روى أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الرفاعي، عن أبي الطيّب [٢٢ ظ]،
_________________
(١) الأبيات لجرير في ديوانه ص ١٥٠- ١٥١ ط دار الكتاب العربي، بيروت ١٩٩٤ م.
(٢) في الديوان: (أبو بالفراق) .
(٣) العباس بن الفرج بن علي بن عبد الله الرياشي البصري: لغوي راوية عارف بأيام العرب، من أهل البصرة، له كتاب (الخيل)، وكتاب (الإبل)، و(ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب)، وغير ذلك، قتل أيام فتنة صاحب الزنج سنة ٢٥٧ هـ-. (بغية الوعاة ص ٢٧٥، تاريخ بغداد ١٢/١٣٨، و؟؟ فيات الأعيان ١/٢٤٦) .
(٤) شمط وجهها: اختلف سواد وجهها وبياضه من الهرم.
(٥) الناخرة: الدابة من الخيل والحمير.
(٦) قوله: (ﷺ) من كلام المؤلف وليس من كلام عمرو بن العاص.
[ ٧٧ ]
عن العفّار بن عبد الله السري الحصيني، عن أبي بكر محمد بن الحسن ابن زيد الأزدي، قال: أخبرني عمّي الحسين بن دريد قال: أخبرنا رجل من رحبة [١] وهم بطن من حمير، قال: بينا أنا أسير في بعض مفاوز اليمن، وقد سرت ثلاثا، وقد ظمئت وأكللت، إذ هبطت إلى واد ذي شجر، وظلّ وماء معين، وإذا أنا بشيخ يصلي بقراب ما يتغلغل بين شجرات عمّ، وعليه حلّة كأنّها فارقت في يومها الصّيان [٢]، وبين يديه نعلان حضر؟؟ ميان، كأن لم ينالا بوطء، فدنوت منه فسلمت عليه، وجلست، فلما أحسّ بجلوسي، ركع وسجد وسلّم، والتفت إليّ، وأقبل عليّ وقال: من أي أوضح الراكب؟ فقلت: من رمع [٣]، فقال: ما بالك على غير سمت؟ قلت: ما زلت على لقم لهجم [٤]، أأمّ قوادم الفجر الأشمل، ومنكب الأريب الأيمن، حتى هبطت بالأمس غوطا ملطاطا [٥]، حين طفل الأصيل [٦]، فبتّ حين طخطخ الليل [٧] بصري، فلما تهوّر الليل [٨]
_________________
(١) رحبة: بطن من حمير، وهم بنور رحبة بن زرعة بن الأصغر بن سبأ، وفي جمهرة الأنساب: ظالم ونباتة من ولد قحطان، دخل بنوه أي نباتة في الرحبة من حمير (جمهرة أنساب العرب ص ٣٢٩، اللسان ١/٤٠٠، تاج العروس ١/٢٦٨، معجم قبائل العرب ٢/٢٤٩) .
(٢) فارقت في يومها الصيان: أي لبسها لأول مرة، وكانت مصونة في الحفظ لم تستهمل.
(٣) رمع: موضع، وأصله الحصى البيض التي تتلألأ في الشمس، الواحدة رمعة. (ياقوت: رماع) .
(٤) لقم لهجم: طريق واسع مذلل، اللقم: معظم الطريق أو وسطه. اللهجم: الطريق الواسع المذلل. (القاموس المحيط: لقم، لهجم) .
(٥) الغوط: الواسع المطمئن من الأرض. الملطاط: حرف من أعلى الجبل وجانبه. (القاموس: لطط) .
(٦) طفل الأصيل: مال إلى الغروب.
(٧) طخطخ الليل: أظلم واشتد ظلامه.
(٨) تهور الليل: بلغ أقل من نصفه.
