قال حدثنا العكلى عن حاتم بن قبيصة المهلبى عن الكلبى قال قال على بن أبى طالب ﵁ "المعروف افضل الكنوز وأحصن الحصون لا يزهدنك فيه كفر من كفرك فقد يشكرك عليه من ١ لم تستمتع منه (١) بشىء وقد يدرك بشكر الشاكر ما يضيع الجحود الكافر".
اخبرنا عقبة بن ابى الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم عليا ﵁ دخل عليه الحسن وهو باك فقاله له: ما يبكيك يا بنى! فقال: مالى لا ابكى
_________________
(١) كذا، ولعله: لم يستمتع منك.
[ ١٧ ]
وأنت في اول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، فقال: يا بنى! احفظ عنى اربعا وأربعا لا يضرك ما عملت معهن، قال: وما هن يا ابت؟ قال: ان أغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق، قال: يا ابت! هذه الأربع فأعطنى الأربع الأخر، قال: إياك ومصادقة الأحمق فانه لا يريد (١) ان ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فانه يقرب اليك البعيد ويبعد عليك (٢) القريب، وإياك ومصادقة البخيل فانه يقعد عنك احوج ما تكون اليه، وإياك ومصادقة الفاجر فانه يبيعك بالتافه.
ومما حفظ من كلام على ﵁
ان رجلا سأله عن تفسير "لا حول ولا قوة الا بالله" فقال: تفسيرها "انا لا نملك شيئا ولا نملك الا ما ملكنا مما هو أملك به منا فمتى ما ملكنا ما هو أملك به كلفنا ومتى اخذ منا وضع عنا ما كلفنا ان الله امرنا تخييرا، ونهانا تحذيرا، وأعطانا على قليل كثيرا، لن يطاع ربنا مكرها ولا يعصى مغلوبا".
ومما حفظ من كلامه ﵁
"لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول امل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها عمل الراغبين، ان اعطى منها لم يشبع، وإن منع لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتى ويبتغى الزيادة فيما بقى، ينهى ولا ينتهى، ويأمر بما لا يأتى، يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض الطالحين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظل نادما وإن صح أمن لاهيا، يعجب بنفسه اذا عوفى ويقنط اذا ابتلى، تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن
_________________
(١) كذا، والصواب: فانه يريد.
(٢) كذا، ولعله: عنك.
[ ١٨ ]
لا يثق من الرزق بما ضمن له ولا يعمل من العمل بما فرض عليه، إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، فهو من الذنب والنعمة والمحنة موقر يبتغى الزيادة ولا يشكره، ويتكلف من الناس ما لم يؤمر به ويضيع من نفسه ما هو أكثر، يبالغ اذا سأل، ويقصر اذا عمل، يخشى الموت، ولا يبادر الفوت،
يستكثر من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، اللغو مع الأغنياء احب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، وهو يطاع ويعصى ويستوفى ولا يوفى".
ومما حفظ من كلامه ﵁ في ذم الدنيا
اولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من صح فيها امن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر اليها أعمته، ومن نظر بها بصرته.
ومن كلامه رضوان الله عنه
"لله امرؤ عمل صالحا، وقد خالصا، واكتسب مذخورا، وبنى عرضا، واحرز عوضا، كابر هواه، وكذب مناه، وجعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته".
ومن كلامه رضوان الله عنه
"الدنيا دار ممر الى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها".
ومن كلامه ﵁
"مثل الدنيا كمثل الحية لين مسها وفي جوفها السم الناقع يهوى اليها الصبي الجاهل ويحذرها ذو اللب الحاذر".
[ ١٩ ]
اخبرنا محمد قال حدثنا محمد بن حماد (١) البغدادي المعروف بابن الخشنى (٢) قال حدثنا القاسم بن عبيد الله (٣) الهمداني قال حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال: قال على رضوان الله عليه "إنى لأستحيى من الله أن يكون ذنب اعظم من عفوى، او جهل أعظم من حلمى، او عورة لا يواريها سترى، او خلة لا يسدها جودى".
ومما حفظ من كلامه كرم الله وجهه
اذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكر المقدرة عليه.
ومن مواعظه رضوان الله عليه
"إن الله وقت لكم الآجال، وضرب لكم الأمثال، وألبسكم الرياش، وأرفغ عليكم المعاش، وآثركم بالنعم السوابغ، وتقدم اليكم بالحجج البوالغ، وأوسع لكم بالرفد الروافغ، فشمروا فقد احاط بكم الاحصاء وأرهن لكم الجزاء".
ومن كلامه ﵁ في ذم الدنيا
"الدنيا غرور حائل، وزخرف زائل، وظل آفل،، وسناد مائل، تردى مستزيدها، وتضر مستفيدها، فكم من واثق بها راكن قد أرهقته بايباقها (٤) وأعلقته بأرباقها، وأشربته خناقها، وألزمته وثاقها".
