المآخذ على شرح أبي العلاء المعري
الموسوم باللاّمع العزيزي
[ ٢ / ٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مآخذ على الشّيخ أبي العلاء المعرّي في شرحه ديوان أبي الطّيب المتنبي، المعروف باللاّمع العزيزي:
فمن ذلك في قوله: (الكامل)
أنساعها ممغوطة وخفافها منكوحة وطريقها عذراء
جعل الطريق عذراء، والعذراء هي التي جرت العادة بأن تنكح، وهي هاهنا ناكحة لأنّها التي أدمت الخفاف.
فيقال: العذراء من النّساء التي لم تفتضّ، فجعل هذه الطريق التي لم تسلك، بمنزلة المرأة التي لم تفتضّ، وجعل ناقته مفتضّة منكوحة، بملاقاة حصى المعزاء والظّرّان التي هي في الطّريق كقول لبيد: (من البسيط)
[ ٢ / ٧ ]
بجسرة تنجل الظّرّان ناجية إذا توقّد في الدّيمومة الظّرر
والمعنى، إنه يصف نفسه بكثرة سيره في الفلوات الموحشة، التي لم يسلكها أحد قبله، وتلك من شيم اللّيالي.
وقال في قوله: (الكامل)
جمد القطار ولو رأته كما رأى بهتت فلم تتبجّس الأنواء
الأجود أن تكون الأنواء فاعلة رأته، ويجوز أن يكون العامل فيها الفعل المتأخّر وهو تتبجّس، والأول مذهب الكوفيّين، والثاني مذهب البصريين.
وأقول: بل الأجود أن تكون الأنواء فاعلة تتبجّس لأنّها تليها، وكلا الفعلين متوجّه إليها. ويجوز أن تكون الأنواء مرتفعة ببهتت مفعولا لم يسمّ فاعله.
وقال في قوله: (الوافر)
وتنكر موتهم وأنا سهيل طلعت بموت أولاد الزّناء
إثبات الألف في أنا هو عند بعض النّاس ضرورة، لأن هذه الألف لا تثبت إلاّ في
[ ٢ / ٨ ]
الوقف.
وكان محمد بن يزيد يتشدّد في ذلك، ولا يجيزه وقد جاء في مواضع كثيرة، من ذلك قول الأعشى: (المتقارب)
فكيف أنا وانتحالي القوا في بعد المشيب كفى ذاك عارا
وقول حميد بن بحدل: (الوافر)
أنا زين العشيرة فاعرفوني حميد قد تذرّيت السّناما
وأقول: قول الشّيخ: إثبات الألف عند بعض النّاس ضرورة أن كان يريد ببعضهم الآخر، إثباتها من غير ضرورة فصواب، وإن كان يريد أن إثباتها لا يجوز، لا في الكلام ولا في الشّعر، فذلك خطأ على خطأ، وذلك إنها قد جاءت في القرآن في قوله تعالى: (لكنا الله هو ربي) بحذف الهمزة من أنا والإدغام وإثبات الألف، وهي قراءة ابن عامر. وفي قوله تعالى: (أنا أحيي) بإثبات الألف من أنا فكيف لا يجوز المبّرد إثباتها في الشعر، وهو موضع ضرورة، وقد جاءت فيما لا ضرورة فيه؟
[ ٢ / ٩ ]
وقال في قوله: (المتقارب)
وكلّ نجاة بجاويّة خنوف وما بي حسن المشي
قال: البجاويّة منسوبة إلى البجاة، ويقال: إنه اسم جيل من النّاس.
وقيل: بل البجاة البلد، ولهم نجب موصوفة. ويجب أن يكون قوله: بجاوية منسوبة
إلى على غير قياس، لأنه لو حمل على لفظ البجاة لقيل بجوي.
وأقول: أن الجوهريّ ذكر أن البجاوية تنسب إلى بجاء، قال: وبجاء اسم قبيلة، والبجاويات من النّوق تنسب إليها، فعلى هذا تكون منسوبة على قياس.
وقال في قوله: (المتقارب)
وأمست تخبّرنا بالنّقا ب وادي المياه ووادي القرى
النّقاب: من قولهم: ورد الماء نقابا، أي: لم يشعر حتى هجم عليه. وقد بالغ في صفة النّجائب، وأخبر إنها تعلم الرّكبان بمكان المياه، فهي أعلم بها منهم.
[ ٢ / ١٠ ]
وأقول: الرواية الكثيرة: تخيّرنا بالياء منقوطة باثنتين من تحتها. والمعنى أن الإبل أوصلتنا إلى النّقاب، وفيه طريقان، إحداهما إلى وادي المياه، والأخرى إلى وادي القرى، فأيّا شئنا سلكنا، وكلاهما يؤدي إلى المقصود ويحصّل الغرض في السيّر.
(والنّقاب: يحتمل أن يكون جمع نقب.)
وقال في قوله: (المتقارب)
وقلنا لها أين أرض العراق فقالت، ونحن بتربان، ها
تربان: موضع، وذكره يتردّد في الشعر، قال النّابغة: (البسيط)
أو ذو وشوم بحوضى بات منصلتا يقرو الدّكادك من تربان والأكما
[ ٢ / ١١ ]
وأقول: ليس هذا البيت كما أنشده، ولا فيه ذكر تربان، وهو مركّب من نصفي بيتين للنّابغة، الأول منهما من قوله: (البسيط)
أو ذو وشوم بحوضي بات منكرسا في ليلة من جمادى أخضلت ديما
والآخر منهما من قوله: (البسيط)
حتّى غدا مثل نصل السيّف منصلتا يقرو الدكادك من نيّان والأكما
وقال في قوله: (المتقارب)
وجابت بسيطة جوب الرّدا ء بين النّعام وبين المها
المها: بقر الوحش، سميّن بذلك لبياض ظهورهنّ، ويصفون الأشياء البيض بمها، والمها: البلّور، ويقال للأسنان مها، قال المسيّب (بن علس): (الكامل)
ومها يرفّ كأنّه إذ ذقته عانيّة شجّت بماء يراع
ويجعلون الشّمس مهاة، قال الشاعر: (الطويل)
وبيضاء لم تطبع ولم تدر ما الحيا ترى أعين الفتيان من دونها خزر
[ ٢ / ١٢ ]
قال أبو الصلّت الثّقفي: (الخفيف)
ثم يجلو الظلام ربّ قدير بمهاة لها ضياء ونور
فيقال: أن العرب وضعت أسماء لمسميّات، وكأنّها في أصل وضعها للتّشبيه، فقالوا لبقرة الوحش مهاة، لبياضها، وقالوا للمرأة مهاة، على وجه التّشبيه لا على إنه اسم لها كالمهاة للبقر. وكذلك يقال في بيت المسيّب:
ومها يرف. . . . . . . . .
يعني الثّغر، إنه شبّهه بالمها، لبياضه وصفائه.
وكذلك إذا جعلته درا فقال: رأيت درا، أو أعجبني درّ، ولم يذكر الموصوف، ولا في الكلام ما يدلّ عليه، كما تقول: هذا ثغر، وأعجبني ثغر، لم يجز إلاّ على التّشبيه.
وكذلك يقال في بيت أبي الصلّت، إنه شبّه الشّمس لبياضها وصفائها بالمهاة، فجعلها مهاة على طريق المجاز والإغراق، لا أن تكون المهاة من أسمائها، كما أن من
[ ٢ / ١٣ ]
أسمائها الجونة. وهذه الطريقة في المجاز واسعة كثيرة في أشعارهم، ويراد بها التّشبيه، من ذلك قول امرئ القيس: (الطويل)
كأنّي بفتخاء الجناحين لقوة على عجل منّي أطأطئ شملالي
فجعل فرسه عقابا على وجه التّشبيه.
ومثله قول أبي الطّيب: (البسيط)
وفي اكفّهم النّار التي عبدت قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
جعل السيوف نارا، وإنما تشبّه بالنار. وقال في قوله: (المتقارب)
ولاح لها صور والصّباح ولاح الشّغور لها والضّحى
ذكر عن أبي الفتح ابن جنّي، إنه قال كلاما معناه: صور لا يعرف في المواضع وإنما المعروف صورى. وإنما أخذه أبو الفتح من الكتب الموضوعة في المقصور والممدود، وإنما أراد المتنبي: صوار فألقى حركة الهمزة على الواو وحذفها.
وقد
[ ٢ / ١٤ ]
ذكر الفرزدق هذه المواضع في شعره فقال: (الطويل)
فما جبرت إلاّ على عنت بها قوائمها إذ عقّرمت يوم صوأر
هذا وأقول: أما قول ابن جني. أن صور لم يعرف في المواضع، فمحتمل أن يكون الاسم صور لهذا الموضع ولم ينقل، كما إنه يكون بعض أسماء النّاس، لم ينقل لكثرة المواضع وكثرة النّاس.
وأما الوجه الذي ذكره الشيخ أبو العلاء فظاهر محتمل.
وصور من غير حذف الهمزة شاذّ، لتحرّك الواو وانفتاح ما قبلها، ولم تقلب ألفا، والشذوذ كثير في الأعلام، نحو محبب وموظب. وصوأر: فوعل، ولا يكون فعأل ولا فعلل، لأن زيادة الواو فيه أولى من زيادة الهمزة، وإذا ثبت (ذلك) فلا يكون فعلل، لأن الواو مع ثلاثة أصول لا تكون إلاّ زائدة.
وقال في قوله: (المتقارب)
فيا لك ليلا على أعكش أحمّ البلاد خفيّ الصّوى
وردنا الرّهيمة في جوزه وباقيه أكثر مما مضى
قد اختلف في الضّمير في جوزه فقيل: هو راجع إلى أعكش المكان، أي:
[ ٢ / ١٥ ]
وردنا الماء الذي هو الرّهيمة في جوز اعكش. ولا يجعل الضمير اللّيل، لئلاّ يتناقض، لقوله:
. . . . . . . وباقيه أكثر مما مضى
فلا يكون الورود في جوزه إذ لم يحصل التّساوي الذي يقتضيه الوسط.
وقال الشّيخ أبو العلاء: وبعض من لا علم له بالعربية، يسأل عن هذا البيت، ويظنّ إنه مستحيل، لأنه يحسب إنه لمّل ذكر الجوز، وجب أن تكون القسمة عادلة في النّصفين فيذهب إلى أن قوله:
. . . . . . . . . وباقيه أكثر ممّا مضى
نقض الكلام المتقدّم، وليس الأمر كذلك، ولكنه جعل ثلث اللّيل الثّاني كالوسط، وهو الجوز، ثم قال:
. . . . . . . . . وباقيه أكثر مما مضى
كأنه ورد والثلث الثاني قد مضى منه ربعه، وبقي ثلاثة أرباعه أو أكثر، وهذا بيّن واضح. والهاء في باقيه يجوز أن ترجع إلى الجوز، وإلى اللّيل.
وأقول: الأولى أن يقال في هذا: أن مقاربة الشيء تستعمل بمعنى الوصول إليه، والحلول فيه كقوله تعالى: (وإن منكم إلاّ واردها)، جعل مقاربة جهنّم
[ ٢ / ١٦ ]
والإشراف عليها ورودها،
(منها قولهم في التّأكيد: جاء الجيش اجمع، وجاءت القبيلة احترازا من أن يكون بقيت منها بقيّة). فيكون، على قوله، في جوزه الضمير راجعا إلى اللّيل في البيت الذي قبله، ويكون الورود قريبا من جوز الليل (أو بقيت منه بفيّة فكأنه في جوزه، وصحّ أن يقول:)
. . . . . . . . . وباقيه أكثر مما مضى
على هذا التّفسير، ولا يكون نقضا للأول. وإنما أوقع الشيخ في هذا التّقدير، جعل الضّمير في ماضيه راجعا إلى جوزه، والصحيح الذي يصحّ به المعنى، إنه راجع إلى اللّيل كما تقدّم.
وقال في قوله: (المتقارب)
فلمّا أنخنا ركزنا الرّما ح فوق مكارمنا والعلا
أي: أسندناها إلى شيء، كما جرت العادة، وكأنه ذهب بهذا القول إلى انهم لم يكن معهم شيء تركز إليه الرّماح، لأنها يعتمد بها المكان العالي، فركزوها فوق مكارمهم، لأنّها رفيعة عالية.
وأقول: ليس الرّكز الإسناد، ولكن الرّكز القيام في الأرض، والإسناد القيام إلى شيء على الأرض. فقوله: أي أسندناها إلى شيء كما جرت العادة وكذلك قوله: كأنه ذهب في هذا القول، إلى أنهم لم يكن معهم شيء يركزون إليه الرماح ليس
[ ٢ / ١٧ ]
بشيء! والجيّد أن يقال في قوله:
. . . . . . ركزنا الرّماح فوق مكارمنا. . . . . .
أي لم نركزها فوق الأرض، كما جرت به العادة، بل فوق مكارمنا وعلانا الرّفيعة العالية، يريد بذلك الإغراب في المعنى، والمبالغة كعادته الجبارية.
وقال في قوله: (المتقارب)
بها نبطيّ من أهل السّواد يدرّس انساب أهل الفلا
يعرّض بالوزير أبي الفضل بن الفرات، لأنه لم يحظ عنده بطائل.
ويقال: أن القصيدة الرّائية التي في ابن العميد: (الكامل)
. . . . . . وأيّ خلق كبّرا
كانت فيه، وكان قد نظمها على قوله: (الكامل)
لأيّ كف بشّرت بابن الفرات
وبناها على قوله: جعفرا
[ ٢ / ١٨ ]
وأقول: هذه القصيدة الرائية، فيها مواضع، تدلّ على أن اصل وضعها في ابن العميد منها قوله: (الكامل)
أرجان أيّتها الجياد. . . . . . . . . . . .
ومنها قوله، يصفه بأنه من العلماء الفلاسفة: (الكامل)
من مبلغ الأعراب أنّي بعدها شاهدت رسطاليس والاسكندرا
وسمعت بطليموس دارس كتبه متملّكا متبديّا متحضّرا
كما وصفه في القصيدة الدّالية بأنه من الفلاسفة، في قوله: (الخفيف)
عربيّ لسانه، فلسفيّ رأيه، فارسيّة أعياده
ومنها قوله: (الكامل)
تركت دخان الرّمث في أوطانه طلبا لقوم يوقدون العنبرا
وذلك أن الرمث مرعى من مراعي الإبل، وقد يستعمل وقودا، ولد دخان أسود إلى الغبرة، يقال: بعير أورق كدخان الرّمث، والإبل ومراعيها تختصّ بالعرب التي تركت ناقة أبي الطّيب بلادهم، ومصر من بلاد العرب، فالذين يوقدون العنبر هم الفرس في بلادهم.
[ ٢ / ١٩ ]
وقال في قوله: (المتقارب)
وشعر مدحت به الكركد نّ بين القريض وبين الرّقى
الكركدنّ: لفظة ليست بالعربية، وليس لها اصل في كلامهم، وقد كثرت الأحاديث عن الكركدنّ. والذي ذكر ابن الأعرابي، إنه دابّة أصغر من الفيل، له قرن واحد، وزعم إنه يسمى الهرميس وأنشد: (الرجز)
بالموت ما عيّرت يا لميس
قد يهلك الأرقم والفاعوس
والأسد المذرّع الحؤوس
والفيل لا يبقى ولا الهرميس
وقول أبي الطّيب:
. . . . . . . بين القريض وبين الرّقى
كأنه ممزوج منهما، أي: أردت خديعته به.
[ ٢ / ٢٠ ]
وأقول: إنما شبّهه بالكركدّن، لعظمه بالسّمن وثقله، لقوله في قوله: (البسيط)
عيد بأيّة حال عدت يا عيد . . . . . . . . .
أن امرءا أمه حبلى تدبّره لمستضام سخين العين مفؤود
وقول الشيخ في قوله:
. . . . . . . . . بين القريض وبين الرّقى
أي: أردت خديعته به ليس بشيء!
ولو قال: أردت السلامة منه به، لأنّ ذلك فعل الرّقى، لكان أولى.
وقال في قوله: (الوافر)
أسامرّيّ ضحكة كلّ راء فطنت وأنت أغبى الأغبياء
سامرّاء اسم محدث سمّي بشيء فغيّرته العامّة، لأن الذي سمّاها جعلها: سر من رأى، فثقل ذلك على السن العوامّ، فغّيروه إلى ما هو عكسه، وانشدوا لعبد الله بن سعيد الأموي، وكان من أهل العلم: (الوافر)
لعمري ما سررت بسرّ من را ولكنّي عدمت بها السّرورا!
[ ٢ / ٢١ ]
وقال بعض المحدثين: (مخلّع البسيط)
ما سرّ من را بسرّ من را بل هي سوء لما رآها
ومن العجائب أن البحتري سمّاها سامرّاء، على مذهب العامّة ولم يتهيّب)
الخليفة، قال: (الكامل)
أخليت منه البذّ وهو قراره ونصبته علما بسامرّاء
فيقال: أن الذي ابتدأ هذه المدينة واختطّها المعتصم، لكثرة الجند ببغداد، وتعسّفهم على العوامّ، وإنما سمّاها: سرّ من رأى. ولعلّ هذا الاسم غيّره عن وضعه من
جاء بعده من الخلفاء، لكونه لم تعجبه هذه المدينة، ولم توافق غرضه فسمّاها بضدّ اسمها سامرّا وحذف الهمزة من ساء كما حذفت الأخرى من رأى وأدغم النون في الرّاء فقال: مرّا. ولم يكن ذلك من فعل العوامّ.
وأما تعجّبه من البحتري، في إنشاده البيت الذي قافيته سامرّاء ولم يتهيّب في إنشاده الخليفة، فظنّ منه أن الشعر مديح في الخليفة، وهو في أبي سعيد الثّغري، ولو إنه في الخليفة فلعلّه هو الذي غيّر هذه اللفظة فلا يتهيّبه.
وقال في قوله: (الطويل)
سبقنا إلى الدّنيا فلو عاش أهلها منعنا بها من جيئة وذهوب
[ ٢ / ٢٢ ]
يريد أن أهل الأرض المتقدّمين، لو كانوا باقين لم يكن المتأخرون خلقوا. وهذه مأخوذ من قول بعض الحكماء لبعض الملوك لمّا قال: ما أطيب الملك لو دام! فقال لو دام لم يصل إليك!
فيقال له: لم قلت: لو أن أهل الأرض المتقدّمين باقون، لم يكن المتأخرون خلقوا؟ وما أنكرت أن يعمّر المتقدمون، ويخلق المتأخرون، ويكونوا معهم مجتمعين، فإن ذلك غير مستحيل كما أن تعمير نوح ألف سنة، لم يمنع من خلق من خلق بعده. ومعنى قول الحكيم: لو دام الملك لم يصل إليك يريد: أن العادة الجارية في الدّنيا بتغيير الأحوال وزوال الملوك والملك كما قال ابن الزّيّات: (البسيط)
لا تجعلنّ، رويدا، إنها دول دنيا تنقّل من قوم إلى قوم
فلو دام الملوك، ولم تتغيّر الأحوال، لدام الملك لمن تقدّمك، ولم يصل إليك.
ومعنى بيت أبي الطّيب: أي: لو عاش أهل الدنيا، ولم يموتوا، لأدّت بهم الكثرة إلى الازدحام فيها، للامتلاء والامتناع من الحركة بالمجيء والذّهاب. وفي هذا تعزية لسيف الدولة، بكثرة من مات من الأمم الخالية، وتسلية له عن مملوكه يماك المعزّى به.
وقال في قوله: (الطويل)
ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
[ ٢ / ٢٣ ]
ادعاء أبي الطّيب أن الدنيا، لا فضل فيها للشجاعة، والنّدى، وصبر الفتى، لولا الموت. غير صحيح، لأن الناس لو كانوا مخلّدين، لم تنقص فضيلة الجود وغيره من الأشياء المحمودة.
فيقال للشّيخ: لا لبس في أن الشّجاع، لو تقدّم في الحرب، واقدم على الطّعن والضرّب، وهو على يقين من السّلامة، لم يكن له فضل في ذلك، لأنه قد وثق بالحياة، فلا يضرّه إلقاء نفسه للمهالك. فكان الناس يتساوون، فلم يكن لأحدهم مزيّة على الآخر. وكذلك يقال في الجواد، وإنه إذا تيقّن البقاء، ووثق بالسّلامة، لم يكن له فضل في العطاء، لأنه قادر على إخلافه بالإغارة على الأموال ولا يقتل، ورده بالتّجارة في البرّ والبحر، ولا يهلك، ولا يغرق. فهذا يبين لك إنما يحمد الإقدام، ويحسن السّماح، عند تجويز الهلاك. ولولا ذلك لم يكونا كذلك.
وقال في قوله: (الطويل)
فتى الخيل قد بلّ النّجيع نحورها تطاعن في ضنك المقام عصيب
قوله: فتى الخيل كلام فيه حذف، وإنما يريد: فتى الخيل الذي يفضل الفتيان، كما تقول: فلان رجل بني فلان، أي: هو أفضل رجل فيهم. وقد يجوز أن يكون فيهم
[ ٢ / ٢٤ ]
جماعة يقع عليهم هذا الاسم،
ومنه قول الهذليّ: (الطويل)
لعمر أبي لطّير المربّة بالضّحى على خالد أن قد وقعن على لحم
أي: لحم رجل عظيم الشأن!
ومنه حديث يروى عن رجل من اليهود رأى عليّا - ﵇ - يشتري جهازا لامرأة، فقال له: بمن تزوّجت؟ فقال: بفاطمة بنت محمد (﵉)، فقال
اليهوديّ: لقد تزوّجت بامرأة! أي: ذات شرف عظيم، وقد علم أن هذا الاسم يقع على النساء.
وأقول: إذا قيل: زيد فتى الخيل، فالمراد: فتى فرسان الخيل، فليس في الكلام حذف غير المضاف وهو فرسان لدلالة على الحال عليه، وبما ذكره من إنها تطاعن، وهذا يفيد حذف المضاف. فلا فرق أن يقال في الإفادة: زيد فتى الفتيان، أو فتى الفرسان، وليس هذا كما مثّله في الشّعر: وقعن على لحم ولا بقوله في الحديث: لقد تزوّجت بامرأة لأن هذا الخبر لا يفيد كإفادة الاوّل، والتقدير: وقعن على لحم أيّ لحم، أي: عظيم جدا، ويراد به صاحبه. وكذلك قوله: بامرأة أي: بامرأة جدّ امرأة، أي: شريفة جدا، وعلى ذلك قوله: (البسيط)
أن امرءا غرّة منكنّ واحدة بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
أي: لمغرور جدّ مغرور، أو لمغرور جدا.
[ ٢ / ٢٥ ]
وقول الآخر: (الطويل)
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا لأفقر مني أنّني لفقير
أي: لفقير جد فقير، أو: لفقير جدا.
وقال في قوله: (الطويل)
وكيف التذاذي بالأصائل والضّحى إذا لم تعد ذاك النّسيم الذي هبّا
يقال: أصيل وآصال. قال الهذليّ: (الطويل)
لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل
وأقول: ليس أصائل جمع أصيل، بل أصائل: جمع آصال، وآصال جمع أصل، واحدا فردا، كقولهم جمل وأجمال وجمائل. قال ذو الرّمّة: (الطويل)
وقرّبن بالزّرق الجمائل بعدما. . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٦ ]
وقال في قوله: (الطويل)
ومن واهب جزلا ومن زاجر هلا ومن هاتك درعا ومن ناثر قصبا
هلا: من زجر الخيل، أن شئت نونّت وان شئت لم تنوّن، وقد أخرجوه من زجر الخيل فاستعملوه في الآدميين، قالت ليلى الاخيلية: (الطويل)
أعيّرتني داء بأمّك مثله وأيّ حصان لا يقال له: هلا
فيقال: ما أخرجوه من زجر الخيل وهي تقول:
. . . . . . . . . وأيّ حصان لا يقال له: هلا
وإنما ذكرته استعارة، وضربته مثلا للذّكران من الآدميين، وهو على أصله ولفظه في الخيل.
وقال في قوله: (البسيط)
ولا تصبك اللّيالي أن أيديها إذا ضربن كسرن النّبع بالغرب
[ ٢ / ٢٧ ]
النّبع: شجر يوصف بالصّلابة، من أشجار الجبال. والغرب: شجر ينبت على الأنهار، ليس له قوة. والعرب إذا وصفوا الحّيزين المقتتلين بالشّدة قالوا: النّبع بالنّبع يقرع، ولذلك قال زفر بن الحارث: (الطويل)
فلمّا قرعنا النّبع بالنّبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
ويروى: عيدانهم، ولم يكن ثم نبع يقرع بعضه ببعض، وإنما وصف الفريقين بالشّدة والصّلابة.
وأقول: إنما قال:
فلمّا قرعنا النّبع بالنّبع. . . . . . . . . . . . . . .
لأنّ زفر بن الحارث من كلاب، وكلاب من مضر بن معدّ، وتغلب من ربيعة بن معد، فالفريقان بعضهم من بعض لكونهم من ولد معد بن عدنان، وقوله فيما قبل يدلّ على ذلك وهو: (الطويل)
وكنا حسبنا كلّ بيضاء شحمة عشيّة لاقينا جذام وحميرا
أي: حسبنا تغلب ضعفاء كجذام وحمير، وهما من ولد يعرب بن قحطان، فأنّا لما
[ ٢ / ٢٨ ]
لقيناهما وجدناهما من الضّعف بمنزلة الشّحمة
وهذا المثل السائر: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة فلمّا لقينا بني تغلب وجدناهم بضدّ ذلك من القوة والشّدة، ولم يكونوا كجذام وحمير شحمة، فقرع القنا (النّبع) بعضه ببعض كناية عن (قتال) القبليتين كلاب وتغلب، انهم بعض من بعض!
وقال في قوله: (البسيط)
تعثّرت به في الأفواه ألسنها والبرد في الطّرق والأقلام في الكتب
يريد أن هذا الخبر (نبا) عظيم، لا تجترئ الأفواه على النّطق به، فهذا قد يجوز أن يكون صحيحا، لأن الإنسان ربّما هاب الشيء لعظمه في نفسه. وكذلك الكاتب الذي يكتب بالخبر الشّنيع، ربّما تعثر قلمه فيه هيبة للأمر، وإنما التّعثر من الكاتب، وأمّا ادّعاؤه التّعثّر للبرد، فكذب لا محالة، لأن البريد لا يشعر بالخبر. وقد ذكر أبو الطّيب في مكان آخر، ما يدلّ على أن حامل الكتاب الذي لا يشعر ما فيه، غير شاق عليه حمله فكيف بالدابّة التي لا يحكم عليها بالعقل؟! فمن ذلك قوله لعضد الدولة: (السريع)
حاشاك أن تضعف عن حمل ما تحمّل السّائر في كتبه
[ ٢ / ٢٩ ]
فيقال له: ليس تعثّر البرد بحمل الخبر الذي هو نعيّ حقيقة، بل مجازا مبالغة وإغراقا. وهذا، في كلامهم أكثر من أن يحصى، فمن ذلك قول الشّماخ: (الطويل)
ابعد قتيل بالمدينة أظلمت له الأرض تهتزّ العضاه بأسؤق
وقول الآخر: (الطويل)
أيا شجر الخابور مالك مورقا؟ كأنّك لم تحزن على ابن طريف
وقول المتنبي: (الطويل)
إذا ظفرت منك العيون (بنظرة) أثاب بها معيي المطيّ ورازمه
على أن الشّيخ قد قال في تفسير قوله: (الكامل)
طربت مراكبنا فخلنا إنها لولا حياء عاقها رقصت بنا
والمراكب جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدّابة، ويجوز أن تسمّى الدابة مركبا، وكون المركب في معنى السّرج أبلغ في هذا الموضع، لأنّ الدابة حيوان، فهي أقرب إلى الرقص من الذي يركب فيه.
فهو كما ترى قد جعل الجماد الذي هو خشب، يرقص لفرحه. فهلاّ أجاز في الحيوان، الذي هو بريد، أن يعثر لحزنه. وكلاهما استعارة ومجاز.
[ ٢ / ٣٠ ]
وقد قال: إنما التّعثّر في الأقلام من الكاتب، فلم لا جعل التعثّر في البريد من الرّاكب لكآبته وحزنه فهو لا يهتدي الطريق، فيسلك الحزن، والوعر ضلالا، فيتعثّر فرسه فكأنّه هو المتعثّر؟
وقوله: أن حامل الكتاب الذي لا يشعر ما فيه، غير شاقّ عليه خطأ، لأن مثل هذا الرّزء العظيم بهذه المرأة العظيمة، التي هي أخت سيف الدولة، لا يقال: إنه لا يشتهر موتها، فيحمل البريد بذلك كتابا لا يعلم ما فيه، فلا يشقّ عليه!
وقال في قوله: (البسيط)
حللتم من ملوك الناس كلّهم محلّ سمر القنا من سائر القصب
سائر، عند البصريين، مأخوذ من سؤر الشيء (وهو بقيّته، يرون إنه يجب أن يقدّم قبل هذه الكلمة بعض الشيء) الذي هي مضافة إليه فيقال: لقيت الرّجل دون سائر بني أبيه، لأنّ الرّجل بعضهم، وكذلك قول الشّاعر: (الطويل)
وما حسن أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر عاذر
لا يحسن أن يقال: لقيت اليوم سائر الناس، لأنه لم يتقدّم شيء تجعل سائر بقيّة له. وعلى هذا النّهج أكثر كلام العرب، ومنه قول الهذلي: (الطويل)
[ ٢ / ٣١ ]
وغيّر ماء المرد فاها فلونه كلون النّؤور وهي إدماء سارها
أي: سائرها، وحسن ذلك لأنه قال:
وغيّر ماء المرد فاها. . . . . . . . . . . .
ففوها: شيء قد تقدّم بكون ما بعده سؤرا له.
وقال قوم: سائر مأخوذ من سار يسير، وقولهم: لقيت سائر القوم، أي: الجماعة التي يسير فيها هذا الاسم وينتشر، وممّا جاء على هذا الوجه قول الرّاجز: (الرجز)
لو أن من يؤجر بالجمام يقوم يوم وردها مقامي
إذا أضلّ سائر الأحلام
أي: كلّها.
وبيت أبي الطيب، على مذهب البصريين، يضعف، لأن القنا، ليس من القصب في الحقيقة. فكأنه قال: لقيت عنترة العبسيّ، دون سائر بني كلاب. وعنترة ليس منهم، والبيت على الوجه الآخر، لا كلام فيه.
فيقال له: بل القنا من القصب على الحقيقة، وهو نوع منه صلب اصلب من غيره، وهو من القصب في النّبات بمنزلة البخت من الإبل، والجواميس من البقر، في الحيوان، وإذا كان كذلك فبيت أبي الطّيب يصحّ على مذهب من جعل سائر من سار يسير وتنزل منزلة قول القائل: لقيت مسلمة المرواني دون سائر بني أمية.
[ ٢ / ٣٢ ]
وقال في قوله: (البسيط)
تخالف النّاس حتّى لا اتفاق لهم إلاّ على شجب والخلف في الشّجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمة وقيل: تشرك جسم المرء في العطب
الملحدون يزعمون أن النفس تهلك كما يهلك الجسم. وقد روي عن أفلاطون
وارسطاطاليس في ذلك أقوال، فيذكرون أن أحدهما كما يقول ببقاء النّفس الخيّرة بعد خروجها من الجسد. وأمّا الآخر فكان يقول ببقاء النفس المحمودة والمذمومة. ومن يذهب إلى هذا الوجه، يزعم إنها تكون ملتذّة بما فعلته من الخير في الدنّيا الفانية.
وأقول: ليس الملحدون مختصّين بالقول بهلاك النّفس بهلاك الجسم بل من المسلمين الموحّدين المعتقدين للبعث والنشور من يقول بذلك. وهو كلّ من يرى أن الرّوح عرض، يفتقر إلى ضرب من البنية مخصوص، وذلك أن العرض لا يقوم بنفسه، فإذا فني ما يقوم به، فني بفنائه.
وقال في قوله: (المتقارب)
أتاهم بأوسع من أرضهم طوال السّبيب قصار العسب
وحّد السّبيب هاهنا ضرورة، لأنه كان ينبغي أن يقول: طوال السّبائب.
[ ٢ / ٣٣ ]
فيقال: ليس إقامة الواحد مقام الجمع ضرورة، ولكن توسّعا، وقد جاء ذلك كثيرا على غير وجه الضرورة، كقوله: (الوافر)
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا فأنّ رمانكم زمن خميص
وقول الآخر: (الطويل)
بها جيف الحسرى فأمّا عظامها فبيض وأمّا جلدها فصليب
وكذلك يقال في إقامة الجمع مقام الواحد في قوله: (الطويل)
فشيّب أيام الفراق مفارقي وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
وقولهم: بعير ذو عثانين.
وأشباه ذلك.
وقال في قوله: (الوافر)
وقد لبست دماؤهم عليهم حدادا لم تشقّ لها جيوبا
[ ٢ / ٣٤ ]
الحداد: الثوب الذي يلبسه الحزين، وجعل الطّير لوقوعها على هؤلاء القتلى، وأكلها لحومهم، قد اختضبت بدمائهم، فكأنّها لابسة حدادا لم تشقّ جيوبه، لأن الدّم قد عمّ جميع شخوصها، فليس منها شيء بالظاهر، وذلك ضدّ ما يجب إذ كانت مسرورة بقتلهم، والحداد إنما يلبسه الحزين.
وأقول: أن أبا الطّيب اغرب في هذه الاستعارة إغراب حذاقة في صناعة، وذلك إنه لمّا قال: (الوافر)
وما سكني سوى قتل الأعادي فهل من زوة تشفي الكروبا
قال: (الوافر)
تظلّ الطير منها في حديث تردّ به الصّراصر والنّعيبا
فاستعار للطّير حديثا، للمناسبة التي بينه وبين الزيارة. ثم قال: تردّ به أي: بالحديث، الصّراصر، وهي أصوات الجوارح، والنعيب، وهو صوت الغربان، وأصواتها مستعملة في النّوح وذلك كثير. وجعل تلك الزيارة ليست كغيرها من زيارات الفرح والسّرور. ولمّا وصف الطّير بالنّوح، وهو من علامة الحزين، أردفه بما يجانسه من لبسها ثياب الحداد، وهو أيضًا من شعار الحزن في قوله:
وقد لبست دماؤهم عليهم حدادا. . . . . .
ثم نبّه على أن ذلك الشّعار والزّيّ ليس بحزن، على الحقيقة، بقوله:
[ ٢ / ٣٥ ]
. . . . . . لم تشقّ لها جيوبا
كعادة الحزين، لأن من شأنه أن يشقّ جيبه على من يفقده من أحبابه، والمفقود هاهنا ليس من أحباب الطّير بل من أعدائها، لأن الطّير من أصحاب الممدوح، واتباعه، وعياله. فكأنها مبدية، بالنّوح ولبس الحداد، الحزن في الظاهر، وإن كانت مسرورة في الباطن.
وقال في قوله: (الوافر)
كأنّ نجومه حلي عليه وقد حذيت قوائمه الجبوبا
الجبوب: الأرض.
والمعنى أن الليل قد عمّ الأرض فكأنّها حذاء لقوائمه.
