فارقت حضرة مولاي الشيخ أطال الله بقاءه، وأدام تمكينه، وحرس نعماه، مثقل الظهر بحمد أياديه، ثمل النفس بكرم أخلاقه، مخدوع البصيرة بفائض أنعامه [٢٧ و]، قد استفزني تطوّله، فاستزلّني عن طبعي و؟؟ عدك بي عن مذهبي، فاشتملت ثوب عجب بنفسي، لم تكن لي عادة بمثله، ولا كنت أراها قبل ذلك من أهله لتلقيه أدام الله علّوّه، ما أشدته على ضعفه ورداءته، وخجلي من إنشاد مثله بحضرته بالقبول والإحماد، اللذين خيّلا لي أنه من المرضيّ المستجاد، إذا كان أدام الله حراسته واحد عصره، وقريع دهره، وكان قدره، يجلّ عن أن يداجى، وفضله يرتفع عن أن يحابى، على أنني لولا طاعة أمره في ذلك، لما قدمت عليه، ولا هممت به، ولا خففت إليه، ولكن أمرا لم يجز لي خلافه، وإن كان عالاني [١] على مركب صعب، أسكرتني فيه خمرة خلائقه المعطورة، واستهوتني أخذة لفظاته المعسولة، فسلكت غير الطريق، وأخذت برأي غير زنيق [٢]، حتى إذا وقعت من طيرة [٣] الحيرة، وأفقت من وسن الغفلة، تأملت ما كنت أنشدته بعين المفتقد، ولحظته بطرف المنتقد، فانقلبت المسرّة وجلا، واستحال العجب خجلا، ورجعت نفسي بمضّ العذل [٤]، فهربت منه إلى اللياذ بالجذل، وكان في أثناء جوابها [٥] ما دلّ على خطئي وصوابه، وهو أن قالت: سئلت فاستنزلتك الهيبة فاعترفت، ثم أمرت فعادتك الطاعة، فاستجب وأعطيت ما لا يستحقه من الإحماد فقبلت، ثم
_________________
(١) عالاني: رفعني، وعالى الشيء وبه: صعده.
(٢) رأي غير زنبق: غير محكم، والزنبق: الرصين المحكم. (القاموس: زنق) .
(٣) الطيرة: ما يتشاءم منه، أو يتفاءل به.
(٤) ممض العذل: اللوم الشديد.
(٥) جوابها: الهاء تعود إلى (نفسي) في قوله: ورجعت نفسي.
[ ٨٨ ]
استمدت منك الزيادة فوعدت [٢٧ ظ] جاريا طلق الجموح [١]، أضرم السوط ناره، وأجدّ الخوف إحضاره [٢]، لا يرى ما قطع، ولا يعلم فيم وقع.
فعد على خاطر خانتك نصرته، وقعرت بك لمّا لزّك القرن [٣]، على أن ذاك ممّا قد حيل فيه بين الخاطر والجولان، كما (حيل بين العنز والنزوان) [٤]، بما اختص الله تعالى ذلك السيد به من مواهبه التي تقود كلّ راكب في محاورته مركب التغرير [٥]، إلى أن يكونوا محجوجين بصنوف التقصير، فما يلقاه أحد منهم إلا معترفا بفضله، حامدا لإحسانه وتطوّله، مضطرا إلى حال تكون القدرة له فيها عليه، والخيار في الصفح والموافقة إليه، فأما أنا فخجلة وإن لم أهجن حصره، وإن لم أوبخ، أجول في خناق ضيّق، وإن أطيل لي ريش المسامحة، وأعثر في دهش دحض [٦]، وإن أوسع ميدان الإحسان، فانظر لحاضر ما قد لزمك، واله عن غائب ما فاتك، والتمس للخلاص من عدّتك وجها بوفاء صريح، أو عذر فصيح، فارتكاب الإخلاف يجمع والعذر دليلا على ذليل القصور، فدعتني بوضوح الحجة إلى ركوب المحجّة، وتخفيف زلّة الاقتراف بذلة الاعتراف، وأيقظتني لأمر قد كانت سكرة الوهلة [٧] أذهلتني عن مراعاته، وشغلتني عن أخذ الأهبة له، فلما جذب تنبيهها بضبعي [٨] من
_________________
(١) جاريا طلق الجموح: شبه الرأي بفرس مسرع شديد العدو جامحا، راكبا هواه لا يمكن رده.
(٢) الإحضار: شدة العدو، وعدو ذو وثب.
(٣) لزك القرن: شده وألصقه، ولزك بالرمح طعنك، والقرن (بالكسر) الكفء، والنظير في الشجاعة.
