قال: دعا اعرابى فقال: اللهم إن كان وجهى قد اخلق عندك لكثرة ذنوبى فانى اسألك بجدة وجهك الا وهبتنى لمن أحببت من عبادك.
قال: دعا اعرابى: اللهم إنى اعوذ من فقر ملب (١) ومن ضرع الى غير محب.
وقال آخر: اللهم إنى أعوذ بك من الفقر الا اليك، ومن الذل الا لك. قال: دعا اعرابى فقال: اللهم سلّ قلبى عن شىء لا أتزوده اليك، ولا أنتفع به يوم القاك، واولى رجل أعرابيا بلاء حسنا، فقال: لا ابتلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك.
قال: ودعا أعرابى فقال: استغفر الله لا اصر ولا استكبر ولا استحسر اللهم إن بى اليك لفقرا وإن بك على لقدرا، اللهم غفرا، وقال: اللهم
_________________
(١) في هامش نسخة المتحف: مكب.
[ ٤٤ ]
تظاهرت منك النعم وكثرت عندك الذنوب فأحمدك على النعم التي لا يحصيها غيرك وأستغفرك من الذنوب التى لا يحيط بها إلا عفوك.
دعا آخر فقال: اللهم اجعل لى قلبا يخشاك كأنه يراك اللهم إنى ادعوك دعاء قليل حيلته متظاهرة ذنوبه ضنين على نفسه.
آخر: اللهم إن ذنوبى لم تبق لى الا رجاء عفوك وما اسألك الا ما لا استحق وأرغب اليك فيما لا استوجب فعد بطولك على.
آخر: اللهم انى اسألك من القناعة ما يكثر قليل المستفاد ويهون علىّ الأسف على فات فلا تحرمنى من الشكر ما استوجب به الزيادة.
آخر: اللهم إنى اعوذ بك من نزول الشر، وحلول الحذر، وضيق الصدر، وتوابع الإثم، وسوء الفهم، وشماتة ابن عم.
لآخر: اللهم لا تصعر خدى، ولا تبخس حظى، ولا تشمت بى عدوى ولا تسؤ في صديقى.
لآخر: اللهم إنى اعوذ بك من الهوام الهائلة، والسباع الضارية، واللصوص العادية، والسلاطين الجائرة، والشياطين الماردة.
لآخر: اللهم أغننى بالافتقار اليك ولا تفقرنى بالاستغناء عنك.
آخر: اللهم اعنى على الدنيا بالقناعة، وعلى الدين بالعصمة.
باب من كلام الحكماء
إن ادنى ما ينالك ممن خيبت أمله ارتجاعه باللائمة على نفسه وسوء الاختيار اذا ملك واكتئاب صديقه لخيبة اوبته وابتهاج عدوه باخفاقه، وكل ذلك وصمة عليك مظلة، وإن خصالا هذه ادناها لسريع الى طبع الأعراض عن اقصاها.
آخر: إن تألف النعم يحسن مجاورتها والتماس الزيادة منها بالشكر عليها، والشكر حارس النعم من الزوال مجير من الغير فاجعل حسن سياستها أمام
[ ٤٥ ]
عملك وارتبطها بحسن المواساة فيها فمن لا يواسى في نعمة عرض للادبار إقبالها.
آخر: اخلاص الاستعانة عند الاضطرار وانقطاع الحيل موجب للنجاء من اوراط المهالك، وقد حل (١) بلاء لا يدفع باحتيال، ولا ينهنه بصيال فأخلص النية في الاجتهاد، وفوض امورك الى من يملكها دونك، ولا يبهظنك (٢) أمر اذا جعلت الله بينك وبينه.
آخر: استعد لحريق الغضب الأناة قبل تلهب ناره فان اطفاءه قبل انتشاره يسير، وإذا انتشر أنسى الحياء وقبح المحاسن.
آخر: إن أفضل ما اعطى العبد في الدنيا الحكمة وفى الآخرة الرحمة.
قال أمير المؤمنين على بن ابى طالب ﵁: خذوا الكلمة من الحكمة من حيث كانت، فان الكلمة من الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تسكن الى صواحبها.
آخر: لا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبونك ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتونك.
ويروى عن النبى ﵌ انه قال: ما انفق منفق ولا تصدق متصدق بأفضل من كلام الحكمة اذا تكلم به الحكيم والعالم نال كل مستمع منه منفعة.
آخر: نور الحكمة تتوقد في قلوب الحكماء فهم يستضيئون بنورها فى أعمالهم كما يستضاء في دجى الليل بنور المصابيح.