[ ٧٨ ]
شبّه لي تائية رعاء [١]، واختلاط رغاء [٢]، ففثأ [٣] ذلك بعض ما كان يشئزني [٤]، فقمت فغيّرت على بعيري، وتنكّبت الطريق فركبته أأمّ الأصوات، وكأنّني في أكساء أهلها، وما تزداد مني إلا بعدا، بين بعاف متواصية [٥]، وغيطان متواصلة، فما زلت أجزعها [٦] سواد ليلي، وسحابة يومي متوسما [٧] تارة، ومتعسّفا أخرى [٨]، حتى تجهت إليك من نقب ذلك القفّ [٩] [٢٣ و]، فأضافني إليك هذا الضوج [١٠]، فقال: حسبك بواقية الموقى جنّة، ولو كنت ذا معرفة بكنه خطر ما هجمت عليه، ما بتّ للنوم سميرا، فقابل النعمة في السلامة بشكرها، فقلت: إني أراك في هذه إليهماء [١١] المتقاذفة الأرجاء، كأنك برزت من سجوف خدر [١٢]، أو قرام ستر [١٣] . فقال: يا ابن أخي، السماء غطاء، والأرض و؟؟ طاء، وأنا موطن وراء هذا الضراء [١٤]، فتداخلني منه و؟؟ حشة، فقلت: يا عمّ، هل أنت مخبري بما رأيته في مدّة أيامك، وسالف
_________________
(١) تائبة: سابقة، ولعلها (ثاغية) أي أصوات الغنم.
(٢) الرغاء: صوت الإبل.
(٣) فثأ: فتر وسكن.
(٤) يشئزني: يقلقني ويرعبني (القاموس: شئز) .
(٥) في الأصل: (نغاف) بالغين المعجمة، وصوابها: نعاف، جمع النعف، وهو ما انحدر من حزونة الجبل، وارتفع من منحدر الوادي. متواصية: متصلة نباتاتها.
(٦) أجزعها: أقطعها.
(٧) متوسما: متفرسا ومتخيلا.
(٨) متعسفا: متكلفا يسير على غير هدى.
(٩) القفّ: ما ارتفع من الأرض وصلبت حجارته.
(١٠) الضوج: منعطف الوادي ومنحاه، جمعه: أضواج.
(١١) اليهماء: الفلاة لا يهتدى فيها.
(١٢) سجوف خدر: ستائر البيت، والخدر: ستر يمد للمرأة في ناحية البيت.
(١٣) القرام: ستر فيه رقم ونقوش، وثوب غليظ من صوف ذي ألوان يتخذ سترا ويتخذ فراشا في الهودج، جمعه: قرم.
(١٤) الضراء: الفضاء، والأرض المستوية فيها شجر تأويه السباع، وما وارى وستر من شجر وغيره.
[ ٧٩ ]
أعوامك، وما مضى من عصرك، وما انقرض من دهرك؟ فقال: نعم، يا ابن أخي، أرأيت البيضة الفيحاء [١] التي جزعتها [٢] سائر يومك؟ فقلت: نعم، فقال: عهدي بها مجادل [٣] كالشناخيب [٤]، مشرفات المحاريب، يرى الراكب شعافها من مسيرة ثلاثة أيام، محفوفة بالجحافل الململمة، والكتائب المسومة، على أبوابها الأحبوش، تهزّ الإلال [٥]، تخوض إليها الآمال للأموال، بقناء ذي وثاب [٦]، وما ذو وثاب، الأسد الضرغام الأبلج القمقام [٧]، تخضع لهيبته الأذقان، وتذعر لصولته الجنّان [٨]، عطاؤه إنعام، وأخذه اصطلام [٩]، فعبر بذلك سبعين خريفا وأربعا، ثم شصا [١٠] له يوم من الدهر فبدّد شمل الرياش، وكدّر صفو المعاش، ثم اقتعد مطية تلك النعمة ذو هلاهلة [١١]، فقمع الأضداد، وغمز الأنداد، وأنشأ المصانع [١٢]، وبثّ الصنائع، عطاؤه غمر، وأخذه قهر، فعمّر بذلك أربعين عاما وأربعة من [٢٣ ظ] العدد، لا تروعه حادثة، ولا تعارضه هايثة [١٣]، ولا تعيّن له عايثة [١٤]، ثم كشّرت له عن أنيابها
_________________
(١) البيضة الفيحاء: الأرض المخصبة الواسعة.
(٢) جزعتها: قطعتها.
(٣) مجادل: قصور عالية، جمع مجدل.