(٤) قوله: حيل بين العنز والنزوان، هذا مثل، يضرب في منع الرجل مراده، والمثل في: (المستقصى في الأمثال ٢/٧٠ جمهرة الأمثال ١/٣٧١، تمثال الأمثال ص ٤٣٠) .
(٥) التغرير: الكلمة في الأصل غير معجمة تحتمل (التغرير) بمعنى التحريض، أو (التعزير) بمعنى المكافأة أو العقوبة.
(٦) دهش دحض: ذو زلق، أدحضه: دفعه وزحزحه وأزلقه.
(٧) الوهلة: أول شيء، وأول ما تراه، ووهل: سها، ووهل إلى الشيء: ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، والوهل: لغلط والنسيان. (اللسان: وهل) .
(٨) الضّبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها، وهما ضبعان.
[ ٨٩ ]
زللي، أزمعت إمضاء الوفاء بالعدّة [٢٨ و] على الوجه الذي سبق القول به فيها، فوجدت الخاطر قد ثقفته زلّته وهذّبته عثرته، فأذكرني قول أبي عثمان الخالدي [١] لأبي الفرج الببغاء [٢] في أبيات داعبه فيها، وقد رأى شيئا من شعره عند بعض إخوانه بخط غلامه: [٣] [الخفيف]
أرنا نسخة لشعرك في العالم تقرا بغير خطّ غلامك
فضاق، عند ذكراه عليّ فيما كنت هممت به المذهب، ولم يمكّن من الوفاء، بوعده- أدام الله حراسته- المهرب، وحاولت من أكلّفه نسخ ذلك أو يحفظه ليقوم بايصاله إلى حضرته، وينوب عني في أيراده، بعرضه أو إنشاده، فاعترضني الخوف من أن تغلبني فضائله أدام الله تمكينه عليه، فيعود عليّ إلبا، ولي خصما، يراني بعين العجز، ويسمني بميسم التقصير، ويزيد فسادا ما رجوته لصلاحه، وينصرف تحسين أمري إلى استقباحه، فيكون حالي معه حال المتنبي في قوله: [٤] [الخفيف]
كلّما عاد من بعثت إليها غار منّي وخان فيما يقول
ثم لاح شهاب الحزم، واستمسكت عقدة العزم، فعدلت إلى الإستعانة بمن يبلغ ما لا يتهمه، وينطق بما لا يعلمه، وأمن منه ميل المقة، وأسلم فيه
_________________
(١) أبو عثمان الخالدي: سعيد بن هاشم بن وعلة من بني عبد القيس، شاعر أديب، اشتهر هو وأخوه محمد الخالديين، وكانا آية في الحفط والبديهة، اشتركا في قول الشعر وتصنيف الكتب، منها: (الأشباه والنظائر) المعروف بحماسة الخالديين، و(أخبار أبي تمام) و(أخبار الموصل) وغيرها، توفي أبو عثمان ٣٧١ هـ-. (اليتيمة ١/٤٧١، فوات الوفيات ١/١٧٠، معجم الأدباء ١١/٢٠٨) .
(٢) أبو الفرج الببغاء: عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي، شاعر كاتب مترسل من أهل نصيبين، اتصل بسيف الدولة الحمداني، ونادم الملوك والرؤساء في الموصل وبغداد، له ديوان شعر، توفي سنة ٣٩٨ هـ-. (و؟؟ فيات الأعيان ١/٢٩٨، المنتظم ٧/٢٤١، تاريخ بغداد ١١/١١، نزهة الجليس ٢/٣١٩) .
(٣) لم أجد البيت في ديوان الخالديين، جمع وتحقيق سامي الدهان، ط بيروت ١٩٩٢.
(٤) البيت للمتنبي في ديوانه ٣/١٤٨ شرح العكبري، تحقيق السقا والإبياري وشلبي، ط مصر.