وأقول: إنما قال:
وقد حذيت قوائمه الجبوبا
إشارة إلى طول اللّيل بتثّبته، وتثّبطه عن الزّوال والانقضاء، لا لأنه عمّ الأرض ولكنّه جعل الأرض حذاء للّيل، وهو حذاء ثقيل لا تكاد تنقله رجله، فكأنه أمسكها عن السير والانتقال. ولهذا قال فيما قبل: (الوافر)
أعزمي طال هذا اللّيل. . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٦ ]
وقال في قوله: (الوافر)
فشم في القبّة الملك المرجّى فأمسك بعد ما عزم انسكابا
أكثر ما يستعمل عزمت وعزم مع حرف الخفض، أو مع أن والفعل، فيقولون: عزمت على الارتحال، وإن ارتحل. إلاّ أن ذلك جائز، لأن العزم القطع والإمضاء.
وأقول: إنه ظنّ أن قوله انسكابا من قوله: عزم انسكابا: مفعول به، فتأوّل عزم بمعنى قطع ليعديّه، وليس كذلك،. وإنما هو مفعول له، أو مصدر في معنى الحال، لأنّ عزم غير متعدّ، لقول الله تعالى: (فإذا عزمت فتوكّل على الله) وقول الشّاعر: (الوافر)
عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسوّد من يسود
وورد البيت شاهدا في اغلب كتب النحو دون عزو.
[ ٢ / ٣٧ ]
وقال في قوله: (البسيط)
وكلّما لقي الدينار صاحبه في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
جمع بين ضرورتين في قوله: يصطحبا: حذف أن وأعمالها، وذلك مفقود في الشّعر الفصيح.
فيقال له: ليس في هذا، إلا ضرورة واحدة، وهو إنه أعطى المحذوف المقدّر حكم الثابت فنصب بأن محذوفة مقدّرة، كما ينصب بها ثابتة، وذلك كأعمال حرف الجر محذوفا مقدّرا في القسم، وبعد حرف العطف.
وقوله: وذلك مفقود في الشّعر الفصيح.
فيقال له: قد جاء ذلك (في) قول طرفة:
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى. . . . . . . . .
فيمن رواه بنصب أحضر، فهل عندك ذلك من الشّعر الفصيح؟
وقال في قوله: (الطويل)
أغالب فيك الشّوق والشّوق أغلب وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
[ ٢ / ٣٨ ]
يريد: والشّوق أغلب منّي، أي: أني لا أطيقه. وذهب أبو الفتح ابن جنّي، إلى أن أغلب هاهنا من قولهم: أسد أغلب، أي غليظ العنق، يصف الشّوق بالشّدّة، ويزعم إنه يغالبه، وهو كاللّيث الأغلب. وهذا المعنى، قريب من الأول، إلا أن الذي ذهب إليه أبو الفتح لا يكون إقرارا من أبي الطّيب بأنه مغلوب، وهذا أشبه بمذهبه. والوجه الأول فيه إقرار للشّوق بالغلبة. وقد أنكر بعض الناس قول أبي الفتح، وليس بمنكر.
فيقال للشّيخ: إذا تأملت تركيب البيت في صدره وعجزه، تحقّقت أن قول ابن جنّي في أن أغلب بمعنى أسد أغلب، ضيف جدا، وإن الجيّد القول الأول، أي أغلب مني، كما أن أعجب أراد به من الوصل، فكلا أفعل في الصّدر العجز للتّفضيل. وهذا الذي توجبه الصّناعة، ويقتضيه التركيب.
وقوله: إلا أن الذي ذهب إليه أبو الفتح لا يكون إقرارا من أبي الطّيب إنه مغلوب،
وهذا أشبه بمذهبه ليس بشيء! لأن هذا غزل، وهذا متغزّل، وليس بحماسة. والأشبه بمذهبه المبالغة في شعره، والمبالغة في التّفسير الأول، وهو أن الشّوق أغلب مني، والوصل أعجب من الهجر، أي: لا يتّعجب من الهجر أن وقع لكثرته (ولطوله) بل يتّعجب من الوصل أن وقع لقلّته.
[ ٢ / ٣٩ ]
وقال في قوله: (الطويل)
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية فجودك يكسوني وشغلك يسلب
إذا لم تنط بي ضيعة تقطعني إياها، فجودك يكسوني، وشغلك عنّي يسلبني.
وأقول: الأجود أن لا يكون المصدر معدى بعن، ولكن معدى باللاّم، أي: وشغلك لي يحسبني ويمنعني من التّصرف بنفسي، فأنفق ما تعطيني إياه وذلك يسلبني. ويدل على ذلك الرواية بفتح الشّين: وشغلك.
وقال في قوله: (الطويل)
وعن ذملان العيس أن سامحت به وإلاّ ففي أكوارهنّ عقاب
الكلام يستغني عن قوله:
[ ٢ / ٤٠ ]
وعن ذملان العيس. . . . . . . . . . . .
ثم ابتدأ كلاما فقال: أن سامحت العيس بذملانها ركبتها، وإلا تسامح، ففي أكوارهنّ عقاب، أي: أنا اقدر، من السيّر والتّصرف في الأسفار، على ما لا تقدر عليه العقبان.
وأقول: الكلام لا يستغني عن قوله:
وعن ذملان العيس. . . . . . . . . . . .
ولا يتمّ إلا به، وهو معطوف على البيت الذي قبله، متعلّق به، وهو قوله: (الطويل)
غنيّ عن الأوطان لا يستفزّني إلى بلد سافرت عنه إياب
وهذا (الذي) ذكر الشّيخ ليس بشيء! ولا الذي (ذكره) غيره في هذا البيت من شرّاح الديوان!
وأقول: أن قوله: وإلاّ شرط لقوله:
غنيّ عن الأوطان. . . . . . . . . . . .
وعن مسامحة العيس بالذّملان. (والتقدير:) وإلاّ اغن عنها، لما يعرض لي من سوء المقام، عند من أنا مقيم عنده، واحتجت إليهما، فأني صبور على سير الابل، تشيط، خفيف، كأنّي في أكوارها عقاب.
[ ٢ / ٤١ ]
وقال في قوله: (الطويل)
فديناك أهدى النّاس سهما إلى قلب . . . . . . . . .
ومن خلقت عيناك بين جفونه أصاب الحدور السّهل في المرتقى الصّعب
الحدور: كلّ مكان ينحدر فيه، وهو اسهل عندهم من الصّعود، لأن الصّعود شاقّة، قال الهذليّ: (الوافر)
وأنّ سيادة الأقوام فأعلم لها صعداء مطلبها طويل
وكلام أبي الطّيب مؤدّ هذا المعنى، كأنه قال: أصاب الحدور السّهل في الصّعود.
وأقول: انظر إلى هذا التّفسير وقوله المعنى: أي: أصاب الحدور السّهل في الصّعود!
وهكذا قال أبو الطّيب، إلا إنه وضع موضع المرتقى الصّعب الصّعود، فغيّر العبارة ونقصها، ولم يذكر المعنى الذي أراده الشّاعر. والمعنى: إنه لمّا وصف، أولا، هذا المتغزّل به بقوله:
فديناك أهدى النّاس سهما إلى قلب . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٢ ]
وعنى بذلك طرفه، أراد المبالغة بقوله:
ومن خلقت عيناك بين جفونه. . . . . . . . .
فأن الأشياء الصّعبة سهلة عليه، وتطيعه وتنقاد اليه، لما هو عليه من الحسن، بهذه الصّفات المذكورة التي تفرّد بها، وملك القلوب بها، ويعني بذلك المخاطب.
وقال في قوله: (الطويل)
فأضحت كأنّ السّور من فوق بدؤه إلى الأرض قد شقّ الكواكب والتّربا
المعنى إنه وصف بناء هذا الموضع بالعلوّ وإنه قد تناهى بانيه فكأنّ أعلاه في السّماء وأسفله قد شقّ الأرض.
وأقول: كأنّه لم سيفهم المعنى، وهو إنه قد تناهى في وصفه، فجعل البناء الذي من شانه أن يبني من اسفل إلى فوق بالعكس، فجعله، لعلوّه، كأن بدأه من فوق إلى أسفل، قد شقّ الكواكب أولا، فهي له كالأساس، ووصل إلى التّرب فشقّه، فكأنّ أبا الطّيب عكس قول السّموأل: (الطويل)
رسا أصله تحت الثّرى، وسماؤه إلى النّجم فرع لا يرام طويل
[ ٢ / ٤٣ ]
وقال في قوله: (الطويل)
أهذا جزاء الصّدق إن كنت صادقا وهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا
هذا بيت فيه عتب شديد على سيف الدولة. يقول: أهذا الفعل الذي فعلت بي، من الإبعاد والإخافة، جزاء مدحي؟ فإن كنت صادقا، فما يجب أن تجازيني بقبيح، وإن (كنت) كاذبا، فإكرامي يجب أكثر مما يجب على الصّدق، لأني تقولّت لك من المكارم ما ليس فيك!
فيقال: هذا الذي ذكره في تفسير كاذبا لا يسوغ أن يقابل به بعض العوامّ، فكيف بعض الملوك، لما فيه من قبح الخطاب، وسوء الأدب!! وقد ذكرت ما فيه في شرح ابن جنّي.
وقال في قوله: (الوافر)
وما بك غير حبّك أن تراها وعثيرها لأرجلها جنيب
[ ٢ / ٤٤ ]
(مجلّحة) لها أرض الأعادي وللسّمر المناخر والجنوب
يقول: ما بك داء، إلا أن ترى الخيل، والغبار طائر من تحت أرجلها، وهو يتبعها، كأنه جنيب لها.
وأقول: هذا التّفسير ظاهر، كما ذكره الشّاعر. والمعنى معه غير سائر ولأن مرض المحبّ إنما يكون من تمنّع حبوبه بهجره، وبعده وعدم وصاله. وسيف الدولة داؤه، كما ذكر أبو الطّيب، رؤية الخيل مثيرة للغبار، كريهة الوجوه، لها أرض الأعادي، وللسّمر مناخرها وجنوبها. وعلى هذا لا يخلو سيف الدولة من أن يكون قادرا عليه، أو عاجز عنه، فإن كان الأول، فالوصل حاصل، فما وجه المرض؟ وإن كان الثاني فهو هجو لسيف الدولة، بكونه لا يقدر عليه. إلا أن يكون ذلك وقت مهادنة، فبذلك يصحّ المعنى، وإلا فلا وجه لصحّته، لكنّ قول أبي الطّيب: (الوافر)
فقرّطها الأعّنة راجعات فأنّ بعيد ما طلبت قريب
يدلّ على أن ليس ثمّ مهادنة ومعاهدة، وقد يكون مرض العشق مع الوصال، خوفا من الانفصال.
[ ٢ / ٤٥ ]
وقال في قوله: (الوافر)
إذا داء هفا بقراط عنه فلم يوجد لصاحبه ضريب؟
الناس يختلفون في إنشاد هذا البيت، واصحّ ما يقال:
إذا داء. . . . . . . . . . . . . . .؟
أي: أهذا داء؟ وتكون الألف للتقرير، والاستفهام الخالص، كأنه لمّا ذكر داء سيف الدولة، وإنه حبّ الحرب، وشوقه إليها، قال: أهذا الدّاء داء، لم يعرفه بقراط.
فأمّا من روى:
إذا داء. . . . . . . . . . . . . . .
فلا وجه لروايته، على إنه يؤدي معنى انفراد سيف الدولة بهذا الدّاء، إذا جعلت الفاء جوابا لاذا.
وأقول: قد ذكر في ذلك ثلاثة اوجه:
إذا داء. . . . . . . . . . . . . . .؟
بفتح الهمزة على الاستفهام.
وبفتحها أيضًا على النّداء، وذا بمعنى صاحب.
وبكسرها، وإذا ظرف.
وكلّ يؤدي معنى انفراد سيف الدولة بهذا الدّاء الذي هو نفسه الصّحة وعي الفضيلة.
[ ٢ / ٤٦ ]
وقال في قوله: (الوافر)
بغيرك راعيا عبث الذّئاب وغيرك صارما ثلم الضّراب
يجوز أن يكون نصب راعيا وصارما على التمييز وعلى الحال.
وأقول: الجيّد أن يكون راعيا وصارما نصبا على الحال، لا على التّمييز، لتقدّمهما على العامل فيهما. وأجاز ذينك المازنيّ والمبرّد، ولم يجز سيبويه، والخليل على ذلك، إلا في الحال وأنشد على صحة ذلك: (الطويل)
أتهجر سلمى للفراق حبيبها وما كان نفسا بالفراق تطيب
ودفعت رواية نفسا، وقيل إنما هي نفسي. ولو صحّت رواية نفسا في البيت لم يكن حجّة في الكلام، لأن الشّعر ضرورة لإقامة الوزن، وليس كذلك في النثر.
وقال في قوله: (الوافر)
وتملك أنفس الثّقلين طرّا فكيف تحوز أنفسها كلاب
[ ٢ / ٤٧ ]
الثّقلان: يراد بهما الإنس والجنّ، ولو تؤول انهما العرب والعجم، لكان ذلك وجها، لأن الجنّ لا يظهرون للأنس. وأمّا الثّقلان اللذان في الحديث، فتفسيرهما معهما،
وهو قوله - ﷺ -: تركت فيكم الثّقلين، كتاب الله، وعترتي، أهل بيتي وإنما ذلك مأخوذ من ثقل الرّجل الذي يحتاج إلى حمله ومراعاته فكأنّ كتاب الله وعترته ثقلا النّبي - ﷺ - اللذان يجريان مجرى متاعه.
فيقال له: قول أبي الطّيب
وتملك انفس الثّقلين. . . . . . . . . . . .
ليس المراد بهما إلا الإنس والجنّ، وإن كانت الجنّ لا تظهر كما ذكر. وأراد بذلك المبالغة والاغراق، وهو مستعمل، كثير في المنظوم والمنثور من الكلام، فلا وجه للعدول عنه إلى غيره. وتفسير الثّقلين بالعرب والعجم، لا يجوز، لأن ذلك لم يستعمل، ولم ينقل عنهم، ولم يسمع منهم. ولا يجوز أن يقاس على قول النبي - ﷺ - خلّقت فيكم الثّقلين، كتاب الله وعترتي، أهل بيتي لأن ذلك نقل عنه - ﷺ - وهو سيد العرب، وافصح الفصحاء، وصاحب الشّريعة.
وقال في قوله: (المتقارب)
وما قلت للبدر أنت اللّجين ولا قلت للشمس أنت الذّهب
[ ٢ / ٤٨ ]
يقول: أنى تناهيت في مديحك، فلم أجعلك، وأنت بدر فضّة، ولم أقل لك، وأنت شمس، إنك ذهب، لأن الذّهب والفضّة يستهلكان، والشّمس والقمر ليسا كذلك.
وأقول: تعليله بقوله: لأن الذّهب والفضّة يستلكان، والشمس والقمر ليسا كذلك ليس بشيء! ولو قال: لأن الذّهب والفضّة ليسا في القدر والشّرف، بمنزله الشّمس والقمر لكان صوابا. ولو قال: لم أنقصك من المدح، فأعطيك دون ما تستحق، لكان أولى.
وقال في قوله: (المتقارب)
ومن ركب الثّور بعد الجوا د أنكر أظلافه والغبب
يقال: غبب الثور وغبغبه.
والأظلاف تستعمل للبقر والغنم، وقد جاءت مستعملة للنّاس، قال الشّاعر: (الطويل)
سأمنعها وسوف أجعل أمرها إلى ملك أظلافه لم تشقّق
[ ٢ / ٤٩ ]
وأقول: لم يذكر الشّيخ معنى هذا البيت، (ولعله) استرذله، وذلك كأنه يشير بالثّور، إلى كافور، وبالجواد إلى سيف الدولة. فلفظه ركب معهما غير سائغة. وإن كنى بذلك عن حاله معهما في الضّعة بعد الشّرف، فذلك سائغ حسن.
وقال في قوله: (المتقارب)
مبارك الاسم أغرّ اللّقب كريم الجرشي شريف النّسب
يعنى بالجرشي النّفس، قال الأسديّ: (الطويل)
بكى جزعا من أن يموت وأجهشت إليه الجرشّي وارمعلّ خنينها
الخنين هاهنا الانف، وجعله أغرّ اللقب، لأن لقبه سيف الدولة، والسّيف يوصف بالبياض.
وأقول: أن الشّيخ ذكر معنى قوله: أغرّ اللقب، ولم يذكر معنى مبارك الاسم. وكان الأولى أن يذكره، ويبدأ به، وهو عليّ مشتقّ من العلّو، والعلو مبارك، لاسيّما وهو اسم علي بن أبي طالب - ﵇ - واسمه مشتقّ من اسم الباري - ﵎ - للحديث: أنّي خلقته، وشققت له اسما من اسمي، فأنا العليّ الأعلى، وهو عليّ.
[ ٢ / ٥٠ ]
وقوله: الخنين هاهنا الأنف، غير صحيح، بل الخنين: مصدر خنّ يخنّ خنينا، وهو صوت يخرج من الأنف عند البكاء، قال الشّاعر: (الطويل)
وقلت لعبد الله إذ خنّ باكيا تعزّ وماء العين منهمر يجري
قال ابن دريد: والخّنّة أشدّ من الغنّة.
وارمعلّ خنينها: ارتفع بكاؤها.
وقال في قوله: (الكامل)
يا حبّذا المتحمّلون وحبّذا وادلثمت به الغزالة كاعبا
وقد سميّت الشمس الغزالة، وهي في هذا البيت الشمس بعينها، وانشد قول ذي الرمة: (الوافر)
[ ٢ / ٥١ ]
وأشرقت الغزالة رأس حوضي أراقبهم فما أغني قبالا
وأقول: لا خلاف، أن الغزالة من أسماء الشّمس. وبيت ذي الرّمّة، يقضي بقوله: أشرقت على ذلك، لأن الإشراق من صفاتها المختصّة بها، ولكن الأحسن، أن تكون الغزالة في بيت أبي الطّيب الظّبية لذكر الوادي، وحسن الاستعارة بذكر المناسبة والمصاحبة التي بينهما، ولأنه أقرب وأشبه بذكر اللّثم، ووصفها بالكاعب.
وقال في قوله: (الكامل)
وحبيت من خوص الرّكاب بأسود من دارش فغدوت امشي راكبا
جعل حظيّ من خوص الركاب، هذا الحذاء الذي أمشي به. وقد كرّر هذا المعنى في قوله: (المنسرح)
لا ناقتي تقبل الرّديف ولا بالسّوط يوم الرّهان اجهدها
وقد سبق الناس إلى هذا المعنى، ومنه قول القائل: (الطويل)
. . . . . . . . . إليك امتطينا الحضرميّ الملسّنا
فيقال: بل السّابق إلى هذا المعنى، أبو نواس في قوله: (الطويل)
إليك أبا العبّاس من بين من مشى عليها امتطينا الحضرميّ الملسّنا
[ ٢ / ٥٢ ]
وقد جاء هذا، لبعض شعراء العصر، في أبيات منها قوله: (الكامل)
والدهر من أفعاه لم يسلم سلامة فائش
نهشته نهش الحارث ال ملك الهمام الرائش
وجذيمة الوضّاح أر دته بجذم الرّاهش
وثوى النّجاشيّ الملي ك البرّ بين أحابش
فأقنع من الدّهم الجيا د بأدهم من دارش
وقال في قوله: (الكامل)
خذ من ثناي عليك ما اسطيعه لا تلزمنيّ في الثّناء الواجبا
كان ابن سعد، راوية أبي الطّيب، يحكي عه حكاية، معناها إنه قال: ليس في شعري قصر ممدود، إلا في هذا الموضع - يعني قوله:
خذ من ثناي. . . . . . . . . . . . . . .
وإنما كان يذكر ذلك لأنه كان يحكى، إنه رأى القصيدة الكافيّة التي في عضد الدولة بخطّ أبي الفتح ابن جني وقد ضبط قوله: (الوافر)
. . . . . . . . . وقد فارقت دارك واصطفاكا
وقد كسر الطاء كأنه أراد: واصطفاءك. وليس هذا بحجّة على ابن جني، لأن أبا الطّيب
[ ٢ / ٥٣ ]
يجوز أن يكون قصر الممدود، بعد أن قال ذلك القول.
والثناء أكثر ما يستعمل في الخير، وحكى ابن الأعرابي إنه يستعمل في الشرّ وأنشد: (الكامل)
أثني عليّ بما علمت فأنّني أثني عليك بمثل ريح الجورب
فيقال: لا شكّ في قصر ثناي عليك، لأن الوزن يشهد به، ولا مصرف له إلى سواه. وأمّا قصر اصطفاكا فقد روي بفتح الطاء فعلا ماضيا، (فلا ضرورة. ومحتمل أن يكون ابن جني اخطأ بكسر الطاء، وذلك من بعض تغييراته في القصائد التي نظمها في ابن العميد، وعضد الدولة، لأنه لم وكن في صحبته. وقتل
أبو الطّيب، ولم يجتمع به بعد ذلك، فيقرأها عليه. أو يكون أبو الطّيب، اخبر بذلك قبل هذه القصيدة الكافيّة، وهي آخر ما نظم وما سمع منه.
وأما قوله: إن الثّناء أكثر ما يستعمل في الخير، وقد يستعمل في الشرّ، ورواية ذلك عن ابن الأعرابي، واستشهاده بالبيت الذي عجزه:
. . . . . . . . . أثني عليك بمثل ريح الجورب
فلا حجّة فيه، لأنه هزء بها وسخريّ منها، والصّحيح: أن الثّاء لا يستعمل إلا في القول الجميل، والخير دون الشرّ.
وقال في قوله: (البسيط)
وتغبط الأرض منها حيث حلّ به وتحسد الخيل منها أيها ركبا
[ ٢ / ٥٤ ]
غبطت الرّجل: إذا أردت أن يكون لك مثل ماله، ولا يكون غرضك في زوال نعمته.
وحسدته: إذا أردت أن تنال مثل نعمته، وان يزيلها الله عنه.
وفي بعض الحديث: إنه قيل له: هل يضرّ الغبط؟ فقال: كما يضرّ العضاه الخبط أي: أن العضاه لا تحسّ بخبط الورق، كأنه سهّل أمره.
وأقول: قوله: سهّل أمر الغبط لأن العضاه لا تحسّ بالخبط ليس بشيء! لأن غير العضاه من الشّجر مثلها في إنها لا تحسّ. وإنما يريد أن العضاه شجر يأكل المال ورقه، فالضرر له خبطه ونثر ورقه، ويقال له: الخبط. فهذا يدلّ على (أنّ) الغبط ضرب من الحسد، أو يستعمل في موضع الحسد توسّعا.
وأقول: لم يذكر الشّيخ لم خصّ الأرض بالغبط، والخيل بالحسد، وذلك أن التّنافر والتّزاحم والتّقاتل يقع بين الحيوان في كثير من الأشياء التي يقع الاشتراك فيها، فيوجب التحاسد، وهو أن أحدها أخذه والاستيلاء عليه دون الآخر، وليس كذلك الجماد، كالأرض، فخصّها بالغبط دون الحسد، وخصّ الخيل التي هي من الحيوان
بالحسد.
[ ٢ / ٥٥ ]
وقول أبي الطّيب من قول أبي نواس: (الكامل)
تتحاسد الامصار وجهك بينها فكأنّهنّ بحيث كنت ضرائر
إلا إنه قصّر عن المثل الذي ضربه أبو نواس، بذكر الضّرائر اللواتي يقع بينهنّ الحسد.
وقال في قوله: (البسيط)
بحر عجائبه لم تبق في سمر ولا عجائب بحر بعدها عجبا
السّمر: ظلّ القمر.
ومن كلامهم: لا أكلّمك السّمر والقمر! أي: طول الدّهر.
وقيل للقوم يتحدّثون في ظلّ القمر: سمّار، وقد سمروا يسمرون. ثم كثر ذلك حتى سمّي الحديث باللّيل سمرا، وان لم يكن في القمر.
ويقولون: كنّا في السّامر، أي في الرّهط الذين يتحدّثون في ذلك الوقت، وجعل ابن أحمر السّمر وقتا فقال: (الكامل)
من دونهم أن جئتهم سمرا عزف القيان ومجلس غمر
وأقول: كأنّ الشّيخ جعل جلّ مقصوده في هذا الدّيوان شرح كلمة حوشيّة، أو
[ ٢ / ٥٦ ]
نادرة غريبة، فقلّما يتعرّض فيه لذكر معنى مشكل، أو ينبّه فيه على صناعة بديعة!
ومعنى هذا البيت، إنه جعل الممدوح بحرا يفضل كلّ بحر، بعجائب ما يأتي منه وما يسمع عنه من أحاديث المكارم، وصفات الجود، وإنما قال: عجائب بحر لأن البحر عجائبه كثيرة غريبة، وكقولهم: كالبحر: حدّث عنه بلا حرج! وكذلك السّمر، لأنه يقع فيه بين القوم، يتحدثون أحاديث عجيبة، وروايات غريبة، فكأن هذا الممدوح لم يترك، بما يسمع عنه، ولما اشتهر به، ومن عجيبة تسمع عن بحر
أو تذكر في سمر.
وقوله: وجعل ابن أحمر السّمر وقتا في قوله: أن جئتهم سمرا، فأنه محتمل أن يكون سمرا مفعولا له، أو مصدرا على تقدير قوله: اسمر سمرا، أو مصدر في موضع الحال، أي: سامرا.
وقال في قوله: (البسيط)
مبرقعي خيلهم بالبيض متّخذي هام الكماة على أرماحهم عذبا
يريد انهم يمدّون أيديهم بالسيوف للضّرب، فتصير أمام وجوه (الخيل)، فكأنّها لها براقع.
ويمكن أن يريد، انهم يضربون أعداءهم بالسّيوف فيمنعونهم من النّظر إلى وجوه خيلهم.
[ ٢ / ٥٧ ]
وأقول: هذه عبارة واهية! لا سيّما قوله: يمنعونهم من النظر إلى وجوه خيلهم، وليست براقع الخيل لتمنع من النّظر إلى وجوهها، وإنما جعلت من الحديد لتمنع وجوه الخيل، وتقيها من السّلاح، لا لتمنع من النظر إليها كبراقع النّساء من الثياب، وإنما أراد بقوله:
مبرقعي خيلهم بالبيض. . . . . . . . . . . .
أي: بضرب البيض (يمنع من الوصول إليها)، كقوله في مكان آخر: (الوافر)
لقوه حاسرا في درع ضرب. . . . . . . . .
فجعل الضّرب تارة برقعا، وتارة درعا، تدقيقا في الصّناعة واستعارة ومجازا.
وقال في قوله: (المتقارب)
تغيب الشّواهق في جيشه وتبدو صغارا إذا لم تغب
[ ٢ / ٥٨ ]
يقال للجبال الطّوال شواهق، مأخوذة من قولهم: شهق الإنسان إذا أخرج نفسه متعاليا، كأنّ الجبل شهق في الهواء.
فيقال: هذا الذي ذكره الشّيخ ضدّ المرويّ في الشّهيق، وهو ضدّ الزّفير، لأنّ الشّهيق ردّ النّفس، والزّفير إخراج النّفس. وكان الصواب أن يقال في الجبل الشّاهق، إنه مأخوذ من قولهم: شهق الرّجل إذا حبس نفسه فأرتفع صدره لذلك، كقول الشاعر: (المنسرح)
خيط على زفرة فتمّ ولم يرجع إلى دقّة ولا هضم
وهذا البيت، يصحّح أن الزّفير إخراج النّفس، فلمّا خيط عليه، ومنع من اراحته، انتفج جنبه، فصار مجفرا ضليعا.
وقال ابن دريد: الشّهيق ترديد البكاء. فيقال، على هذا، أن الباكي إذا ردّد بكاءه ارتفع صوته، وامتدّ نشيجه فيكون مشتقّا من ذلك
وقال في قوله: (المنسرح)
يا ذا المعالي ومعدن الأدب سيّدنا وابن سيّد العرب
الأدب الذي كانت تعرفه العرب، هو ما يحسن من الأخلاق، وفعل المكارم، مثل
[ ٢ / ٥٩ ]
ترك السّفه، وبذل الموجود، وحسن اللّقاء،
قال الغنويّ: (البسيط)
لا يمنع الناس منّي ما أردت ولا أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
كأنه أنكر على نفسه أن يعطيه الناس ولا يعطيهم. واصطلح الناس، بعد الإسلام بمدة طويلة، على أن يسمّوا العالم بالشّعر والنّحو وعلوم العرب أديبا، وسمّوا هذه العلوم الأدب، وذلك كلام مولّد لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام.
وأقول: لا شكّ أن أصل الأدب ما قال الشّيخ، وإنه نقل إلى العلوم التي ذكرها، ولكنّ هذا النقل لم يكن في الإسلام، كما ذكر، بعد مدة طويلة، بل في صدر الإسلام وزمن الفصاحة، من المعتبرين في البلاغة، كما أن اصل الفقه العلم، وهو يطلق على أشياء كثيرة، ثم وضع على علم الشريعة، واختصّ به دون غيره من
العلوم، وذلك الوضع والنقل أيضًا في صدر الإسلام من الفصحاء البلغاء المتقدمين المعتبرين في زمن الفصاحة، المأخوذ بقولهم، والمستشهد بلغتهم وكلامهم نثرا ونظما (في أوان البلاغة)، ولا يقال انهم مولّدون، فكذلك العلماء الذين كانوا في زمانهم، الواضعون اسم الأدب على العربية والشّعر، والواضعون اسم الفقه على علم الشّريعة، لا يقال: انهم مولّدون ولا أن (ما) أخذ عنهم من الأوضاع مولّد غير معتدّ به.
[ ٢ / ٦٠ ]
وقال في قوله: (البسيط)
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها من اين جانس هذا الشّادن العربا
شبّهها بالشّادن من الوحش، وهو ولد البقرة، والظّبية إذا قوي واشتدّ. يقال، شادن وشادل فتبدل اللام من النّون. ويقال: وحشية مشدن إذا شدن ولدها، قال الرّاجز: (الرجز)
يا دار عفراء ودار البخدن فيك المها من مطفل ومشدن
البخدن: يقال: العظيمة السّاقين والاعضاد، والصحيح إنه اسم امرأة.
وأقول: إنما رجّح الشّيخ أن تكون البخدن اسما علما لا صفة، فجعل الدّار لامرأتين لا لواحدة لقوله: (الرجز)
فيك المها من مطفل ومشدن
والمها: جمع. ويجوز أن تكون البخدن صفة، فتكون الدار لواحدة، وان كان فيها نساء (جماعة) على معنى الحلّة أو القرية ونحو ذلك.
[ ٢ / ٦١ ]
وقال في قوله: (البسيط)
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا
الشّرى: الشّجر الملتفّ، وقيل: اشراء الحرم: نواحيه أو طرقه، وشرى الفرات: ما يقرب منه، قال القطاميّ: (الكامل)
لعن الكواعب بعد يوم لقينني بشرى الفرات وليلة بالجوسق
وأقول: الشّرى: مكان أو شجر تعرف به وتضاف إليه الأسد (لزيادة شدّتها) كقولهم: ذئب الغضا، وتيس الحلّب، وأفعى الحماط، ومثله: أسد بيشة، وأسد خفّان، وأسد خفيّة، قال: (الطويل)
أسود شرى لاقت أسود خفيّة. . . . . . . . .
[ ٢ / ٦٢ ]
وقال في قوله: (الطويل)
إليك فأنّي لست ممن إذا اتّقى عضاض الأفاعي نام فوق العقارب
المعنى أنني لست ممن إذا اتّقى الأمور الكبار، صبر على ما هو دونها.
وأقول: ينبغي أن يفسّر هذا البيت، على ما قبله من قوله: (الطويل)
تخوّفني دون الذي أمرت به ولم تدر أن العار شرّ العواقب
أي: تخوّفني السّير الذي عاقبته الهلاك، وتأمرني بالمقام على الضّيم الذي يعقب العار، وعندها أن المقام على الضّيم اسهل من تخوّف الهلاك بالسّير، ولم تعلم أن عاقبة الضّيم شرّ من عاقبة السّير المفضي إلى الهلاك، وإنّ العار شرّ العواقب، فضرب عندها وفي رأيها للهلاك مثلا بالأفاعي لعظمها، وللضّيم مثلا بالعقارب وهو عنده بخلاف ذلك فقال: إليك: أي: تنحّي عنّي فلست ممن إذا خاف عضاض الأفاعي، وهو الهلاك، على رأيك، نام على العقارب، وهو الضّيم الذي دون الأول، على رأيك، بل اترك كلا الأمرين. فهذا البيت مرتّب على ما قبله في التفسير، كما ترى. ولم أعلم من شرّاح الديوان (من) ذكره على هذا الوجه.
[ ٢ / ٦٣ ]
وقال في قوله: (الوافر)
وترتع دون نبت الأرض فينا فما فارقتها إلاّ جديبا
لما جعل الخطوب مطايا، زعم إنها لا تذلّ لراكبها. وفي هذا مدح لنفسه، لأنه ادّعى ركوبها، وانّ ذلك لا يبغيه أحد، وجعلها ترتع في ركبانها دون النّبت.
وأقول: ليس في هذا مدح لنفسه، ولكن فيه أخبار برقّة حاله، وإعوازه ما يركبه ومخاطرته بنفسه في ركوب المهالك إلى الممدوح، ليلزمه قضاء حقّ قصده، كقول الأعشى: (المتقارب)
إلى المرء قيس أطيل السّرى وآخذ من كل حيّ عصم
وقول علقمة: (الطويل)
إليك أبيت اللّعن كان وجيفها بمشتبهات هولهنّ مهيب
وقال في قوله: (البسيط)
جيرانها وهم شرّ الجوار لها وصحبها وهم شرّ الأصاحيب
[ ٢ / ٦٤ ]
قوله:
. . . . . . شرّ الجوار لها. . . . . . . . .
أي: شرّ أصحاب الجوار، لأنه لا يقال: قوم جوار إلاّ على حذف (المضاف) أو يكون أراد: جوارهم شرّ الجوار.
وأصاحيب: جمع جمع الجمع كأنه في الأصل صاحب، ثم قيل: صحب، ثم قيل أصحاب. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قوله: (المتقارب)
أرى مرهفا مدهش الصّيقلين وبابة كلّ غلام عتا
[ ٢ / ٦٥ ]
الصّيقلون: جمع صيقل، وأكثر ما يستعمل الصّياقل، قال خفاف بن ندبة: (الوافر)
جلاها الصّيقلون فأخلصوها خفافا كلّها يتقي بأثر
وأقول: أن قوله: وأكثر ما يستعمل الصّياقل، ثم ينشد بيت خفاف، وليس فيه دليل على ذلك، ليس بشيء! وقد كان ينبغي أن ينشد قول جعفر بن علبة: (الطويل)
إذا ما ابتدرنا مأزقا فرجت لنا بأيماننا بيض جلتها الصّياقل
وقال في قوله: (الكامل)
لا سرت من إبل لو أنّي فوقها لمحت حرارة مدمعيّ سماتها
وحملت ما حمّلت من هذي المها وحملت ما حمّلت من حسراتها
[ ٢ / ٦٦ ]
يقول: لو أنى فوقك يا إبل، لحملت اللّواتي عليك من النساء المشبهات المها، وكان ذلك هينا عليّ:
. . . . . . . . . وحملت ما حمّلت من حسراتها
أي: كنت أتولى حملها دونك، فيلحقك لذلك حسرات، فتحملين ما أنا حامل من الحسرات الموجبها هذه المتحملات.
