حدثنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم، عن العتبى قال: قال معاوية: يا ايها الناس! ما انا بخيركم، وإن منكم لمن هو خير منى عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر، وغيرهما من الأفاضل، ولكن عسى ان اكون أنفعكم ولاية وأنكاكم في عدوكم وأدركم حلبا.
اخبرنا محمد قال اخبرنا أبو حاتم سماعا عن العتبى قال: كتب عمرو بن
[ ٢٣ ]
العاص الى معاوية يعاتبه في التأنى فكتب اليه معاوية: أما بعد! فان التفهم في الخير زيادة ورشد، وإن المتثبت مصيب، وإن العجل مخطىء، وإن من لم ينفعه الرفق ضره الخرق، وإن من لم تعظه التجارب لم يدرك المعالى، ولن يبلغ الرجل اعلى المبالغ حتى يغلب حلمه جهله، والعاقل سليم من الزلل بالتثبت وترك العجلة، ولا يزال العجل يجتني ثمرة الندم.
اخبرنا ابو بكر قال اخبرنا ابو حاتم، عن العتبى قال: وفد زيد على معاوية فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملوء جواهرا لم ير مثله فسر معاوية بذلك سرورا شديدا، فلما رأى زياد ذلك صعد المنبر فقال: انا والله يا امير المؤمنين! أقمت لك صعر العراق وجبيت لك مالها، والفطت اليك بحرها، فقام يزيد بن معاوية فقال: إن تفعل ذلك يا زياد! فنحن نقلناك من ولاء ثقيف الى قريش ومن القلم إلى المنابر ومن زياد بن عبيد الى حرب بن امية، فقال معاوية: اجلس فداك أبى وأمى.
اخبرنا ابو بكر قال اخبرنا ابو حاتم، عن العتبى قال: رأى معاوية يزيد يضرب غلاما له فقال له: سوءة لك أتضرب من لا يستطيع ان يمتنع عليك، والله! لقد منعتنى القدرة من ذوى الاحن وإن احق من عفا لمن قدر.
اخبرنا محمد قال حدثنا العكلى عمن حدثه عن ابى الحسن بن عبد الرحمن الأنصارى قال: قدم على معاوية وفد من قريش فيهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن امية وابن الزبير فوصلهم وفضل عبد الله بن جعفر، فقال عبد الله بن صفوان: يا امير المؤمنين! انما صغرت امورنا عندك، وخفت حقوقنا عليك، اذ لم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، ولو كنا فعلنا ذلك كنا كابن جعفر، فقال معاوية: إنى اعطيكم فتكونون بين رجلين، اما معدم فأعطيه لخزن او مضمر لها مع بخل به وان عبد الله بن جعفر اريحى يعطى اكثر مما يأخذ ثم لا يأتينى حتى يدان بأكثر مما أخذ فخرج ابن صفوان وهو يقول: إن معاوية ليحرمنا حتى نيأس ويعطينا حتى نطمع.
[ ٢٤ ]
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم عن العتبى قال: دخل عمرو بن العاص على معاوية وورد عليه كتاب بعض ولاته فيه نعى رجل من السلف فاسترجع معاوية فقال له عمرو:
يموت الصالحون وأنت حى * تخطأك المنايا لا تموت
فقال له معاوية:
أترجو أن أموت وأنت حى * ولست بميت حتى تموت
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو معاذ عن دماذ عن ابى عبيدة: هجا عقيبة بن هبيرة الأسدي عمرو بن قيس الأسدي فقال:
لعمرك إن اللؤم خدن وصاحب * لعمرو بن قيس ما دعا الله راغب
تراه عظيما ذا رواء ومنظر * واجبن مل منزوف حين يحارب
شجاع على جيرانه وصديقه * واجرأ منه في اللقاء الثعالب
فشكا عمرو بن قيس ذلك إلى معاوية فقال له معاوية: قد هجانى بأشد مما هجاك، قال: وما قال؟ قال قال:
أرى ابن أبي سفيان يزجى جياده * ليغزوا عليا ضلة وتحامقا
وبئس الفتى فى الحرب يوما اذا بدت * برازق خيل يتبعن برازقا (١)
فهلم تدعو عليه واؤمن او ادعو عليه وتؤمن، فقال: اما غير هذا؟ قال: لا، وإن شئت فاهجه كما هجاك، فخرج من عنده (٢) وهو يقول: قاتلك الله ما اعلمك بالدنيا.