وقال حكيم لابنه وهو يعظه: يا بنى! المدبر لا يوفق لطريق المراشد فاياك وصحبة المدبر فانك إن صحبته علق بك ادباره، وإن تركته بعد صحبتك إياه تتبعت نفسك آثاره.
وقال بعض الحكماء: أصب بهمومك مواقع المرامى فيوشك ان
_________________
(١) نسخة اكسفورد: ورطات المهالك وقد جل.
(٢) نسخة اكسفورد: يهضنك.
[ ٤٦ ]
تهديك (١) على خير الغنائم.
آخر: ان العبادة اسست على الحزن والمحنة (٢) فاذا خلا البدن منهما ألف الراحة وإعتاقه الفتور، وقيل لبعضهم: اى اخوانك اوجب عليك حقا؟ قال: الذى يسد خللى ويغفر زللى ويقبل عللى.
وفى بعض الحكم: ينبغى للعاقل ان يكون عارفا بزمانه حافظا للسانه مقبلا على شأنه، وأن لا يرى الا في احدى ثلاث: تزود لمعاد، او مرمة لمعاش، او لذة في غير محرم.
وقال وهب بن منبه لابنه: يا بنى! جالس الكبراء وسائل العلماء وخالل الحكماء، فان مجالستهم غنيمة وصحبتهم سليمة ومواخاتهم كريمة.
وكان يقال: ما اعدمك من الأحمق فلا يعدمك منه كثرة الالتفات وسرعة الجواب.
سأل معاوية ﵁ عمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ فقال: من اقتصر على الإيجاز وترك الفضول؛ سئل اعرابى: من أبلغ الناس؟ فقال: أسهلهم لفظا وأحسنهم بديهة، قال العتابى (٣): إنى امرؤ فىّ خصلتان: حصر مقيد بالحياء، وعزة نفس شبيهة بالجفاء.
قال ابن عباس ﵄: من لم تكن فيه ثلاث خصال فلا تواخه: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يطرد به فحشه، وخلق يعيش به في الناس.
قال: مكتوب في التوراة "يا ابن آدم اذكرنى حين تغضب اذكرك حين اغضب فلا امحقك فيمن امحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرى فهو خير من نصرتك لنفسك".
قال: وفى التوراة "من حزن على ما في ايدى الناس فانما يسخط على ربه، ومن شكا مصيبة نزلت به فانما يشكو ربه، ومن دخل على غني فتواضع
_________________
(١) بهامش نسخة المتحف: تفديك.
(٢) نسخة المتحف: المحبة.
(٣) بهامش نسخة المتحف: هو كلثوم بن عمرو العتابي.
[ ٤٧ ]
ذهب ثلثا دينه.
قال ابو بكر بن دريد اخبرنا ابو حاتم عن الأصمعى: ان اعرابية اضلت بعيرا لها فقالت: اللهم اعوذ بك منك وأقسم عليك بك الا رددت بعيرى، فناداها مناد وهى نائمة: هذا بعيرك، فانتبهت فاذا بعيرها معقول الى جانبها.
قال: وعظ اعرابى ابنه وكان اتلف ماله في الشراب، فقال: لا الدهر يعظك ولا الأيام تنذرك، والساعات تعد عليك الأنفاس، والأنفاس تعد منك، احب أمريك اليك، تردهما (١) بالمضرة عليك.
وأوصى أعرابى أخاه فقال: يا اخى! يسار النفس افضل من يسار المال فان لم ترزق غنى فلا تحرمن تقوى فرب شبعان من النعم غرثان من الكرم، واعلم أن المؤمن على خير ترحب به الأرض وتستبشر به السماء، ولن يساء اليه في بطنها وقد أحسن على ظهرها.
قال: وسمع اعرابى رجلا يذم السلطان فقال: ويحك! انك غفل، لا تسمك التجارب وفى النصح لسع العقارب، لكأننى بالضاحك اليك باك عليك.
وقال آخر: ان الموت ليتقحم على النفس تقحم الشيب على الشباب، ومن عرف الدنيا لم يفرح منها برخاء ولم يحزن منها على بلوى.
وأخبر الأصمعى عن ابى المجيب قال: سئل معبد بن طوق عن حاله في مرض له فذكر شدة علته فقيل له: كأنك تخاف الموت؟ فقال: وكيف لا اخافه وقد استأنيت اختصار المدة وانقضاء العدة وتمام الظمأ.