ومن كلامه رحمة الله عليه
"إنكم مخلوقون اقتدارا، مربوبون اقتسارا، ومضمنون اجداثا، وكائنون رفاتا، ومبعوثون أفرادا، ومدينون حسابا، فرحم الله عبدا اقترف فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وعمر فاعتبر، وحذر
_________________
(١) في تاريخ تاريخ بغداد ٢: ٢٥٩ ودمشق ٤٢: ٥١٧ من طريق المرزباني عن ابن دريد، به، قال: حدثنا محمد بن "أحمد". ش
(٢) في نسخة المتحف: بأبى الخشن. اهـ. وفي تاريخ بغداد ٢: ٢٥٩: "المعروف بابن الخشن"، ودمشق ٤٢: ٥١٧: "المعروف بابن الحسن". أقول: وهو خطأ والصواب ما جاء في تاريخ دمشق، قال السمعاني في الأنساب في ترجمة "الخشني" ٥: ١٤٣: "بفتح الخاء وكسر الشين المعجمتين وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى الخشن، وهو محمد بن أحمد البغدادي الخشنيّ المعروف بابن الخشن، من أهل بغداد، حدث عن القاسم بن عبيد الله الهمدانيّ، روى عنه أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي".اهـ. ش
(٣) نسخة آكسفورد: عبد الله.
(٤) نسخة آكسفورد: بايئاقها.
[ ٢٠ ]
فازدجر، وأجاب فأناب، ورجع فتاب، واقتدى فاحتذى فباحث طلبا ونجا هربا، وأفاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وتأهب للمعاد، واستظهر بالزاد ليوم رحيله، ووجه سبيله، وحال حاجته، وموطن فاقته، فقدم امامه لدار مقامه، فمهدوا لأنفسكم في سلامة الأبدان فهل ينتظر اهل غضارة الشباب لا حواني الهرم، وأهل مدة البقاء الا مفاجأة الفناء، واقتراب الفوت ودنو الموت، وازف الانتقال واشفاء الزوال، وحفز الانين، ورشح الجبين، وامتداد العرنين وعلن القلق (١) وفيظ الرمق وألم المضض وغصص الجرض (٢).
ومن كلامه رضوان الله عليه
"القلوب قاسية عن حظها، لاهية عن رشدها، غير مضمارها كأن المعنى سواها".
ومن مواعظه
اتقوا الله تقية من شمر تجريدا، وحد تشميرا، وانكمش في مهل، وأشفق في وجل، ونظر في كرة المآل وعاقبة المصير، ومغبة المرجع، كفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالجنة ثوابا ومآلا، وكفى بالنار عقابا ونكالا، وكفى بكتاب الله حجيجا وخصيما.
ومن كلامه ﵁
رحم الله امرءا استشعر الحزن وتجلبب الخوف، وأضمر اليقين، وتجلبب الخوف وعرى عن الشك، وتوهم الزوال فهو منه على بال، فزهر مصباح الهدى في قلبه وقرب به على نفسه البعيد، وهون الشديد فخرج من صفة العمى، ومشاركة الموتى، وصار في مفاتيح الهدى ومغاليق ابواب الردى،
_________________
(١) في هامش نسخة المتحف وفى نسخة: علز القلق، والذى في نسخة السماع بالنون وهو الصحيح؛ لأن العلز هو القلق فيلزم منه اضافة الشىء إلى نفسه.
(٢) راجع المقلق لابن الجوزي (ص١٠٠). ش
[ ٢١ ]
واستفتح بمفاتح العلم ابوابه وخاض بحاره وقطع غماره، ووضحت له سبله ومناره، واستمسك من العرى بأوثقها من الحبال بأمتنها، كشاف غمرات، فراج مبهمات مصباح ظلمات دافع معضلات (١) دليل مشكلات، لا يدع مطلبا للخير الا امه ولا مظنة الا قصدها.
ومن كلامه ﵁
"حق المسلم على المسلم سبع خصال: يسلم عليه اذا لقيه، ويجيبه اذا دعاه، ويشيع جنازته اذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، والمواساة في ماله - (٢) ".
اخبرنا محمد قال حدثنا العكلى عن ابن عائشة عن حماد عن حميد عن أنس بن مالك قال: اقبل يهودى بعد وفاة النبى ﵌ حتى دخل المسجد فقال: اين وصي رسول الله صلى الله عليه ووآله وسلم فأشار القوم إلى ابى بكر، فوقف عليه فقال: اريد أن اسألك عن أشياء لا يعلمها الا نبى او وصى نبى، قال ابو بكر: سل عما بدا لك؟ قال اليهودى: اخبرنى عما ليس لله وعما ليس عند الله وعما لا يعلمه الله، فقال ابو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهود، وهم ابو بكر والمسلمون ﵃ باليهودى، فقال ابن عباس ﵄: ما انصفتم الرجل، فقال ابو بكر: أما سمعت ما تكلم به، فقال ابن عباس: ان كان عندكم جوابه وإلا فاذهبوا به الى على ﵁ يجيبه، فاني سمعت رسول الله ﵌ يقول لعلى بن ابى طالب: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، قال فقام ابو بكر ومن حضره حتى اتوا على على بن ابى طالب فاستأذنوا عليه فقال ابو بكر: يا ابا الحسن إن هذا اليهودى سألنى مسائل الزنادقة فقال على: ما تقول يا يهودى؟ قال:
_________________
(١) وفى هامش نسخة آكسفورد: موضع معضلات، أما في نسخة المتحف في الموضعين: مضلات.
(٢) سقط من نسخة آكسفورد ما بين العكفين وقد سبق.
[ ٢٢ ]
اسألك عن أشياء لا يعلمها الا نبى او وصى نبى، فقال له: قل فرد اليهودى المسائل، فقال على ﵁: اما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود! ان عزير ابن الله، والله لا يعلم أن له ولدا، وأما قولك أخبرنى بما ليس عند الله فليس عنده عنده ظلم للعباد، وأما قولك اخبرنى بما ليس لله فليس له شريك، فقال اليهودى: اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وأنك وصى رسول الله ﵌، فقال ابو بكر والمسلمون لعلى ﵇: يا مفرج الكرب.