ليس تكاد الدنيا تسقي (٢) صفوا الا اعترض في صفائها اذى باطن، وبذل الموجود اقصى غاية الجود، احتمل ممن زل عليك واقبل ممن اعتذر اليك، وكاف من احسن اليك، فان اعجزك الوفر لا يعجزك الشكر.
وقال بعضهم: اقل ما يجب للمنعم بحق نعمته ان لا يتوصل بها الى معصيته.
وقال آخر: ما ينتظر المرء الا احد امرين لا خير له في واحد منهما: إما الزوال عن التعظيم والاجلال، وإما الموت ومجاوزة الأجداث في ضنك القرار.
_________________
(١) في نسخة المتحف البريطانى: الصبر.
(٢) في نسخة آكسفورد: تصفى.
[ ٣٤ ]
قال بعض الحكماء: الانسان بين حركة وسكون، فحركته تعجب اذا هجم عليه ما ينكره، وسكونه أنس اذا فهم وعرف، صلاح طبائع ابن آدم على الأضداد فلا تعتدل الا باختلافها عليه، ولو قامت به حال واحدة فسد مزاجه وانهدم بناؤه، وكذلك تدبير الله في خلقه وأرضه.
قال بعض الحكماء: بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الواقعة، ولكل ناجم أفول، ولن يعدم (١) ذو القصد كثيرا اذا اعدمته (٢) الأيام ما كانت عودته من المؤاتاة.
وقال آخر: سرورك بقليل التحف مع فراغك له احسن موقعا عندك من أضعافه مع اشتغالك عنه، وكثرة الاشتغال (٣) مذهلة عن وجوه اللذات بكنهها، وليس بحكيم من ترك التمييز.
وقال آخر: من جهة التوانى وترك الرواية يكون وهن العزم وخمول الهمة، وفي إجابة الفطن وحركة الفكرة ونباهة الرأي درك البغية، ولن يؤتى اللبيب الا من الأثرة وهي خلة يتصل بها الهوى والمحبة، وعندهما تسقط المناظرة فتستعبد الجوارح في الفساد وتنهك القدر في الشهوات، وهذا الحور بعد الكور - والكون جميعا.
آخر: من طرق ما لا طاقة له به كان استر لمكتوم امره وابقى للآمال فيه.
ولآخر: اسعد الناس من تصفح آراء الرجال واستكثر من ذوى الألباب، فان لكل عقل ذخيرة من الصواب ومسكنا من التدبير.
ولآخر: صن شكرك عمن لا يستحقه واطلب المعروف ممن يجمل بك طلبك منه واستر ماء وجهك بالقناعة وتسلّ عن الدنيا لتجافيها عن الكرام.
_________________
(١) نسخة المتحف: يفقد.
(٢) نسخة المتحف: اعتدمته.
(٣) نسخة المتحف: الأشغال.
[ ٣٥ ]
وقال بعضهم: ذو القدرة على نفسه والأصيل في رأيه يزداد اتساعا في الجميل وانبساطا فى المعروف وتكرما في اخلاقه اذا توافت آماله اليه، لا سيما اذا نال سلطانا فان السلطان يبدى مكنون الجوهر، وعنده يسقط الشك والدعوى الكاذبة وتصير سريرة أخلاق صاحبة علانية.
ولآخر: الانسان ملول لما ظفر ومستطرف لما منع منه، وكل ما استحدثت النفس هوى اخلقت فيه البدن وبعثت له العناية (١) وتولع به الاشفاق عليه، وذلك امتهان المروءة وليس كل من حنت عليه النفس يستحق هبة المودة ولا يؤتمن على المؤانسة فالبسوا للناس الحشمة في الباطن وعاشروهم بالبشر في الظاهر يختبرهم المحن (٢)، وتلقوا الرغائب منهم فيكم بالقبول، واكتموهم الانقباض فانه من جرى مع هواه طلقا جعل للأئمة والعدل عليه طرقا، ومن سعى بدليل من التدبير لم يقعد به الدرك (٣) الا سابق قضاء لا يملك.
وقال آخر: ارع حق من عظمك لغير فاقة اليك بإعطائه اياك ما تحب، واستعن على شكره باخوانك، فإن ذلك من حق الحرمة (٤) عليك.
من كانت له خصلة حسنة فليواظب عليها، وليتمسك بها، فان لها دولة تعيد اليها ما ادبر عنها.