وأقول: قوله: لو أني فوقك راكبا لحملت اللواتي عليك غير سائغ حسن! كيف يكون حمله لهنّ، وهو راكب الحملين، وهنّ في هوادجهنّ، فيفرّق ما بينهنّ وبين الإبل؟ فجعل للإبل حسرات بذلك غيرة منه، فيكون حاملا وهو محمول، وهذا معنى على ما ترى من الغثاثة، وكأنه ينظر إلى قوله: (الكامل)
ويغيرني جذب الزّمام لقلبها فمها إليك كطالب تقبيلا
وقال في قوله: (الكامل)
العارفين بها كما عرفتهم والراكبين جدودهم أمّاتها
لو أن هذا الكلام منثور، لكان الواجب أن يقال: والراكب جدودهم، على التّوحيد، لأن اسم الفاعل إذا تقدّم جرى مجرى الفعل، فيقال: مررت بالرّاكب الخيل جدوده وجدودهم، فإذا ثنّيت أو جمعت فهو على قول من قال: قمن النساء وأكلوني البراغيث وقامتا أختاك.
[ ٢ / ٦٧ ]
فيقال له: هذا القول، جائز مستعمل في القرآن الكريم والشّعر الفصيح، نحو: (وأسرّوا النّجوى الذين ظلموا) و: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . يعصرن السّليط أقاربه
وسواء في ذلك، المنثور وغيره، فأن قال: الواو في أسرّوا، والنون في يعصرن، حرفان موطئان، أن الفاعل جمع، أو إنّهما اسمان، والذين ظلموا وأقاربه بدل منهما، قيل له: في الراكبين كذلك، أي: الذين ركبوا جدودهم، فيكون عائد الذين الضمّير في ركبوا، لا الضّمير في جدودهم وهذا بيّن مذكور.
وقال في قوله: (الكامل)
تكبو وراءك يا ابن أحمد قرّح ليست قوائمهن من آلاتها
الهاء في آلاتها راجعة على وراء لأنها مؤنّثة وكذلك قدّام وأمام.
وأقول: محتمل أن يكون الضّمير في آلاتها راجعا إلى قرّح، لأن قوائمها هي التي تعمل بهال الجري بمنزلة الآلة التي يعمل بها، أي: لا تطاوعها في اللحاق بك، وإضافة الآلة إلى الخيل، التي هي حيوان، أقرب من إضافتها إلى وراء، وهو المكان، جماد.
[ ٢ / ٦٨ ]
وقال في قوله: (الوافر)
فدتك الخيل وهي مسوّمات وبيض الهند وهي مجرّدات
مسوّمات إذا وصفت بها الخيل، احتملت وجهين:
إنها عليها سمة، والسّمة: العلامة.
والآخر، وهو المراد في هذا الموضع: إنها المرسلات في الغارة، من قولهم: خلّه وسومه، أي: وذهابه حيث شاء.
فيقال: المسوّمة من السّوم لا من السّمة، وهي العلامة، لأن السّمة اصلها وسمة، والوسم غير السّوم. والصّحيح إنها مشنقّة من السّومة، وهي العلامة، ذكرها الزّجّاج وابن فارس. أو من السّائمة، أي: الراعية، وأسميت: أرعيت.
وقال في قوله: (الوافر)
رضينا والدّمستق غير راض بما فعل القواضب والوشيج
[ ٢ / ٦٩ ]
الدّمستق: كلمة رومية معرّبة، لا تعرف في شعر فصيح.
فيقال له: وكثير من الأعجميّ الرّومي وغيره، لم يستعمل في كلام العرب، وإذ لم يستعمل في كلامهم، فجائز أن يستعمله الشّعراء المحدثون، لحاجتهم إلى الإخبار عنه، وإلا أدى إلى عدم الكلام، أو عدم الإفهام. وقد استعمل أبو الطّيب أسماء غير تلك، من أسماء الروم (والأرمن) نحو: قسطنطين ولاون لأنه احتاج إلى ذكرهم فأخبر عنهم. وسواء كان الاسم الأعجمي علمّا على وزان العربيّ نحو: يعقوب وإسحاق، أو على غير وزانه كإبراهيم وإسماعيل فأنّه لا ينصرف. وكذلك يقال في الأسماء الأعلام من البلاد التي استعملها أبو الطّيب نحو: سمنين وهنزيط ومرعش وسميساط ونحو ذلك، لعلها غير مستعملة في أشعار العرب. وكثير من الأسماء العربية لم تستعمل في أشعار العرب، وجائز استعمالها للأخبار والبيان.
وقال في قوله: (الطويل)
وعن ذملان العيس ما سامحت به وإلاّ ففي أكوارهنّ عقاب
الكلام يستغني عن قوله:
وعن ذملان العيس. . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٧٠ ]
ثم ابتدأ كلاما فقال: أن سامحت العيس بذملانها ركبتها، وإلا تسامح، ففي أكوارهنّ عقاب، أي: أنا أقدر من السّير والتّصرّف في الأسفار، على ما لا يقدر عليه العقبان.
وأقول: الكلام لا يستغني عن قوله:
وعن ذملان العيس. . . . . . . . . . . .
لأنه معطوف على ما قبله وهو قوله:
غنيّ عن الأوطان لا يستفزّني إلى بلد سافرت عنه إياب
وقد ذكرت ما في هذا في مواضع، وبيّنته بيانا شافيا لم أسبق إليه.
وقال في قوله: (السريع)
آخر ما الملك معزّى به هذا الذي اثّر في قلبه
جعل التنوين في معزّى به بمنزلة الحروف الصّحاح، لأنه موازن للاّم في قلبه. ولو وقع في موضعه اسم لا ينصرف مثل: حبلى وسكرى لجاز صرفه على الضرورة.
وأقول: هذا الذي (ذكره) الشيخ من تنوين معزّى به في هذه القافية، وجعله من الحروف الصّحاح، احترازا من أن لو جاء في موضع معزّى به: يعزّى به لكان الألف من الحروف المعتلّة ردفا، والقافية في قوله: قلبه غير مردفة فيكون ذلك
[ ٢ / ٧١ ]
سنادا، فبتنوين معزّى خرج به من هذا العيب.
وقوله: ولو وقع موضعه اسم مؤنث لا ينصرف، مثل حبلى وسكرى لجاز صرفه على الضرورة احترازا أيضًا من أن الألف لو بقيت صورتها لكانت ردافا، والقافية غير مردفة. فإذا صرفت حبلى، وسكرى، خرجت بالتنوين من أن يكون ردفا، فكان بذلك معزّى به مع قلبه قافية مجرّدة. ولو جاء مع قلبه: ذابه ونحوه لم يعتدّ بهذه الألف ردفا، لأنها من كلمة ليس اتصال حرف الجرّ (بما) بعدها كاتصال يعزّى به لأن الباء لتعدية الفعل، فهي كالجزء منه، كالهمزة والتّضعيف، وكذلك إذا وقعت الألف في إذا ونحوه موقع ألف التأسيس، لم يعتدّ بها. كقول العجّاج: (الرجز)
فهنّ يعكفن به إذا حجا عكف النّبيط يلعبون الفنزجا
وقول عنترة: (الكامل)
. . . . . . . . . والنّاذرين إذا لم القهما دمي
في قوله: (الكامل)
هل غادر الشّعراء من متردّم. . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٧٢ ]
وقال في قوله: (الطويل)
لنا ملك لا يطعم النوم همّه ممات لحيّ أو حياة لمّيت
استعمل أبو الطّيب في هذه الأبيات، ضدّ ما استعمله كثير من الشّعراء في لزوم الحرف الذي قبل التاء فقال: ميّت ثم قال فرّت ثم دولتي. وأكثر الشعراء على هذا، لا يلزمون ما قبل التاء. وقد لزم ما قبل التاء كثيّر في قوله: (الطويل)
خليليّ هذا ربع عزّة فأعقلا قلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت
وهي اللاّم. وقال عمرو بن معدي كرب: (الطويل)
(و) لمّا رأيت الخيل زورا كأنّها جداول زرع أرسلت فأسبطرّت
فلزم الرّاء. وكذلك قال الضّبّيّ: (الكامل)
حلّت تماضر غربة فاحتلّت. . . . . . . . .
[ ٢ / ٧٣ ]
فلزم اللاّم.
وأقول: لزوم ما قبل التاء فيما ذكره، ونحوه، غير لازم، لأن التاء هي حرف الرّوي ولا يكون اللام، ولا الرّاء، لأن التاء ليست بحرف وصل، وإنما حروف الوصل الألف، والياء، والواو والهاء. وقد لزم بعض الشّعراء ما قبل الكاف في نحو: المسالك والمآلك وحالك وذلك وهي اللام. ولزم بعضهم الرّاء في نحو: المبارك والمعارك وفارك وبارك كما لزموا ما قبل التاء. والكاف هي حرف الرّوي وليست بوصل، وإنما شبهوا التاء والكاف بحروف الوصل، فالتزموا ما قبلهما لمشاركتهما لهنّ في إنهما ضمائر مثلهنّ. وقصيدة كثيّر قد جاء فيها بيت لم يلزم فيه اللام وهو: (الطويل)
. . . . . . . . . وجنّ اللواتي قلن: عزّة جنّت
(كأنه منبهة، على أن ما قبل التاء غير لازم)
ومنهم من روى: جلّت أي كبرت.
وجاء في أبيات عمرو قوله: (الطويل)
وفرّقت بين الحذمرين بطعنة إذا أطّلقت فيها النّساء أرنّت
[ ٢ / ٧٤ ]
فجاء بالنّون مع الرّاء، كما جاءت مع اللام في جنّت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قوله: (الوافر)
فليت هوى الأحبة كان عدلا فحمّل كل قلب ما أطاقا
أصل العدل إنه مصدر: عدل عدلا، ثم وصف به الواحد والاثنان والجمع، قال زهير: (الطويل)
متى يشتجر قوم يقل سرواتهم هم بيننا فهي رضى وهم عدل
(وهذا يحتمل على حذف مضاف كأنه قال: ذوو عدل.)
ومن هذا الباب: رجل ضيف، ويقال للجميع، وفي الكتاب العزيز: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) فجاء بالضّيف موحّدّا، ثم جاء بالنّعت على
[ ٢ / ٧٥ ]
الجميع،
يعني: المكرمين.
قال: والقياس يوجب أن يقال: امرأة ضيف، إلا أن الشّاعر قال: (الطويل)
لقي ولدته أمّه وهي ضيفة فجاءت بيتن للضّيافة أرشما
فيقال: الأحسن في المصدر، إذا وقع موقع الصفة، أن لا يقدّر فيه حذف المضاف، لأن الحذف على خلاف الأصل. فإذا قيل: رجل عدل، أو صوم أو فطر، فكأنّما جعل الأول كأنه الثاني، على وجه المبالغة، كأنّ الرّجل خلق من عدل أو صوم، ومن ذلك قول الخنساء: (البسيط)
. . . . . . . . . . . . فإنّما هي إقبال وإدبار
ويجوز أن يقع المصدر موقع الصّفة توسّعا ومجازا، وقد جاء ذلك في الحال في قولهم: قتلته صبرا، وجاء ركضا. كما وقعت الصفة موقع الحال في قولهم: قم قائما: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . ولا خارجا من فيّ زور كلام
وأمّا قول الشاعر: وهي ضيفة فأنث المصدر، فإنّما ذلك لأجرائه مجرى الصفة الجارية على الفعل، في نحو قائمة وقاعدة.
[ ٢ / ٧٦ ]
وقال في قوله: (الوافر)
تركنا من وراء العيس نجدا ونكّبنا السّماوة والعراقا
يقال: أسمى الحمار الوحشيّ بأنه، إذا أتى بهنّ السّماوة، قال الأخطل: (البسيط)
كأنّها لاحق الاقراب في لقح أسمى بهنّ وغرّته الاناصيل
فيقال له: أسمى: بمنزلة اعرق واشأم وانجد، إذا أتى تلك الأماكن. فلا يختصّ أسمى بالحمار الوحشيّ دون غيره. وكذلك ما أتى من نحو ذلك، مثل اتهم وايمن إلا غار إذا أتى الغور فأنه بغير الهمزة، وبيت الأعشى يروى: (الطويل)
. . . . . . . . . غار لعمري في البلاد وانجدا
بالخرم في النّصف الثاني. ومنهم من روى: أغار قياسا على أخواته.
[ ٢ / ٧٧ ]
وقال في قوله: (الوافر)
ولو تبّعت ما طرحت قناه لكفّك عن رذايانا وعاقا
لم يبالغ أبو الطّيب في هذا البيت، لأنه جعل الوحش يتبع الجيش، ليأكل من رذاياه، والرّذايا: جمع رذيّة، وهي الناقة التي حسرها السّير، ولم يقل كما قال الحكميّ: (المديد)
تتأيّا الطّير غدوته ثقة بالشّبع من جزره
فيقال له: لم يرد هاهنا، أن الوحش تتبع الجيش كما ذكر، وانشد قول الأفوه:
(الرمل)
وترى الطّير على آثارنا رأي عين ثقة أن ستمار
وقول النابغة: (الطويل)
إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه عصائب طير تهتدي بعصائب
ولكن أراد الجماعة المترافقين اليه، الوافدين عليه، طلبا لمعروفه وعطائه. ويدلّ على ذلك قوله قبل هذا البيت: (الوافر)
أباح الوحش يا وحش الأعادي فلم تتعرّضين له الرّفاقا
أي: قد أباح الوحش أعاديه بقتله لهم في معارك الحرب، فلم تتعرّضين الرفاق إليه في الطريق، وهم أولياؤه ومحبّوه؟ فقد كان في أعدائه غناء لك عن أوليائه.
[ ٢ / ٧٨ ]
وقال في قوله: (الوافر)
فلا تستنكرنّ له ابتساما إذا فهق المكرّ دما وضاقا
إذا روي بكسر الرّاء تستنكرنّ، فهو خطاب لمؤنث، مبنيّ على قوله: سلي. . . . وفتح الراء جائز على خروجه إلى خطاب المذكّر، لأنّ البيتين متباعدان، وذلك كثير في الشعر وغيره.
وفهق: امتلأ، يقال: فهق الحوض بالماء، إذا امتلأ، وكذلك الجفنة بالطعام. قال الأعشى: (الطويل)
تروح على آل المحلّق جفنة كجابية السّيح العراقيّ تفهق
وأقول: الرواية الصّحيحة التي قرأتها: بفتح الرّاء من: تستنكرنّ للمخاطب، ولم أسمع الرواية بالكسر. وإنما كان الفتح هو الصّحيح، لأن المخاطب هو الذي يشهد المكرّ وابتسامه فيه، شجاعة وإقداما، لا المرأة المقدّم ذكرها.
وأمّا استشهاده على: فهق بقول الأعشى:
تروح على آل المحلّق. . . . . . . . . . . .
فالرواية الصّحيحة:
[ ٢ / ٧٩ ]
نفى الذّمّ عن آل المحلّق. . . . . . . . . . . .
قال: ويروى: الشّيخ، والسيح، فالشّيخ: أحد الشيوخ، والسيح: الماء الجاري على الأرض، ولم يفسّر معناهما.
والذي ذكر فيهما إنه إذا روي: الشّيخ، بالشّين والخاء، فالمراد به أن الشيخ العراقيّ معتاد لكثرة الماء آلف لها، فإذا سافر اتأق جابيته، وهي مزداته، من الماء، إبقاء على نفسه، واحترازا من الهلاك بالعطش، وليس كذلك الإعرابي والبدويّ، لصبرهما عن الماء الذي لم يعتادا كثرته.
وإذا روي: السّيح، بالسّين والحاء، فالمراد به الفرات أو دجلة. والجابية: الحوض، أضافها إلى إحداهما.
وقال في قوله: (الوافر)
تبيت رماحه فوق الهوادي وقد ضرب العجاج لها رواقا
استعار الرّواق هاهنا للغبار، لأنهم يركزون الرّماح إلى رواق البيت. والهاء في لها يجوز أن تعود على الرّماح وعلى الهوادي.
وأقول: الرّواق بيت كالفسطاط، يحمل على سطاع واحد في وسطه، وهو العمود، فعلى هذا جعل العجاج في ارتفاعه، وتكاتفه، بمنزلة الرّواق، والرّماح تحمله كالعمد، ولم يرد الرّكز والإسناد إلى رواق البيت، والهاء في لها على هذا التفسير، وهو الصّحيح، تعود على الرّماح دون الهوادي.
[ ٢ / ٨٠ ]
ويجوز أن يقال:
. . . . . . . . . وقد ضرب العجاج لها رواقا
بنصب العجاج مفعولا، والفاعل الضمير في ضرب عائد على سيف الدولة، وهذا الوجه أقوى من الأول.
وقال في قوله: (الوافر)
تعجّبت المدام وقد حساها فلم يكسر وجاد فما أفاقا
يقول: هذا الممدوح، لا تكسره الخمر، لأنّ عقله لم يرتفع عند ذلك. وهو، مع إنه لا يلحقه من الرّاح، كأنه إذا جاد أخو سكر لا يفيق، لأنهم يصفون أنسهم ببذل أموالهم، في حال الانتشاء، قال عنترة: (الكامل)
فإذا سكرت فأنّني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
وهم يقرّون بتغيّر العقل عند الشّراب، قال المنخّل اليشكريّ: (الكامل)
فإذا شربت فأنّني ربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فأنّني ربّ الشّويهة والبعير
[ ٢ / ٨١ ]
وأقول: المعنى: أن العادة جارية بأنّ الخمر تسكر من شربها، وإنه يفيق منها، وإنّ سيف الدولة، بخلاف ذلك، لا تسكره الخمر، وإنما يسكره الجود، فلا يفيق منه. وقول الشّيخ: وهم يقرّون بتغيّر العقل عند الشّراب واستدلّ بأبيات المنخّل على ذلك وليس فيها دليل، لأن قوله:
فإذا شربت فأنّني ربّ الخورنق والسّدير
يريد أن الرّاح تحدث له عظمة في نفسه، وارتياحا وخيلاء، فيظنّ إنه الملك الذي هو النعمان بن المنذر، ويريد بذلك مدحا لها. وكذلك قول حسّان: (الوافر)
ونشربها فتجعلنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
وهم لا يقصدون بذلك تغيّر العقل، وهم يمدحونها ويتمدّحون بذلك. وإنما يريدون، أن الرّاح تفيد مكارم الأخلاق، وتبعث عليها، ألا ترى إلى قول الشّاعر: (الطويل)
أراحت من الهمّ الدّخيل وشجّعت جنانا وسنّت للبخيل التّكرّما
وقال في قوله: (الوافر)
وحاشا لارتياحك أن يبارى وللكرم الذي لك أن يباقى
وقد يخفضون بحاشا، ويقال أن الخفض فيها على تقدير اللام. ويقولون: فعلوا كذا وكذا حاشاي، فيجيئون بالياء، والقياس يوجب أن يقولوا: حاشاني كما
[ ٢ / ٨٢ ]
يقال: راعاني،
وأنشد الفرّاء: (الكامل)
في عصبة عبدوا الصّليب تخشّعا حاشاي أني مسلم معذور
فيقال: هذا الذي ذكره، إنما هو على مذهب الكوفيين، ومذهب أبي العبّاس المبرّد، في أن حاشا فعل، وهو حرف جرّ عند سيبويه ومن تابعه من البصريين. وإذا كان حرفا، فلا يحتاج إلى نون الوقاية، فقولهم: حاشاي، يدلّ على إنه حرف كما يقال: إليّ وعليّ.
وقال في قوله: (الطويل)
وأحلو الهوى ما شكّ في الوصل ربّه وفي الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي
ادّعى أبو الطّيب أن أحلى (الهوى) ما شكّ في الوصل ربّه، وفي الهجر. وليست هذه الصّفة صفة حلو، بل هذا الذي يجب أن يوصف بالمرارة، وإنما حلاوة الهوى، أن يكون سالما من الفراق والهجر، وقد وصف ذلك الشّعراء، قال: (الطويل)
[ ٢ / ٨٣ ]
إذ النّاس ناس والأحبّة جيرة جميع وإذ كلّ الزّمان ربيع
وأقول: أن أبا الطّيب فيما نحاه إلى قولهم: كلّ ممنوع حلو، وقول الشّاعر: (الكامل)
واراه يحلو في تمنّعه والشيء محلول إذا منعا
وإلى قول الآخر، وفيه بعض الإشارة: (الطويل)
إذا لم يكن في الحبّ هجر ولا نوى فأين حلاوات الرّسائل والكتب
وإذا كان الأمر كذلك، فلا شكّ أن هوى الممنوع أحلى من هوى المبذول، والشّيء
إذا امتنع كانت الرّغبة فيه أكثر، والباعث إليه أقوى، وإنّ الرّجاء والخوف، والشّكّ فيهما إنما يكون عند الامتناع. فصحّ على هذا التقدير، قول أبي الطّيب، ولم يكن المعنى الذي ذكره بعكس ما أراده.
وقول الشّيخ: إنما حلاوة الهوى، أن يكون سالما من الفراق والهجر.
فيقال: بل أحلاه ما لم يستعمل منهما! لأنّ تزّعم ذلك، يزيد فيه ولا ينقص منه، والزيادة فيه إنما تكون للإرادة له، والإرادة إنما تكون لاستلذاذه لا لكراهته. وهذا معنى غريب عجيب، لم يسبق إليه أبو الطّيب، ولم أسبق أنا إلى تفسيره!
[ ٢ / ٨٤ ]
وقال في قوله: (الطويل)
أدرن عيونا حائرات كأنّها مركّبة أحداقها فوق زئبق
أراد، أنهم يبكون والدّمع يجول في العيون، كأنه زئبق، فشبّه به الدّمع، لأنهم إذا وصفوا الماء بالصّفاء قالوا: كأنه دموع. أراد أن نظرهم لا يثبت لكثرة البكاء.
وأقول: أن الشّيخ خبط في تفسير هذا البيت خبط مثله في قوله: والدّمع يجول في العيون كأنه زئبق، ولم يقصد هاهنا الدّمع فيشبّه بالزئبق، أو يشبّه به الماء لصفائه، على أن الدّمع يكون فوق الاحداق، ولا تكون الأحداق فوقه.
وقوله: إن نظرهم لا يستقرّ لكثرة البكاء خطأ، فإنّما ذلك لكثرة الحيرة لقوله:
أدرن عيونا حائرات. . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتشبيه إنما هو للعيون دون الدّمع للحيرة بالفراق، جعلها كأنّ أحداقها مركّبة فوق زئبق، والزئبق لا يستقرّ ما وضع عليه (فلا يستقرّ النّظر).
[ ٢ / ٨٥ ]
وقال في قوله (الطويل)
ضروب بأطراف السّيوف بنانه لعوب بأطراف الكلام المشقّق
الكلام المشقّق: يجوز أن يريد به الذي اشتقّ بعضه من بعض، فيكون ذلك مدحا للكلام، وصفة للممدوح بأن ما صعب لديه هيّن، فهو كالذي يلعب به. ويحتمل أن
يكون المشقق: الذي كأنّه مكّسر، من قولك: شققت العود وغيره. ويكون هذا الكلام لما ينظمه الشّعراء في مدحه، لأنّ ذمّه لهم قد تكررّ مثل قوله: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . والشّعر تهذي طماطمه
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء!
وإنما يريد بالمشقّق المنصّف: الذي تساوى شقّاه، أي: نصفاه، وشقّ الشّيء: نصفه، يعني بذلك الشّعر، ويريد بأطرافه قوافيه. يريد أن الشّعر سهل عليه، فهو يتلعّب به بغير كلفة مرتجلا، وكأنه لمّا قال:
ضروب بأطراف السّيوف بنانه. . . . . . . . .
أراد: لعوب بأطراف الكلام المشقق لسانه، لدلالة بنانه عليه.
[ ٢ / ٨٦ ]
وقال في قوله: (الطويل)
وليلا توسّدنا الثّويّة تحته كأنّ ثراها عنبر في المرافق
قوله:
. . . . . . . . . كأنّ ثراها عنبر في المرافق
يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مدحا للأرض، يريد إنها طيبة كأنّ ثراها عنبر.
والآخر: أن يكون وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون، فهم، لإيثارهم النزول والرّاحة، كأنّ ثرى الأرض عندهم عنبر، وإن كان الأمر على سوى ذلك.
وقد تمنّت
[ ٢ / ٨٧ ]
الشّعراء مباشرة تراب الأرض التي ينزل بها من يحبّون، قال الشّاعر: (الوافر)
وددت وابرق العيشوم أنا تكون معا جميعا في رداء
أباشره وقد نديت رباه فألصق صحّة منه بدائي
وقال آخر: (الطويل)
يقرّ بعيني أن أرى من مكانه ذرا عقدات الأبرق المتقاود
وإن أراد الماء الذي وردت به سليمى إذا ما خفّ من كلّ وارد
وألصق أحشائي ببرد ترابه وإن كان ممزوجا بسمّ الأساود
[ ٢ / ٨٨ ]
فيقال له: الأحسن الوجه الأول. وذلك أن أبا الطّيب وصف تراب ذلك المكان بالطّيب، ووصف الحصى التي فيه بالحسن، حتى جعلها بمنزلة الدرّ يثقب في المخانق. وما ذكره من وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون، ولإيثارهم النّزول والرّاحة، يرون أن تراب الأرض عنبر، وإن كان بخلاف ذلك فغير سائغ. (بل لو جعل ذلك من محبّة تلك الأرض وطيبها عنده، لأن أبا الطّيب كان من الكوفة، وهذه المواضع التي ذكرها منها، لكان أولى من أن يجعل ذلك من الإعياء. كيف وقد وصف نفسه وأصحابه بالفروسية والشّجاعة، وذلك ينافي الإعياء لأنه دليل الضّعف). . .؟ قول الشّاعر: (الطويل)
لله ليل في زرود رقدته على خوف آساد ضجيع غزال
كأنّ حصى المعزاء تحت أضالعي يحثّ عن الجنبون زفّ رئال
وقال في قوله: (الطويل)
وما بلد الإنسان غير الموافق ولا أهله الأدنون غير الأصادق
هذا البيت، قد ضعف بالتّصريع ضعفا بينا، وهو كالمنقطع من معنى ما قبله. ولم تجر عادة أبي الطّيب بالتّصريع في غير الأوائل.
وأقول: ليس التّصريع مما يضعف الشّعر، وفيه قافيتان ملتزمتان، بل يقويه! فيكون
[ ٢ / ٨٩ ]
البيت الواحد كالبيتين، لا سيّما هذا البيت، وقد ذكر في المصراعين مثلين سائرين.
وقوله: وهو كالمنقطع مما قبله ليس الأمر كذلك، بل لمّا ذكر بلده، وهو الكوفة، والعذيب وبارق من أرضها، وإنه كان يجرّ فيه الرّماح ويجري السّوابق، وصحبه
القوم الذين ذكرهم، وقوله: (الطويل)
سقتني بها القطر بّليّ مليحة. . . . . . . . .
ووصف الأغيد بما وصفه من الحسن ومن الأدب والظّرف.
قال: (الطويل)
وما الحسن في وجه الفتى. . .
البيت. . . . . .
ثم أتبعه بقوله
وما بلد الإنسان. . .
أراد أن بلده كان موافقا بما ذكره من قبل وعددّه، فليس بالمنقطع مما قبله بل متّصل أحسن اتصال.
وقوله: ولم تجر عادة أبي الطّيب بالتّصريع في غير الأوائل.
فيقال له: بلى قد جاءه في قصيدته الدّالية التي يمدح بها عضد الدولة وهي: (المسرح)
أزائر يا خيال أم عائد. . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٩٠ ]
قوله: (المنسرح)
يا طفلة الكف عبلة السّاعد على البعير المقلّد الواخد
وفيها: (المنسرح)
حكيت يا ليل فرعها الوارد فاحك نواها لجفني السّاهد
وفيها: (المنسرح)
يا عضدا ربّه له العاضد وسائرا يبعث القطا الهاجد
وهذا التصريع، كما ترى، في قصيدة واحدة!
وقال في قوله: (الطويل)
وجائزة دعوى المحبّة والهوى وإن كان لا يخفي كلام المنافق
المراد: أن (عادة) بني آدم أن يظهروا المودّة، وفي
[ ٢ / ٩١ ]
النفوس غيرها، إلا أن ذلك جائز، لأن العادة جرت به. وادّعى أن كلام المنافق غير خاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات، وربّ منافق الغرّ، وحسب إنه الصديق المخلص!
وأقول: انظروا إلى كلام هذا الشّيخ وقوله: أن عادة بني آدم أن يظهروا المودة، وفي النّفوس غيرها ودخول الأنبياء والأئمة والصّالحين في ذلك، وهو النّفاق بعينه، ثم أردفه بقوله: إلا أن ذلك جائز، لأن العادة جرت به أي: جائز منهم النفاق، وعلله بجريان عادة النّفاق منهم، وهذا القول جهل بل كفر محض!
وقوله: وادّعى أن كلام المنافق ليس بخاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات.
فيقال له: بل يظهر نفاقه في أكثر الأوقات (بإمارات تتبيّن) فيه، وقرائن تدلّ عليه، فأطلق بأنّ كلام المنافق لا يخفى مجازا، لما يظهر في أكثر الأوقات. وهذه المآخذ التي أخذها على أبي الطّيب في هذا البيت كان الصواب أن لا تردّ عليه لظهور فسادها، وضعف اعتمادها.
وقال في قوله: (الطويل)
أرادوا عليّا بالذي يعجز الورى ويوسع قتل الجحفل المتضايق
الجحفل: الجيش العظيم، وقد اتّسعوا في هذه حتى وصفوا الرّجل بالجحفل، أي إنه يقوم مقام الجيش، قال اوس: (الطويل)
عبيد ذوي المال الكثير يرونه وان كان عبدا سيّد الأمر جحفلا
فيقال: اصل هذه اللفظة، التي هي الجحفل، إنه صفة، وهو العظيم، ثم وصف بها الجيش العظيم فقيل: جيش جحفل، أي: عظيم، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصّفة
[ ٢ / ٩٢ ]
مقامه، كما حذف موصوف الأبطح والأجرع، وهو المكان.
فإذا كان (هذا) أصل هذه اللفظة، فقد جرت على الرّجل صفة له، لا على وجه
الاتّساع والمجاز، بل على وجه التّحقيق، فإذا قيل: رجل جحفل فهو على الأصل، أي: رجل عظيم، ولم يرد به إنه قائم مقام الجيش كما ذكر.
وقال في قوله: (الطويل)
توهّمها الأعراب سورة مترف تذكّره البيداء ظلّ السّرادق
السّرادق: ما حول الفسطاط، وليس بعربيّ، ومن أبيات المعاني: (الطويل)
ولمّا ركبنا صعبها وذلولها إلى أن توارت تحت ظلّ السّرادق
رمتنا بفلذ من سرارة قلبها فطفنا به من بين حاس وذائق
توارت: يعني الشّمس، وذكروا أن السّرادق هاهنا الغبار، والهاء في صعبها وذلولها راجعة على أرض سلكوها. وعن بالفلذ شيئا قليلا من ماء،
[ ٢ / ٩٣ ]
والسّرارة: اكرم موضع في الوادي، فطافوا بهذا الماء القليل، فمنهم من حسا حسوة، ومنهم من لم يصل إلى الحسوة، فذاقه باللّسان.
وأقول: الصواب، أن السّرادق هنا الليل، وهو ما تدلّى من ظلامه.
وقوله: فمنهم من حسا منه حسوة، ومنهم من لم يصل إلى الحسوة، فذاقه باللّسان ليس بشيء! والصواب: أن هذا الماء قليل آجن، فمن القوم من ذاقه فلم يشربه لأجونيّته، ومنهم من جهده العطش فحسا منه القليل للضرورة، قال الأعشى: (الطويل)
وأصفر كالحنّاء داو جمامه متى ما يذقه ماتح القوم يبصق
أي: فهو يبصق.
وقال في قوله: (الطويل)
فهاجوك أهدى في الفلا من نجومه وأبدى بيوتا من أداحي النّقانق
هاجوك: حملوك على أن طردتهم، فوجدوك أهدى في الفلا من النّجوم، لأن الذين يسيرون باللّيل يهتدون بالنجم في المفاوز البعيدة، قال الرّاجز: (الرجز)
[ ٢ / ٩٤ ]
قلت له والجدي تحت الفرقد إنك أن لم تزجها بالفدفد
لا ترد الأمواه إلاّ من غد
وقال الآخر: (الرجز)
لوّح خلّيك الأداوى والنّجم وطول تخويد المطيّ والسّعم
أراد انهم يهتدون بالنّجم، فقد غيّر جسومهم السّعم، وهو ضرب من سير الإبل.
وأقول: قوله: هاجوك: أي حملوك ليس كذلك، ولكن: هاجوك بمعنى: بعثوك وأثاروك ومنه: هيّجت الشّرّ، أي: أثرته.
وقوله في قول الرّاجز:
لوّح خلّيك الأداوى (والنّجم)
أراد أنهم يهتدون بالنّجم كان يحسن بالشّيخ أن يفسّر قوله:
. . . . . . الاداوى والنّجم
فيجمع ما بينهما وما معنى ذلك، فقد روى أبو حاتم عن الأصمعي، وقد قيل لأعرابيّ: ما لوّح جسمك؟ فقال: الأداوى والنّجم! يريد إنه كثير الأسفار فهو يراعي أداوته وكم فيها من الماء، ويراعي النّجم من خوف الهلاك، وأنشد: (المتقارب)
[ ٢ / ٩٥ ]
له نظرتان فمرفوعة وأخرى تراقب ما في السّقاء
وفسّر الاشنانداني مرفوعة أي: ينظر إلى السّماء مرّة يدعو ربّه أن يسلّمه، وينظر إلى سقائه مرّة. ثم قال: ومثله: (الرجز)
لوّح خلّيك الأداوى والنّجم
ولم يرد الراجز بقوله مرفوعة، إلا نظره إلى النّجم، خوف الهلاك.
وقال في قوله: (الطويل)
واصبر عن أمواهه من ضبابه وآلف منها مقلة للودائق
الودائق: جمع وديقة، وهي: حين تدنو الشّمس من الأرض، يقال: ودق الشيء من الشيء إذا دنا، قال ذو الرّمّة: (البسيط)
كانت إذا ودقت أمثالهنّ لها فبعضهنّ عن الآلاف منشعب
ويجوز أن يكون المطر يسمّى ودقا، لأن قطره يدنو من الأرض، لأن الاشتقاق يدلّ على ذلك.
فيقال له: تفسيرك الوديقة بقولك: حين تدنو الشّمس من الأرض يناقض، في المعنى وفي الرّواية، ما قيل فيها:
أما المعنى، فأنه يراد بها الهاجرة وشدّة الحرّ، والشمس إذا دنت من الأرض قلّ حرّها،
[ ٢ / ٩٦ ]
وانكسر حميها.
