قال سليمان بن أبي سهل [٥] بن نوبخت: سألت أبا نواس أن يشرب عندي يوما ففعل، فلما أخذ في الشرب، جعل يشكو وجده بجارية قد قتله حبّها، فقلت: سمّها لي، وعرّفني من هي لأعاونك عليها، وأعمل لك في أمرها، فاستحيا مني، وجعل يقول: لست تعرفها، ولا أعرف أيضا اسمها، فقلت له: صف لي خلقها، فلعلّي أقع عليها، فقال: [٦] [السريع]
أكثر ما أبلغ من وصفها تحدّثي عن قلبها القاسي [٧]
أغار أن أنعت منها الذي يذكره الناس من الناس
_________________
(١) القروم: جمع قرم، السيد المعظم، وأصله من الفحول الذي يترك من الركوب والعمل، ويودع للضراب. (اللسان: قرم) . القشاعمة: جمع القشعم، الضخم المسن، ويقال للمنية والداهية (أم قشمعم) . (اللسان: قشعم) .
(٢) قماقمة: جمع قمقم، السيد الجامع للسيادة، الواسع الخير. (اللسان (قمقم) .
(٣) الوبر: يراد به البادية، وأهل الوبر: البدو. المدر: سكان البيوت المبنية، خلاف البدو سكان الخيام، وأصل المدر الطين اللزج المتماسك، القطعة منه مدرة.
(٤) المشعر: موضع مناسك الحج، والمشعر الحرام: المزدلفة.
(٥) في الأصل: (سليمان بن أبي سهل)، وفي الأغاني: سهل بن أبي سهل، وهو صديق أبي نواس، وأحد المتعاطين يعلم الكلام، وأخذ عنه الناشى الأصغر، والرواية التالية عن سهل بن أبي سهل في الأغاني ٢٥/٨٠- ٨٢، ط دار الكتب العلمية بيروت ١٩٩٢.
(٦) الأبيات غير الثالث في ديوان أبي نواس ص ٢٨٤.
(٧) الديوان: (أكثر ما أبلغ من نعته تحدثي عن قلبه القاسي)
(٨) الديوان: (ينعته الناس من الناس) .
[ ٦٢ ]
ولم أر العشّاق قبلي رأوا بوصف من يهوون من باس
كلّ أحاديثي سوى حبّها منكشف منّي لجلّاسي [١]
لا حبّذا الشركة في حبّها وحبّذا الشّركة في الكاسي
فلما رأيته لا يحبّ أن يعلمني من هي، أمسكت، فلما كان في الليل سكرنا، ونام من كان معي، وأغفيت إغفاءة، وانتبهت فإذا هو قاعد وحده، فقلت: أبا علي [١٦ و] ما لي أراك ساهرا؟ لعلّه فكرة في ذلك الرجل؟ قال:
إي والله، ثم أنشدني: [٢] [الكامل]
رسم الكرى بين الجفون محيل عفّى عليه بكا عليه طويل [٣]
يا ناظرا ما أقلعت لحظاته حتى تشحّط بينهنّ قتيل [٤]
فوق القصيرة والطويلة فوقها دون السمين ودونها المهزول
فقلت: قد ذكرت قدّها، وأحسبني قد عرفتها، فقال: هيهات، يوئسني من أن أعرفها، وقد كنت أراه يحدّ النظر إلى جارية لبعض أهلنا يقال لها نرجس، تجيئنا بالطّرفة بعد الطّرفة من عند مولاتها، فقلت في نفسي: أراد غيرها، ثم أمسكت عنه، فلما كان من الغد، قعدنا على شرابنا، فقلت للساقي: مل على أبي نواس بالنبيذ، ففعل، فسكر سكرا عظيما، ثم أنشأ يقول: [٥] [الخفيف]
أحرف أربع سبين فؤادي لم أذق بعدهنّ طعم الرّقاد
خفت إظهارهنّ خشية واش واتّقاء العداة والحسّاد
غير أنّي أحتال فيهنّ معنى وأحاجي به جميع العباد [٦]
اشتهي النون من نوار وأهوى من سواها باقي حروف مراد
_________________
(١) الديوان: (كل أحاديثي سوى ذكرها)، وفي الأغاني ٢٥/٨٠: (سوى نعتها) .
(٢) الأبيات في ديوان أبي نواس ص ٢٥٥، والأغاني ٢٥/٨١.
(٣) الديوان: (بكا عليك طويل) .
(٤) تشحط: تضرج بالدم، واضطراب فيه.
(٥) ليست الأبيات في ديوان أبي نواس، والبيتان الأول والثالث في الأغاني ٢٥/٨١.
(٦) في الأغاني: (وأعادي به جميع العباد) .
[ ٦٣ ]
وجنان قد شفّني مبتداها وسعاد فديت مبدى سعاد [١٦ ظ]
لا تراني أحبّ خلقا سواها أبدا ما حييت حتى التنادي
قال: فتيقنت عند ذلك أنّ نرجسا صاحبته، فوجهت إلى مولاتها فاشتريتها منها بمئتي دينار، فلما أفاق أبو نواس، وأصبحنا، قلت له بعد أن شرب أرطالا: أتحبّ اليوم أن تشرب مع حبيبتك؟ فقال: خذ فيما يكون، فقلت: يا غلام، أحضر ذلك الغلام، فدخلت نرجس، فلما رآها بهت، فقلت له: لا تطوّل، هي لك، فضحك ثم قال: تملكها حتى تهبها؟ قلت: نعم اعلم أنّك قلت البارحة وأنت سكران: كذا وكذا، فتيقنت أنك إيّاها أردت، فاشتريتها من مولاتها وجعلتها خلعتي عليك في صبوحنا، فتلألأ وجهه سرورا، ووثب إليّ فقبّل رأسي، ثم أقعدها إلى جانبه، وجعل كلما شرب قبّلها، ثم قال: [١] [السريع]
ما لي في الناس كلّهم مثل مائي خمر ونقلي القبل [٢]
يومي حتى إذا العيون هدت وحان نومي فمفرشي كفل [٣]
يا أيها الناس اسمعوا عظتي فكلّ نفس وراءها أجل [٤]
فليحمد الله منكم رجل ساعده في حبيبه الأمل
فلما أمسى قال: قد جدت بالظبي [٥]، فالتمام الآن في الانصراف، قلت: في حفظ الله.
_________________
(١) الأبيات لأبي نواس في ديوانه ص ٣٧١، مع خلاف في الرواية، والأبيات في الأغاني ٢٥/٨٢.
(٢) الديوان: (مائي عقار) . النّقل: ما يتنقل به على الشراب من فواكه وجوز ولوز وبندق وغيره.
(٣) الديوان: (كذلك حتى إذا العيون غفت)، الأغاني: (فعرسي ثعل) .
(٤) الديوان: (يا أيها الناس بادروا أجلا) .
(٥) في الأغاني: (قد جدت بالمنى، والتمام الأذن في الانصراف) .
[ ٦٤ ]