وقال آخر لرجل: علام حرمتنى؟ فوالله! ما زلت قبلة لأملى ولا تلفتنى عنك الا الأطماع فان قلت: قد أحسنت بدأ، فما ينكر لمثلك ان يحسن عودا.
وقال آخر: ان من الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها اذا اخطأك قضاؤها، وإن الطلب وإن قل اعظم قدرا من الحاجة وإن كثرت (٢) والمطل من غير عسر آفة الجود.
_________________
(١) لعله: اعودهما.
(٢) قد تقدم هذا.
[ ٤٨ ]
قال معاوية لعمرو بن العاص (١): من ابلغ الناس؟ قال: من ترك الفضول واقتصر على الإيجاز، قال: فمن اصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادا لهواه، قال: فمن أسخى الناس؟ قال: من بذل دنياه في صلاح دينه، قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من رد جهله بحلمه.
قال محمد بن على لابنه: يا بنى! لا تكسل فانك اذا كسلت لم تؤد حقا، ولا تضجر فانك إن ضجرت لم تصبر على حق، ولا تمتنع من حق فانه ما من عبد يمتنع من حق الا فتح الله عليه باب باطل فأنفق فيه أمثاله.
قال آخر: يكفيك من عقلك ما اوضح غيك من رشدك.
وقال نوح بن جرير - ووقعت بينه وبين رجل من قريش ملاحاة في حق ادعاه عليه فقال: والله! إنى لأستحيى أن اخصم وأتحرج أن أظلم، فترك مطالبته القرشى.
وقال محمد بن على: الكمال في ثلاثة: الفقه في الدين والصبر على النوائب وحسن التقدير في المعيشة.
قال: دخل معبد بن طوق على السرى بن عبد الله فقال: كيف كان الهيثم التيمى؟ قال: كان والله مقراء غير بذال، معطاء غير سأَال.
ودعا آخر فقال: اللهم! إن كان رزق فى السماء فأنزله، وإن كان رزق فى الأرض فأخرحه، وإن كان نائيا فقربه، وإن كان قريبا فيسره، وإن كان يسيرا فثمره، وإن كان كثيرا فبارك فيه.
وقال بعض الحكماء - وسئل: أة الملوك أحزم؟ قال: من ملك جده هزله، وقهر رأيه هواه، وعبر عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن كيده.
ودعت أعرابية على مولاها فقالت: فجع الله بك ودودا وادا وأشمت بك عدوا حاسدا، وسلط عليك هما يضنيك وجارا يؤذيك.
_________________
(١) قد تقدم صدر هذا القول فيما مضى من هذا الباب.
[ ٤٩ ]
وقال الأصمعى: قال رجل من العرب لعبد من عبيدهم: أشتريك؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: إنى آكل فارها، وأمشى كارها.
وقال آخر لعبد: أشتريك؟ قال: لا، قال: لم؟ قال: إنى إذا جعت ابغضت قوما، وإذا شبعت احببت نوما.
ودعا أعرابى على رجل فقال: رآك الله كما أراك ولا رآنى كما أراك.
قال بعض الحكماء: خمسة اشياء تقبح في خمسة: الحرص في القراء، والحدة في الأمراء، والبخل من ذوى الأصول، والفحش من ذوى الأحساب، والفتوة من ذوى الأسنان.
ومدح أعرابى رجلا فقال: ذاك من شجر لا يخلف ثمره، ومن ماء لا يخاف كدره.
وسئل بعضهم: متى يكون الأدب ضارا؟ قال: اذا نقصت القريحة وكثرت الرواية.
وقال آخر: انفس الأعلاق علق مصروف في حظ.
وقال آخر: فساد الأمر أن يكون لمن يمكله دون من يبصره.
آخر: شر ما شغلت به عقلك وضيعت به قولك - اشارة الى معجب.
وقال بعض الحكماء: لا تدنس عرضك ولا تبذل وجهك ولا تخلقه بالطلب الى من إن ردك كان رده عليك عيبا وإن قضى حاجتك عدها عليك منا، واحتمل الفقر بالتنزه عما في ايدى الناس والزم القناعة بما قسم لك، فان سوء حمل الفقر يضع الشريف ويخمل الذكر ويوجب الحرمان.
وقال آخر: اغتنم الخير ما امكنك فان يسيره كثير، واتق الشر فان يسيره يدل على كثيره، وإذا اؤتمنت على أمانة فأدها الى أهلها فان المؤتمن موثوق به.
وقد قال: أحسن من لم يسىء الظن بك حتى جعلك عدلا لنفسه فكن عند حسن الظن به.
[ ٥٠ ]