اخبرنى العتبى قال: يا امير المؤمنين! انت رأس عيوننا فإن صفوت لم يضرنا كدر العيون، وإن كدرت لم ينفعنا صفوها، واعلم انه لا يقوم فسطاط الا بعمد.
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو معاذ عن دماذ عن ابى عبيدة قال: كتب
_________________
(١) حاشية في نسخة المتحف البريطانى البرازق: واحدها برزق، وهو القطعة من الخيل؛ ويقال ايضا للفارس.
(٢) عند ابن عساكر في تاريخه ٤٠: ٥٤٠ من طريق ابن دريد: فخرج من عند معاوية. ش
[ ٢٥ ]
معاوية الى على بن ابى طالب: يا ابا الحسن! ان لى فضائل كثيرة: كان ابى سيدا في الجاهلية وصرت ملكا في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﵌ وخال المؤمنين، وكاتب الوحى، فقال على كرم الله وجهه: أبالفضائل تفخر على ابن آكلة الأكباد! ثم قال: اكتب يا غلام:
محمد النبى اخى وصهرى * وحمزة سيد الشهداء عمى
وجعفر الذى يمسى ويضحى * يطير مع الملائكة ابن امى
وبنت محمد سكنى وعرسى * مسوط لحمها بدمى ولحمى
وسبطا احمد ولداى منها * فأيكم له سهم كسهمى
سبقتكم إلى الإسلام طرا * صغيرا ما بلغت اوان حلمى
فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب، لا يقرأه اهل الشام فيميلون إلى ابن أبى طالب.
اخبرنا محمد قال اخبرنا أبو حاتم عن العتبى قال: اُغمى على معاوية في مرضه الذي مات فيه فقالت ابنته رملة او امرأة من اهله متمثلة:
اذا متّ مات الجود وانقطع الندى * من الناس إلا من قليل مصرد
وردّت اكف السائلين وأمسكوا * عن الدين والدنيا بخلف مجدد
قال: فأفاق معاوية فقال:
لو فات شئ اذًا لفات ابو * حسان لا عاجز ولا وكل
الحوّل القلّب الأريب ولا * يدفع زور (١) المنية الحيل
اخبرنا ابو بكر عن العتبى (٢) قال قال معاوية: لا اضع لسانى حيث يكفينى مالى، ولا اضع سوطى حيث يكفينى لسانى، ولا اضع سيفى حيث يكفينى سوطى، فاذا لم اجد من السيف بدا ركبته.
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم عن العتبى قال قال معاوية: افضل ما اُعطى الرجل العقل والحلم، اذا ذكر ذكر، واذا اعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر،
_________________
(١) يعني: وأخبرني أبو حاتم عن العتبي. انظر: تاريخ دمشق ٥٩: ١٧٢ - ١٧٣. ش
(٢) في تاريخ دمشق ٦٩: ١٥٦ - ١٥٧ من طريق ابن دريد: "دون". ش
[ ٢٦ ]
وإذا وعد أنجز.
وعن العتبى قال: أغلظ رجل لمعاوية فحلم عنه، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إنى لا احول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وملكنا.
وعنه قال: مر معاوية بن ابى سفيان بدير هند بنت النعمان فوقف فأرسل اليها انزلى حتى نسألك عن اشياء فأرسلت اليه إن كانت الحاجة لك فأنت اولى بالنزول، قال: صدقت، فنزل اليها فقال: أخبرينى عن حالك، فقالت: أختصر فأقصر، قال: أجل، قالت: أصبحنا صباح يوم وما لنا تابع ولا جار إلا وهو يرجونا، وأمسينا وما لنا عدو إلا وهو يرثى لنا، قال: حسبك قد أوجزت هل لك أن أتزوج بك؟ قالت: لا، فلما نزل قال لها المغيرة بن شعبة: هل لك أن أتزوج بك؟ قالت: أما كان في امير المؤمنين رغبة لو أردت ذاك يا أعور.