وأمّا الرواية فقول ابن دريد: وناهيك الوديقة: دومان الشّمس في كبد السّماء في الهاجرة.
وأما تفسيره ودقت في بيت ذي الرّمّة بمعنى دنت، فالأولى أن يكون بمعنى أنست وألفت. قال ابن فارس: يقال: ودقت به ودقا: إذا أنست به.
وقوله: ويجوز أن يكون المطر سمّي ودقا، لأن قطره يدنو من الأرض، لأن الاشتقاق يدلّ على ذلك فليس بشيء! لأن ذلك يقتضي أن يكون الثّلج والبرد سمّي ودقا، لأنه يدنو من الأرض، ولم يقل ذلك أحد! والأقرب أن يكون الودق مشتقا من الأنس، أي: أنس بما يحتفل من المطر بعد، لأن ابن دريد قال: الودق: الذي يخرج من خلل (السحاب) قبل محتفل المطر.
وقال في قوله: (الطويل)
فما حرموا بالرّكض خيلك راحة ولكن كفاها البرّ قطع الشّواهق
يقال: جبل شاهق: أي مرتفع في السّماء، ومنه شهق الإنسان لأنه نفس متعال.
[ ٢ / ٩٧ ]
فيقال له: قد تقدّم من قبل، ما قيل في الجبل الشاهق.
وقولك: مشتق من الشّهيق، وهو ارتفاع النّفس، فأنه ليس بصواب، لأنّ الشّهيق هو ردّ النّفس، وبين التأويل فيه على ما يوافق المعنى فأغنى عن ذكره هنا.
وقال في قوله: (الطويل)
ألم يحذروا مسخ الذي يمسخ العدا ويجعل أيدي الأسد أيدي الخرانق
سكّن هذه الياء مرتين في بيت واحد، قال الرّاجز: (الرجز)
كأنّ أيديهن بالقاع القرق أيدي جوار يتعاطين الورق
يريد، أن هؤلاء الجواري، بنات قوم أغنياء، فهنّ يلعبن بالفضّة وأيديهنّ مخضّبات.
وأقول: الذي ذكره ليس بشيء! لأنّ قوله: أيدي جوار مخضّبات، ليس في الشعر دليل عليه، وإنما يريد أن أيدي هذه الإبل، تطير الحصى بشدّة في حال السّير، فيصلّ باصطكاكه، كأيدي جوار يتعاطين الدّراهم فيسمع لها صليل،
وهذا من
[ ٢ / ٩٨ ]
قول امرئ القيس: (الطويل)
كأن صليل المرو حين تطيره صليل زيوف ينتقدن بعبقرا
وقصّر الرّاجز عن قول امرئ القيس زيوف، لأن الزيوف يخالطها النّحاس فتصوّت بخلاف الفضّة الخالصة.
وقال في قوله: (الطويل)
ولا ترد الغدران إلاّ وماؤها من الدّمّ كالرّيحان تحت الشّقائق
الماء يوصف بالسّواد، ومن أسمائه: سويد، وبالزّرقة، وإنما يوصف بالخضرة ماء البحر فيقال: الأخضر. والناس يخصّون بالرّيحان ضربا من النّبت، وهو معروف. وأمّا أهل العلم فيجيزون أن يقع الريحان على كلّ نبت طيّب الرائحة.
وينبغي أن يحمل بيت أبي الطّيب، على إنه أراد بالريحان أزهارا بيضا، تشابه الماء في بعض الأحوال. وقد يجوز أن يقال للورد الأبيض ريحان.
وأقول: قوله: الماء يوصف بالسّواد. . . وبالزّرقة، وإنما يوصف بالخضرة ماء البحر يريد أن ماء غير البحر لا يوصف بالخضرة، لأن لفظة إنما تفيد إثبات الشّيء المذكور ونفي ما عداه، تقول: إنما له عندي درهم، فتثبت الدرهم، وتنفي ما سواه، فهي بمنزلة: ما وإلاّ في قولك: ما له عندي إلا درهم، وهذا يقتضي أن لا يوصف بالخضرة إلا ماء البحر فيكون، على هذا، قول ربيعة بن مقروم: (المتقارب)
طوامي خضرا كلون السّماء يزين الدّراريّ فيها النّجوما
[ ٢ / ٩٩ ]
خطأ، وذلك خطأ من قائله.
وقوله: والناس يخصّون بالرّيحان ضربا من النّبت، وهو معروف.
فيقال له: هذا (الذي) هو معروف هو الذي شبّه به أبو الطّيب الماء الذي كان صافيا في الغدران بالرّيحان، وعلاه الدّم، فكان فوقه كالشّقائق، لا الذي يجيزه أهل العلم من وقوعه على كل نبت، وتخصيصك له بالزّهر الأبيض وأن يكون الورد.
وقال في قوله: (الطويل)
تصيب المجانيق العظام بكفّه دقائق قد أعيدت قسيّ البنادق
عند قوم أن ميم منجنيق أصلية، وانّ نونها زائدة، يدلّ على زيادتها حذفها في الجمع، والقياس لا يمنع من أن تكون الميم زائدة، لأنك إذا حذفت النون، رجع الأصل إلى مجنق، والميم كثيرة الزّيادة في مفعل حتى أوجب ذلك أن يحكم عليها بالزّيادة كما يحكم على همزة أفعل. وقد روى بعضهم كلام العرب: كانت بيننا حروب عون فقيء فيها العيون، نجنق تارة ونرشق أخرى.
ووصف الشاعر الممدوح بأنه لطيف، يصيب بحجر المنجنيق للطف رأيه، ما لا تصيبه البندقة التي تخرج من قوس البندق.
[ ٢ / ١٠٠ ]
فيقال له: إذا ثبت زيادة النّون بسقوطها في الجمع، لم يجز أن يحكم بزيادة الميم، لأن الزّيادتين، لا تكون في شيء من الأسماء أولا، إلا في الأسماء الجارية أفعالها. وما روي من يجنق وجنقونا كقولهم: لآّل لبائع اللؤلؤ، ففي: جنقونا بعض حروف منجنيق وليس منه، وكذلك لآّل فيه بعض حروف لؤلؤ.
وقوله: ووصف الشّاعر الممدوح بلطف الحيلة، وإنه يصيب بحجر المنجنيق بلطف رأيه ما لا تصيبه البندقة.
فيقال له: ليست تلك لطافة، وإنما تلك كثافة! والمعنى غير ذلك. وهو إنه يردي أن الممدوح يصيب الأشياء ويأخذها بالمظاهرة، والمغالبة، لقوته واقتداره، إذا أخذها غيره بالمخاتلة والمسارقة، وضرب لذلك مثلا بالمجانيق وقسيّ البنادق. والبيت الذي قبله يدلّ على هذا التفسير وهو: (الطويل)
ولم أر منه غير مخاتل وأسرى إلى الأعداء غير مسارق
وقال في قوله: (الخفيف)
لو تنكّرت في المكرّ لقوم حلفوا أنّك ابنه بالطّلاق
يقول: لو تنكّرت في المكرّ، لئلاّ يعرفك من جرت عادته بعرفانك، لحلفوا انك ابن المكرّ، لا ابن أبيك المشهور. وإنما حملهم على ذلك أنهم يجدونك فيه سالما.
فكأنّه
[ ٢ / ١٠١ ]
أب لك، مشفق عليك، من أن يصيبك جرح من سيف، أو رمح. وإن حمل على أنهم يريدون إنه ابن أبيه لشبه به، فهو محتمل.
فيقال: الوجه الأول ليس بشيء!
والوجه الثاني، هو الذي أراده الشّاعر، ويدل عليه ما قبله وهو: (الخفيف)
يا ابن (من) كلّما بدوت بدا لي غائب الشّخص حاضر الأخلاق
فالضّمير في قوله: ابنه راجع إلى أبيه لا إلى المكرّ.
وقوله:
لو تنكرت في المكرّ. . . . . . . . . . . . . . .
لم يبيّن لم خصّ المكرّ بذلك، وهو: لما يظهر فيه من شجاعته، وإقدامه، وشدّة قتاله. فيحلف على انك ابنه، لما علم من شجاعة أبيك، واشتهر من إقدامه إنه لا يفعل ذلك الفعل إلا من هو منه. وفي هذا أحسن مدح له ولأبيه.
وقال في قوله: (الخفيف)
ألف هذا الهواء أوقع في الأن فس أن الحمام مرّ المذاق
هذا البيت، والذي بعده، يفضلان كتابا من كتب الفلاسفة، لأنّهما متناهيان في الصّدق، وحسن النّظام. ولو لم يقل شاعر سواهما، لكان له فيهما جمال وشرف.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وقال في قوله - وهو البيت الثاني منهما: (الخفيف)
والأسى قبل فرقة الرّوح عجز والأسى لا يكون بعد الفراق
يقول: ينبغي للإنسان أن يسهّل أمور العاجلة على نفسه، فإذا كان حيا فما ينبغي أن يحزن لعلمه أن فراق نفسه يكون، لأنه لم يكن بعد فإذا فارقته نفسه، فقد أمن من الأسى، ورجع إلى حال العدم وفراق الحسّ.
وأقول: أن الشّيخ لم يذكر لم جاء بهذا المثل، ولا ما بين البيتين، والبيت الذي قبلهما، من الاتّصال والتناسب. والذي يقال في هذا أن قوله: (الخفيف)
قلّ نفع الحديد فيك فلا يل قاك إلاّ من سيفه من نفاق
أي: لما اشتهر من شجاعتك، وعلم من أرائك الأقران، وإنّ كلّ من لاقاك، مقاتلا مقتول، قلا يلقاك إلا من يقاتلك، ويدفعك عن نفسه بسيفه من نفاق أو رمح من خضوع، خوفا من الموت، وذلك أن ألف الهواء لذيذ، به تدوم الحياة. فالنفس تعلم، أن الموت الذي يضادّ الحياة، طعمه يضادّ طعمها، فهو مرّ مذاقه، وكان ينبغي لهذا الجبان (إن) لا يحزن، لأنّ حزن المرء على الشيء يكون بعد فقده لا قبله. ونفس الإنسان لا يتصور فيها ذلك، لأن حزنه عليها قبل فراقها، عجز
وجهل، وبعد فراقها لا يكون حزن، فعلى هذا، ينبغي للجبان أن لا يجبن فيذلّ ويخضع.
[ ٢ / ١٠٣ ]
وقال في قوله: (المنسرح)
فقلت أن الفتى شجاعته تريه في الشّحّ صورة الفرق
قال: الفتى هاهنا، يعني أبو العشائر. وذلك أبلغ من أن يكون الفتى شائعا في الفتيان، لأنه إذا شاع فيهم، كان أبو العشائر كواحد منهم، وإذا خصّ بالفتوّة، فهو مميّز من كلّ الفتيان. ووصفه بالشّجاعة، وادّعى أن شجاعته توهمه إنه يفرق من الشّحّ، فتريه الشّجاعة صورة الفرق، فكأنه يقبل تلك الصورة.
فيقال للشيخ: الألف واللاّم في الفتى للجنس، وضربه مثلا فقال: أن الفتى، وهو الكامل الأخلاق، تريه شجاعته (انه) إذا بخل فقد جبن، فلا يبخل كما لا يجبن، ولا معنى لقوله: يقبل تلك الصورة. وهذا المعنى قد جاءه في شطر بيت من قوله: (البسيط)
هو الشّجاع يعدّ البخل من جبن هو الجواد يعدّ الجبن من البخل
[ ٢ / ١٠٤ ]
وقال في قوله: (المنسرح)
بضرب هام الكماة تمّ له كسب الذي يكسبون بالملق
يريد: إنه على ما يلحق بالأعداء، محبوب كأنه يتملّقهم، أي: يلّين لهم الكلام.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى، أن أبا العشائر تمّ له كسب الأموال من أعدائه، بضرب رؤوسهم وقتلهم، مثل كسب الذين يكسبون من غيرهم بالتّلطّف، أي: بكسب المال بالبأس، والقوّة والعزّ، كما يكسب غيره بالسّؤال، والضّعف والذلّ.
وقال في قوله: (المنسرح)
كن لجّة أيّها السّماح فقد آمنه سيفه من الغرق
يقول: كن، أيها السّماح، كلّجة البحر، فسيف هذا الممدوح يؤمنّه من أن يغرق، فأدّعى أن سيفه يؤمنّه من كل الحوادث، وهذا إفراط بيّن المبالغة، وتجاوز الحدّ.
وأقول: هذا قول أبي العلاء، وهو شاعر، فما قولك في غيره من شرّاح الديوان؟! وأبو الطّيب لم يدّع أن سيفه يؤمنّه من كلّ الحوادث. وإنما قال:
كن لجّة أيّها السّماح. . . . . . . . . . . .
أي: كثيرا مثل لجّة البحر، فأن سيفه يؤمنه من الغرق، من قولهم: فلان
[ ٢ / ١٠٥ ]
غرق في العطاء،
إذا (أكثر منه) فأذهب ماله، أي: سيفه يؤمنّه من الإقلال، بقتل أعدائه، وأخذ أموالهم. فجعل سيفه بمنزلة السّفينة التي تحمله بما يكسبه مؤمنا (له) من الغرق.
وقال في قوله: (الرجز)
ذو غرّة في وجهه كالشّارق كأنّها من جسمه في بارق
باق على البوغاء والشّقائق
يقول: لون هذا الفرس كلون بارق، فكأنه قد تخلّف على الأرض.
فيقال له: ليس قوله: باق من صفة البارق، ولا البرق، وإنما هو من صفة الفرس. يريد، إنه قويّ ثابت صبور على البوغاء وهو التراب الرقيق، والشّقائق: الرّمل في الأرض الغليظة، والابردين: الغداة والعشيّ، والهجير الماحق: هو الشّديد أي: لم ينقص ذلك من قوّته.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقال في قوله: (الرجز)
والابردين والهجير الماحق
زعم، أن البارق الذي شبّه به الفرس، طال مكثه في الأرض، وليس ذلك من عادة البارق، فهو باق على الابردين، والهجير الماحق، أي: الشّديد.
فيقال: هذا مبنيّ على قوله في باق إنه من صفة البارق، والصّحيح إنه من صفة
الفرس، لما ذكرته.
وقال في قوله: (الرجز)
يترك في حجارة الأبارق
آثار قلع الحلي في المناطق
مشيا فأن يعد فكالخنادق
يقول: آثاره إذا مشى، في حجارة الأبارق، كآثار قلع الحلي في المناطق، وإذا عدا كان الذي يغادره من الأثر كالخنادق. ثم وصف الخنادق فقال: لو وردت غبّ مطر
[ ٢ / ١٠٧ ]
فملأها ماء لأحسبت،
فملأها ماء لأحسبت، أي: حفت خوامس الايانق التي يرد خمسا، وهي توصف بكثرة الشّرب، وقد بالغ هذا القائل في صفة ما تغادره من الآثار حوافر فرسه. والذي يوصف به الحافر، إنه وأب ليس بالواسع ولا الضّيق. وإنما ينبغي للمبالغ في صفة الفرس بالخفّة، أن يدّعى لحوافره إنها لا تقع على الأرض من خفّته، إذ كانوا يشّبهون الفرس بالبازي، والصّقر، وغيرهما من الطّيور.
وأقول: إنه لم يصفه هاهنا بالخفّة، وإنما وصفه بقوّة القوائم، وصلابة الحوافر، وشدة تأثيرها في الأرض. وقد ذكرت ما في البيت في شرح ابن جنّي، فلينظر هناك.
وقال في قوله: (الرجز)
بذّ المذاكي وهو في العقائق
العقائق: جمع عقيقة وهو الشّعر الذي يخرج على المولود. والمعنى، أن أمه سبقت الخيل، وهو في بطنها، وذلك لغزارة جريها، لأنها إذا سبقت وهي حامل، فكيف بها إذا كانت مضمّرة؟ وهذا مثل قول الآخر في وصف فرس: (الرجز)
قد سبق الجياد وهو رابض
فكيف لا يسبق هو راكض!
[ ٢ / ١٠٨ ]
أي: رابض في بطن أمّه.
وأقول: هذا وهم من الشّيخ، في قول أبي الطّيب، إنه سبق الخيل وهو في بطن أمه، بل في حال خرجه من بطن أمّه في عقيقته، لأنّ العقيقة الشّعر الذي يخرج على الولد، كما ذكر، وبالغ أبو الطّيب في ذلك، إذ جعله سبق المسّان من الخيل، في حال لم يكن فيها فلوا، ولا جذعا، ولا حوليا، بل في حال الولادة وهذه مبالغة. وابلغ منها البيت الذي استشهد به، وهو سبقه في بطن أمه، وذلك إذا حقّق، لم يكن السّبق له، وإنما السّبق لأمّه التي جرت به فسبق. وقوله: (البسيط)
ربّ نجيع بسيف الدولة انسفكا وربّ قافية غاظت به ملكا
[ ٢ / ١٠٩ ]
قال: لم يزاحف أبو الطّيب زحافا تنكره الغريزة، إلا في هذا الموضع! ولا ريب إنه قاله على البديهة، ولو أن لي حكما في البيت لجعلت لوّله:
كم من نجيع. . . . . . . . . . . .
لأنّ ربّ تدلّ على القلّة، وإنما يجب أن يصف كثرة سفك دماء الأعداء. ويحسّن ذلك أن ربّ جاءت في النّصف الثاني، وهي ضدّ كم.
وأقول: أن قوله: لم يزاحف زحافا تنكره الغريزة، إلا في هذا الموضع إنما كان ذلك لأنّ مستفعلنّ جاء مطويّا فثقل واضطرب بحذف رابعه السّاكن، واجتماع ثلاثة متحركات، ولو خبن فجاء على مفاعلن لم تنكره الغريزة، لأنه صار على وتدين مجموعين اتّزنا. وقد جاء ذلك كثيرا في شعره كقوله: (البسيط)
أظبية الوحش لولا ظبية الأنس لما غدوت بجدّ في الهوى تعس
فجاء الخبن في الجزء الأول والجزء الخامس، ولم يتبيّن فيه النّقص، إلا إنه حسّن من زحافه - أعني: ربّ نجيع - إنه جاء هاهنا أولا لم يتقدّمه أجزاء خالفها، فأشبه الخرم الواقع في أول حرف من أول جزء في البيت.
وأمّا وضعه كم موضع ربّ، وقوله أن كم للكثرة وربّ للقلة، وإنه يجب أن يصفه بكثرة سفكه دماء الأعداء، فيقال: أن ربّ قد تستعمل أيضًا للكثرة، وقد جاء ذلك في نحو قول الأعشى: (الخفيف)
ربّ رفد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشر أقتال
[ ٢ / ١١٠ ]
وقول سويد بن أبي كاهل: (الرمل)
ربّ من أنضجت غيظا قلبه قد تمنّى لي موتا لم يطع
وذلك، أن قوله موضع مدح وفخر، فلا يراد به القلّة، وقد ذكر ذلك علماء العربية.
وقوله: ويحسّن ذلك، أن ربّ جاءت في النصف الثاني وهي ضد كم. فكأنه أراد تحسين الطباق بين القلّة والكثرة.
فيقال: هذا، وان كان تحسينا في اللفظ، فأنه تقبيح في المعنى، لأن ربّ تتمخّض فيه للقلّة فيلزم على ذلك، أن يصفه بقلة غيظه للملوك، وهو يخالف المقصود. والصواب إبقاء البيت على ما هو عليه، واحتمال إنكار الغريزة للوزن، لتعريف صحّة المعنى. وإذا تأمّل هذا التّغيير، علم فوق بين ما صار إليه ممّا كان عليه. على أن الواحديّ روى عن الشّيخ في تغيير ابن جنّي قول أبي الطّيب: (البسيط)
. . . . . . . . . وشرّف الناس إذ سوّاك إنسانا
بقوله: أنشأك إنه (قال): لا يمكن أن يغيّر من شعره كلمة بأحسن منها. فكيف رجع عن هذا القول؟!
وقوله: (البسيط)
من يعرف الشمس لا ينكر مطالعها أو يبصر الخيل لا يستكرم الرّمكا
[ ٢ / ١١١ ]
قال: والرمكة لم تجيء في الشعر، إلا أن تكون شاذّة، لأنها إذا جاءت في حشو البيت، اجتمعت فيها أربعة أحرف متحركة، وذلك مستثقل.
وأقول: أن تعليله شذوذها بأنها جاءت على أربعة أحرف متحركة، يقتضي شذوذ كلّ ما جاء على وزنها، من نحو: الحركة، والعجلة، والكلمة، والشّجرة، وما أشبه ذلك.
ويقال له: فإذا استثقل ذلك حشوا فلم يشذّ في آخر البيت وقد زالت العلّة بسكون الرّابع؟
وقوله: (المتقارب)
كأنّك سيفك لا ما ملك ت يبقى لديك ولا ما ملك
قال: وصفه بالجود ووصف سيفه بالمضاء، وذلك إنه شّبهه بسيفه، فسيفه لا يبقي ما لديه بالضّرب، بل يفصله، وهو لا يبقي ما لديه من المال، بل يفرقه فجعل ما يملك سيف الدولة من العطّية، بمنزلة ما يملكه سيفه من الضّريبة، كلاهما ماض في فعله لا يليق شيئا.
[ ٢ / ١١٢ ]
وقوله: (البسيط)
ولو نقصت كما قد زدت من كرم على الورى لرأوني مثل قاليكا
قال: لو نقصت نقصا، مثل زيادتك في كرمك، لرآني الناس مثل مبغضك.
وأقول: هكذا قول أبي الطّيب! فكأنه فسّر قوله، بقوله!
والمعنى: أنك في أقصى الزّيادة من كرمك على النّاس، وشانيك في أقصى النّقص، فأضاف النقص إلى نفسه، وهو يريد نقص مبغضه، أي: لو أني ممّن ينقص كزيادتك، لكنت في نهاية النّقص، كما انك في نهاية الزيادة (في الكرم)
وقوله: (الوافر)
أتتركني وعين الشمس نعلي فتقطع مشيتي فيها الشّراكا
[ ٢ / ١١٣ ]
قال: هذا كما تقول: أتكرمني هذه الكرامة وأفارقك؟ أي: أن ذلك لا يجب، ولا يحسن، لأنك قد رفعتني حتى جعلت عين الشّمس نعلي، فأمشي فيها مشيا يقطع
الشّراك، أي: لا ينبغي أن افعل ذلك.
وأقول: أن هذا ضربه مثلا، أي: قد أحللتني محلّة رفيعة، فأنا لا اعرف حفظها، ولا احسن التمتّع بها. فجعل الشمس بمنزلة النّعل الحسنة، التي ينبغي للابسها أن يرفق بها، لئلاّ ينقطع شراكها فتسقط من رجله، وفي هذا غضّ من نفسه وتحقير لها، أي: لست من أهل هذه المنزلة، ولا ممّن يعرف قدر هذه النعمة فيحافظ عليها، وهذا من جليل الأمثال ودقيق المعاني.
وقوله: (الوافر)
ولولا أن أكثر ما تمنّى معاودة لقلت: ولا مناكا
قال: إنما يريد مناه التي تخطر بقلبه، لا الأماني التي تبلغ، لأنه يجّل عليه أن يتمنّى شيئا لم يكن بعد، لأن الأماني ربّما تعلّل بها أخو الهمّ. ومن ذلك قول القائل: (البسيط)
إذا تمنّيت بتّ الليل مغتبطا أن المنى رأس أموال المفاليس
(وأقول:) انظر إلى هذا التفسير، وتفريقه بين المنى والأماني، وهذا كلام من لم يشمّ رائحة المعنى الذي أراده أبو الطّيب.
[ ٢ / ١١٤ ]
وأقول: أن هذا البيت مرتّب على البيت الذي قبله، وهو قوله: (الوافر)
إذا التّوديع أعرض قال قلبي عليك الصّمت لا صاحبت فاكا
يقول: أن قلبي، لكراهية الفراق، يأمرني بالصّمت عند الوداع، فيدعو عليّ إذا عزمت عليه فيقول: لا صاحبت فاك أن نطقت به، فقال: ولولا أن أكثر مناه العود إلى عضد الدولة، لقلت: وأنت لا صاحبت مناك.
وقوله:
. . . . . . أكثر ما تمنّى معاودة. . . . . . . . .
يدل على إنه تمنّى الإقامة في الأهل والأوطان، وتمنّى العود إلى الممدوح، إلا أن
تمنّيه العود أكثر، فلم يقدر أن يقول (له: وأنت) لا صاحبت مناك، لأنّ أكثر مناه العود إلى عضد الدّولة، فهذا هو المعنى لا سواه.
وقوله: (الوافر)
قد استشفيت من داء بداء وأقتل ما أعلّك ما شفاك
قال: يقول لقلبه: قد استشفيت من داء، وهو فراق هذه الحضرة، بداء، وهو الوداع، واقتل ما أعلك، الذي يشفيك فيما تظنّ، وهو وداعك.
وأقول: لم يفهم المعنى!
[ ٢ / ١١٥ ]
ومعنى قوله:
قد استشفيت من داء بداء. . . . . . . . .
أي: من فراق اهلك بفراق عضد الدولة، وهو أعظم منه، وهذا مثل قوله: (البسيط)
. . . . . . . . . كالمستغيث من الرّمضاء بالنار
وضدّ قوله: (البسيط)
. . . . . . . . . أنا الغريق فما خوفي من البلل
وقوله: (الوافر)
وكنت أعيب عذلا في سماح فها أنا في السّماح له عذول
قال: المعنى أني كنت أعيب عذلا في السّماح، فلمّا دام هذا المطر عذلته في الدّوام، لأنه قد منعنا من السّير. وهذا اللفظ على أن سيف الدولة أراد المسير، فسأله الشاعر أن يثبّت.
[ ٢ / ١١٦ ]
وأقول: هذا التّفسير، فيه تناقض، وذلك انه، كما ذكر، سأله التثبّت، وكما قال: رويدك وتأيّ وجودك بالمقام. فكيف يعذل السّحاب على الدوام، وقد حصل له به ما أراد من التثبّت والمقام؟ فذكر الدّوام ليس بشيء، وإنما عذله بسبب الكثرة، وان
كانت لا تمنع سيف الدولة من السّفر كما قال: (الوافر)
وما أخشى نبوّك عن طريق وسيف الدّولة الماضي الصّقيل
وكذلك البيت الذي يليه. على أن السّماح إنما يكون من السّحاب بالكثرة، لا بالدّوام، فأنّ إنسانا لو أعطى إنسانا في عام، كلّ يوم فلسا، لم يعدّ ذلك سماحا، ولو أعطاه ألف دينار، في ساعة لعدّ ذلك سماحا.
وقوله: (المتقارب)
فلمّا نشفن لقين السّياط بمثل صفا البلد الماحل
قال: يقول: أن عرف الخيل ابيض، فلمّا يبس على ظهورها، لقين السّياط بمثل صفا البلد الماحل، أي إنها مبيضّة بالعرق، فكأنّ السّياط منها بأرض بيضاء لم يصبها مطر.
[ ٢ / ١١٧ ]
(وأقول:) انظر إلى هذا التفسير الذي لم يقله بصير!
وأين هو عن تشبيه أكفالها بالصّخر في البلد المحل؟ فهو اصلب له، وهذه شنشنة لهم معروفة، وطريقة مألوفة، كقول علقمة: (البسيط)
. . . . . . . . . جلذيّة كأتان الضّحل علكوم
وأشباه ذلك. فالتشبيه إنما وقع من جانب الصّلابة لا من جانب اللون (على أن الصّخر يختلف لونه باختلاف الأرض، فلا يختصّ بلون البياض دون غيره).
وقوله: (المتقارب)
وما بين كاذتي المستغير كما بين كاذتي البائل
قال: شبّه العرق ونزوله، بنزول البول. وقد ذهب بعض من فسّر هذا البيت (إلى) أن الفرس إذا أعيا تباعد ما بين فخذيه، فكأنّه فرجهما ليبول، والأول أشبه.
وأقول: لم يرد الشّاعر ذلك، وإنما وصفه بتباعد ما بين الرّجلين، فأنّ تقاربهما صكك كما قال زهير: (البسيط)
[ ٢ / ١١٨ ]
. . . . لا فحج فيها ولا صكك
فجعل تباعد ما بين فخذيه، كتباعد البائل للمبالغة.
وقوله: (المتقارب)
بضرب يعمهّم جائر له فيهم قسمة العادل
قال: وصف الضّرب بالجور، أي: إنه يسرف، فيكون كمن يجوز. وقوله:
. . . . . . . . . . . . فيهم قسمة العادل
أي: يقدّ الرّجل، فيجعله كالذي قسم جسمه، وهذا كما يروى عن علي - ﵇ - إنه كان إذا اعتلى قدّ، وإذا اعترض قطّ.
وأقول: مثل هذا قوله في وصف السّيف وهبه له ابن العميد: (الخفيف)
يقسم الفارس المدجّج لا يس لم من شفرتيه إلاّ بداده
وقوله: (المتقارب)
فظلّ يخضّب منها اللّحى فتى لا يعيد على النّاصل
[ ٢ / ١١٩ ]
قال: يخضّب لحاهم بالدّم، كما يخضّب الشّيب بالحنّاء والكتم، الاّ أن عادة من يخضب شيبه إذا نصل أن يعيد الخضاب، وهذا الخاضب لا يفعل ذلك.
وأقول: إنه لم يتبيّن لِمَ لم يفعل ذلك؟ وذلك أن ضرباته إبكار، لا تثنّى، كما يحكى عن ضربات عليّ - ﵇ - فهو إذا ضرب القرن فخضّبه بالدماء، كانت تلك الضّربة قاضية لا يسلم منها (فينصل الخضاب)، فيحتاج إلى أن يضربه ثانية ليعيد الخضاب.
وقوله: (البسيط)
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل والطّعن عند محبّيهنّ كالقبل
قال: قال: الطّعن عند محبّيهنّ لأنه جعل الطّعن جمع طعنة، والأشبه أن يكون مصدر طعن، فلو إنه في غير الشّعر، لكان الوجه أن يقول: والطّعن عند محبّيه.
وأقول: أن الضمير في محبّيهنّ راجع إلى الممالك، لا إلى الطّعن، فجعل الممالك بمنزلة المعشوقات، والطّعن بمنزلة القبل، أي: الطعن طّيب سهل، في جنب وصل الممالك، فإذا كان الضّمير كذلك، فليترك الشّعر شعرا، ولا يغيّر، ويغيّر له الضّمير.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وقوله: (البسيط)
هو الشّجاع يعدّ البخل من جبن هو الجواد يعدّ الجبن من بخل
قال: وصفه بالشّجاعة، وزعم إنه يرى البخل جبنا من قلّة المال، فهو يتركه لأنه شجاع، يرى البخل جبنا، ويعدّ الجبن من بخل، أي إنه إذا جبن، فقد بخل بنفسه على الحمام.
وأقول: أن قوله: جبنا من قلّة المال أي: خوفا لأجل قلّة المال، لأنه يقال: فعلته من أجلك، أي: لأجلك. وفي تفسيره هذا، قصور عبارة عن هذا المعنى الطائل، واللّفظ الهائل، وهو أن الشّجاع إذا اقدم في الحرب، ولم يقدم على إنفاق ماله خوفا من الفقر، فقد بخل، وذلك البخل يعدّ جبنا، لأنه لو كان شجاعا، وقد جاد بنفسه، جاد بماله، فالضّنّ به جبن. وكذلك الجواد إذا جاد بماله ولم يجد بنفسه خوفا من القتل، فقد جبن، وذلك الجبن يعدّ بخلا، لأنه أو كان جوادا، وقد جاد بماله، جاد بنفسه فالضّنّ بها بخل. والمعنى: إنه وصف الممدوح بصفتين كاملتين اجتمعتا فيه، فجعله شجاعا لا يبخل، وجوادا لا يجبن، لأن هاتين الصّفتين قد تفترق، كما يحكى عن ابن الزّبير إنه كان شجاعا بخيلا، وعن جماعة من بني اميّة، وبني العبّاس، انهم كانوا سمحاء جبناء.
وأقول: إنه اتّفق لأبي الطّيب في هذا البيت، من جودة الصّنعة بتركيب الألفاظ وتقليبها، وتهذيب المعنى وتكميله ما لم يتّفق لغيره.
[ ٢ / ١٢١ ]
وقوله: (الكامل)
أنّي لأبغض طيف من أحببته إذ كان يهجرنا زمان وصاله
قال: قال في أول القصيدة: (الكامل)
لا الحلم جاد به ولا بمثاله. . . . . . . . . . . .
فزعم أن الحلم، لا يصل إلى أن يريه الخيال. ثم ذكر بعد ذلك، إنه يبغض طيف من احبّه، وهذا يشبه أقوال الشّعراء (الشيء) ثم رجوعهم عنه، وهو الذي يسمّى الاكذاب، ومنه قول زهير: (البسيط)
قف بالدّيار التي لم يعفها القدم بلى وغيّرها الأرواح والدّيم
وأقول: من أين زعم أن هذا رجوع عن الشّيء، وإكذاب له؟ ولعلّه أراد بقوله: فزعم أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال إنه وصل إلى الخيال هو بنفسه، وذلك بتذكّره له، وتفكّره فيه، ولا يكون ذلك إلا عن قصد وإرادة ومحبّة، ثم اكذب ذلك بقوله:
إني لأبغض طيف من أحببته. . . . . . . . .
فهذا الذي تبينته من تقرير مأخذه (أو يكون أنكر على الحلم كونه لم يجد له به أو بمثاله، حيث نفى ذلك عنه، وذلك لحبّه اياه، فلما جاد بمثاله وهو طيف قال: أني لأبغض)
[ ٢ / ١٢٢ ]
والجواب عنه، أن التقدير الذي قدّره من قوله: فزعم أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال، وإنه هو الذي وصل إليه غير صحيح. والتقدير الصّحيح في قوله:
لا الحلم جاد به ولا بمثاله. . . . . . . . .
أي: لو لم اذكر وداع المحبوب والزّيال وأتخيّله، لم يجد الحلم بالخيال، فالعاشق لم يقصد خيال المحبوب، ولكنه لما تذكّر المحبوب في حال اليقظة، رآه في حال النّوم. فرؤيا الخيال إنما وقعت عرضا واتّفاقا، لا تعمدّا واشتياقا. فإذا صحّ ذلك فسد قوله: إنه رجوع عن الأول، واكذاب له.
وقوله: (المتقارب)
فلم لا تلوم الذي لامها وما فصّ خاتمه يذبل
قال: هذه مبالغة عظيمة، لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة، يجب أن يكون فصّ خاتمه مثل هذا الجبل المستعظم. وكيف يلومها وهو حقير؟! إنما شخصه كشخص غيره من النّاس.
وأقول: غير هذه العبارة أحسن منها!
والمعنى: أن هذه الخيمة مستحيل أن تعلو وتشمل من يشمل الدّهر، كما إنه مستحيل أن يكون فصّ خاتم إنسان هذا الجبل العظيم الذي هو يذبل فالخيمة حقيرة بالإضافة
[ ٢ / ١٢٣ ]
إلى سيف الدولة، كما أن الإنسان حقير بالإضافة إلى هذا الجبل، أن يجعله فصّ خاتمه، فينبغي إذا لامها على ترك العلّو على سيف الدولة، أن تلومه على ترك التّختّم بخاتم فصّه يذبل!