آخر: من كانت فيه خلة حسنة لم يبعد من الرجاء فيه وان كثرت سيئاته، وانما اليأس ممن لا يعود الخير نفسه.
وقال آخر: من ترك ما لا يضره تركه وينفعه ذكره عظم عند الناس قدره.
آخر: امنع الناس من عرضك بما لا ينكرون من فعلك، واطلب التعظيم في قلوبهم بصيانة نفسك، واستبق مروءتك بالغنى عنهم وتألف ودهم بالبشر لهم، واحتجب من بغيهم بترك الاستطالة، واستتر من الشامتين
_________________
(١) نسخة آكسفورد: الغاية.
(٢) في التذكرة الحمدونية ٤: ٣٦٣: "حتى تختبرهم المحن". ش
(٣) كذا ولعله: عن الدرك.
(٤) نسخة المتحف: الحرية. اهـ. وهو كذلك في التذكرة الحمدونية ٤: ٨٥. ش
[ ٣٦ ]
بحسن العزاء عند النوائب، ومن احب ان يكتم فقره فلا يقبل معروف من يلتمس مكافأته، وأنا زعيم لمن ترك فضول القول باجلال والى النهى له.
وقال آخر: لا تشعر قلبك الهم بما فات فيشتغل ذهنك عن الاستعداد لما تأتى به الأيام، وكن بحسن الظن بما عند الله اوثق منك بما في يدك فانك تضن بما في يدك وذلك على الله يسير، وفى كل حركة وساعة امر حادث وقدر جار بتبديل الأحوال وانتقال الدول.
وقال آخر: تجنبوا المنى فانها تذهب بهجة ما خولتم وتستصغرون مواهب الله عندكم، وتعقبكم الحسرات على ما وهمتموه منها انفسكم وهى مكيدة من مكايد ابليس للعبد، وختل له عن الشكر واستدراج الى استصغار عظيم المواهب.
وقال: من اظهر لك بشرا وهو يكنّ بغيا فقد تلقاك بما تحب، وأخفى ما تكره فان كان يقدر على دفعه فان ما احتجن من الأذى، وأظهر لك ما تهوى وآثرك بحسن المكاشرة على حظه من السلامة، وحسب امرئ من عدوه ان عرف ذلك منه، وان من عرفك عداوته فقد بصرك مواقع نبله ومن فهم عنه لم تنله سهامه.
آخر: يجب على ذى السعة في رأيه والفضل في خصاله ان يتطول (١) على حساده بنظره، ويتحرى لهم المنافع فانه بلاء غرسه الله له فيهم ثم لم يسلطهم عليه فهم يعذبون بحركات الحسد في وقت مسرته بما اكرم به.
وقال آخر: الحقد غصة لا يسيغها الا الظفر، والحسد شجى قادح لا يدفعه عن صاحبه الا بلوغ أمله فيمن قصده بحسده وأنى له بذلك، وقد قيل: من كنت سببا لبلائه فالواجب عليك التلطف له في علاجه من دائه.
_________________
(١) في نسخة المتحف: أن يطول.
[ ٣٧ ]
آخر: من انتشر له الصوت بفضل ادب ونظرت اليه العيون بالاجلال فليكن بما علم عند من يعاشره (١) كمن لا ينسب الى علم في الانبساط اليهم وترك الاستطالة عليهم فانه قيل: فضيلة العالم بتواضعه تزيد رفعة في قدر علمه.
آخر: من ملك نفسه ودبر خصاله وقمع شهواته وقهر نوازعه وأعمل رأيه فيما يصلحه فلم يطع رغبته الا فيما فيه حظه، أملناه لصلاح ما بعد منه، واستحق ان يؤمن على تدبير الرعية ويلقى اليه مقاليد السر فانه قيل: من قوى على مجاهدة نفسه وقمع شرته ذلت له صعاب الأمور ودانت لطاعته القلوب.
آخر: لا راحة لحريص، ولا غنى لذى طمع، والمرء عند من رجا وبئس الشعار الحسد، والافتقار يمحق الأقدار، والبطر يسلب النعمة، والإنصاف يؤلف القلوب، وأخوك من آساك، والغدر من صغر القدر والوفاء من كرم السجية، والاستطالة لسان الجهالة، وكثرة الكلام يكسب الملال وان كان حكما، والصبر جُنة الأشراف، واظهار الفاقة من خمول الهمة، والناس اشباه في الخلق، وانما يتفاضلون في الرخاء والشدة.