قال وقال العتبى: انحدر عبد الله وعمرو ابنا عتبة الى البصرة فلقيا معاوية بالكوفة قالا فقال لنا: يا ابنى اخى اتقيا الله فانه يكفى عن غيره، واشتريا بالمعروف عرضكما من الأذى، وذللا ألسنتكما بالوعد، وصدقاها منكما بالفعل، واعلما أن أغنى الناس من كثرت حسناته وأفقرهم من كثرت سيئاته، وأنه لا وجع اشد من الذنوب وأن الدهر ليس بغافل عما (١) غفل.
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم عن ابى عبيدة قال قال معاوية: لقد وضعت رجلى في الركاب وهممت يوم صفين بالهزيمة فما منعنى عن ذلك إلا قول ابن الاطنابة حيث يقول:
أبت لى عفتى وأبى بلائى * وأخذى الحمد بالثمن الربيح
وإكراهى علي المكروه نفسى * وضربى هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدى او تستريحى
اخبرنا محمد قال اخبرنا [ابو] (٢) معاذ عن دماذ قال اخبرنى ابو عبيدة قال:
_________________
(١) في تاريخ دمشق ٥٩: ٢٠٠: " عن من". ش
(٢) ما بين معكوفين من تاريخ دمشق ٥٩: ١٨٤. ش
[ ٢٧ ]
إن كان الرجل ليقول لمعاوية: والله! لتستقيمن يا معاوية او لنقومنك، فيقول: بماذا؟ فيقول: بالخشب، فيقول إذا نستقيم.
اخبرنا محمد قال حدثنى الحسن بن الخضر عن السديرى قال قال عتبة بن ابى سفيان: العجب من على بن ابى طالب ومن طلبه الخلافة، وما هو وهى، فقال له معاوية: اسكت يا وزرة (١) فوالله لهو منها كخاطب الحرة حيث يقول:
لئن كان ادلى خاطب فتعذرت * عليه وكانت رائدا فتخطت
فما تركته رغبة عن حباله * ولكنه كانت لآخر خطت
وعنه قال قال معاوية لبنيه: يا بنى! انكم تجارة قوم لا تجارة لهم غيركم، فلا يكون تجار اربح من تجاركم، فان ادنى ما يرجع به الخائب عنكم تخطئة ظنه بكم.
اخبرنا محمد قال قال اخبرنا عبد الأول بن مزيد (٢) قال اخبرنى عبد الله بن المبارك قال: تكلمت الخطباء يوما عند معاوية في بيعة ابنه يزيد، فلما تفرق الناس قال يزيد لأبيه: يا ابت! أيخدعنا الناس أم نخدعهم، فقال معاوية: ان من تخادع لك ليخدعك فقد خدعته فاقبلها ما كانت لك، فلعمرى لتفسدن عليك يوما ما.
وعنه قال قال مروان بن الحكم لحبيش (٣) بن دلجة القينى: اني لأظنك احمق، قال أظنا أم يقينا، قال: بل ظنا، قال حبيش: إن احمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنه.