فهذا كأنّه ذكره على طريق المجادلة، لا على ما ذكره. والضمير في تلوم من قوله:
فلم لا تلوم. . . . . . . . . . . .
يحتمل أن يعود إلى المخاطب، ويحتمل أن يعود إلى الخيمة، على وجه المقابلة، وهو الأحسن، ليكون الجدال بينها وبين لائمها، وهو اقرب في الاستعارة.
وقوله: (المتقارب)
جعلتك بالقلب لي عدّة لأنك باليد لا تجعل
ذكر فيه وجهين: أحدهما لا معرّج عليه.
والآخر أصاب فيه، إلا إنه زاد فيه زيادة نقصته. وهو قوله: أي جعلتك عدّتي بقلبي، لأنك أجلّ من أن تجعل باليد.
والزيادة قوله: لأنّها إنما تتصرّف فيما صغر من الاشياء، والقلب يتّسع في
الضمير حتى إنه يضمر ما لا يدرك.
وأقول: هذا ليس بشيء!
[ ٢ / ١٢٤ ]
والمعنى، إنه جعل سيف الدولة سيفا لا كالسّيوف، لأن السّيوف يعتدّ بها في الأيدي، وسيف الدولة يعتدّ به في القلب، يعني: بإخلاص الولاء والمحبة، فلا معنى لسعة القلب ولا ضيقه!
وقوله: (المتقارب)
أنلت عبادك ما أمّلت أنالك دهرك ما تأمل
قال الشيخ: تأمل من آخر القصيدة - يعني هذا البيت - لا يجوز ترك همزه، لأنه يصير سنادا، وكذلك همزة مأسل من قول امرئ القيس: (الطويل)
. . . . . . . . . وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
وأقول: إنه أراد بترك همزة الإبدال ألفا محضة، لا مخفّفة، لأن المخفّفة عندهم كالمحقّقة، ويدلّ على ذلك قول امرئ القيس: (الطويل)
أرى أمّ عمرو دمعها قد تحدّرا بكاء على عمرو فما كان اصبرا
إذا قلت: هذا صاحب قد الفته وقرّت به العينان بدّلت آخرا
[ ٢ / ١٢٥ ]
فأراد المخففة فكأنه قال: أأخرا ولو أراد الإبدال لكان ذلك سنادا كما قال، فعلى هذا يجوز تخفيف همزة مأسل وتأمل لا إبدالها، وهو المقصود من كلامه بعدم الجواز.
وقوله: (البسيط)
أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طلل دعا فلبّاه قبل الرّكب والإبل
قال: يريد أن دمعه سبق أن يقف به الرّكب.
وأقول: هذا ليس بشيء! بل شجا الركب والإبل بمرورهم به، أو وقوفهم عليه، فكأنه دعا دموعهم فسبق دمعه الرّكب والإبل، لفرط غرامه، وزيادة شوقه. فأمّا
وصف الرّكب بالوجد والبكاء فظاهر، وأمّا وصف الإبل بذلك فمستعمل كقول متمّم: (الطويل)
فما وجد أظآر ثلاث روائم رأين مجرا من حوار ومصرعا
إذا شارف منهنّ قامت فرّجعت حنينا فأبكى شجوها الركب اجمعا
وكذلك الخيل كقول عنترة: (الكامل)
وأزورّ من وقع القنا بلبانه وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
[ ٢ / ١٢٦ ]
وقول أبي الطّيب: (الطويل)
مررت على دار الحبيب فحمحمت جوادي، وهل تشجو الجياد المعاهد
وقوله: (البسيط)
ما بال كلّ فؤاد في عشيرتها به الذي وما بي غير منتقل
قال: أجود ما يقال في هذا المعنى، أن يجعل الذي يجده من الشّوق، كأنه شخص، والشّخص إذا حصل في مكان شغله، ولم يشغل غيره، فإذا اعتقد ذلك صحّ إنكاره، لثبات وجده، لأنه في أماكن كثيرة، والشخص لا يشغل مكانين.
(قلت): وكان ينبغي أن يقول هاهنا: والشخص ينتقل، وهذا لا ينتقل.
قال: وأما العرض، فلا يشغل مكانا، فإذا كان في قلب واحد، جاز أن يكون في قلوب عالم كثير.
وأقول: هذا الذي ذكره، في غاية التكلّف، ونهاية التّعسّف!
والمعنى: (أقرب من ذلك وهو) إنه استفهم متعجبا: كيف فؤاد (كلّ) رجل في عشيرتها به من حبّها مثل الذي به؟ وان ذلك يدعو إلى حفظها، ومنعها، وعدم
[ ٢ / ١٢٧ ]
الوصول إليها،
ويوقع اليأس من وصلها، ومع ذلك (فأنه) لا يسلوها، ولا ينتقل ما به من هواها.
وقوله: (الوافر)
شديد البعد من شرب الشّمول ترنج الهند أو طلع النّخيل
قال: قدّم الخبر في قوله: شديد البعد، ولو جعل النصف الآخر مكان الأول لكان حسنا، وكلا الوجهين سائغ.
وأقول: أن تفسيره هذا محمول على ظاهر الكلام من غير تقدير، وليس له معنى صحيح، أو كأنّ الشيخ وقف على ما ذكر ابن جنّي فيه، أو وقف عليه فارتضى قوله، وهو غير مرضيّ، والصحيح، أن تقدير الكلام: أنت شديد البعد من شرب الشّمول فحذف المبتدأ ثم قال: ترنج الهند، أو طلع النّخيل، ما تصنع به، فحذف الخبر لأن قرينة الحال تدلّ عليهما وتقود إليهما.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وقوله: (الطويل)
ويوما كأنّ الحسن فيه علامة بعثت بها والشمس منك رسول
قال: هذا معنى لطيف. أراد أن الحسن في هذا اليوم، كأنّه علامة بعثت بها هذه المذكورة إليه، وإنّ الغبار ثار وستر الشمس، فكأنها رسول من حبيب مستخف.
وأقول: أن قوله أن الغبار ثار فستر الشمس ينفي حسن ذلك اليوم، ومع ذلك، فليس في الكلام دليل عليه. والصحيح ما قاله الواحديّ، إنه استحسن اليوم لما كان قبله من استشباعه الليل، وأضاف حسنة إلى الحبيبة، يقول: كأنك بعثت الشمس رسولا، وحسن اليوم منك علامة، لأنه حسن بالشمس، فكأن الشمس جاءت بحسنه، وكأنّ الحبيبة بعثت ذلك الحسن.
وقوله: (الطويل)
إذا الطّعن لم تدخلك فيه شجاعة هي الطّعن لم يدخلك فيه عذول
قال: يقول: إذا لم تكن فيك شجاعة تدخلك في الطّعن، أي: تحملك على أن تطاعن فتصيب وتصاب لم يدخلك فيه من يعذلك.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وأقول: أن الجماعة لم يفرّقوا بين الطّعنين في قوله: إذا الطّعن، وقوله: هي الطّعن
وهل الطعن الأول هو الثاني أو غيره؟ وأرى أن بينهما فرقا، وان التكرار لزيادة معنى، وهو أن الأول مصدر، والثاني اسم جنس، جمع طعنة، أي: إذا لم يدخلك في صفة طعن الأبطال شجاعة هي الطعن، أي فعل الطّعن، لم يدخلك فيه كلام من يعذلك! أي: إذا لم يكن للإنسان باعث من نفسه وفعله الجميل على الذّكر الجميل، لم يبعثه كلام من خارج.
وقوله: (الطويل)
وكلّ أنابيب القنا مدد له وما ينكت الفرسان إلاّ العوامل
قال: أراد أن العرب كلّها مدد لسيف الدولة، وإنه كعامل القناة، وما ينكت الفرسان إلا عوامل الرّماح.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وأقول: أن كان توهّم أن الضّمير في له عائد على سيف الدولة، فليس كذلك، ولكنه عائد على القنا. والمعنى: أن أنابيب القنا، وإن تساوت في كونها مددا لها في طعن الفرسان، إلا أن الأنبوب الأعلى، وهو العامل، هو الذي ينطت الابطال، أي: يكبّها ويلقيها، فضرب ذلك مثلا لأصحاب سيف الدولة (وله)، يقول: هم، وان كانوا مددا له، (فهو أعلاهم وأشرفهم)، فليس لهم غناء، ولا تأثير في الحرب إلا به، وهذا ينظر إلى قوله: (المتقارب)
أمام الكتيبة تزهى به مكان السّنان من العامل
وقوله: (الخفيف)
قارعت رمحك الرّماح ولكن ترك الرّامحين رمحك عزلا
قال: يقول: قارعت الرماح رمحك، فترك الرامحين عزلا، أي: لا سلاح معهم.
وأقول: إنه لم يزد على قول أبي الطّيب، إلا بتفسيره العزل، وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير!
والمعنى: وصف سيف الدّولة بحذقه في الطّعن. يقول: أن الرماح قارعت رمحه
(ولكن) لم تغن شيئا، لأنه بطلّها وعطلّها، فصار الرّامح بمنزلة الأعزل. ويحتمل معنى
[ ٢ / ١٣١ ]
غير وصفه بالحذق، وهو وصفهم بالخوف.
وهذا، كأنه مثل ضربه لمفاخرة غيره له من الملوك، يقول: قابلوا مفخرك بمفاخرهم، فتركتهم كأن لا مفخر لهم. وينظر إلى قوله: (الكامل)
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنت عن شأوهنّ مطيّ وصفي ظلّعا
وقوله: (الخفيف)
ما لنا كلّنا جو يا رسول أنا أهوى وقلبك المتبول
قال: الاجود، أن ترفع كلّنا على الابتداء، ويكون: جو خبره. وكان بعض النّاس يخفض كلّنا ويجعله تأكيدا للضّمير في لنا، وهذا وجه رديء، لأنه يوجب نصب جو على الحال فيقال: ما لنا كلّنا جويّا، فأن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.
وأقول: أن تأكيد لنا بكلّنا يوجب أن يكون الحال جمعا، فيقال: ما لنا كلّنا جوين، لأنك إنما أفردت جو خبرا لمّا جعلت كلّنا مبتدأ، فحملت الخبر على لفظها لأنه مفرد، فأمّا إذا أكدت به ضمير الجمع، تمحّص في الجمع، لأنه صار من تمامه وأشبه أجمعين فكأنك قلت: وما لنا أجمعين جوين. فلا يجوز جويا كما لا يجوز: ما للزيدين قائما، ومثل هذا مسألة الإيضاح: أنتم كلكم بينكم درهم. قال: إذا جعلت كلاّ تأكيد أنتم كأنك قلت: أنتم بينكم درهم، وانتم
[ ٢ / ١٣٢ ]
كلكم بينهم درهم، إذا جعلت كلاّ مبتدأ، لأنه اسم موضوع للغيبة، كأنك قلت: أنتم غلمانكم بينهم درهم.
وقوله: (الخفيف)
وسوى الرّوم خلف ظهرك روم فعلى أيّ جانبيك تميل
قال: يقول: أعداؤك كثير، وليس الروم أعداؤك دون غيرهم، فلأيّهم تقاتل؟!
وأقول: إنه أشار بذلك إلى بمن مصر والعراق، وجعلهم وراءه، لأنه مستقبل الشمال لغزو الرّوم، فهما عن منكبيه (غربا وشرقا، ويمينا وشمالا)، فقال: على
أي جانبيك تميل، أي: تميل عن غزو الرّوم، إلى غزوهم.
وقوله: (المنسرح)
أنا ابن من بعضه يفوق أبا ال باحث والنّجل بعض من نجله
قال: المعنى: أنا من بعضه يفوق أبا الباحث الذي يبحث عن نسبي وأصلي، وبعضي يفوق أباه وأنا بعض أبي.
[ ٢ / ١٣٣ ]
وأقول: أن قوله: وبعضي يفوق أباه خطأ - وهكذا رأيته في النسخة المنقول منها، والصواب: بعض أبي. يقول: إذا كنت أنا افضل أبا الباحث عن نسبي وأنا بعض أبي، لزم ضرورة أن أكون أفضل من الباحث، لأنه بعض ابيه، وقد فضلته، فكيف أبي الذي أنا بعضه؟
وقوله: (المنسرح)
قد هذّبت فهمه الفقاهة لي وهذّبت شعري الفصاحة له
لم يذكر معنى البيت، وإنما ذكر (لغة) الفقاهة، قال: وهي العلم، ويروى عن العرب أنهم يقولون: فحل فقيه، أي: عالم.
وأقول: معناه، أن فطانته هذّبت فهمه لي، أي: للإحسان إليّ، والإنعام عليّ، وفصاحتي هذّبت شعري له، أي: للثّناء عليه وإهداء المديح إليه.
وقوله: (المنسرح)
فصرت كالسّيف حامدا يده ما يحمد السّيف كلّ من حمله
قال: المعنى أن يد الممدوح يد شجاع، وأنا سيف ماض، فهي تحمدني، وأنا احمدها.
[ ٢ / ١٣٤ ]
وأقول: لم يصب المعنى، ولا في الكلام ما يدلّ على أن اليد تحمده. والمعنى أن السّيف بلا يد الممدوح في الحرب بالضّرب فوجدها تعطيه حقّه فحمدها على ذلك، وأنا ايضا، مثل السّيف، بلوتها في الجود فوجدتها تعطيه حقّه، فحمدتها على ذلك.
وقوله: (الكامل)
لك يا منازل في الفؤاد منازل أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
يعلمن ذاك وما علمت وإنما أولاكما يبكي عليه العاقل
قال: يعلمن ذاك: أي: منازلك التي في الفؤاد، يعلمن بحالك وحالهنّ، فهنّ أواهل بذكرك، وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد، وأولاكما بأن يبكي عليه، العاقل، أي: منازلك في الفؤاد.
وأقول: أن قوله:
يعلمن ذاك. . . . . . . . . . . .
إشارة إلى قوله:
. . . . . . . . . أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
أي: المنازل التي في الفؤاد، تعلم إنها آهلة، من منازل الأحباب المقفرة، وهي لا
[ ٢ / ١٣٥ ]
تعلم ذلك، فالأولى أن يبكى على المنزل العاقل، لا الجاهل، فهذا هو المعني، وما ذكره فمخلّط ومخبّط!
وقوله: (الكامل)
لو طاب مولد كلّ حيّ مثله ولد النّساء وما لهن قوابل
قال: هذا الكلام يؤدّي إلى أن الممدوح ادّعى له الشاعر، إنه لما ولد لم يحتج إلى قابلة.
فأقول: هذا الكلام لم يؤدّ إلى ذلك، بل يؤدّي إلى إنه لمّا ولد وجد، من تيسير أمره وطيب مولده وطهارته ما دلّ قابلته، وغيرها، على أن النّساء لو ولدن كمولده، لم يحتجن إلى قوابل.
وقوله: (الكامل)
من لي بفهم أهيل عصر يدّعي أن يحسب الهنديّ فيهم باقل
قال: قد عاب بعض النّاس أبا الطّيب، لما جعل باقلا ينسب إلى حساب الهند، لأنه لا يوصف بذلك وإنما يوصف بالعيّ، وقد ذكرت ذلك الشعراء - وانشد أبياتا لحميد الأرقط الرّاجز يصف ضيفا، وكان مغرى بهجاء الضّيفان،
منها موضع
[ ٢ / ١٣٦ ]
الاستشهاد: (الطويل)
أتانا وما داناه سحبان وائل بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنّه من العيّ لمّا أن تكلم باقل
وأقول: لا خلاف أن باقلا كان يوصف بالعيّ، وإنما أبو الطّيب أشار إليه في قضية مشهورة، تدلّ على العيّ بعدم العبارة، وعلى سوء الحساب بسوء الإشارة. وذلك إنه لما أشار بأصابعه العشر، وقد سئل عن ثمن الظّبي فساب، والأصابع آلة الحساب، كان كالحاسب! فكان ينبغي له أن يشير إلى السّائل بالثّمن اشارته، فلمّا لم يفعل جمع بين ترك العبارة وسوء الإشارة.
وقوله: (المنسرح)
يقلبهم وجه كل سابحة أربعها قبل طرفها تصل
قال: هذا إسراف في المبالغة يخرج إلى الكذب الذي لا يجوز أن يكون مثله، ومع هذا، فأن القوائم إذا وصلت قبل الطّرف فقد وصف النّظر بالضّعف.
وأقول: أن تفضيله قوائمها في السّرعة على طرفها، لا يدلّ على ضعفه، لأن حدّة طرف الجواد معلومة، كقول أبي داؤد: (الهزج)
[ ٢ / ١٣٧ ]
حديد الطرّف والمنكب والعرقوب والقلب
وكذلك إذا فضّلت على البرق في السّرعة، لا يدلّ على ضعف البرق، وإنما يقصد بذلك المبالغة في الصّفة، لا نقص المفضّل عليه.
وقوله: (المنسرح)
قصدت من شرقها ومغربها حتى اشتكتك الركاب والسّبل
قال: في هذا البيت مبالغتان:
إحداهما: يجوز أن يكون مثلها، وهي ادّعاؤه، أن الرّكاب تشتكي الممدوح، من كثرة ما تركب اليه، فهذا يجوز مثله، لأنها إذا صارت انضاء، وأخذ منها السّير، فكأنها تشتكيه.
والأخرى: ادّعاؤه أن السّبل تشتكيه، أي: الطّرق، فهذا ما لا يمكن أن يكون.
فيقال له: اشتكاء الإبل والطّرق مجاز، فلا يمكن أن يكون، فإذا جوّزت ذلك في الإبل، لكثرة ما تركب وينضيها السّير، فلم لا يجوز مثل ذلك في الطّرق لكثرة ما تسلك ويؤثّر فيها السّير!؟
وقوله: (المنسرح)
لم تبق إلا قليل عافية قد وفدت تجتديكها العلل
[ ٢ / ١٣٨ ]
قال: يقول: وهبت مالك وغيره، حتى كأنك قد وهبت أكثر صحتك، فلم تبق إلا عافية قليلة، قد وردت تسألك، أن تهبها لها العلل.
وأقول: أن الشّيخ قد اخذ عليه مآخذ في مواضع غير سائغة! ولم يقل في هذا الموضع شيئا. وأرى أن مخاطبته للممدوح بقوله:
لم تبق إلا قليل عافية. . . . . . . . .
أي: لم تبق من صحّتك، وسلامتك، إلا شيئا يسيرا. وإنّ العلل قد وفدت عليك تأخذها منك، من التّطيّر له بالموت، والبشارة له بالهلاك. وهل يسوغ لعاقل أن يقول لمريض: ما بقي فيك إلا عافية يسيرة، قد جاءت العلل لأخذها منك! وقوله:
لم تبق إلا يسير عافية. . . . . . . . .
يدلّ على إنه وهب أكثر العافية، فترى على من جاد بها؟ ولم أبقى هذا اليسير وجعله جدوى للعلل؟ وكلّ (هذا) تكلّف للاغراب، وتعمّق في المعاني، وضدّ قوله: (المنسرح)
أبلغ ما يطلب النجاح به ال طّبع وعند التّعمّق الزّلل
وقوله: (الوافر)
بقائي شاء ليس هم ارتحالا وحسن الصّبر زمّوا لا الجمالا
[ ٢ / ١٣٩ ]
قال: بقائي شاء، أي: أراد أن يرتحل عني، وهم لم يشاءوا الرّحيل، وهذه دعوى، لأنهم قد شاءوا الرحيل لا محالة، وادّعى أنهم زمّوا حسن الصّبر. . . ولم يزمّوا الإبل، وتلك دعوى ليست بالصّحيحة، لأن أصحاب الإبل، إذا ارتحلوا فلا بدّ من الأزمّة.
وأقول: أعجب من الشّيخ! كيف ينكر على أبي الطّيب مثل هذا، مع اطّلاعه على أشعار العرب، وكلامها، وما فيه من الإغراق في المبالغة، والتّوسع في الاستعارة، وهذا كما يقال: ما مات كعب، ولكن ماتت السّماحة، وما زال قسّ، ولكن زالت الفصاحة، وإن كان كعب قد وقع فيه الموت، وقسّ منه الزوال، ومنه قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وقول عبده بن الطّيب: (الطويل)
وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنّه بنيان قوم تهدّما
وقوله: (الوافر)
وحجّبت النّوى الظّبيات عنّي فساعدت البراقع والحجالا
ذكر الشيخ القافية: الجلالا جمع جلّ وفسّره: ما جلّل به الهودج، وغيره: الحجالا، وهي المشهورة.
وقال: يقال: برقع وبرقع وبرقوع واستشهد
[ ٢ / ١٤٠ ]
على برقوع بقول الشّاعر: (الطويل)
وخدّ كبرقوع الفتاة ملمّع وروقين لمّا يعدوا أن تقشّرا
وقال: يجوز أن يكون زاد الواو في برقع ضرورة، لإقامة الوزن، ولو لم يجيء بالواو لكان في البيت زحاف، وهذا الضّرب من الزّحاف يتساوى في حذف حرف ساكن، ويكون في بعض الأبيات احسن منه في غيره، ويجب أن يكون ذلك لأجل
حروف الكلمة، فإذا حذفت الواو من برقوع في البيت المتقدّم ذكره، نفر منه الطّبع أكثر من نفاره من قول امرئ القيس: (الطويل)
إذا قامتا تضوّع المسك منهما نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل
ولم يذكر الشّيخ ما ذلك؟!
وأقول: إنما كان بيت امرئ القيس، زحافه أسوغ من الأول، لأجل حرف المدّ ثالثا، لما فيه من الاستطالة باللّين، فكأنه خلف المحذوف بما فيه من المدّ، لأنه: متاتضو: مفاعلن. ويدلّ على ذلك، لزوم الرّدف في كل بحر سقط من أتم بنائه حرف متحرك أو زنته. وأما الأول فثالثه الرّاء: كبرقعل: مفاعلن لا مدّ فيه، ففضله من هذا الوجه.
[ ٢ / ١٤١ ]
وقوله: (الوافر)
وضفّرن الغدائر لا لحسن ولكن خفن في الشّعر الضّلالا
قال: وصفهنّ بكثرة الشّعر، وأنّهنّ ضفّرن الغدائر، لا ليحسنّ بذلك، (بل) خفن أن يضللن في الشّعر، أي: يغبن، من قوله تعالى: (أئذا ضللنا في الأرض) أي غبنا، وهذه مبالغة في الصّفة، إذا صحّت للمرأة كانت عيبا. وقد وصفت الشعراء الشّعر بالكثرة، ولكنها لم تفرط في ذلك مثل هذا الإفراط.
وأقول: أن أبا الطّيب لم يرد الكثرة، وإنما أراد اللون. وكذلك أن الشعراء إذا شبّهت الشّعر، شبّهته بالظلام للونه، لا لكثرته، وقد قال المنبجيّ: (الكامل)
فالوجه مثل الصّبح مبيضّ والشّعر مثل الليل مسودّ
وقال بكر بن النّطّاح: (الكامل)
فكأنها فيه نهار مشرق وكأنه ليل عليها مظلم
وقال أبو الطّيب: (الطويل)
بفرع يعيد الليل والصّبح نيّر ووجه يعيد الصّبح والليل مظلم
[ ٢ / ١٤٢ ]
وأشباه ذلك. فإذا صحّ ذلك، فإنما ضفّرن غدائرهنّ خيفة الضّلال، في ليل شعورهنّ، لا للكثرة، وإنما غرّه الظرفية بذكر في والظرف (إنما هو) الليل من الشّعر على وجه الاستعارة لا الشّعر.
وقوله: (الوافر)
يكون أحقّ إثناء عليه على الدنيا وأهليها محالا
قال: يقول: كلّ ما يوصف به من الكرم والأفعال الجميلة، يكون حقا، وإذا وصف به أهل الدنيا، كان محالا، فإذا قيل: كريم، فالقائل صادق محقّق، وإذا قيل لغيره: كريم، فالقائل كذاب محيل، أي: أتى بالمحال، وكذلك إذا أثنى عليه بالشّجاعة والحلم وغيرهما.
وأقول: لم يزد في الشّرح على ما ذكر أبو الطيب في النظم، إلا كثرة كلام! والمعنى، المبالغة في المكارم والفضائل، يقول: أن الممدوح وحده قد كمل كمالا استحق به من الثّناء ما لو يثنى به على الدنيا وأهليها، مع كثرة من فيها، لكان محالا، لأنه لا مناسبة ولا مقاربة بينه وبينهم في ذلك، فهو للمتناهي في المكارم يثنى عليه بما حقّه يكون محالا، لو أثني عليه، ويدل على المبالغة في ذلك البيت الذي بعده.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وقوله: (الوافر)
ويا ابن الضاربين بكلّ عضب من العرب، الأسافل والقلالا
قال: القلال: جمع قلّة، وهي أعلى الرأس، وجعلهم يضربون الأسافل، لأنهم إذا ضربوا الفارس في قلّة رأسه، نزل السّيف أسفل جسده.
وأقول: أن الشّيخ لم يتنبّه على هذا المعنى اللطيف، ولا غيره من شرّاح الديوان، وهو إنه جعل هذا الممدوح، لفرط إقدامه وشجاعته، يضرب بسيفه العرب للقتل ما تضربه بسيوفها من الإبل للعقر، وهي الأسافل والأعالي، ولهذا، خصّ العرب
بذلك دون غيرهم من الناس.
وقوله: (الوافر)
جواب مسائلي: أله نظير ولا لك في سؤالك لا، ألا، لا
التقدير في هذا البيت: جواب مسائلي: اله نظير؟ لا. ولا لك في سؤالك أيها السّائل نظير، لجهلك بالممدوح. وقوله ألا لا تأكيد في النّفي يحتمل أن يكون للمسئول عنه على الانفراد، ويحتمل أن يكون للسائل، وأن يكون لهما جميعا.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وقال الشّيخ أبو العلاء: واسهل من هذا، أن يصرف إلى معنى آخر. وذلك انهم يقولون: ما بفلان من الضّلال والألال، فيجعلون الألال كالأتباع، وتابع الشيء كائن في معناه، أو قريبا منه.
وقدّر بذلك تقديرين بعيدين غير سائغين.
وأقول: أن الاتباع استعماله (يكون) مع المتبوع، فانفراده منه، وانقطاعه عنه بعيد. فإذا كان كذلك، فهذا الوجه الذي ذكر إنه الأسهل الأقرب، هو الأبعد الأصعب!
وقوله: (الكامل)
تشكو روادفك المطيّة فوقها شكوى التي وجدت هواك دخيلا
قال: يقول: تشكو المطية حملك، كأنها تشكو دخيلا في قلبها من حبّك.
وأقول: هذا التفسير، على أن المطية الموصوفة، المحذوفة، التابعة، هي في المعنى، الأولى، وهو كما تقول: لقي الرجل الذي تعهده عمرا لقاء المسرور به، أي: الرّجل المسرور به، ولا يعني بالرّجل الثاني غير الأول.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون الضمير في وجدت عائدا إلى النّفس، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى: (كل من عليها) وقوله:
[ ٢ / ١٤٥ ]
على مثلها. . . . . .
ويعني الشّاعر بذلك نفسه، لأنه العاشق. وقوله: (الكامل)
حدق يذمّ من القواتل غيرها بدر بن عمّار بن إسماعيلا
قال: زعم، أن الممدوح يذمّ، أي: يعطي الذّمة من كلّ القواتل، الاّ من هذه العيون. فقد أفرط في صفة العيون بتمكّنها من القتل إلا إنه جعل الممدوح لا يستطيع أن يمنعهنّ من القتل.
فيقال له: أن الممدوح يذمّ من القواتل التي هي السّهام، والرّماح، والسّيوف، وما يمكن الشجاع أن يذمّ منه. فأمّا العيون القواتل، فأنه لا يمكنه أن يذمّ منهنّ، ويمنعهنّ من القتل. فليس على الشّاعر في (وصفه) بذلك إنكار، ولا على الممدوح (عار)، إلا أن يمنعهنّ من القتل بأحد شيئين، بمعنى قول أبي نواس: (الطويل)
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد هواها لعلّ الفضل يجمع بيننا
أو بمعنى قوله: (البسيط)
علّ الأمير يرى ذلّي فيشفع لي إلى (التي) تركتني في الهوى مثلا
[ ٢ / ١٤٦ ]
وقوله: (الكامل)
محك إذا مطل الغريم بدينه جعل الحسام بما أراد كفيلا
قال: يقول: هذا الرّجل، إذا مطل الغريم بدينه، جعل الحسام كفيله بقضاء الدّين، وإنما يعني بالغريم، من جنى جناية يجب أن يعاقب عليها، فجعل تأديب الجانين كالدّين للممدوح، يتقاضاه بالسّيف كفلاء لم بما يريد.
وأقول: أن المحك، هو الخصم المتمادي في اللّجاج، والغريم هنا، هو خصمه، أي: قرنه، والدّين هو مهجته. يقول: إذا مطل غريمه، أي: خصمه، بدينه، أي: بمهجته، ومانع ودافع لشجاعته، جعل سيفه كفيلا بمراده، وهو أخذ روحه، لأنّ هذا الدّين، وهو الروح، لا يقتضي إلا بهذا الكفيل، وهو السّيف. فهذا التفسير أبلغ وأولى من جعل الغريم الجاني، وأحواله مختلفة في الجناية، وتأديبه بالسيف. ولعله
لا يستحقّ ذلك، ولأنه مناسب لما قبله من قوله: (الكامل)
الفارج الكرب العظام بمثلها. . . . . . . . .
وقوله: (الكامل)
أعدى الزّمان سخاؤه فسخا به ولقد يكون به الزّمان بخيلا
[ ٢ / ١٤٧ ]
قال: ادّعى أن الممدوح أعدى بسخائه الزّمان، فسخا به على البشر، وإنما حمله على السّخاء إنه أعداه، ولولا ذلك لكان بخيلا به.
وأقول: أن هذا التّفسير يقتضي النهاية في الإغراق، وذلك أن الشيء المعدي لغيره لا بد أن يكون موجودا معه، وقريبا منه. وهذا لمّا أعدى الزمان بالسّخاء فسخا به على البشر كان معدوما، لأنه لا يكون له جود وهو موجود. فهذا في الإغراق والاحالة، أكثر من قول أبي نواس: (الكامل)
وأخفت أهل الشّرك حتى إنه لتخافك النّطف التي لن تخلق
وقوله: (الكامل)
حتى الذي في الرّحم لم يك نطفة لفؤاده في جوفه خفقان
(وفيه معنى اقرب من هذا قد ذكرته).
وقوله: (الكامل)
ومحلّ قائمه يسيل مواهبا لو كنّ سيلا ما وجدن مسيلا
قال: زعم أن ما يسيل من كفّ هذا الرّجل، لو كان سيلا لم يصب موضعا يسيل فيه.
[ ٢ / ١٤٨ ]
و(أقول): هذا هو لفظ البيت، وهذا التّفسير، يحتاج إلى بيان، وذلك أن فيه أخبارا عن كثرة عطائه بتفضيل يده على السّحب، لأن ما ترسله السّحب من مائها يجد مسيلا. ولو كان ما تجود به يد الممدوح من المال ماء، لم يجد مسيلا لكثرته، كأنه يريد أن الدنيا تصير به بحرا.
وقوله: (الكامل)
رقّت مضاربه فهنّ كأنما يبدين من عشق الرّقاب نحولا
قال: أي: رقّت مضارب هذا السّيف، كأنهنّ يعشقن الرقاب، فكأنّ العشق انحلهنّ.
فيقال له ولأبي الطّيب: ولم ينحلن من عشق (الرّقاب)، والنحول إنما يكون بسبب الهجر ومنع الوصال؟ أفكذلك مضارب سيفه في هجر الرّقاب لها، ومنع الوصال منها، وفي ذلك فساد المعنى؟! والجواب عنهما أن يقال: أن النحول يمكن الوصل والتلاف، خوفا من الهجر والفراق، وفي ذلك صلاح المعنى.
وقوله: (الكامل)
لو كان ما تعطيهم من قبل أن تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
[ ٢ / ١٤٩ ]
قال: يقول لو انك تقدّمت أعطيتك من قبل أن تعطيهم، لما جرت الآمال في قلوبهم، لأن العطايا كانت تأتيهم بغير أمل.
وأقول: أن قوله: أن العطايا كانت تأتيهم من غير أمل ليس بشيء. والصحيح، أن الأمل للشيء، إنما يكون عند الحاجة إليه، فلو كان تقدّم عطاؤك في الناس، لأغناهم بكثرته، فغنوا بع عن التأميل، فلم يعرفوه.
(أو) يقول: أن عطاءك يسبق الأمل، فالأمل إنما عرف بسبب عطاء غيرك، لتأخّره عن المحتاج إليه، فلو كان عطاؤك تقدّم، لم يعرف أحد الأمل لغنائه عنه.
وقوله: (الكامل)
مطرت سحاب يديك ريّ جوانحي وحملت شكرك، واصطناعك حاملي
قال: أي أن شكرك عظيم ثقيل، وقد حملته، واصطناعك قد حملني مع شكرك، فدلّ ذلك على أن اصطناعك يزيد في القوة عليّ، لأنه حملني وحمل شكرك.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وأقول: لم يرد القوّة، وانّ اصطناعه زاد عليه بها، وإنما هذا أخبار من الشّاعر، عن حالتين اجتمعتا له، من كونه حاملا محمولا، فيهما، كلتيهما، ثناء على
الممدوح، أي: أنا حامل للشّكر، محمول بالإحسان. والواو في قوله: واصطناعك حاملي واو الحال، فقد اجتمع في حالة إنه حامل محمول، وفي هذا إغراب في المعنى، وإتقان للصناعة.
وقوله: (الكامل)
فمتى أقوم بشكر ما حمّلته والقول فيك علوّ قدر القائل
قال: يقول: متى أقوم بشكر ما أوليت من الجميل وإذا شكرتك، فإنّما أرفع قدري بذلك.
وأقول: هكذا قال أبو الطّيب، وتفسيره غير ذلك!
والمعنى: إنه قد علم واستقرّ أن شكر المنعم جزاء انعامه، وإنما كان جزاء لما فيه له من حسن الذكر، وعلوّ القدر، فكأنّ المنعم عليه جازى، بقوله الجميل، فعل المنعم بالجميل، فكسبه فخرا بشكره، ومجدا بذكره. وهذا الممدوح، قد كمل كمالا ارتفع به عن شكر من يزيده فيه، فالشّاكر له والذّاكر لا يرفع من قدره،
وإنما يرفع من قدر نفسه
[ ٢ / ١٥١ ]
لكونه تشرّف (بمدحه) وجوده كما قال: (الوافر)
وقبض نواله شرف وفخر وقبض نوال بعض القوم ذام
وقوله: (الكامل)
سفك الدّماء بجوده لا بأسه كرما لأنّ الطّير بعض عياله
قال: اراد، إنه قتل الناس وغرضه أن تأكلهم الطّيور، وحمله على ذلك الجود. والمعنى يحتمل ذلك، وابلغ منه في صفة الممدوح، أن يدّعي له أن ينحر ويذبح، ليأكل الطير ما يجده من اللحم فكأنه سفك الدّماء بجوده.
