الكتاب من اسمه (المجموع اللفيف) أي أنه جمع من علوم وفنون شتى على غير منهج أو تبويب، اختار مؤلفه من كتب كثيرة علوما وأخبارا، وأحاديث ومواعظ، وقصصا وخطبا، ورسائل وأشعارا، ولغة وطرائف ونوادر وفوائد، وما إلى ذلك، تنتظم أحيانا، وليس لها نظام في أحايين أخر، قد تطول هذه الأفكار فتبلغ صفحات، وقد تكتفي بسطر أو سطور.
_________________
(١) تاريخ دمشق ٥٨/١٥٨.
(٢) جاء عجز البيت ناقصا، وبإضافة ما بين المعقوفتين يستقيم الوزن.
[ ٩ ]
والكتاب في كل أحواله بستان فيه ما راق وشاق وعلّم وهذّب، فهو بحق بستان فيه ألوان الورود، والشجر والثمر والنبات، وأسباب الحياة، فقد حوى كل شئ من الثقافة الإسلامية والعربية في التفسير والحديث والأحكام الشرعية، واللغة والنحو والبلاغة والخطب والأخبار والرسائل، وأحوال الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وأخبارهم ومجالسهم وحروبهم، وهناك نقول من التوراة والإنجيل وأخبار الأمم الشعوب الأخرى، فيه الثقافة العامة المتعلقة بالإنسان والحيوان والسماء، والبروج والنجوم، والأنساب والقبائل، وأخبار الخطباء والوعاظ والقصاص، والقصص والنوادر والرسائل والرحلات، وأهل الفرق والشعوب وأصولها، وأخبار الأمم البائدة من الفراعنة والنماردة، وأصول الأقوام مثل الديلم والكرد وتحقيق ذلك، وأخبار الزهاد ومواعظهم، وأخبار النساء والحب والعشق، وكما عنى بشعر الرجال في شتى الموضوعات، فقد عنى بشعر النساء وأخبار الشاعرات فتمثل بمجموعة من أشعارهن، وكان للأعراب وشعرهم، وأقوالهم ونوادرهم، مكانا بارزا وعناية واضحة، والمروءة وما يستحسن من الأفعال، بالإضافة إلى أخبار العور والعميان ومن قتل وصلب، والأشراف والمنجبات وغيرهم. مع عناية بالمسائل اللغوية فدقق في أسماء النجوم والسماء والأشهر، ووقف عند طبيعة الأرض فذكر حرار العرب المشهورة وجبالها وتحديد مواضعها ونسبتها إلى قبائلها، والتفت إلى الجواهر والأحجار الكريمة وصيد اللؤلؤ، والعلاج والأدوية، وكذلك الخرافات والطيرة والمتطيرين وما إلى ذلك.
ومن مزايا هذا المجموع أنه نقل معلومات وفوائد من كتب فقدت ولم تصل، وحوى أشعارا مختارة في شتى الفنون لشعراء قدامى ومحدثين، فقدت دواوينهم، ولم تذكر في كتب الأدب والمختارات الشعرية، وقد جمع بين دفتيه من الشعر ما يكون ديوانا ضخما تبلغ أبياته آلاف الأبيات.
ولعل المؤلف أراد بهذا المجموع، وما فيه من مختارات ومنوعات ثقافية، أو ينشط القارئ والسامع ويدفع عنه الملل والسأم حين يقرأ في الموضوعات الطويلة والرتيبة، فجعل كتابه منوعات ثقافية فيها الفوائد
[ ١٠ ]
والنوادر، ومختلف الأفكار والأسمار والأشعار، دون تنسيق أو تبويب.
وإذا حاولنا التعرف على مواد الكتاب بنظرة سريعة كاشفة نجد: القضايا الإسلامية مما يتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وقراءته، وأحكامه وتفسير آياته، والرسول الكريم ﷺ وهجرته إلى المدينة، وبناء المسجد النبوي، ومنبر الرسول ومن جلس مجلسه، والأماكن التي مر بها، وآداب المسجد والبخور والإنارة فيه، وإنشاد الشعراء فيه، وتوسعة المسجد في عهود الخلفاء وفضائل المدينة وفضائل مكة والبيت الحرام، وأطم المدينة ودور الأنصار.
أما اللغة فقد ذكر كثيرا من دقائقها، ومعاني الكلمات، وتفسير الغامض منها، ودلالات الألفاظ والجمل، وجعل للرسائل والخطب والرحلات والمواعظ حيزا كبيرا، وقد أعجب المؤلف بكتاب البيان والتبيين فنقل منه نصوصا مطولة، واتبع طريقته في اختيار الموضوعات وانتقاء الفوائد والطرائف، وكذلك فعل حين أختار وأقتبس ولخص من كتاب المحبر لابن حبيب، ونقل من كتب ضاعت أو وصل قسم منها مثل أمالي ابن دريد الذي لم يصل منه غير الجزء السابع [١] .
وفي الكتاب اهتمام متميز بالوصايا وخاصة وصايا الآباء لأبنائهم، ووصايا العلماء والفقهاء، والحكمة والمواعظ، وآداب المجالس، مجالس الملوك والخلفاء والعلماء، وصون اللسان، والكرامة وعزة النفس وحسن الجواب، وآداب الزيارة وعيادة المرضى، وكذلك آداب السفر، وما إلى ذلك.
والاختيارات كثيرة من بديع الكلام وجوامع الحكم، والأجوية المسكتة وبراعة الجواب، ويقابل ذلك عيوب الكلام من العي والتقصير في الكلام وسوء النطق، ولا يخلو الكتاب من أخبار النوكى والحمقى والموسوسين.
_________________
(١) وصل من أمالي ابن دريد الجزء السابع فقط، وهو مخطوط صغير في خزانة الرباط كتب في دمشق سنة ٦٤١ هـ. الأعلام ٦/٨٠ في ترجمة ابن دريد.
[ ١١ ]
وفي الكتاب عناية واهتمام بالفروسية والقتال، وركوب الخيل والوثب على الفرس، وأصول القتال والطعن والضرب، ووصل الخطى بالسيف، والرماح والقتال في الليل. ووقف عند بعض الأمثال فذكر معناها وقصتها وفيمن قيلت.
ووقف عند الأشراف والنجباء والمنجبات وأسمائهن وأخبارهن وأولادهن، وكذلك عنى بالأشراف من العميان والعور، والبرص، والحولان، والفقم والثّطّ والكواسجة، والعرجان وغيرهم، وذكر أبناء النصرانيات وأبناء الحبشيات، ولم ينس المعلمين ومن صلب من الأشراف ومن نصب رأسه وطيف به.
أما أرض العرب فقد ذكر حرارها وجبالها ومسالكها، والمواضع التي يمر بها الحاج من أقصى المشرق حتى مكة المكرمة، وفي ذلك تفصيل في الرحلة ومشاقها إلى البيت الحرام.
وكان آخر الموضوعات مقتبسات من كتاب يعقوب بن إسحاق الكندي في معرفة الجواهر، ومواضع صيدها، والغوص عليها، والبحار والغواصين، وأشكال اللآلي وصفاتها وما يتعلق بها.