_________________
(١) بهامش نسخة المتحف: هكذا في الأصل وقد اصلحه شيخنا ابو اليمن: يا وزغة والصواب: يا اوره، والأوره: الأحمق، يقال: رجل اوره وامرأة ورهاء - قال الفند الزمانى (كجيب الدفنس الورها * ريعت وهى تستفلى) وعن الأصمعى: الأوره الذى لا يتماسك، ومنه قيل: كثيب اوره، والوزغة: دويبة مستقذرة؛ وقد جاء في نسخة آكسفورد: يا وزغة. اهـ. في تاريخ دمشق ٣٨: ٢٦٦: "وره". قال ابن دريد في الجمهرة جمهرته ٢: ٨٠٨: "الوره: ضعف العقل". ش
(٢) تقدّم أنه (مُرَيْد). ش
(٣) (حبيش) بضم الحاء المهملة، وفتح الباء المعجمة بواحدة، وسكون الياء المعجمة باثنتين، وآخره شين. تاريخ دمشق ١٢: ٨٧. ش
[ ٢٨ ]
حدثنا محمد قال اخبرنا الحسن (١) عن احمد بن الحارث الخزاز (٢) عن ابى الحسن المدائنى قال: دخل عبد الملك بن مروان على معاوية وعنده عمرو بن العاص فسلم وجلس فلم يلبث ان نهض فقال معاوية: ما اكمل مروءة هذا الفتى، فقال عمرو: انه أخذ بأخلاق اربعة وترك أخلاقا ثلاثة أخذ بأحسن البشر إذا لقى، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المؤونة إذا خولف، وترك مزاح من لا يثق بعقله، وترك الكلام (٣) وترك مخالفة لئام الناس.
اخبرنا محمد قال حدثنا الحسن عن احمد بن الحارث الخزاز عن ابى الحسن المدائنى عن محمد بن صالح عن موسى بن عقبة قال: حج عبد الملك بن مروان فلقيه رجل من ولد عمر بن الخطاب وقد نالته ولادة [من] (٤) ابى بكر فسأله فحرمه، وقال متمثلا - والبيت لزهير بن ابى سلمى:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه * يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
فقال له الرجل: اذا ذدت ابن الصديق وابن الفاروق فمن يرده؟ قال: يرده عبد مناف.
اخبرنا محمد قال اخبرنا الحسن قال اخبرنا ابن عائشة قال: اتى الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج فقال له: ما تقول في ابى بكر؟ قال: خيرا، قال: فعمر؟ قال: خيرا، قال: فعثمان؟ قال: خيرا، قال: فما تقول فى امير المؤمنين عبد الملك؟ قال: الآن جاءت المسألة ما اقول في رجل الحجاج خطيئة من خطاياه.
اخبرنا محمد قال حدثنا الحسن قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهرى قال حدثنى ابو عبد الرحمن المذحجى قال حدثنى معاوية الصدفى (٥) قال قلت لسعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: ان ابن شهاب الزهرى حدث
_________________
(١) يعني: ابن الخضر. تاريخ دمشق ٣٧: ١٢٢. ش
(٢) في تاريخ دمشق ٣٧/ ١٢٢: " الخراز". وفي الأنساب للسمعاني ٥: ٦٧ في ترجمة "الخَرّاز": "بفتح الخاء المنقوطة والراء المهملة المشددة وفي آخرها زاي معجمة" ذكر أحمد بن الحارث الخرّاز، وقال: "يروي عن أبي الحسن المدائني تصانيف". ش
(٣) فيما يعتذر منه. تاريخ دمشق ٣٧: ١٢٣. ش
(٤) ما بين معكوفين من أنساب الأشراف ٧: ٢٤٦، التذكرة الحمدونية ٧: ١٧٣. ش
(٥) هو معاوية بن يحيى الصدفي له ترجمة في التهذيب (١/ ٢١٩) قال فيه ابن معين: "هالك ليس بشيء" وفي السند إليه من لا يعرف - ح.
[ ٢٩ ]
الوليد بن عبد الملك عن قبيصة بن ذؤيب عن المغيرة بن شعبة أن النبى ﵌ قال: لا ينبغى للخليفة ان يناشد، فذكرت ذلك لسعد فقال: على ابن شهاب لعنة الله، وعلى قبيصة لعنة الله، وعلى الوليد لعنة الله، اما سمع قول الخزاعى:
يا رب انى ناشد محمدا
أفيناشد رسول الله ولا يناشد الوليد؟
اخبرنا محمد قال اخبرنا ابو حاتم عن العتبى قال عزى عبد الرحمن بن ابى بكر سليمان بن عبد الملك فقال: انه من طال عمره فقد الأحبة، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه.
باب