وأقول: المعنى الجيّد الجليل هو الاول، وإنما حقّره، بتحقير العبارة، ليحسّن (الثاني) وهو غير حسن بالإضافة إلى الأول. والمعنى أن الممدوح سفك دماء الأعداء بجوده للطير، لأنها بعض عياله، أي أن عياله أجناس، من الناس والطّير
والوحش، ولم يفعل ذلك لبأسه على الأعداء، لأن البأس والقتال إنما يكون بمن يهتّم به ممن يخاف منه
[ ٢ / ١٥٢ ]
من عدوّ مماثل أو خصم مصاول،
والممدوح أجلّ من ذلك، وإنما يقتلهم ويسفك دماءهم جودا على بعض عياله وهو الطّير. ومثل هذا المعنى قوله فيه أيضا: (الرمل)
ما به قتل أعاديه ولكن يتّقي إخلاف ما ترجو الذّئاب
فهذا المعنى مبتكر، وذلك مطروق، فهو أبلغ منه وأمثل.
وقوله: (السريع)
قد أتت الحاجة مقضّية وعفت في الجلسة تطويلها
قال: وزنها من السّريع، وقافيتها من المتدارك، وهي، على قول الخليل، من الطّاء (في تطويلها) إلى آخر البيت.
وأقول: أن حدّه القافية من الطاء إلى آخر البيت خطأ، لأن القافية، على رأي الخليل، من آخر إلى أول ساكن يليه، مع حركة ما قبله أو متحركة، فيكون، على هذا، من آخر البيت، إلى حركة الواو، أو الواو. ولعلّه توهّم أن الرّدف الواو، فجعل الطّاء قبلها أول القافية، وذلك وهم.
وقد رأيت بعض الحذّاق في القوافي
[ ٢ / ١٥٣ ]
سبق إلى ذهنه من غير تأمل أن الياء من قول أبي نواس: (الطويل)
أجارة بيتينا أبوك غيور. . . . . . . . .
هي الرّدف، وليس كذلك، إنما هو الواو. والشيخ لا يشكل عليه مثل هذا، إلا أني رأيته في نسخة بخطّ كاتبه.
وقوله: (الرجز)
له إذا أدبر لحظ المقبل
قال: بعض الكلاب إذا عدا التفت في عدوه، وقد ذكر ذلك الحكميّ، في صفة
الكلب فقال: (الرجز)
لفت المشير موهنا بناره
وأقول: إنما وصفه بالتيقّظ وحدّة النّظر فبالغ فقال: إذا أدبر ما وراءه، كما يدرك ما قدّامه، وفسّر ذلك بقوله: (الرجز)
يعدو إذا احزن عدو المسهل
[ ٢ / ١٥٤ ]
أي: يتساوى لحظه في سرعة إدراك الشّيء في حالة إدباره وإقباله، ويتساوى عدوه في السّرعة في حال أحزانه وإسهاله، أي: لا يمنعه الإدبار من إجادة النّظر، ولا يمنعه الأحزان من إجادة العدو، وأمّا قول أبي نواس: (الرجز)
لفت المشير موهنا بناره
واللّفت: هو اللّيّ، فإنما يصفه بسرعة الانثناء والتّعطّف خلف الصّيد، لا الالتفات في العدو.
وقوله: (الرجز)
لا يأتلي في ترك أن لا يأتلي
قال: أي لا يقصّر في ترك ألا يقصّر
وأقول: إنه مقصّر، لأنّ النّفي إثبات، ولم يذكر هاهنا زيادة لا، لأن بذلك يصحّ المعنى، فيصير: لا يقصّر في ترك أن يقصّر، وترك التّقصير جدّ.
وقوله: (الخفيف)
وله في جماجم المال ضرب وقعه في جماجم الأبطال
فهم لاتّقائه الدّهر في يو م نزال وليس يوم نزال
[ ٢ / ١٥٥ ]
قال: يقول: يهب المال فتعلم الأبطال أنهم إذا اجروا إلى خطأ، أو تعدّوا على ضعيف، كان قادرا على معاقبتهم، وكفّ أيديهم، بالقوم الذين يعطيهم ماله، فالأبطال معه طول زمنهم في نزال، وان لم يكن ثمّ حرب ولا منازلة.
وأقول: هذا الذي ذكره اصلح مما ذكره ابن جنّي والواحديّ، وارى فيه وجها غير الوجوه المذكورة، وهو إنه وصف الممدوح بكثرة العطاء، فاستعار للمال جماجم ليقابل بها جماجم الأبطال، وجعل كثرة تفريقه له ضربا فيها، وذلك يوقع هيبة في قلوب الرجال، فكأنه وقع في جماجم الأبطال.
وقوله: (الخفيف)
رجل طينه من العنبر الور د وطين العباد من صلصال
فبقّيات طينه لاقت الما ء فصارت عذوبة في الزّلال
قال: زعم أن بقايا طينه لاقت الماء فصارت عذوبة فيه، والطيب ليس للعذوبة، وكان تشبيهه بغير ذلك أحسن في هذا الموضع، فلو قال: لاقى زهر الربيع أو نحو ذلك لكان أشبه من عذوبة الماء.
وأقول: أن الطّيب يكون في الرائحة وفي الطّعم، فوصف طينه الذي جبل منه بالطّيب في الرائحة، فجعله لن العنبر، ووصفه مع ذلك بالطّيب في الطّعم، فجعله يطيب الماء عذوبة، لأن التّرب ما يكون ملحا، ومنه ما يكون مرّا، ومنه ما يكون حلوّا طيبا، والمياه إنما يكون طعمها طعم الأرض التي تكون فيها، لمجاورتها واكتسابها
[ ٢ / ١٥٦ ]
منها، فعلى هذا التّفسير قوله: لاقت الماء، أحسن من قوله: لاقت الزّهر، وقد روي: طينه وطيبه وكلاهما يؤدي ذلك المعنى، ويراد بطيبه، على هذا التّفسير، طيب الطعم، لا طيب الرائحة، لئلا يتوجّه عليه ما ذكره الشيخ.
وقوله: (الطويل)
تحقّر عندي همّتي كلّ مطلب ويقصر في عيني المدى المتطاول
وما زلت طودا لا تزول مناكبي إلى أن بدت للضّيم فيّ زلازل
لم يذكر الشيخ أبو العلاء، ما في هذا المكان من التّباين، وهو وصف همتّه بالعظم، وانّ المدى المتطاول يقصر في عينه، وإنه طود لا يزول، وذلك يمنعه
من أن يضام أقلّ ضيم، فكيف جعل للضّيم ولازب بدت في هذا الطّود الذي لا يزول؟ ومن المجترئ على هذا الخطر العظيم، والمتعرّض لهذا الخطب الجسيم؟ وهذا تباين بيّن. وقد قال الشيخ الكنديّ: نزل من سماء تعاظمه إلى قعر الاعتراف بحلول الضّيم به سريعا.
وقوله: (البسيط)
تدري القناة إذا اهتزّت براحته أن الشّقيّ بها خيل وأبطال
[ ٢ / ١٥٧ ]
قال: ادّعى للقناة الدراية بما يفعله الفارس الذي هي معه، وهذا مدح للقناة وليس للفارس فيه فضيلة، ولكنه من المبالغة التي تستحسنها الشعراء.
وأقول: بل مدح للفارس لا للقناة! وفيه له أوفى فضيلة (لأنها آلة في يده (!) وذلك إنه جعل القناة كأنها تدري، لما عودّته والفته في صحبته من إنها إذا هزّها اعملها (بالطّعن) في صدور الخيل وصدور الأبطال.
وقوله: (البسيط)
لا يعرف الرّزء في مال وفي ولد إلا إذا حفز الأضياف ترحال
قال: المعنى، أن هذا الممدوح يعدّ رحيل الضيّف رزئه، وهذه مبالغة تخرج إلى غير الحقّ لأن رحيل الضّيف منفعة له، إذا كان مسافرا، وإنما يعبر بالمضيف كالمجتاز، واجتيازه أن لا يثبّت عن طريقه، فزعم أن هذا المذكور، لا يعرف الرّزء في المال والولد إلا إذا الضّيف حفزه الرّحيل.
[ ٢ / ١٥٨ ]
وأقول: أن قوله هذا فيه عيب لقول أبي الطيب وتخطئه له، وهو كما قال: (الوافر)
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السّقيم
وقوله: إن هذا، مبالغة تخرج إلى غير الحقّ، لأن رحيل الضّيف منفعة له.
فيقال: إنما كانت هذه المبالغة غير حقّ لو إنه أمسك الضّيف وأجبره على المقام،
ومنعه من الرّحيل الذي له فيه منفعة، وبه مصلحة كما ذكر، وأبو الطيب لم يتعرّض لشيء من ذلك، وإنما أخبر وبالغ أن هذا الممدوح إذا نزل به ضيف ورحل عنه حزن عليه، فكأنّه رزئ من ماله أو ولده، لأنه يسرّ بمقامه عنده، كثيرا كان المقام أو قليلا، مجتازا كان الضّيف أو متمهّلا.
وقوله: (البسيط)
يروعهم منه دهر صرفه أبدا مجاهر، وصروف الدّهر تغتال
قال: جعل الممدوح دهرا يغول الأعداء جهارا. وصروف الدّهر تغتال، أي: تجيئهم هم لا يعلمون، وهذا يطرقهم وهم يعلمون.
وأقول: هذا قول أبي الطيب بعينه! ما فسّره بل كرّره! وتفسير هذا البيت هو تعليله، وهو أن يقال: إنما يجاهر الأعداء ولا يختالهم لعظم شجاعته، وفرط إقدامه، وكثرة
[ ٢ / ١٥٩ ]
اقتداره عليهم وقلّة احتفاله بهم،
وهذا مثل قوله: (الطويل)
ولم أر أرمى منك غير مخاتل وأسرى إلى الأعداء غير مسارق
وفيه تفضيل له على الدّهر، كأنه يقول: هذا الممدوح دهر في أذى الأعداء، لا كالدّهر لأن هذا مجاهر وذلك مخاتل.
وقوله: (البسيط)
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ما كلّ ماشية بالرّجل شملال
لم يذكر معنى البيت، وإنما ذكر لغة شملال وهي الحسنة المشي، السريعة السّير، والمعنى إنه ضرب مثلا لما ذكره في البيت الأول، من اختلاف أحوال النّاس في الجود، وإنهم يتفاوتون به في الزّيادة والنّقص، كاختلاف أحوال الإبل في السّرعة والبطء، والقوّة والضّعف، كأنه يقول: هذه طبائع يتفاضل الناس فيها كتفاضل الإبل، فلا يقدر الإنسان على ما يقدر عليه الآخر.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وقوله: (الكامل)
يشتاق من يده إلى سبل شوقا إليه ينبت الأسل
قال: يقول يشتاق من يده إلى مطر ينبت الأسل - أي: الرّماح - شوقا إليه لأنه يطعن به الأعداء.
وأقول: الصحيح، أن الضمير في إليه عائد على السّبل، وأراد بذلك المبالغة.
يقول: أن الممدوح يشتاق من يده إلى جود ينبت القنا شوقا إليه، فما ظّنك بالنّاس في الاشتياق! والأسل لمّا كان نبتا جعله يشتاق من يده مطرا، فالأيدي، وان كانت محلّ الرّماح، فليس فيها ما في يد الممدوح من المطر. فقوله: إنما تنبت الرماح شوقا إليه لأنه يطعن به الأعداء، وجعل طعنه الأعداء سببا لنبتها وشوقها إليه غير صحيح، لأن غيره أيضًا يطعن بها الأعداء، وإنما شوق الأسل إلى ما في يده من السّبل، والطّعن في قول من علّل شوقها بالطعن.
[ ٢ / ١٦١ ]
وقوله: (الكامل)
وإذا القلوب أبت حكومته رضيت بحكم السيوف القلل
قال: يقول: إذا أبت قلوب الأعداء ما يحكم به، رضيت القلل أن يصيبها سيوفه.
فيقال له: ما زدت في الشّرح على ما ذكر أبو الطيب في النظم! وكأنّ الشيخ قد التزم في (كل) مكان من شعر أبي الطيب، دق ّمعناه، أن يفسّره بإعادة لفظه! وهذا يتساوى فيه الأبله والفطن!
ويقال له ولأبي الطّيب: ولم كانت الرؤوس ترضى بحكم السّيوف إذا أبت القلوب حكومة الممدوح، والرّضا عبارة عن الإيثار والاختيار والمحبّة، وهي لا تختار وتؤثر أن تفلّق وتقطّع! والجواب عنهما بقول أحدهما: (الوافر)
رضوا بك كالرّضا بالشّيب قسرا وقد وخط النّواصي والفروعا
وأقول: أن الرؤوس كأنها لمّا لم تمتنع على السّيوف وأجابت بقطعها وتفليقها،
أشبهت الراضي بانقياده وإجابته، فقيل: رضيت وإن لم يكن ثمّ رضا، فهذا أبلغ ما يفسّر به هذا البيت.
وقد ذكر الشّيخ الكنديّ، أن مصافحة السيوف للرؤوس رضا منها بحكمها، وهو كناية عن قطعها، ويقرب مما فسّرته.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقوله: (الرجز)
لو جذب الزّرّاد من أذيالي
مخيّرا لي صنعتي سربال
ما سمته سرد سوى سذوال
قال: يقول: لو أن الزّرّاد خيّرني فقال: ما تريد أن اصنع لك من اللباس؟ لم اسمه شيئا، سوى سروال من زرد، لأن لي درعا ومغفرا.
وقال ابن جني: لما طلبت منه أن يصنع لي سوى سراويل من حديد تحصّن عورتي.
فالشيخ أبو العلاء أراد: ليكمل عنده بالسروال لباس الحديد، وابن جني أراد وصفه بالعفّة، والأجود قول ابن جنّي إذا وضع موضع: أحصّن عورتي: أحصّن فرجي كقوله تعالى: (الّتي أحصنت فرجها)، وقول أبي الطيب،
ومنه البيت
[ ٢ / ١٦٣ ]
الأول: (الطويل)
ولا عفّة في سيفه وسنانه ولكنّها في الكفّ والفرج والفم
وقوله: (الطويل)
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
قال: شبّه وفاء صاحبيه بالرّبع أشجى ما يكون إذا درس، وكأنه لامهما على إنهما لم يسعداه.
و(أقول): هذا ليس بشيء يعوّل عليه ولا يمال إليه! والتقدير الصّحيح إنه خاطب
صاحبيه فقال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدّمع كالرّبع، أي: ينبغي أن يكون مثل الرّبع، أي: على قدر حال الرّبع، فالرّبع أشجاه طاسمه، والدّمع أشفاه للمحب ساجمه، فالتشبيه وقع بين الوفاء بالدّمع وبين الرّبع من جانب الكثرة، وهذا، كما يقال: إعطاؤك المال كالحمد، فالحمد أفخره أكثره، والعطاء أفضله أجزله. فعلى هذا، لا يكون التّشبيه وقع بين الوفاء والرّبع من جانب الدّروس، كما ذكر، لأنه لا يساعده عليه آخر البيت، وذلك إنه إذا قال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدّمع كالرّبع أشجاه طاسمه، فما يصنع بقوله:
والدّمع أشفاه ساجمه؟
[ ٢ / ١٦٤ ]
وقوله: (الطويل)
بليت بلى الأطلال أن لم اقف بها وقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه
قال: وصفه نفسه بطول الوقوف، وشبّه وقوفه بوقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه، فهو يطلبه، وينظر إلى الأرض لعلّه يظهر له. وقد جاء نحو من هذا في وصف الإبل، قال الرّاجز: (الرجز)
إذا قطعن علما بدا علم
يبحثن بحثا كمضلاّت الخد
حتّى يوافين بنا إلى حكم
وأقول: إنه يصف نفسه بذلك، مع ظهور الحزن والكآبة، كفعل الشّحيح إذا ضاع خاتمه في التّرب، وقد بيّن ذلك بقوله فيما بعده:
[ ٢ / ١٦٥ ]
كئيبا توقّاني العواذل. . . . . . . . . . . .
وأمّا قول الشّيخ: وقد جاء نحو من هذا في وصف الإبل فلم يرد التّشبيه بين الإبل في سيرها وبين وقوف أبي الطيب في الرّسوم، لأن الراجز وصف الإبل بسرعة السّير، وإنها تبحث التّرب بأيديها كما تبحثه النّساء اللواتي أضللن خدمهنّ - أي: خلاخيلهنّ - كقول الفرزدق: (البسيط)
تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة نفي الدراهيم تنقاد الصّياريف
وأبو الطّيب يصف نفسه بطول الوقوف، وإنما المناسبة وقعت بينهما من جانب أن أبا الطّيب أضل خاتمه وأولئك اضللن خلاخيلهنّ.
وقوله: (الخفيف)
أين أزمعت أيّهذا الهمام نحن نبت الرّبى وأنت الغمام
قال: قوله: نحن نبت الرّبى إنما جاء بالرّبى لإقامة الوزن، ولو أمكنه أن يقول: نحن النّبت وأنت الغمام لكان ذلك أعمّ. ويجوز أن يقال: إنما خصّ الرّبى لأن النّبت عليها احسن منه في الوهد، وقد أبان الطّائيّ عن هذا فقال: (الخفيف)
غير أن الرّبى إلى سبل الأن واء أدنى والحظّ حظّ الوهاد
وأقول: إنه لم يتنبّه للمعنى في التّفسير الأول الذي نسبه فيه إلى الضرورة
[ ٢ / ١٦٦ ]
ولا للتفسير الثاني الذي أراد به تصحيح الأول.
والمعنى، إنه ليس لنا نفع إلا بك، ولا حياة إلا منك، لأنك غمام، ونحن نبت الرّبى، ونبت الرّبى ليس له شرب إلا من الغمام بخلاف نبت الوهاد، فأنه يشرب من الغمام وغيرها. والبيت الذي أنشده لأبي تمّام تبيينا لهذا المعنى، ليس بينه وبينه مناسبة، إلا باللفظ لأن معناه أن الرّبى قريبة من السّبل، (والوهاد) بعيدة، فكان ينبغي أن يكون القريب أكثر حظّا من البعيد، لكنّ الوهاد بخلاف ذلك، فأنها أكثر حظا بما يصير إليها ويستقرّ فيها من الغيث.
وقوله: (الخفيف)
ليت أنا إذا ارتحلت لك الخي ل وأنا إذا نزلت الخيام
قال: تمنّى أن يكون غير مفارق له في المسير والمقام، وقد عاب بعض الناس هذا القول على أبي الطّيب، وقالوا: الخيام تكون متعالية على من فيها، ولذلك قال: (الوافر)
لقد نسبوا الخيام إلى علاء. . . . . . . . . . . .
البيت والذي يليه.
وحجة المتنبي في هذا واضحة، لأن الخيمة إنما هي خادمة لمن يحلّ فيها، تصدّ عنه الشمس، وغيرها من المؤذيات.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وأقول: إنه لمّا تمنّى ذلك، لأن الخيل لا تبلغ من الرّفق بالممدوح، والخيام من الوقاية له، ما يبلغه الناس إذا كانوا بمكانهما، لأن الإنسان يعقل ذلك فيفعله على ما يوافق المصلحة وتقتضيه أغراض المخدوم، بخلاف الخيل والخيام، فأنها حيوان وجماد لا يتأتّى منها ذلك. فهذا التّفسير ليس عليه دخل لعلوّ الخيام عليه، على إنه لا يلزم، إذا شبّه شيء بشيء، أو مثّل به، أو يساويه من كلّ وجه، حتى إذا تمنّى أن يكون من الخيام أو من الثّياب أو من الدّروع ليقيه الأذى بنفسه لزم أن يكون اشرف منه، لأنه قد علاه وقاه، هذا لا يقوله محصّل، وهذا مأخذ من في عين قلبه أخذ!!
وقوله: (الكامل)
وإذا انتضاك على العدا في معرك هلكوا وضاقت كفّه بالقائم
قال: يقول: شأنك عظيم، فإذا انتضاك الخليفة لأمر لم تسع كفّه قائمك فيذرك تفعل الأشياء وأنت بها منفرد.
وأقول: إنما أراد أن سيف الدولة إذا انتضاه الخليفة على العدا أهلكهم لمضائه، وضاقت كفّه به، لأنه أعظم من أن يحمله وتضرب به يده، إنما تحمله وتضرب به يد الله، ويكون:
. . . . . . . . . . . . . . . ضاقت كفّه بالقائم
كقوله: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . وفي يد جبّار السّماوات قائمه
[ ٢ / ١٦٨ ]
وقوله: (الطويل)
فجاز له حتّى على الشّمس حكمه وبان له حتى على البدر ميسم
(قال): هذه مبالغة، وكأنها استحسنها الشّعراء، وكان يجب على الممدوح أن ينكرها، لأنه مخلوق يوصف بصفة الخالق - تعالى الله عن قول المبطلين - فجاز له حكمه على الشّمس، وبان له ميسم على البدر.
وأقول: أن هذا تشنيع على المادح والممدوح في غير موضعه، من غير تأمل للّفظ وتدبّر للمعنى. وجملة البيت ومعناه، وصفه بالشّجاعة والحسن، فجعل له حكما على الشّمس في الحرب بأضعافها وتغطيتها بالعجاج، وجعل له ميسما ظاهرا على البدر بنور وجهه، وحسن بشره. ولأبي الطّيب في مديح سيف الدولة وغيره من الإغراق ما يزيد على هذا، ثم لم ينكره!
وقوله: (الطويل)
فهنّ مع الغزلان في الواد كمّن وهنّ مع النّيان في الماء عوّم
[ ٢ / ١٦٩ ]
قال: كثر الوادي في كلامهم، حتى حذفوا منه الياء، والأجود إثباتها مع الألف واللام كما قال سحيم: (الطويل)
ألا أيّها الوادي الذي ضمّ سيله إلينا نوى الحسناء حيّيت واديا
وأمّا قولهم: (الرجز)
إنك لو ذقت الكشي بالأكباد
لما تركت الضّبّ يعدو بالواد
فإنّما حذفوا الياء للقافية.
وأقول: الأجود حذفها في بيت أبي الطيب، وان لم تكن في قافية، لأجل الموازنة بين الواو والماء والغزلان والنّينان وكمّن وعوّم. وقد جاء حذفها في القرآن في الفاصلة مقوله تعالى: (وثمود الذين جابوا الصّخر بالواد)، وفي غير الفاصلة
كقوله: (إذ ناداه ربّه بالواد المقدّس طوى). وفي قول الشّاعر (في غير القافية) (السريع)
. . . . . . . . . وما قرقر قمر الواد بالشّاهق
[ ٢ / ١٧٠ ]
وقوله: (الطويل)
ضلالا لهذي الرّيح ماذا تريده وهديا لهذا السّيل ماذا يؤمّم
قال: دعا على الرّيح فقال: ضلّت ضلالا لقولهم: هو يباري الريح جودا، إذا وصفوه بالكرم، أي: إنها أن هبّت تباريك فقد ضلّت. وقال: هديا لهذا السّيل: كأنه دعاء له بالاهتداء، أي: أقول له: هداه الله! ماذا يؤمّم؟ أي: ماذا يقصد؟
وأقول: إنه علّل دعاءه على الرّيح بما ذكره من قولهم: فلان يباري الرّيح جودا، كقول أمية بن أبي الصّلت: (الوافر)
يباري الرّيح مكرمة وجودا إذا ما الكلب أجحره الشّتاء
ولم يعلّل دعاءه للسّيل، وذلك أن السّيل جاءه تاليا له، متعلّما منه، فكان بمنزلة الصّاحب المداري، والرّيح بمنزلة المقاتل المباري.
[ ٢ / ١٧١ ]
وقوله: (البسيط)
رجلاه في الرّكض رجل واليدان يد وفعله ما تريد الكفّ والقدم
قال: قوله:
. . . . . . . . . . . . ما تريد الكفّ والقدم
هو جواد مؤدّب، فإذا قصّر عنانه قصّر في الجري، وإذا أرخي له العنان بذل ما يريده الرّاكب من الجري. وكذلك أن حرّك عليه الفارس قدمه ليمتري حضره، فأنه يسمح له بما يرضيه.
وأقول: هذا وجه حسن، ويحتمل وجها آخر، وهو أن الكفّ والقدم تريدان الراحة بترك الضّرب له بالسّوط، والرّكل بالرّجل، أي: لا يحوج إلى ذلك، بل يعطي
الجري عفوا من غير اقتضاء بذينك.
وقوله: (البسيط)
ومرهف سرت بين الموجتين به حتى ضربت وموج الموت يلتطم
[ ٢ / ١٧٢ ]
قال: جعل نفسه سائرا بين الموجتين، أي بين القرنين، يخاف منهما الموت، واستعار للموت موجا، إنما هو للبحر وما جرى مجراه من المياه الكثيرة، كالفرات وغيره من الأنهار.
وأقول: لم يعن بالموجتين القرنين، وإنما عنى بهما الكتيبتين، وقوله:
. . . . . . . . . . . . وموج البيت يلتطم
أي: في حال هيج للقتال وشدّته.
وقوله: (الطويل)
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جيف القتلى عليها تمائم
قال: ادّعى أن الحدث كان بها مثل الجنون، ويجوز أن يكون اهلها، فأمّا الحدث فمعلوم إنها لا تحسّ بخير ولا شرّ.
[ ٢ / ١٧٣ ]
فيقال له: لم يرد بذلك إلا الحدث نفسها، وان كانت لا تحسّ بخير ولا شرّ، على وجه الاستعارة والمجاز، لا الحقيقة.
يقول: أن الحدث كانت من خوفها الروم، بمنزلة المجنون، أي: قلقة مذعورة، فلمّا قتلوا، كانت جثثهم عليها بمنزلة التّمائم، فقرّت وسكنت، كما يقرّ المجنون ويهدأ إذا علقت عليه التّمائم.
وقوله: (الطويل)
وقفت وما في الموت شكّ لواقف كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم
قال: يقول: وقفت في وقت، من وقف فقد أيقن بموته، فكأنّك في جفن الرّدى، وهو نائم لا يحسّ بك.
وأقول: أن هذه الزيادة التي هي قوله: لا يحسّ بك لا أرى لها وجها من الصّواب يحمل عليه، ويوجّه إليه. والمعنى: وصف الحالة التي كان فيها من الحرب بالشدّة، وإن الواقف لا يشكّ في الموت، وإنّ سيف الدولة قد أحاط به الموت من كلّ جانب وأطبق (عليه)، وإنه في تلك (الحالة) التي تتغيّر فيها الوجوه، وتعبس خوفا من الموت، وتنهزم الأبطال كلمى، وجهه وضّاح وثغره باسم!
[ ٢ / ١٧٤ ]
وقوله: (الطويل)
أينكر ريح اللّيث حتى يذوقه وقد عرفت ريح اللّيوث البهائم
قال: يقول: ألم يشمّ هذا الدّمستق رائحة اللّيث، فيعلم إنه أن وقف فرسه، فقلّة فطنته تمنعه من أن يهرب حتى يذوقه الليث، فعند ذلك يفرّ، والبهائم إذا وجدت رائحة الأسد فرّت منه.
وأقول: إنه توهّم الضّمير في قوله: يذوقه راجع إلى اللّيث، وليس كذلك، لأنه لو ذاقه الليث، لم يمكنه الفرار، وإنما هو راجع إلى الدّمستق، وضرب له مثلا مع سيف الدولة بالليث والبهائم، يقول: أن أمر سيف الدولة مع الشّجاعة والنّجدة وإهلاكه لمن يقاومه ظاهر لا شكّ فيه، فكان يكفيك من ملاقاته ما تسمع من أخباره فتبعد عنه فتسلم، ولا تدنو منه فيهلكك، فأنت في ذلك أسوأ حالا من البهائم، لأنّها تشمّ رائحة الأسد فتفرّ منه فتسلم، وأنت لا يكفيك الشمّ دون الذّوق فتهلك.
وقوله: (الطويل)
وقد فجعته بابنه وابن صهره وبالصّهر حملات الأمير الغواشم
قال: أشبه الاشياء، أن تكون الفاجعة (له) الخيل، لتقدّم ذكرها.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وأقول: هذا خطأ، لأن الضّمير الذي في فجعته إذا جعله راجعا إلى الخيل التي تقدّم ذكرها لم تبق حملات متعلّقة بشيء، فحملات هاهنا فاعل فجعته لا الخيل،
وقد تبعه التبريزيّ في هذا الموضع، فنقل لفظه ولم يتدّبر معناه، فلزمه من ذلك ما لزمه.
وقوله: (الطويل)
مضى يشكر الأصحاب في فوته الظّبا لما شغلتها هامهم والمعاصم
ويفهم صوت المشرفيّة فيهم على أن أصوات السّيوف أعاجم
قال: ادّعى الشّاعر، إنه يفهم صوتها على بعد، وهو نحو من قول مهلهل: (الوافر)
ولولا الرّيح أسمع أهل فلج صليل البيض تقرع بالذّكور
وأقول: ليس في كلامه ما يدلّ على إنه يسمع صوتها على بعد، وذلك أن (قوله:) ويفهم معطوف على قوله مضى يشكر فيشكر في موسع الحال، والتّقدير: فرّ شاكرا الأصحاب وفهما صوت المشرفيّة، وهذا يدلّ على القرب لا البعد، لأنه إنما شكرهم في حال شغلهم السّيوف عنه، وهو معهم في الجيش، قريبا منهم، ولو
[ ٢ / ١٧٦ ]
كان بعيدا لما شكرهم على ذلك،
وفي حال فهمه صوت السّيوف إنها قواض بشدة أصواتها لقوّة الضّرب، وهذا مثل قوله:
نواطق مخبرات في جماجمهم. . . . . . . . .
فإذا ثبت هذا، لم يصحّ تمثيل هذا البيت ببيت مهلهل لأنه يضادّه.
وقوله: (الطويل)
على كلّ طيّار إليها برجله إذا وقعت في مسمعيه الغماغم
قال: قد سبقت العرب إلى تشبيه الفرس بالطّائر، وانشد قول الرّاجز:
فيقال له: تشبيه الفرس بالطّائر مشهور، غير محتاج إلى الاستشهاد عليه بالرّجز دون القصيد. والعرب وان سبقت بهذا التّشبيه، فقد سبق أبو الطّيب بحسن
الاستعارة وحلاوة اللفظ وجزالته بقوله:
. . . . . . طيّار إليها برجله. . . . . . . . . . . .
وهذا البيت من الأبيات السّيارة المختارة، فلا ينقصه سبق غيره إلى معناه.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وقوله: (الطويل)
حذارا لمعروري الجياد فجاءة إلى الطّعن قبلا ما لهنّ حزام
قال: بالغ في مدحه مبالغة وجب أن ينزّهه (معها) عن اعريراء الجياد، إذ كان ذلك، لا مفخر فيه لمثله.
فيقال: هذه المبالغة، وهي سرعة إجابة داعي الوغى إلى الطّعن، لا تكمل إلا بهذه الصفة. ولم قلت: أن هذه الصفة لا مفخر فيها، حتى تنزّهه عنها؟! وسيف الدولة عربيّ، وتلك من عادات العرب عند سرعة إجابة الدّاعي. وقد قال ابن هرمة في عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك: (المتقارب)
إذا قيل أي فتى يرتجى لمعترّ فهر ومحتاجا
ومن يعجل الخيل يوم الوغى بألجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك إليك به من قبل إزواجها
[ ٢ / ١٧٨ ]
وقد أنشد الشيخ هذا الشّعر في هذا الموضع، فكيف ناقض؟ وكيف ساغ لابن هرمة أن يمدح ابن خليفة بذلك، ولا يسوغ لأبي الطّيب أن يمدح ابن حمدان بمثله؟!
(قوله: (الطويل)
فإن كنت لا تعطي الذّمام طواعة فعوذ الأعادي بالكريم ذمام)
قال: يقول: أن كنت لا تعطيهم ذمامك، وأنت مقيم، فكأنك قد أعطيتهم ايّاه، لأنّ العوذ بالكريم ذمام.
وأتّبعه التبريزي في ذلك التّفسير، حذو النّعل بالنّعل!
وأقول: أن قوله: وأنت مقيم، فكأنّك قد أعطيتهم إياه ليس بشيء! لأنه تفسير البيت
بما ليس فيه. والمعنى: إن كنت لا تعطي الرّوم الذّمام، أي: الصّلح طوعا من نفسك، ونفسك تأبى ذلك ولا تريده، فقد عاذوا بك، وأنت كريم، وعوذ الأعادي بالكريم ذمام، فقد وجب لهم الذّمام.
وقوله: (الطويل)
ويجعل ما خوّلته من عطائه جزاء لما خوّلته من كلامه
[ ٢ / ١٧٩ ]
قال: ادّعى أن الممدوح خوّله الكلام الذي يمدحه به، فلمّا مدحه بالكلام الذي وهبه له، جازاه عنه بأن خوّله نوالا من غير الكلام.
وأقول: ينبغي أن يزاد على هذا فيقال: مفهوم هذا البيت: أني أمدح سيف الدولة بكلام فصيح، ملكته من كلامه، ويجعل ما ملكته من عطائه جزاء عليه، وذلك على خلاف العادة، لأن الجزاء للشّاعر إنما يكون على ما يأتي من كلام نفسه لا كلام غيره، وقد لطف هذا المعنى، وهو من قول أبي تمّام: (المنسرح)
. . . . . . . . . نأخذ من ماله ومن ادبه
وقوله: (البسيط)
لو كلّت الخيل حتّى لا تحمّله تحمّلته إلى أعدائه الهمم
قال: يقول: لو أن الخيل كلّت حتى لم تستطع حمله إلى الاعداء، لحملته إليهم الهمم، وليس هذا المعنى مستحيلا استحالة غيره، لأن كثيرا من النّاس يقصد عدوّه وليس بالرّاكب، كانت جماعة من العرب تغير على أرجلها، كالشّنفرى وتأبّط شرّا والسّليك ابن السّلكة.
وأقول: أن قوله وليس هذا المعنى مستحيلا كاستحالة غيره غير صحيح
[ ٢ / ١٨٠ ]
لأن قصد الإنسان عدوّه راجلا، غير مستحيل على الإطلاق، فكيف يقول: مستحيلا كاستحالة غيره ويمثّل بالشّنفري وأمثاله؟ ولم يرد بقوله: تحمّلته. . . الهمم سيره غير راكب، كما ذكر، ولكنه وصف الممدوح بكثرة سيره إلى الأعداء.
وقال: لو قدّر أن الخيل تكلّ من طول السّير وكثرة الغزو، حتى لا تحمّله، حملته همّته لقوّتها ومضائها، فأنّها لا تضعف ولا تكلّ، فجعل الهمم، وهي خواطر وأعراض تخطر وتعرض في قلبه تحمله على ما يحاول من ذلك بمنزلة الأجسام التي تحمله من الخيل توسّعا ومجازا. وهذا إفراط في المجاز، وهو غير بعيد عن الجواز.
وقوله: (البسيط)
ولم تتمّ سروج فتح ناظرها إلا وجيشك في جفنيه مزدحم
قال: إنما يصف الممدوح بأنه أنجدهم إنجادا سريعا.