آخر: لا تعدن معروفا اصبته معروفا ولا حظا نلته نفيسا كان بعد ابتذال قدرك واخلاق وجهك، فان الذى فقدت من عز الصيانة اكثر من قدر الفائدة، وقيمة ما بذلت من قدرك اعظم مما احرزت من قضاء وطر نفسك.
وقال: إن شكر الكريم يقابل كل فعل جسيم، وما قدر عرض تفيده راغبا اليك عند ما جعل لك من الطول عليه والخضوع لديه، ومن قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه وجلالته.
_________________
(١) في نسخة آكسفورد: عند معاشره.
[ ٣٨ ]
وقال آخر: ان نظر الراغب اليك فيما يلتمسه لديك نظر تعبد بالمسألة وايجاب لحكمك عليه بقضاء الحاجة فان منحته ما سأل ملكته به وإن رددته عنك خرج من حكمك عليه.
وقال آخر: ما عز اثبت اركانا ولا ابذخ بنيانا من بث المكارم واكتساب الشكر، وذلك ان عز التعظيم بالفعل الجميل باق في قلوب الرجال ومخلد في ايام الازمان، ومن تحصن بالجود واتجر بالمعروف ظفر بمن ناواه (١) وربح ثواب الله، من عمر مودة لئيم حصد من استنباطها ندما، وتعجل ذلة الاحتكام عليه، وللّئيم تماد في العدوان عند الاغضاء عنه ومعاودة للمكروه حتى يردع بما يشبهه.
وقال آخر: استعطاف المتجنى مؤونة على الانصاف وظلم للعهد، وانما يحسن (٢) التفضل بين الأوداء على التباذل بصحة النيات وسلامة الغيب في المعاملة، ومن اكتسب ما يجب منك بغير عدل عليك عرض نفسه لاتهام ما يضمر واستكراه ما استزاد من البر.
آخر: الصفح بين الاخوان مكرمة ومكافأتهم على الذنوب بالإساءة دناءة، احترس بكرمك من طاعة همك وبصبرك من دواعى شهواتك، فان كل قلب منهمك في دواعى ما يوافقه، وانما تفاضل الناس في الخصال على قدر الدواعى وكتمان الحركات، واختيار التوقي على راحة الإباحة، سكون الغوائل في الشيم لفراغها من الخيرات وخروج التوفيق عنها وتمكن الشيطان للجولان فيها وهى اسباب الشقوة وعواقب الخذلان، الكريم يلين اذا استعطف واللئيم يقسو اذا لوظف (٣).
وقال آخر: الحياء لباس سابغ وحجاب واقع وستر من المساوى واق وحليف للدين وموجب للصنيع ورقيب للعصمة وعين كالئة تذود
_________________
(١) في نسخة آكسفورد: ناداه.
(٢) نسخة آكسفورد: يحصل.
(٣) بهامش نسخة المتحف: الطف.
[ ٣٩ ]
عن الفساد وتنهى عن الفحشاء والأدناس، خير المودة تعاطف القلوب وائتلاف الارواح وحنين النفوس الى مياثة السرائر والاسترواح للمسكنات في الغرائز ووحشة الأشخاص عند تباين اللقاء، وظهور السرور بكثرة التزاور، على حسب مشاكلة الجواهر يكون الاتفاق في الخصال، العتاب حدائق المتحابين وثمار الأوداء ودليل الصبر والصفاء وحركات الشوق ومستراح الوجد ولسان الاشفاق.
وقال: التجنى رسول القطيعة وداعى القلى وسبب السلوان وأول التجافى ومنزل التهاجر.
وقال آخر: اجعل الحلم عدة للسفيه وجنة من ابتهاج الحاسد فانك لم تقابل سفيها بالاعراض عنه والاستخفاف بعقله الا اذللته في نفسه وسلطت عليه الانتصار من غيرك وإذا كافأته بمثل ما لك (١) وزنت قدره بقدرك ولم تنصر عليه، العجلة مكسبة للمذلة وزمام الى الفدامة وسلب للمروءة ومرارة لأهل الحجى ودليل على ضعف العقدة ومنفرة لأهل الثقة، والجود خلة آثرت عذوبة الثناء على لذة المال فهو من امهات المحاسن، ومن الكرم بسبيل خاصة وبمكان رفيع من القلوب، ليس من جهل الناس بقدر الفضل قصروا عنه ولكن من استثقال فرائضه حادوا عن التمسك به وهم على تبجيل اهله مجتمعون.