد العزيز: لعلي طولت. قال: بل تطولت.
أبو العباس أحمد بن إبراهيم كتب إلى الصاحب: وصل كتاب مولانا وكان ﵀ عند أيوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب.
وكتب في الاعتذار من انحيازه إلى يزدجرد: من حسن مفره حسن مقره.
وكتب في وصف آثار الربيع: الأرض زمردة، والأشجار وشي، والهواء مسك والنسيم عنبر، والماء راح، والطيور قنا.
أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، لم أسمع في إهداء الدواة والمرفع أحسن ولا أظرف من قوله: قد خدمت مجلس سيدنا بدواة يداوي بها مرض عفاته، ويدوي قلوب عداته، على مرفع يؤذن بدوام رفعته وارتفاع النوائب عن ساحته.
وله من كتاب إلى الصاحب: كتبت كتابي وبودي أن بياض عيني طرسه، وسوداهما نفسه، شوقًا إلى لألاء غرته، وظمأ إلى ارتشاف أنامله.
وله: رب حاضر لم تحضر نيته، وغائب لم تغب مشاركته.
أبو الفتح المحسن بن إبراهيم كتب في وصف يوم بارد: هذا يوم جمد خمره وخمد جمره. ويخف فيه الثقيل إذا تأخر.
وقال في ذكر الصبوح والشمس: فلما ذر قرنها وارتفع الحجاب عن حاجبها، ولمعت في أجنحة الطير، وأذهبت أطراف الجدران، افتضضنا عذرة الصباح بمباكرة الأقداح، فلم تترجل الشمس حتى ركبنا غوارب الأفراح.
أبو الفتح البستي من ظريف كلامه: النعمة عروس فمهرها الشكر، والرشوة رشاء الحاجة، والبشر نور الإيجاب، والمعاشرة ترك المعاسرة، وعادات السادات سادات العادات.
أبو نصر العتبي من ظريف كلامه: الشباب باكورة الحياة.
وقوله: لسان التقصير قصير.
وكان يقول: من فضل النرجس أن الرياحين كلها سكان أوعيته، ألا ترى أن أوعيتها كلها تسمى النرجسيات وإن كانت خالية من النرجس؟!.
أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز كان يقول: الصدقة ترد بلاء الآخرة، والهدية ترد بلاء الدنيا.
أبو الحسن محمد بن محمد المزني قال: من دخل على السادة فعليه بتخفيف السلام وتقليل الكلام وتعجيل القيام.
[ ٨ ]
أبو منصور سعيد بن أحمد اليزيدي، سأله أبو بكر بن زيد عما يحبه ويشتهيه قال: قشور الدجاج الفتية المسمنة المشوية، والسكباج التي يجمع فيها بين لحم البقر ولحم الغنم السمين، ثم ينفى عنها لحم البقر، وتغلى بالسكر وتطيب بالعنبر، والهريسة بالحملان والفراريج السمان، والتعلية بالمح والمخ، وما على جنوب الحملان التي رضعت شهرين ورعت شهرين من اللحم المجزع، والمائعة بالأرز، والقطايف المعمولة باللوز المدقوق والسكر المسحوق، والمبخرة بالند، المشربة بالجلاب وماء الورد. فقال له: يا أبا منصور، قد تحلب فمي من هذا الوصف فأشهد أنك من أبناء النعم.
الشيخ العميد أبو نصر بن ميكال، قال الأمير محمود بن القاسم بن باتكين الغازي رحمه الله تعالى يومًا لندمائه: يروى أن سليمان ابن داود ﷺ كان يطوف في الليلة الواحدة على أربعين امرأة. فقال أبو نصر: لا بدع ولا عجب، ولقد كانت الريح مسخرة له تجري بأمره. فقهقه الأمير وأعجبه كلامه.
أبو الفضل أحمد بن عبد الله الميكالي من ظريف كلامه: كلامك أعذب من فرات المطر، وأعبق من فتات المسك والعنبر.