فيقال له: ليس في هذا إنجاد لأحد تقدّم هذا الجيش حتى ينجده، وإنما يصفه بسرعة سيره إلى العدوّ، ومروره في بلاده اليه، بما ذكره من قوله: (البسيط)
والنّقع يأخذ حرّانا. . . . . . . . . . . .
وقوله: (البسيط)
سحب تمرّ بحصن الرّان. . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٨١ ]
وقوله: (البسيط)
جيش كأنك في ارض تطاوله فالأرض لا أمم والجيش لا أمم
قال: يقول: كأنّك في ارض تطاوله وهي واسعة جدا، وعدد الجيش كثير، فكلاهما غير أمم، والأمم: الشّيء بين الشّيئين، يقال: دار بني فلان أمم، أي: بين القريب والبعيد.
فيقال له: لو أن الأمم كما فسّرت، لم يصحّ معنى البيت، لأنك إذا نفيت أن يكون الشيء بين القريب والبعيد، لم تنف القرب ولا البعد، بل نفيت حالة ثالثة بينهما، فإذا كان كذلك احتمل أن يكون الجيش قريبا، وكذلك الأرض، فلا يكونان واسعين، بعيدي الطّرفين، (وذلك بضدّ المعنى الذي أراده). والصّحيح، أن الأمم
القريب، هاهنا، وعليه يصح المعنى، يقول: الأرض لا قريبة بل بعيدة ما بين الطّرفين، والجيش كذلك.
وقوله: (البسيط)
إذا مضى علم منها بدا علم وإن مضى علم منه بدا علم
[ ٢ / ١٨٢ ]
قال: ولو قال:
. . . . . . . . . وإن مضى عالم بدا منه علم
لكان أحسن في حكم الشّعر ولعلّ أبا الطّيب كذلك قال، لأنّ تكرير العلم في البيت كثر.
وقوله في صفة الجيش: وإن بدا عالم منه يقلّل من كثرة العلم ويدلّ على كثرة الجيش.
أقول: أن كثرة لفظ علم لكثرة الفائدة وحسن الصّناعة، والعلمان وإن اتّفقا في اللّفظ، فقد اختلفا في المعنى، فكأنّه يقول: إذا مضى جبل من الأرض، بدا لواء من الجيش، وإن مضى لواء من الجيش، بدا جبل من الأرض. فهذا احسن ما يكون من المعنى واللفظ. فلا يحسن أن يقال: وإن مضى عالم من الجيش لأنه لا يقابل النصف الأول في اللفظ فينحلّ تركيب البيت، وتسقط قوتّه. فالصواب إلقاء هذا التّغيير، وإبقاء علم على ما فيه من التّكثير!
وقوله: (البسيط)
وأصبحت بقرى هنزيط جائلة ترعى الظّبا في خصيب نبته اللّمم
[ ٢ / ١٨٣ ]
قال: قوله: ترعى الظّبا في ترعى ضمير يعود إلى الخيل، ويعني بالخصيب الشّعر.
وأقول: إنه يحتمل أن يكون الظّبا فاعله ومفعوله، فإذا كانت فاعله فليس في ترعى ضمير، وان كانت مفعوله (وهو الأحسن)، ففيه، كما ذكر، ضمير يعود
على الخيل، فتكون الخيل راعية والظّبا مرعيّة، ترعى في خصيب، أي: (في) مرعى خصيب، يعني الهام، نبت ذلك المرعى اللّمم، أي الشّعر الذي ألمّ بالمنكب فعلى هذا تفسيره الخصيب بالشّعر خطأ.
وقوله: (البسيط)
وفي أكفّهم النّار التي عبدت قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
قال: يعني بالنار السّيوف، لأنها معروفة قبل أن تعبد المجوس النار. وجعلها معبودة لأنها تهاب، ويغلب بها على الممالك، ويذلّ بها الأعزاء، فكأنها أرباب معبودة، وإنما يعني أصحاب السّيوف، فجعل الخبر عنها، وذلك كثير، يسمّون الشّيء باسم ما قاربه ويصفونه بصفته.
(وأقول:) وهذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى: إنه جعل السّيوف نارا لتوقّدها وبريقها، وفضّلها على نار المجوس، بتقدّمها عليها في العبادة، وتأخّرها عنها بالاضطرام، وذلك أن نار المجوس خمدت، وهذه إلى اليوم تضطرم. وقوله: عبدت أي: ذلّ لها،
[ ٢ / ١٨٤ ]
من قولهم: طريق معبّد، أي مذلّل، وقوله: (الطويل)
. . . . . . . . . وأفردت إفراد البعير المعبّد
وقوله: (البسيط)
نتاج رأيك في وقت على عجل كلفظ حرف وعاه سامع فهم
قال: يقول: إذا افتقر إلى رأيك، جاء موفّقا مصيبا مع عجلة، كلفظ الحرف الذي يسمعه فهم، فإذا سئل عنه أجاب من غير تلّبث.
فيقال: لا حاجة إلى سؤاله، بل إذا سمعه فهمه! والمعنى، أن هذه السّفن التي أمر بها سف الدولة، فجعل بهال النّفع العظيم، لم يفكر فيها، ويتروّ لها، بل رأى ذلك على عجل وسرعة كسرعة إدراك سامع فهم حرفا، فإنه لا يحتاج (في) فهمه إلى رويّة ونظر.
وقوله: (البسيط)
وقد تمنّوا غداة الدّرب في لجب أن يبصروك فلمّا أبصروك عموا
[ ٢ / ١٨٥ ]
قال: يقول: تمنّوا لقاءك، وقالوا: أن نظرنا إليه، بلغنا منه ما نريد، وحلفوا على ذلك بمفرق ملكهم. فلمّا أبصروك، عجزوا عنك، فكأنّهم عموا عن قصدك. وفي هذا المعنى شبه من قول جميل: (الطويل)
فليت رجالا فيك قد تذروا دمي وهمّوا بقتلي يا بثين لقوني
إذا ما رأوني طالعا من ثنيّة يقولون من هذا وقد عرفوني
وأقول: لم يرد ذلك المعنى، وإنما أراد أنهم تمنّوا أن ينظروا إليك ليحصل (لهم) ما أملوا من الظّفر بك فينتفعوا به، فانعكس عليهم ذلك، فكأنّ رؤياهم لك عمى.
وقوله: (البسيط)
لا يأمل النّفس الأقصى لمهجته فيسرق النّفس الأدنى ويغتنم
قال: يقول: قد أيقن بالموت، فهو لا يأمل النّفس الأقصى لمهجته، فقد جعل يغتنم الأنفاس ويكرّرها.
وأقول: إنما قال:
لا يأمل النّفس الأقصى. . . . . . . . . . . .
لأنه هارب، خائف، مكدود، مطلوب، والنّفس الأقصى، إنما يكون عند الراحة والطّمأنينة. وأمّا المزعج، الخائف، المطلوب، فأنه لا يقدر على ذلك، فلا يأمله.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وقوله:
. . . . . . . . . فيسرق النّفس الأدنى ويغتنم
أي: من خوفه، لا يستنشق الهواء استنشاقا ظاهرا طويلا، بل يسرقه سرقة، ويغتنم ذلك، إذ فاته النّفس الأقصى الذي تكون معه الطّمأنينة والرّاحة.
وقوله: (الوافر)
سمعتك منشدا بيتي زياد نشيدا مثل منشده كريما
فما أنكرت موضعه ولكن غبطت بذاك أعظمه الرّميما
قال: سمع أبو الطّيب سيف الدّولة ينشد بيتي زياد الذّبياني، واسم النّابغة زياد، وهما: (الطويل)
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب
تخيّرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كلّ التجارب
ولم يذكر معنى بيتي أبي الطّيب، وهو من الطف المعاني وأحسنها، يقول: لما سمعتك منشدا بيتي النابغة لم أنكر موضعه من الإجادة، وإنما غبطت أعظمه الرميم، أي: أحببت أن تكون عظامي كعظامه، أي: أن أكون ميتا مثله، لأتشرّف بنشيدك شعري، كما تشرّف بنشيدك شعره. وهذا في غاية الحسن، والتّلطف، والتّقرّب، إلى قلب سيف الدولة، والثّناء عليه.
[ ٢ / ١٨٧ ]
ويقال: أن أبا دلف العجليّ، استنشد أبا تمّام مرثيّته في محمد بن حميد الطّوسي وهي: (الطويل)
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر وليس لعين لم يفض ماؤها عذر
فقال: وددت أن كنت متّ ورثيتني بمثل هذا الشّعر، فأنّه ما مات من قيل فيه مثله! فقال أبو تمّام: بل يقي الله الأمير ويجعلني فداءه!
وقوله: (الطويل)
وقفنا كأنّا كلّ وجد قلوبنا تمكّن من أذوادنا في القوائم
قال: يقول: كأنّ وجد قلوبنا تمكّن مطايانا، فهي لا تقدر على البراح.
وأقول: لم يأت في هذا البيت بغير إعادة ألفاظه، كعادته الجارية!
وقوله: (فهي) لا تقدر على البراح. والمعنى أن وجد قلوبنا بتلك الدّيار، يقفها فيها، ويحسبها عليها، تذكّرا لمن حلّها من الأحباب، فنقف ابلنا فيها لذلك، فكأنّ
وجد قلوبنا في قوائم أذوادنا، أي: حال الإبل في طول الوقوف كحالنا.
[ ٢ / ١٨٨ ]
وقوله: (الطويل)
ودسنا بأخفاف المطيّ ترابها فلا زلت استشفي بلثم المناسم
قال: يقول: دسنا بأخفاف المطيّ تراب هذه المعالم، فأنا أستشفي الله - سبحانه - بأن الثم مناسم هذه المطيّ، أرجو البرء، والخلاص، مما أنا فيه.
(أقول:) وهذا ما ذكرت، من أن البيت إذا كان فيه أدنى إشكال، أعاد لفظه، أو خبّط معناه! والمعنى، أن المعهود المعروف من العاشق، أن يستشفي من داء حبه بوصل أحبابه. والشاعر قد جعل نفسه تستشفي، أي: تطلب الشفاء بلثم طرف خفّ البعير الذي وطئ تراب ديار أحبابه. وفي هذا كناية عن قوّة وجد العاشق، وشدة امتناع المحبوب وبعده.
وقوله: (الطويل)
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفة تطالعه من بين ريش القشاعم
قال: يعني أن الجيش قد ارتفع غباره، فالشّمس لا تصل إليه، إلا أن تدخل من بين ريش الطّير التي تتبعه، لتصيب من لحم القتلى.
[ ٢ / ١٨٩ ]
وأقول: هذا ليس بشيء! لأن غبار الجيش إذا ارتفع حجب الشمس، فكيف تدخل من بين ريش الطّير؟ وهو توهّم أن ضعف الشّمس بكثرة الغبار، وليس كذلك، إنما هو بكثرة الطّير، وبينها فرج تدخل الشّمس إلى الجيش منها.
وقوله: (الخفيف)
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميّت إيلام
قال: يقول: من يهن فالهوان عليه سهل. مثال ذلك أن الرّجل يهون عليه أن يستخدم في عمل التّراب، ثم ذكر أن الميت قد فارق الحياة وصار أهون الأشياء، فهو لا يحسّ بالجرح.
(وأقول:) تأمّل هذا اللفظ والتفسير، الذي لم يسقط به على الخبير! والمعنى، أن الرّجل المهين الذي ذهبت أنفته، لا يتأثّر بالهوان، كالميت الذي ذهبت حياته، فهو لا يتأثّر بالجرح.
وقوله: (الخفيف)
حسن في عيون أعدائه أق بح من ضيفه رأته السّوام
[ ٢ / ١٩٠ ]
قال: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون وصفه بالحسن، وهو في عيون أعدائه اقبح من ضيفه في عيون سوامه، لأنه ينحرها له.
والآخر: أن أعداءه يرونه حسن الصورة، قبيح الفعل، فهم في هذا الوجه يرونه حسنا قبيحا، وفي الوجه الأول يرونه قبيحا لا غير.
وأقول: لم يعلّل رؤية أعدائه له قبيحا، وعلّل رؤية سوامه ضيفه قبيحا، وهي إنه يعقرها، فكان ينبغي أن يقول: وكذلك أعداؤه، لأنه يقتلها، فهي بمنزلة سوامه في (كثرة) اقتداره عليها، (وقلة) احتفاله بها. ومثّل الوجه الأول من المعنيين بقوله: (الطويل)
فما شعروا حتى رأوها مغيرة قباحا وأمّا خلقها فجميل
وكان نبغي أن يمثّل به الوجه الثاني، الذي قد اجتمع فيه الحسن والقبح، كما اجتمع في الخيل قبح الفعل بالإغارة عليهم، وحسن الخلق.
وقوله: (الخفيف)
وعوار لوامع دينها الح لّ ولكنّ زيّها الإحرام
قال: قوله: دينها الحلّ: أي لا تقتل إلا من يحلّ قتله.
[ ٢ / ١٩١ ]
(وأقول): وكذلك قال الكندي.
وأقول: هذا التّفسير غير صحيح، بل المراد بالحلّ إراقة الدّماء على الإطلاق، من
غير اعتبار من يحلّ قتله أو يحرم، لأن ذلك يعلم من وجه آخر. فجعل السّيف بمنزلة المحلّ في سفك الدّماء من البدن، وغيرها بمنزلة المحرم، في كونها عارية من أغمادها.
وقوله: (الخفيف)
ليلها صبحها من النّار والإص باح ليل من الدّخان تمام
قال: قوله:
ليلها صبحها من النار. . . . . . . . . . . . . . .
يعني أنهم يوقدون النيران بالليل لقرى الضّيفان، فاللّيل قد صار كأنه صبح لزوال الظلام.
وقوله:
. . . . . . والإص باح ليل من الدّخان تمام
يحتمل وجهين:
أحدهما: انهم يوقدون النّار بالنّهار، إلا إنه يخفى ضوءها، لأن قراهم لا ينقطع في ليل ولا نهار، فدّخان النّار يستر ضياء الشّمس.
[ ٢ / ١٩٢ ]
والآخر: انهم يغيرون في النّهار ويحاربون، فيزول نور النّهار لأجل الغبار، وقد جعل أبو الطّيب الغبار دخانا بقوله: (الطويل)
وما كان إلاّ النار في كب موضع يثير غبارا في مكان دخان
وأقول: الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما في قوله:
. . . . . . والإص باح ليل من الدخان
صحيح، والثاني فاسد، لجعله الغبار دخانا. واستشهاده على ذلك بقول أبي الطّيب لا يسوغ له، وذلك أن أبا الطّيب لما وصف شبيبا بأنه نار، لكثرة غاراته، استعار له ما يشبه الدّخان في ارتفاعه وإظلامه، وهو الغبار، فلا يجوز أن يجعل الدخان
غبارا من غير قرينة تدلّ عليه، ولا الغبار دخانا، والشّاعر إنما وصف الممدوحين بالسّماح والإطعام ليلا ونهارا، فجعل نارهم لقوّتها وعظمها، تعيد الليل نهارا، وجعل دخان نارهم، لكثرته وارتفاعه، يعيد النّهار ليلا، ولم يتعرّض في هذا البيت لذكر حرب ولا غبار.
وقوله: (الخفيف)
ونفوس إذا انبرت لقتال نفدت قبل ينفد الإعدام
قال: زعم أن نفوسهم لا تفرق من الموت، وإنها إذا انبرت لقتال أنفدتها الحرب وإقدامها لم ينفد.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وأقول: هذا من جملة تفسير معنى البيت، بإعادة لفظه!
والمعنى: أن الإقدام يصاحبهم، فلا يفنى قبل فناء نفوسهم، فيكونون في وقت جبناء، بل تفنى نفوسهم قبل فناء الإقدام، وان كان ذلك مستحيلا، وإنما ذكره مبالغة في بقاء إقدامهم.
وقوله: (الخفيف)
فارس يشتري برازك للفخ ر بقتل معجّل لا يلام
قال: يقول: برازك فخر عظيم يفتخر به مبارزك، فالذي يشتري بالقتل لا يلام على ما صنع، لأنه بنى له مجدا باقيا.
وأقول: يدلّ على ذلك، ما روي عن أخت عمرو بن عبد ودّ، لما قتله عليّ - ﵇ - إنها سألت عمّن قتله، فقيل لها: عليّ بن أبي طالب، فقالت: كفؤ كريم، لا رقأت عيني إن بكت عليك بعد اليوم! ثم أنشأت تقول: (البسيط)
لو كان قاتل عمرو غير قاتله لكنت أبكي عليه آخر الأبد
لكنّ قالته من لا يعاب به من كان يدعى قديما بيضة البلد
[ ٢ / ١٩٤ ]
وقوله: (الخفيف)
قد لعمري أقصرت عنك وللوف د ازدحام وللعطايا ازدحام
خفت أن صرت في يمينك لن يأ خذني في عطائك الأقوام
قال: هذا معنى، لم يعلم أن أبا الطّيب سبق إليه، لأنه احتجّ لتأخّره عنه بأنّ طلاّب الأعطية يزدحمون لديه، فخشي أن يؤخذ في الهبات، وهذه مبالغة لم يأت بمثلها سواه.
فيقال له: هذه مبالغة حسنة، إلا أنك ما فهمت معناها! ولم خاف أبو الطّيب ذلك الممدوح ولم يخفه غيره؟
والمعنى: إنني لمحبتي وطاعتي لك، ومعرفتي واختصاصي بك، بمنزلة مالك وملكك، ومالك تفرّقه يمينك، فخشيت أن يأخذني الأقوام في عطائك فأفارقك. وفي هذا نظر إلى قوله: (المنسرح)
تسرّ طرباته كرائمه ثم تزيل السّرور عقباها
من كلّ موهوبة مولولة قاطعة زيرها ومثناها
[ ٢ / ١٩٥ ]
وقوله: (الخفيف)
هابك اللّيل والنّهار فلو تن هاهما لم تجر بك الأيّام
قال: يرحم الله أبا الطّيب! لقد اجتهد في قيل الباطل، ورضي على ذلك بعطاء زهيد! ولو أن هذا البيت في صفة الله - عزّ سلطانه - لجاز أن ينال بذلك رضوانه!!
وأقول: أن الشّيخ أبا العلاء يطالب أبا الطّيب في تحقيق الالفاظ، وحملها على الصحة والصدق، وهو أكثر الشّعراء إغراقا، وأشدّهم إيغالا في الاستعارة والمجاز الذي يخرج إلى المحال، مطالبة أبي ذرّ، وهو في ذلك الأخيذ الصّبحان، وقد قيل: أحسن الشّعر أكذبه، وأمّا إغراقه في هذا البيت وقوله:
هابك الليل والنّهار. . . . . . . . . . . .
فله وجه من الاستعارة، يحمل عليه من ردّه الليل بالنّيران، أو بلمع الحديد نهارا، ومن ردّه النّهار بدخان النّار للقرى، أو بعجاج الخيل في الحرب ليلا، وهذه استعارة مشهورة، ولمّا وصفهما بالهيبة، والهيبة من صفات من يعقل، وصفه بالنّهي لهما، ووصفهما بامتثال ترك المنهيّ عنه، فهذا ابلغ ما يحتجّ به له.
وقوله: (المنسرح)
فلا تلمها على تواقعها أطربها إن رأتك مبتسما
[ ٢ / ١٩٦ ]
قال: هذا البيت مناقض للبيت الأول، لأنه وصفها بأن لا تشاء ولا نحسّ بألم يعني قوله: (المنسرح)
ما نقلت في مشيئة قدما ولا اشتكت من دوارها ألما
ثم جعلها في البيت الآخر، تطرب من ابتسام الممدوح.
وأقول: وجه التّناقض عنده، إنه لمّا وصفها بعدم المشيئة، وعدم الاشتكاء للألم، جعلها على اصلها جمادا، فكيف يصفها، مع ذلك، بالتواقع للإطراب، وذلك من صفات الحيّ العاقل؟ والجواب: أن هذه (إنمّا) جعلها بمنزلة الحيّ، فعدم المشيئة والتّشكّي للألم لا يدلّ على الجماديّة فيلزم ما رتّبه عليه، لأن كثيرا من الأحياء يفعل بغير مشيئة، مكرها، ولا يشتكي ألما لكثرة تعب، لكونه قويا صابرا، فلا يلزم أبا الطّيب ما الزمه من كونه مناقضا بالكذب والمحال.
وقوله: (المنسرح)
ويطعن الخيل كلّ نافذة ليس لها من وحائها ألم
قال: لم توصف الطّعنة قطّ بوحاء أسرع من هذا الوصف! لأنه زعم أن الطّعين
[ ٢ / ١٩٧ ]
لا يحسّ بألم الطّعنة، لأنّها تقتله قبل أن يصل إليه الألم.
وقد قال الأول في صفة السّيف: (الوافر)
ترى ضرباته أبدا خطايا إلى أن يستبان له قتيل
وأقول: لم يرد بقوله:
. . . . . . . . . ليس لها (من وحائها) ألم
إنها تزهق النفس وتقتل قبل الإحساس بالألم، لأن ضربة على أم الدماغ تفعل ذلك، فليس فيه كثير فائدة! وإنما أراد إنها ليس لها ألم مع بقاء النّفس وفي وقت يقع فيه الإحساس، لا يحسّ بها من سرعتها، كأنّ المطعون بها ما طعن. وهذا إنما يكون في أول الحال، ثم يتبيّن الألم بعد ذلك. وكأن أبا الطّيب نقل معنى البيت، الذي أنشده في مضاء السّيف بالضّرب، إلى مضاء الرّمح وسرعته بالطّعن، فكلاهما لا يتبيّن، في أول الحال، للرائي وللمطعون.
وقوله: (الوافر)
فؤاد ما تسلّيه المدام وعمر مثل ما تهب اللئام
[ ٢ / ١٩٨ ]
قال: قوله: فؤاد خبر كلام محذوف، أو يكون مبتدأ محذوف الخبر، ويجوز أن يعني نفسه، ويحتمل أن يعني كلّ من له فؤاد، فإذا عنى نفسه قال: لي فؤاد أو فؤاد بين جنبيّ أو نحو ذلك. وإذا عنى كلّ فؤاد من النّاس، فالمعنى لكلّ فؤاد، أو: لكلّ إنسان، والعموم في هذا حسن من الخصوص، لأن أعمار أهل هذا العصر إذا قيست إلى القدم بطول الآباء، فأنها كالشّيء الحقير المتناهي في القصر.
(وأقول:) انظر إلى هذا التقسيم السّقيم!
وأقول: إنه لم يرد العموم بذكر الفؤاد والعمر، وإنما أراد الخصوص بهما - وهو يعني نفسه - أي: فؤادي فيه من الهموم ما لا تسلّيه المدام الموصوفة بنفي ألهمّ.
كقول أبي نواس: (الطويل)
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى دعا همّه عن صدره برحيل
وأشباه ذلك. وعمري منكّد بالأسفار والأقتار والأوجال، كعطاء اللئام، فأنه منكّد بالمنّ والتّسويف والتّرديد والمطال. فلا يريد بذلك العموم، وفؤاد كلّ أحد، وعمر
كلّ احد، لأنه ليس كذلك، فم يبق إلا الخصوص، والمراد به نفسه، لأنه لا معنى للعموم على ما بيّنته.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وقوله: (الوافر)
وما أنا منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذّهب الرّغام
قال: زعم إنه ليس من العالم لكونه فيهم، وإنما مثله مثل الذهب، معدنه الرّغام، وليس هو منه.
وأقول: هكذا قال الشّاعر، وكلا القولين يحتاج إلى تفسير:
والمعنى: أني وإن كنت فيهم، بعيشتي معهم ومقامي بينهم، فأنّي لست منهم، لأني شريف، وهم أخسّاء، فأنا فيهم كالذّهب في التراب، والمعدن موضع الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا قام به، ومنه قوله تعالى: (جنات عدن).
وقوله: (الوافر)
وخيل لا يخرّ لها طعين كأنّ قنا فوارسها ثمام
قال: أن أراد بعض الخيل، فهو صادق في ذلك، لأن كثيرا من الملوك تجري خيلهم في الميادين، ويلعب فرسانها بالرّماح المدة الطويلة، ولا يكون هنالك قتل ولا جرح، فكأنّ قناهم ثمام، وهو نبت ضعيف يغطّى به الاسقية، ويظلّل به الخيام المتّخذة من الشّجر.
وأقول: أن الشّيخ لهم يفهم المعنى وترتيبه على ما قبله، وذلك إنه وصف الملوك قبل، بالتّغفّل والتواني، وترك التّيقّظ بجعلهم أرانب، ثم وصفهم بالنّهم وكثرة الأكل،
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وأنهم لا تقتلهم، الأقران من الفرسان، وإنما يقتلهم الإمعان في الطّعام. ثم وصفهم وأصحابهم بالضّعف، وكنى عنه بضعف رماحهم، وإنها ليست قنا في الصّلابة التي ينكت بها الفرسان، وإنما هي من ثمام.
وقوله: (الوافر)
ولو حيز الحفاظ بغير عقل تجنّب عنق صيقله الحسام
قال: هذا البيت متّصل بما قبله، يقول: الناس لا عقول لهم، وإنما يؤدي إلى حفظ المودّة عقل الإنسان. ولو جاء الحفاظ من غير ذي عقل، لوجب أن يجتنب السيف عنق صيقله، وابن آدم كالسّيف، لا عقل له صحيح، فكيف يعتمد جميل الأفعال؟
وأقول: أن هذه عبارة سيئة عن كشف هذا المعنى الحسن، وتفسيره يذكر، فيما بعد، في شرح التّبريزي فأنّهما كالشّرح الواحد.
وقوله: (الوافر)
وما كلّ بمعذور ببخل ولا كلّ على بخل يلام
[ ٢ / ٢٠١ ]
قال: يريد أن المكثر أخا اليسار يلام على بخله، والمقتر إذا بخل فلا لوم عليه.
(قال: وكأنه مستخرج من قول الحكميّ: (الطويل)
كفى حزنا أن الجواد مقتّر عليه ولا معروف عند بخيل)
فيقال له: البخل إنما يكون بمنع شيء من الطّالب، قليلا كان أو كثيرا، فالمقتر، أن كان معه شيء ومنعه سمّي بخيلا (وليم على بخله)، وإن لم يكن معه شيء، فلا يسمّى بخيلا. على أن المعطي من فضول ماله، وقد تجوّز فيه، أن لا يسمّى كريما (وإنما الكريم الذي يجود مع القلّة والحاجة) كما قال: (الكامل)
ليس العطاء من الفضول سماحة حتّى تجود وما لديك قليل
والجيّد في تفسيره ما ذكره الواحديّ: وهو أن الذي لا يعذر في البخل، من ولدته الكرام، والذي لا يلام على بخله، من كان آباؤه لئاما بخلاء، لم يتعلّم منهم غير البخل، ولم ير فيهم الجود والبذل. قال: ويكون ذلك من قول الطّائي: (الوافر)
لكلّ من بني حوّاء عذر ولا عذر لطائيّ لئيم
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وقوله: (الوافر)
وقد خفي الزّمان بها علينا كسلك الدّرّ يخفيه النّظام
قال: قوله: بها الهاء راجعة إلى عطاياه، وادّعى إنها قد انتظمت الزّمان فغطّته، كتغطية الدّرّ ما نظم فيه من السّلوك.
وأقول: لم يذكر المعنى، وقد روي بها وبه، فإذا كان الضّمير بها فهي كناية عن عطاياه، وإنها بحسنها واتّساقها قد غطّت الدّهر الحقير الدّنيء، وشرّفته تشريف السّلك بالدّرّ. وإذا كان الضّمير به فهو كناية عن الممدوح، والتّفسير كذلك.
وقوله: (الوافر)
تلذّ له المروءة وهي تؤذي ومن يعشق يلذّ له الغرام
تعلّقها هوى قيس لليلى وواصلها فليس به سقام
قال: هذا الممدوح، يحبّ المعالي حبّا شديدا، كحبّ قيس لليلى.
وأقول: عادته، إذا لم يفهم معنى البيت، أن يعيد ألفاظه، وهاهنا، لم يعدها كلّها، بل ترك منها بقيّة يحسن بها المعنى، بل لا معنى دونها، وهي:
[ ٢ / ٢٠٣ ]
. . . وواصلها فليس به سقام
والمعنى: أن قيسا، مع شدّة حبّه لليلى، لم يواصلها فسقم، والممدوح وأصل المروءة التي عشقها فلم يسقم لعدم الوصال، كما سقم قيس لذلك.
وقوله: (الطويل)
ولا يشتهي يبقى وتفنى هباته ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
قال: يقول هذا الممدوح، لا يشتهي أن يسلم ويسلم أعداؤه، ولكن يريد أن يسلم في نفسه، ويهلك جميع أعدائه.
(أقول:) تأمّل هذا الذّكاء وهذه الفطانة بهذا التّفسير!
والمعنى في قوله:
. . . . . . . . . ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
أي: لا يريد مسالمة الأعداء، ومواعدتهم ضعفا وجبنا وخوفا منهم، وكراهة للقتال.
والتقدير: لا يريد أن يسلموا منه ويسلم منهم، فحذف منهم للعلم به.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وقوله: (الطويل)
بكيت عليها خيفة في حياتها وذاق كلانا فقد صاحبه قدما
قال: يقول: كنت اعلم أني لا بدّ لي من فراقها، فكنت أبكي عليها والفراق لم يكن، وكانت هي من إشفاقها عليّ كأنّها ثاكلة، وهذا نحو من قوله: (الخفيف)
من رآها بعينه شاقه الق طّان فيها كما تشوق الحمول
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أني كنت أبكي عليها قبل فراقي لها، خوفا وإشفاقا من موتها، كما قال عبد السّلام بن رغبان: (الطويل)
أخ كنت ابكيه دما وهو حاضر حذارا وتعمى مقلتي وهو غائب
ثم فارقتها، فثكلتها وثكلتني قبل الموت.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وقوله: (البسيط)
أبديت مثل الذي أبديت من جزع ولم تجنّي الذي أجننت من ألم
قال: وصفها بصحّة الوفاء في أول الأبيات - يعني قوله:
تبسّمت عن وفاء غير منصدع. . . . . . . . .
ثم نقض ذلك بقوله: إنما أبدت مثل ما أبدى من الجزع، ولم تخف كما أخفى من الألم، ولوأنّ وفاءها غير المنصدع لأجنّت الألم كما اجنّه. ثم قال: ولو أنّك أجننت كما أجنّ: لبزّك ثوب الحسن اصغر ذلك، وصرت مثلي في ثوبين من سقم، وإنما ذكر الثوب لإقامة الوزن.
وأقول: ليس في هذا تناقض كما ذكر، لأنّ قوله:
. . . . . . . ولم تجنّي الذي أجننت. . .
[ ٢ / ٢٠٦ ]
أي: مثل الذي أجننت، فقد أجنّت، على الجملة، ألما إلاّ إنه دون ألمه، وذلك يدلّ على الوفاء، ولا يدلّ كونه ناقص (عن ألمه)، على الغدر، إذ لو كان المها كألمه، ووجدها مثل وجده على سواء، لكانت عاشقة لا معشوقة، لأنه لا تميّز لها، ولوجب أن تكون مثله، كما ذكر، في ثوبين من سقم، فيلتبس العاشق بالمعشوق.
وقوله: إنما ذكر الثوب لإقامة الوزن.
فيقال له: إنما ذكره لحسن الاستعارة كناية عن الصّغرة، وجعله ثوبين لأنه أراد الحلّة، وهي إنما تكون من ثوبين.
وقوله: (الوافر)
ملومكما يجلّ عن الملام ووقع فعاله فوق الكلام
قال: يريد، إنه إذا قال قولا، اتبعه بالفعل من غير تثبّت، لا كمن يمطل إذا وعد أن يفعل.
وأقول: لم يرد ذلك، وإنما أراد إنه إذا قال: إنه يفعل فعلا، جودا أو بأسا، كان فعله أكثر من قوله، كقول الشّاعر: (الوافر)
يقول فيحسن القول ابن ليلى ويفعل فوق أحسن ما يقول
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وقوله: (الوافر)
عيون رواحلي أن حزن عيني وكلّ بغام رازحة بغامي
قال: الناس يروون التاء، والنون أشبه، لأنه وصف نفسه فيما تقدّم بأنه لا يحتاج إلى دليل. فوجب أن يقول: أن حارت رواحلي، فعيني نائبة عن عيونها، لأنّها تهديها السّبيل.
وأقول: إنه لم يرد هذا، لأنه يفسد عليه قوله:
. . . . . . . . . . . . وكلّ بغام رازحة بغامي
إذ لا يخبر عن نفسه بذلك، لما فيه من الخوف والضّعف، وإنما هذا الكلام أخرجه مخرج الدّعاء، يريد به القسم، كقول الأشتر: (الكامل)
بقيّت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن هند غارة لم تخل يوما من نهاب نفوس
وسواء في ذلك رواية النون والتّاء، وتابعه التّبريزيّ في تفسير رواية النون، وهو خطأ لما بيّنته.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وقوله: (الوافر)
عجبت لمن له حدّ وقدّ وينبو نبوة القضم الكهام
ومن يجد الطّريق إلى المعالي فلا يذر المطيّ بلا سنام
قال: من في هذا البيت معطوف على من في البيت الأول. يقول: أني لأعجب ممن يجد طريقا إلى معالي الأمور فلا يطلبها، حتى يذهب لسنمة الإبل.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! وسيجيء تفسيره فيما بعد.
وقوله: (البسيط)
حتّام نحن نساري النّجم في الظلّم وما سراه على خفّ ولا قدم
قال: نساري النّجم نفاعله، أي: نحن نسري بخيل وابل، وربّما سعينا بالأقدام، والنجم ليس يسري بخفّ ولا قدم فلا يجد ألما كما نجد. وأقول: إنه لم يرد الخيل هاهنا في المساراة، ولو أرادها لذكر ما تسري عليه من حافر، وإنما أراد الإبل والقوم السّارين بها، المعلمين لها.
يقول: نحن والإبل نسري
[ ٢ / ٢٠٩ ]
على خفّ فنألم، والنّجم يسري فلا يألم، لأنه ليس بذي خفّ أو قدم كالإبل والناس، وهذا استفهام إنكار واستعظام، وهو، وان لم يذكر الخيل لم ينف أن تكون معه سائرة.
وقوله: (البسيط)
تبري لهنّ نعام الدوّ مسرجة تعارض الجدل المرخاة باللّجم
قال: ذكر أن الخيل تعارض الإبل، وإنما جرت عادة العرب، أن يوصفوا بركوب الابل، وانهم قد جنبوا الخيل وراءها، وقد ذكره أبو الطّيب في قوله: (الطويل)
ولا اتّبعت آثارنا عين قائف فلم تر إلاّ حافرا فوق منسم
وأقول: لم يقصد أبو الطّيب بقوله:
. . . . . . . . . تعارض الجدل المرخاة باللّجم
نفس المعارضة في حال السّير فيلزمه ما ذكر، وإنما كنى بذلك عن طول أعناق الخيل، وإنها تحاذي أعناق الإبل، إذ كانت المعارضة قد تقع في بعض السّير، فبالغ في ذلك، كقول امرئ القيس: (الطويل)
ومستفلك الذّفري كأنّ عنانه ومثناته في رأس جذع مشذّب
[ ٢ / ٢١٠ ]
وقوله: (البسيط)
أتى الزّمان بنوه في شبيبته فسرّهم وأتيناه على الهرم
قال: وقد بدأ حبيب بن أوس بذكر هرم الزّمان بقوله: (البسيط)
مجد رعى تلعات الدّهر وهو فتى حتى أتى الدّهر يمشي مشية الهرم
فيقال له: (السريع)
شتّان ما يومي على كورها ويوم حيّان أخي جابر
على أنه، وإن سبقه إلى اللّفظ، فلم يسبقه إلى المعنى، لأن معنى بيت أبي تمّام غير معنى بيت أبي الطيب.