(٤) الشناخيب: رؤوس الجبال، جمع الشّنخوب والشنخوبة. (القاموس: شخب) .
(٥) الإلال: الحراب العريضة النصل، أو اللامعة، واحدتها: ألّة.
(٦) ذو وثاب: أحد حكام العرب في الجاهلية.
(٧) القمقام: السيد الجامع للسيادة، الواسع الخير.
(٨) الجنّان: ضرب من الحيات أكحل العينين، يضرب إلى الصفرة لا يؤذي، واحدها: جان، وفي التنزيل: (فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ، وَلَّى مُدْبِرًا) * (النمل ١٠)، وفي الحديث: (إنّ فيها جنّانا كثيرا) . (المعجم الوسيط: جنن) .
(٩) اصطلام: قطع واستئصال.
(١٠) شصا: ارتفع وشخص.
(١١) ذو هلاهلة: أحد حكام اليمن في الجاهلية.
(١٢) المصانع: المباني من القصور والحصون والقرى والآبار وغيرها من الأمكنة العظيمة، وفي التنزيل: (وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشعراء ١٢٩) .
(١٣) الهايثة: الجلبة عند الخصومة.
(١٤) العايثة: الأمر المفسد.
[ ٨٠ ]
أم اللهيم [١]، فرمته بأقصد سهامها [٢]، ورهقته [٣] بأقطع أيامها، وغافصت [٤] غرّته فحطته عن وثابه [٥] دون حجّابه، لم يمنعه العزّ الصّتم [٦]، ولا العديد الدّهم [٧]، ثم سحب والله الزمان على آثارهم ذيول البلاء، و؟؟ طخهم بكلاكل الفناء، فأصبحت الآثار هامدة، والعزّة بائدة، وفي ذلك يقول شاعر من غابرهم، شعر: [الخفيف]
اسأل الريح إن أحارت جوابا واسألن إن أجاب عنا السحابا
هل جرى ذيل تلك أو جاد هذا لأناس أعزّ منّا جنابا
خلق الناس سوقة وعبيدا وخلقنا الملوك والأربابا
كان ذو ثاب الهمام ربيعا يحسب الناس سيبه إحسابا [٨]
يمطر البؤس والنعيم وتندى راحتاه مثوية وعقابا
وطئ الأرض بالجنود اقتدارا واقتسارا حتى أذلّ الصّعابا
حلّ صرواح فابتنى في ذراه حيث أعلى شعافه محرابا
_________________
(١) أم اللهيم: الداهية، والحمّة، والمنيّة.
(٢) أقصد السهم: أصاب، والقاصد من السهام: المستوي نحو الرميّة.
(٣) رهقته: حملته ما لا يطبق.
(٤) غافصته: فاجأته وأخذته على غرّة، فركبته بمساءة.
(٥) وثابه: مقعده، وثب في لغة حمير: قعد، يقال: وثب فلان على السرير قعد عليه واستقرّ، والموثبان في لغة حمير: الملك الذي يقعد ويلزم السرير ولا يغزو. (المعجم الوسيط: وثب) .
(٦) الصتم: الصلب الشديد
(٧) الدهم: العدد الكثير
(٨) الهمام: السيد الشجاع السخي من الرجال، السيب: العطاء والمعروف والنافلة.
(٩) في هامش الأصل وبخط مختلف: (صرواح قصر لهم) . صرواح: حصن باليمن قرب مأرب، يقال: إنه من بناء سليمان بن داود ﵇، وأنشد ابن دريد لبعضهم في أماليه: حل صرواح فابتنى في ذراه حيث أعلى شعافه محرابا (معجم البلدان- يقاوت: صرواح ٣/٤٠٢) .
[ ٨١ ]
حوله الصّهب والجعاد يخالو ن لدى بابه الليوث الغضابا [١]
فرقة تمغط القسيّ وأخرى بين أيديهم تهزّ الحرابا [٢٤ و]
وتغضّ العيون من دونه الأملاك إمّا بدا وتحنو الرقابا
فرماه الزمان منه بيوم غادر المعمر الخصيب يبابا
قال: ثم التفتّ عن يميني وشمالي فلم أر أحدا.