وقوله: (الطويل)
وأمّ عتيق خاله دون عمّه رأى خلقها من أعجبته فعانها
قال: زعم أن هذا المهر، خاله دون عمّه، فكأنه وصفه بالهجنة مع شهادته له بالعتق.
فيقال له: العتيق من الخيل: الرائع الحسن الخلق، قال ابن دريد: يقال للجميل: ما أعتقه وأبين العتق فيه!! فإذا كان كذلك لم يكن مناقضا.
[ ٢ / ٢١١ ]
وقوله: (الكامل)
أن خلّيت ربطت بآداب الوغى فدعاؤها يغني عن الأرسان
قال: أشطرتّه القافية إلى الأرسان ولو وصفها بالغناء عن اللّجم، لكان ذلك (أبلغ) في وصفها بالأدب.
فيقال له: لم تضطّره القافية إلى ذلك، لأن الرّبط إنما يستعمل في الأرسان لا في اللّجم.
يقول: هذه الخيل مؤدبة بآداب الحرب، لا يخشى شرادها إذا خلّيت وأرسلت، لأن دعاء فرسانها، يوم مقام الارسان، فلا تحتاج إلى الأرسان مع اللّجم، لأن من الخيل ما يلجم على رسنه خوفا من شراده، وهذه غنيّة عن ذلك.
وقوله: (الكامل)
والماء بين عجاجتين مخلّص يتفرّقان به ويلتقيان
[ ٢ / ٢١٢ ]
ابن دريد، الجمهرة ٢: ٢٠.
قال: يعني أن الماء قد صار في جانبيه عجاجتان، فكأنه مخلّص بينهما لأنه ليس يشاكلهما في اللّون والخلقة، فتارة تفترق العجاجتان، وتارة تلتقيان.
وأقول: تعليله للتّخليص بينهما بكونه مخالفا لهما في اللون والخلقة غير جيّد، لأن هذه العلّة يشارك النّهر فيها أكثر الأجسام. وإنما يريد، أن خيل سيف الدولة بعضها قطع (ذلك) النّهر، وبعضها لم يقطعه، فالخيلان تثير في جانبي النّهر عجاجتان، النّهر مخلّص بينهما، ما لم تقو الرّيح، فأن قويت التقتا.
وقوله: (الكامل)
نظروا إلى زبر الحديد كأنّما يصعدن بين مناكب العقبان
قال: شبّه الدّارعين بزبر الحديد، وشبّه خيلهم بالعقبان كأنما تحمل الزّبر على المناكب.
وأقول: أن قوله:
نظروا إلى زبر الحديد. . . . . . . . . . . .
يحتمل أن يكون إشارة إلى دروع الفرسان وبيضهم، وان يكون كناية عنهم لشدّتهم وجلدهم، كما يروى عن أمير المؤمنين - ﵇ - إنه مرّ في بعض ليالي صفّين بمالك ابن الحارث الأشتر - ﵀ - والناس نيام من شدّة القتال، وهو يقوّم رماحا. فقال له: لله درّك يا مالك! لو أن الرجال من حديد لكنت زبره، أو من حجارة لكنت صخره!
[ ٢ / ٢١٣ ]
وقوله: (الكامل)
وفوارس يحيي الحمام نفوسهم فكأنّها ليست من الحيوان
قال: أسرف في المبالغة، فجعل الحمام يحيي انفسهم، كأنها ليست حيوانا، أي: كأنهم كانوا أمواتا، أو جمادا فجعلهم الحمام أحياء.
وأقول: أن قوله: فكأنهم (كانوا) جمادا، أو امواتا، فجعلهم الحمام أحياء ليس بشيء!
والمعنى: أن هؤلاء الفوارس، كأنهم بخلاف غيرهم من الحيوان، لأنّ الحمام يحيي نفوسهم، وغيرهم الحمام يهلك أنفسهم، وهذا مثل قوله: (البسيط)
. . . . . . . . . . . . إذا تلفوا قدما فقد سلموا
وقوله: (الكامل)
ما زلت تضربهم دراكا في الذّرى ضربا كأنّ السّيف فيه اثنان
قال: يريد انك سيف ومعك سيف.
وأقول: لم يرد بقوله: تضربهم سيف الدولة وحده، حتى يفسره على ما قال،
[ ٢ / ٢١٤ ]
وإنما
أراد سيف الدّولة وأصحابه، وأضاف ضربهم إليه، لأنه بأمره، ويدلّ عليه ما قبله من قوله: وفوارس وإنما يعني أن الضرب منه ومن أصحابه، كان متداركا متتابعا لسرعته، فكأنّ السّيف بسرعة وقعه عليهم سيفان مختلفان.
وقوله: (الكامل)
خصّ الجماجم والوجوه كأنّما جاءت إليك جسومهم بأمان
قال: ترك المبالغة في هذا البيت، لأنّ رسوب السّيف في الضّريبة محمود، وقد قال في موضع آخر: (المتقارب)
إذا ما ضربته به هامة براها وغنّاك في الكاهل
فيقال له: ترك المبالغة هاهنا، وان كانت محمودة، لما هو أحمد منها، وذلك وصفهم بثبات القلوب والأذهان، عند لقاء الأقران مواجهين لهم، وأنهم خصّوا رؤوسهم ووجوههم بالضّرب، معتمدين ذلك، غير ذاهلين عنه خوفا وفرقا، كما قال بلعاء بن قيس: (البسيط)
بضربة لم تكن منّي مخالسة ولا تعجّلتها جبنا ولا فرقا
[ ٢ / ٢١٥ ]
وقوله: (الكامل)
فرموا بما يرمون عنه وأدبروا يطئون كلّ حنيّة مرنان
قال: يقول: رموا قسيّهم، وهي التي يرمون عنها، وهذه صفة رجّالة الأرمن.
وأقول: ما اعلم لم خصّ برمي القسيّ الرّجّالة دون غيرهم؟ ولم خصّ من الرّجّالة الأرمن دون غيرهم؟ فهذا تخصيص بغير دليل. وقوله:
. . . . . . . . . يطئون كلّ حنيّة. . .
لا يدلّ على قوله، لأنه يحتمل أن (يكون) وطؤها بخيلهم، وذلك أبلغ في مدح سيف الدولة.
وقوله: (البسيط)
إذا قدمت على الأهوال شيّعني قلب إذا شئت أن يسلاكم خانا
قال: يقول: أنا اقدم على الأهوال التي كأنّها غائبة عنّي، وأسافر إليها، كما يسافر الغائب إلى أهله. وشيّعني أي: قوّاني، فكان لي مشايعا على ما أريد.
وأقول: لم يذكر الشّيخ معنى البيت، وإنما فسّر بعض ألفاظه!
[ ٢ / ٢١٦ ]
والمعنى: أخباره عن صدق محبّته، وشدّة هواه ووجده بأحبابه، يقول: إذا قدمت على الأمر المهول، والخطب المخوف، شيّعني قلبي، أي: صاحبني وتابعني، وذلك وفاء من قلبه له، وإذا رمت سلوّكهم، لم يشايعني، وخذلني فخانني. فجعل قلبه يقدم على الاهوال، ولا يقدم على السّلوان، وهذا نسيب تشوبه حماسة!!
وقوله: (البسيط)
وتسحب الحبر القينات رافلة في جوده وتجرّ الخيل أرسانا
قال: وصفه بالجود على كلّ الخلق، وإنّ الحبر تجرّه القينات أي: الإماء وإنما هو من عطاياه، وجعل الخيل تسحب أرسانها في ملكه، فيجوز أن يعني بذلك، إنها تترك وشأنها، فلا ترتبط، فهي تسحب الأرسان لذلك. وهذا الوجه ابلغ من أن يصفها بطول الأرسان المانعة لها من التّصرف.
وأقول: أن قوله: وجعل الخيل تسحب أرسانها في ملكه (خطأ) وإنما هو في جوده بمنزلة القينات، فالقينات في جوده تسحب الحبر والخيل تسحب الأرسان. وهذا معنى مطروق، من ذلك قول النّابغة: (البسيط)
[ ٢ / ٢١٧ ]
الواهب المائة الأبكار زيّنها سعدان توضح في أوبارها اللّبد
والراكضات ذيول الرّيط فنّقها برد الهواجر كالغزلان في الجرد
وقوله: (الكامل)
طربت مراكبنا فخلنا إنها لولا حياء عاقها رقصت بنا
قال: المراكب: جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدّابة لتركب، ويجوز
أن تسمّى الدابة مركبا، وكون المركب في معنى السّرج، ابلغ في هذا الموضع، لأن الدّابّة حيوان، فهي اقرب إلى الرّقص من الذي يركب فيه.
وأقول: أن الشّيخ، دائما، ينكر عليه الغلوّ في الاغراق، وينسبه إلى الإحالة، ثم هو يجعل هاهنا الذي هو اقرب إلى الإحالة، أولى من الأبعد! على أن الإغراق ليس بمستحسن في كل موضع. ومع هذا، فأنّ المراكب، التي هي السّروج، إذا كانت لازمة لظهور المراكب، التي هي الخيل، شدّا وحزما، فلا يمكن حركتها بالرّقص من دون حركة ما لزمته، فالأولى أن يضاف الرّقص إلى الخيل، وان كانت اقرب إليه من السّروج.
وقوله: (الكامل)
فطن الفؤاد لما أتيت على النّوى ولما تركت مخافة أن تفطنا
[ ٢ / ٢١٨ ]
قال: وصفه بالفطنة، وزعم إنه يفطن لما يفعله الشّاعر، ولما لم يفعله، مخافة أن يعلم به فكأنه يقول: لم أزل أثني عليك في غيبتك، وفي حضورك، وأنت عالم بذلك.
وقوله:
. . . . . . . . . ولما تركت مخافة أن تفطنا
كأنه أراد ذمّ قوم، فترك ذّمهم، لأنه خشي أن يفطن بذلك.
وأقول: أن قوله: وصفه بالفطنة، وزعم إنه يفطن لما يفعله. . . ولما لم يفعله مخافة أن يعلم به كاف في تفسير البيت، وما بعده زيادة كزيادة الأصابع! وهي من قوله: لم أزل أثني عليك إلى الآخر، لأن اللفظ لا يدلّ عليه، ولا القرينة ترشد إليه.
وقوله: (الكامل)
أضحى فراقك لي عليه عقوبة ليس الذي قاسيت منه هينا
قال: الهاء في عليه عائدة على ما ذكره مخافة أن يفطن الممدوح، أي: فراقك أضحى كالعقوبة على ما تركته. والهاء في منه عائدة على الفراق.
وأقول: أن قوله: الهاء. . . عائدة على ما ذكره مخافة أن يفطن، وهو إنه أراد أن يهجو أناسا، خطأ! بل الضّمير في عليه ومنه عائد على الفراق، وذلك إنه تخلّف عن الممدوح، ولم يسر في صحبته، وكان الواجب عنده أن لا يفارقه فقال: أضحى فراقك عقوبة لي عليه، فكأنّه يقول: عوقبت بالفراق على الفراق، وبيّن ذلك بقوله:
[ ٢ / ٢١٩ ]
. . . ليس الذي قاسيت منه هينا
أي: من الفراق. فهذا هو التقدير الصّحيح الذي يدلّ عليه لفظ البيت، وما سواه ففاسد.
وقوله: (البسيط)
كأنّه زاد حتّى فاض عن جسدي فصار سقمي به في جسم كتماني
قال: صار السّقم الذي كان بي في جسم كتماني، أي: كتماني ذاب وضعف، حتى صار يشبهني في السّقم وأنا أخفى عن النظر.
وأقول: قوله: وأنا أخفى عن النّظر زيادة لا يدلّ عليها اللّفظ، ولو قال: وأنا ناحل جدا من السّقم بالحبّ، لكان أولى.
وقوله: (البسيط)
تحمّلوا حملتكم كلّ ناجية فكلّ بين عليّ اليوم مؤتمن
[ ٢ / ٢٢٠ ]
قال: هذا ضدّ ما ذكره في قوله: (الكامل)
ليت الذي خلق النّوى جعل الحصى لخفافهنّ مفاصلي وعظامي
وأقول: لو كان قال ضدّ قوله: (الكامل)
وإذا الجياد - أبا البهيّ - نقلننا عنكم فأردأ ما ركبت الأجود
لكان أولى.
وقوله: (البسيط)
وتغضبون على من نال رفدكم حتى يعاقبه التّنغيص والمنن
(قال:) أي حتى يكون في عاقبته تنغيص بالمنن على أخذه. ويجوز أن يكون يعاقبه من تعاقب الراكبين على الدّابة، يريد أن رفدكم والتّنغيص لا يجتمعان، فيسهل أحدهما الآخر، ولكن التّنغيص يجيء ولا رفد معه.
وأقول: الصّحيح، إنه أراد بقوله يعاقبه من العقاب، يقول: تغضبون على من نال منكم رفدا، فتعاقبونه بتنغيصه بمنّكم) كأنه مذنب بأخذه منكم. وأما تفسيره يعاقبه بمعنى يعقبه أي: يتبعه فحسن، والذي ذكرته احسن منه.
وأمّا قوله: ويجوز أن يكون من تعاقب الرّاكبين على الدّابّة، ويريد أن
[ ٢ / ٢٢١ ]
رفدهم والتنغيص لا يجتمعان، فيسهل أحدهما على
الآخر، ولكنّ التنغيص يجيء ولا رفد معه فهذا لا يصحّ إلا إذا عطف على قوله:
رأيتكم لا يصون العرض جاركم. . . . . . . . .
كأنّه قال: ولا تغضبون على من نال رفدكم، حتى تحصل المعاقبة بينه وبين التّنغيص والمنن، ولكنه وجه خفيّ، ومع الخفاء، بعيد.
وقوله: (البسيط)
فغادر الهجر ما بيني وبينكم يهماء تكذب فيها العين والأذن
قال: تكذب فيها العين والاذن، لأنها بعيدة الارجاء، فالعين لا تتبيّن فيها الشّخص على الحقيقة، وكذلك الأذن، ليس سمعها في هذه المقفرة بالصّحيح.
وأقول: إنه أراد بكذب العين، إنها ترى السّراب فتظنّه ماء، وكذب الأذن إنها تسمع دويّها فتظنه شيئا من خارج، كقول ذي الرّمّة: (الطويل)
إذا قال حادينا ليسمع نبأة: صه، لم تكن إلا دويّ المسامع
[ ٢ / ٢٢٢ ]
وقوله: (الخفيف)
وإذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جبانا
قال: حثّ بهذا البيت على الشّجاعة، ونهى عن الجبن. وإنما يكون الإنسان كما خلق، فأن كان شجاعا لم يكن موصوفا بالجبن، وان خلق جبانا، فليس له إلى الشجاعة سبيل. وقد قال الأول: (البسيط)
لقد علمت ولا أنهاك عن خلق إلا يكون امرؤ إلا كما خلقا
فيقال له: هذا، مبنيّ على أن الإنسان مجبر أو مطبوع على الأفعال، وليس كذلك بل الصّحيح، أن الإنسان مخير، له فعل يكسب به الخصال الحميدة والذّميمة ويألفها، فتصير له كالطبع اللاّزم، فيمكن الإنسان أن يتعلّم ممّن يصاحبه، كقول أبي الطّيب: (الطويل)
فربّ غلام علّم المجد نفسه كتعليم سيف الدولة الطّعن والضّربا
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وقوله: (المتقارب)
كأنّك ما بيننا ضيغم يرشّح للفرس أشباله
وقد قال رسول الله (ﷺ) الخير عادة، والشّرّ لجاحة.
وقال الشّاعر: (البسيط)
باتت تلوم وتلحاني على خلق عودته عادة والخير تعويد
وقوله: (الطويل)
رأت كلّ من ينوي لك العذر يبتلى بغدر حياة أو بغدر زمان
قال: فرّق بين غدر الحياة وغدر الزّمان، وإنما حمله على ذلك إقامة الوزن، والزّمان غدره على ضربين.
أحدهما: هلاك النّفوس.
والآخر: هلاك المال، وزوال الدّول، وموت الأعزاء، وغدر الحياة داخل في
غدره.
وأقول: أن غدر الحياة وغدر الزّمان كلاهما مجاز، فليس أحدهما داخل في غدر الآخر، فكنى بغدر الحياة عن الموت، وبغدر الزّمان عن زوال الملك والمال، وما يناله الإنسان في من السّرور والرّاحة، لأنّ ذلك أكثر ما يستعمل في عطاء الدّهر، وقلّما يستعمل في عطاء الحياة. فلذلك خصّه بما سوى الحياة وجعلهما قسمين.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وقوله: (الطويل)
كأنّ رقاب النّاس قالت لسيفه رفيقك قيسيّ وأنت يماني
قال: في هذا البيت معنى حسن لطيف، وذلك أن الشّاعر قال:
كأنّ رقاب النّاس قالت لسيفه رفيقك قيسيّ وأنت يماني
أي: رفيقك يا سيف من قيس عيلان، وأنت منسوب إلى اليمن، فأفسدت بين شبيب وبين السيف، لأنّ عادة من ينسب إلى قيس عيلان، أن يتعصّب على اليمن.
وأقول: ذكر أن الرّقاب أغرت بين وبين سيفه البغضاء، إلا إنه لم يذكر لأيّ معنى ذلك. والعّلة بذكر ذلك، أن يتخلّص من الضّرب والقطع.
وقوله: (الطويل)
فنال حياة يشتهيها عدوّه وموتا يشهّي الموت كلّ جبان
قال: أي إنه مات موتة وحيّة، ولم يمت حتف انفه، فيعاني العلل والأمراض.
وأقول: أن الجبان يشتهي أن يموت حتف انفه، أي: على فراشه من غير قتل، كقوله: (الطويل)
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وما مات منّا سيّد حتف أنفه ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
والشّجاع يشتهي أن يموت في الحرب. والأقرب أن يكون معنى قوله:
. . . . . . . . . وموتا يشهّي الموت كلّ جبان
أنه مات صرعا من شرب الخمر، كما ذكر، فهذا موت يشتهيه الجبان.
وقوله: (الطويل)
ثنى يده بالإحسان حتّى كأنّها وقد قبضت كانت بغير بنان
قال: يقول: ملأت يده بالإحسان، حتى ثناها إلى ورائها، فكأنها لمّا قبضت ما وهبت له لم يكن لها بنان تطبقه على الموهوب فأرسلته.
وأقول: أن قوله: ثناها إلى ورائها ليس بشيء! وإنما ثناها: ردّها، (أي جلعها) وقد كانت ذات بنان، كأن لا بنان لها لما قبضت على إحسانك، أي: لم تحفظ إحسانك، ولم تحافظ عليه فضيّعته، وفي هذا إشارة إلى غدره وجحده للجميل، وكفره للأنعام، وقد بيّن ذلك بما بعده.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وقوله: (الطويل)
ومالك نختار القسيّ وإنما عن السّعد يرمي دونك الثّقلان
قال: يعني بالثّقلين الجنّ والإنس، وجاء في الحديث إنه - صلّى الله عليه - قال): خلّفت فيكم الثّقلين: كتاب الله وعترتي! فالثقلان في الحديث تثنية ثقل، ومن قولهم: حطّ فلان ثقله، أي: متاعه الذي يحمله، فأراد - صلّى الله عليه - أن كتاب الله وعترته ثقلاه الذي يهمّه حفظهما.
وأقول: اشتغل الشّيخ بذكر اللّغة ولم يذكر المعنى، وهو إنه استفهمه إنكارا عليه اختيار القسيّ ليرمى عنها أعداؤه لأنها قد تصيب وتخطئ، وقال: إذا كان الإنس والجنّ ترمي دونك الأعداء عن السّعد، فلا حاجة إلى القسيّ. ويحتمل أن يكون أراد قسيّ السّعد، فحذف المضاف وأقام مقامه المضاف إليه، لدلالة الأول عليه.
وقوله: (الوافر)
مغاني الشّعب طيّبا في المغاني بمنزلة الرّبيع من الزّمان
[ ٢ / ٢٢٧ ]
قال: الرواية التي في ايدي الشّاميين، ينصبون طيبا، ويجب أن يكون نصبه بإضمار فعل، كأنه قال: تزيد طيبا، أو: تطيب طيبا، كلا تقول: فلان سيرا، أي:
يسير سيرا.
والبغداديّون ينشدون: طيب بالرّفع، وإنما فرّوا من النّصب، لأنه ليس ثمّ فعل يحمل عليه. والرّفع على أن طيب خبر مبتدأ، وهذا كلام النّحاة من البصريين.
وأقول: أن الشّعر موضع ضرورة، يقع فيه التقديم والتأخير، وهو على أصله في الكلام، فيكون تقدير هذا البيت: مغاني الشّعب في المغاني طيبا، أي: استقرّت طيبا، بمنزلة الرّبيع من الزّمان طيبا، ويكون مثل قولهم: زيد في الدار قائما (وأجيز في قائما التقديم في الشعر). وإذا جاز أن يؤخّر الفاعل ويقدّم المفعول في قولهم: ضرب غلامه زيد، وفي قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه)، والفاعل كالجزء من الفعل، ولهذا إذا كان مضمرا مرفوعا لم يعطف عليه حتى يؤكّد، فلم لا يجوز التقديم (والتأخير) في مثل هذا البيت؟
وقوله: (الوافر)
ولكنّ الفتى العربيّ فيها غريب الوجه واليد واللّسان
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قال: ذهب بعض الناس، إلى أن في هذا البيت النّعمة، إنما أراد، أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها، لأنّ وجوههم بيّنة من وجوه العرب، ولحاهم شقر وصهب، وكان مرور أبي الطيب بالكرد، وايديهم لا تشبه أيدي العرب، لأنها غلاظ جعدة.
وأقول: أن الصّحيح إنه أراد بغريب اليد ما أراد بغريب اللّسان أي: كتابتهم أعجمية، كما أن لغتهم أعجمية، فهذا لسان غريب في الألسن، وهذا خطّ غريب في الخطوط، فكنى بغربة اليد واللّسان عن عجمة الخطّ والكلام.
وقوله: (الوافر)
وأمواه يصلّ بها حصاها صليل الحلي في أيدي الغواني
قال: زعم الشّاعر، أن هذه الأمواه حسنة، فحصاها يصلّ فيها، كما يصلّ حلي
الغانية عليها، وفي هذا البيت صفة الأمواه وحصاها، لأنه جعل حصاها كالحلي، وجعلها كالغانيات من النّساء.
وأقول: لم يرد في هذا البيت، إلا وصف صوت المياه بجريها على الحصى، وإنها تشوق (بصوتها) كما يشوق صليل الحلي في أيدي النّساء، يعني: قلائدهنّ إذا عبثن بها ولعبن. ولا يريد بالحلي في أيدي الغواني، سورهنّ وما أشبهها، لأنّ المحمود من ذلك أن لا يصلّ ولا يصوّت.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وقوله: (الوافر)
رقاه كلّ ابيض مشرفيّ لكلّ أصمّ صلّ أفعوان
قال: يقول: إنه أقام السيوف مقام رقى، يرقي بهن الأعداء، فشبّه أهل العصيان بالصّمّ من الحيّات.
وأقول: لم يرد بقوله:
. . . . . . . . . . . . أصمّ صلّ أفعوان
الأعداء، وإنما أراد رماح الأعداء، فجعل رقاها السّيوف، وهي اعظم منها، يقول: ليس له رقى من كلام، كما يفعله رقاة ذوات السّموم، إنما رقاه فعال أعظم من فعال ذلك المرقيّ فيدفع لسعة صلّ الرّمح برقية لسان السّيف.
وقوله: (الوافر)
حمى أطراف فارس شمّريّ يحضّ على التّباقي بالتّفاني
قال: يحضّ: يحثّ، ويجب أن يكون:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . على التباقي بالتّفاني
[ ٢ / ٢٣٠ ]
بالباء، أي: يحضّ على ترك النّاس القتل بالقتل، وفي الكتاب العزيز: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وهذا اللّفظ يشير إلى اللفظ الأول: القتل أنفى للقتل. وإن رويت في التفاني فله معنى يؤدّي المعنى الأول. ويحتمل أن يريد:
على التّفاني في الدار التي فيها التّفاني، أما من تفاني النّاس بالقتل، وأمّا من تفانيهم بالموت.
وأقول: إنه ذكر وجهين (الأول) ظاهر سائغ، وهو المقدّر بالباء، لأنه معنى القرآن، وكلام العرب القديم. والثاني مظلم، وهو المقدّر بفي من قوله: يريد أن يحضّ على التّفاني في الدّار التي فيها التّفاني وتقسيمه له. والصحيح أن هذا الوجه ينظر إلى قوله: (البسيط)
ضربته بصدور الخيل حاملة قوما إذا تلفوا قدما فقد سلموا
يعني: بما يبقى له من الذّكر الجميل، الذي يقوم مقام الحياة. وكذلك قوله:
. . . . . . . . . يحضّ على التّباقي في التّفاني
أي: يحضّ على البقاء في الفناء - يعني القتل في موطن الحرب، بما يكسبه من الثّناء الجزيل، والذّكر الجميل لقوله: (البسيط)
ذكر الفتى عمره الثاني. . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٣١ ]
وقوله: (المنسرح)
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت من مطر برقه ثناياها
قال: هذا البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون: كلّما ابتسمت أخذه البكاء لأنه يخاف من الفراق، أو من تغيّر النيّة، فيكون المعنى كقوله: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . ظلت أشكو وتبسم
والآخر: أن تكون تقبّله فيصيب خدّيه من الرّيق، وإن قلّ. ويقوّي هذا الوجه قوله: (المنسرح)
فقبّلت ناظري. . . . . . . . . . . .
وأقول: الوجه الصّحيح هو الاول، والثاني قول ابن جنّي وقد ذكرت ما فيه.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وقوله: (المنسرح)
في بلد تضرب الحجال به على حسان ولسن أشباها
قال: لسن أشباها: أي بعضهنّ أفضل من بعض، كأنه فضّل التي ذكرها عليهن.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! والصحيح أن هذه حسان من ظباء يضرب عليهن الحجال بخلاف الظّباء، وإنهنّ لا يتشابهن، لأنهنّ نساء بخلاف الظباء فأنهن يتشابهن، ويدل عليه قوله فيما بعده: (المنسرح)
كلّ مهاة. . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: (المنسرح)
فإن أتى حظّها بأزمنة أوسع من ذا الزّمان أبداها
وصارت الفيلقان واحدة تعثر أحياؤها بموتاها
قال: قوله:
وصارت الفيلقان. . .
[ ٢ / ٢٣٣ ]
أراد بإحداهما الجماعة التي في طاعة هذا الملك، وبالأخرى الجماعة التي ليست في طاعته. فأن كان الذي ذكره الشّاعر من حظّ الدنيا، فأنّ المخالفين لهذا الممدوح يصيرون من عبيده وأصحابه.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! وإنما المراد بقوله:
وصارت الفيلقان واحدة. . . . . . . . .
اختلاط الكتيبتين والفئتين في الحرب، ووصف القتال بالشدّة إلى أن يعثر الحيّ بالميت، ولم يره، لكثرة القتلى وظلام النّقع.
وقوله: (المنسرح)
ودارت النّيرات في فلك تسجد أقماره لأبهاها
قال: أن صحّ هذا المرجوّ، صار الناس كلّهم في طاعة واحدة، ودارت ذوات
النّور في فلك، أقماره تسجد لأكثرها بهاء ونورا، يعني الممدوح.
(وأقول:) وهذا ليس بشيء! وإنما استعار للحرب فلكا، وجعل الأبطال فيه كالكواكب، والملوك كالأقمار، والممدوح أبهى الأقمار، يعني الشّمس، وهي تسجد له، أي: تذلّ وتخضع.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وقوله: (المنسرح)
لو أنكرت من حيائها يده في الحرب آثارها عرفناها
وكيف تخفى التي زيادتها وناقع السّمّ بعض سيماها
قال: ذكر ابن جنّي أن الزيادة في هذا البيت (السّوط) ولا يمتنع ذلك. والأشبه أن تكون الزيادة هاهنا السّيف لأنه قرنه بناقع السّمّ.
وأقول: أن ابن جنّي، إنما جعل الزيادة سواء لقول المرّار: (الوافر)
ولم يلقوا وسائد غير أيد زيادتهنّ سوط أو جديل
والسّوط والجديل يجعلان زيادة فوق الوسادة، التي هي أما يد النّاقة أو يد راكبها تحت خدّه. فلا يحسن، على قول أبي العلاء، أن يجعل السّيف زيادة، لأنه لا يجعل هناك.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وقوله: (المنسرح)
النّاس كالعابدين آلهة وعبده كالموحّد اللاّها
قال: يقول: الناس الذين في طاعة غيره، كأنهم يعبدون آلهة مختلفة، وعبيده الذين يطيعونه، كأنهم الموحّدون، (وهذا كقوله: (الطويل)
ولست مليكا هازما لنظيره ولكنّك التّوحيد للشّرك هازم)
وأقول: أن هذا تفسير الشّيء بنفسه على عادته الجاية!
والمعنى: أن الناس الطّائعين غيره، التّابعين سواه، في ضلال، كالعابدين آلهة، لا إلها واحدا، وعبده المقتدي به، والطائع له، كالموحّد الله في الهداية والاستقامة.
والبيت الذي مثّل به هذا البيت، ليس بينه وبينه تماثل إلا بلفظ التّوحيد.
وقوله: (الطويل)
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
قال: في هذا البيت تعريض بذمّ من فارق، لأنه ذكر، انهم جادوا له جودا لم يخلص من أذية، وإذا كان الجود كذلك، فالجود ما حمد والمال ما بقي.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وأقول: أن قوله: فالجود ما حمد الأولى منه قوله: فالحمد ما كسب، وذلك أن الإنسان إنما يعطي ماله ليكسب الحمد، فإذا منّ بالعطاء لم يحصل له ذلك، وهذا من قوله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) وفيه نظر إلى قوله - صلّى الله عليه -: أوغلوا في هذا الدّين برفق فأنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
وقوله: (الطويل)
خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصّبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
قال: هذا البيت شرح ما قبله، وفي دليل على إنه لمن فارق ذامّ، لأنه جعله كالشّيب.
وقال: لو فارقت الشيب الذي هو ذميم برحيل (إلى) الصّبا، الذي هو أفصل حياة الإنسان، لكان ذلك الفراق موجعا للقلب مبكيا للعين. وقد وصف نفسه في هذا البيت بوفاء لم يسمع مثله.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وأقول: هذا البيت، ليس هو شرحا لم أقبله، وليس فيه دليل على إنه لمن فارق ذامّ، وإنما هذا البيت قائم بنفسه، وصف نفسه فيه بكثرة الوفاء، وبالغ إلى إنه لو كان - كمن رحل إلى الشّيب الذي يسوء الإنسان ويغمّه، وهو نذير الموت - راجعا إلى الصبا الذي يسّر الإنسان ويفرحه، وهو مظنّة الحياة، وأطيب العمر، لفارق الشّيب موجع القلب باكي العين. وان كانت في الأبيات التي قبله تعريض بالذمّ تارة وتصريح اخرى.
وقوله: (الطويل)
تماشى بأيد كلّما وافت الصّفا نقشن به صدر البزاة حوافيا
قال: البزاة جمع باز، وهو هذا الطائر المعروف. وهذه كلمة أخذها الشّاعر من كلام العامّة، لأنّ النّساء يقلن: نقشتها النّاقشة صدر البزاة. يقول: إنها إذا وطئت الأرض، وهي غير منعلة، نقشت في صفا الأرض نقشا يشبه ذلك المذكور. وقد اقتصر في هذا الوصف، لأنه شبه في الأخرى (تشبيه) آثار الخيل (بآثار) قلع الحلي من المناطق وزعم إنه إذا عدا غادر آثارا كالخنادق. وهذه مبالغة في شدّة الوطء. ويحتمل أن يكون في هذا الموضع وصفه بالخفّة، إنه لا يمكّن الحوافر من الوطء.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وأقول: أن قوله:
. . . . . . . . . نقشن به صدر البزاة حوافيا
تشبيه حسن واقع، صحيح اللّفظ والمعنى، وأقول ألفاظ العامّة أو خالفها، وإذا كان كذلك، فليس فيه عيب، ولا عليه دخل، على أن أبا الطّيب (لم يكن جاهلا) إلى أن يستعمل من كلام العامّة ما ليس له أصل في كلام الخاصة.
وقوله: قد اقتصر في هذا الوصف.
فيقال له: لا يلزم الشّاعر الإغراق في كل موضع، فإذا غرق لا يلزمه التّساوي في ذلك، على إنه يقال له: أن في هذا البيت، من الإغراق ما يساوي المكان الأول، بل يزيد عليه، لأن في قوله: (الرجز)
يترك في حجارة الأبارق
وصفها بقلعها، والأبارق: جمع أبرق، وهي الأرض التي فيها حجارة ورمل وطين، فإذا مشى قلع حجارتها، لأنّها سهلة في المرطوبة، وإذا عدا كان وقعه واعتماده عليها أشدّ من ذلك فأثّر فيها أكثر من القلع، وهي الخنادق، وتكون
صغيرة وكبيرة. وأمّا الصّفا فهو الحجر الأملس الصلب، فذكر أن الخيل التي معه إذا مشت عليه حوافيا أثّرت فيه آثارا بيّنة كنقش صدور البزاة وذلك لصلابة الحوافر، فتعليله بقلّة تأثيرها في الصّفا بالخفّة غير صحيح لما بيّنته.
وقوله: (الطويل)
لقيت المروري والشّناخيب دونه وجبت هجيرا يترك الماء صاديا
[ ٢ / ٢٣٩ ]
قال: قد وصفت العرب ضنّهم بالماء إذا قلّ، وإنه لا يسمح به الكريم كما فعل كعب بن مامة. وقد زعم الفرزدق إنه منّ على رفيق له بحظّه من الماء لمّا اقتسموه، وأنشد: (الطويل)
فلمّا تصافنّا الأداوة أجهشت إليّ غضون العنبريّ الجراضم
فجاء بجلمود له مثل رأسه ليشرب ماء القوم بين الصّرائم
على حالة لو أن في القوم حاتما على جوده ضنّت به نفس حاتم
وأقول: إن الفرزدق لم يؤثر بحظّه من الماء، وقد ذكر ذلك أبو العباس المبرّد في الكامل وقال: إنه صاحب رجلا من بلعنبر، فقلّ عليهم الماء، فتصافنوه، فسأم العنبريّ الفرزدق أن يؤثره بحظّه من الماء، وكان جوادا، فلم تطب نفسه عن نفسه، وأنشد الأبيات وفيها دليل على ما قلت.
(انتهى)
[ ٢ / ٢٤٠ ]