[ ٩٠ ]
من حيف الصّبوة: [الطويل]
وصيّرت رسلي حين لم يغن حيلتي وضاقت عليّ في الخلاف المذاهب
أنا بيب أقلام وسمت صدورها بما فيه لي بعض الذي أنا طالب
[٢٨ ظ] تبلّغ قولي وهي عنه ذواهل ويوضح عذري وهي عنه نواكب
جماد، ألا تميل ولا تتحيّر ولا تتحوّل ولا تتغيّر أفئدتها جلودها، وألسنتها برودها، تنطق بالمراد وإن لم ترد، وتأتي على البغية، وإن لم تعتمد، قوّلتها أبياتا تظنّ مقالها، وتعجز أمثالها، جعلتها إنجازا للوعد، ووفاء بالعهد، لا تزال خرسا عن سواها، حتى بلغ مدة صحتها مداها، فإذا طمع فيها الرّدى، وانتحت عليا المدى [١]، فأشبهت صدورها أنصاف مناقير الغربان، وأعجازها أطراف مضاريب العيدان، وأكرهتها الأنامل على امتطائها، واستعانت النفوس بها على أهوائها، ثم رويت من الأنفاس، وأدنيت من القرطاس، وآملت عليها الخواطر، وقوّمت زيغها النواظر، فهمت وحي القلوب، فهم المسترق للسمع، وخبّرت عن مضمرات الأفكار بمثل الجاري من الدمع، وفاضت عبراتها من نواحي شؤون الرؤوس على صفحات خدود الطروس، فأسمعت منطقها من بعد محلّه، ونأى مزاره، وبلّغت معملها مأربه:
[الطويل]
وما زال من ضاقت مقاليد ذرعه إذا لم يطق ما نابه يتحيّل [٢]
أمّلت أن يأمر- أدام الله تمكينه- بايداعها الدواة [٣] بحضرته، لتكون مذكّرة بولائي، كلّما تأمّلها نابته عني في خدمته كلما أعملها، واستظهرت باثبات أبيات أنا موردها هذا المكان من رقعتي، تزول بها أسباب التأول في إخلاف العدّة عني، وهي: [٢٩ و] [الطويل]
_________________
(١) انتحت: مالت إليه وقصدته، المدى: جمع المدية، الشفرة الكبيرة، السكين.
(٢) الذرع: الطاقة والوسع.
(٣) الدواة: المحبرة، يريد أن توضع هذه الرسالة في هيكل الدواة حيث يوضع الورق، لتكون أمامه كلما أراد الكتابة، فيتذكرها.
[ ٩١ ]
ومستحسن شعري وللشّعر زينة بألفاظه لم يؤتها قطّ قبله
يلقّنه الله التفضّل ديّنا على كلّ من لاقى ليظهر فضله
أقول لنفسي حين تاهت بقوله رويدك أعطيت الذي لست أهله
فردّي الذي أوتيته ردّ شاكر فانّ أخا النّعمى أعارك رحله [١]
فان رأى مولاي الشيخ- كبت الله عداته- أن يقف على ما كتبت به، ويتمّم إنعامه بالصفح عن تصفّحه، والإضراب عن مظان المطاعن فيه، وترك التنبيه على معانيه، والإرشاد إلى مثاله: [الطويل]
فما كلّ من رام التّتبّع يهتدي لموقع ما يأتي وما يتجنّب
ويجعل ذلك خاتمة إحسانه، وتهنية امتنانه، ويؤمنني بعد ذلك من إعادة قول في معانيه، فلو؟؟ لا ما التزمه من طاعة أوامره ما أوضعت [٢] الآن فيه، ويكمل برّه بالصفح عنه، فأني لست منه ولا إليه، فعل إن شاء الله.
وقد أثبتّ الأبيات المكتوبة على الأقلام، ترفيها لخاطره، وصيانة لناظره من تكلف قراءتها. قلم: [مجزوء الكامل]
سقيا لكفّ صافحت ني كالسحابة للمعالي
من حامل لي حامل بي ثقل أحرار الرجال
يقرا لحاظ مؤملي هـ فتبتديهم بالنّوال
ويصون وجه المعتفي هـ عن المذلّة بالسّؤال
قلم: [البسيط]
كم روضة نبتت في الطّرس أنبتها خطي تذلّ لها من حسنها الخصر
لها السطور غصون والحروف بها زهر وزهر المعاني بينها ثمر
تضئ فيها المعاني وهي حالكة سوداء تعجب من إشراقها القمر
_________________
(١) في الأصل: (فاني أخا النعمى) وهو تحريف (إن) فإذا كانت (إني) يكون ما بعدها (أخو النعمي) .
(٢) أوضع: أسرع في السير.
[ ٩٢ ]
تبقى على غابر الأيام ناضرة ولا تجول إذا ما صوّح الشجر [١]
قلم: [البسيط]
كلّ اليراع أنابيب إذا تركت كانت حطاما فلم تنفع ولم تضر
فان غدت وهي أقلام رأيت لها تحكّما نافذا يمضي على البشر
تجري بخير وشرّ لا تزيّدها لكنّها- رسل في ذاك للقدر
والحمد والذمّ معقود بحاملها فخف شداها وكن منها على حذر [٢]
قلم: [المتقارب]
إذا ما تأملتني عاثرا قليل الغنا في يد الكاتب [٣]
فكن عالما أنّني معمل بشيء بعيد من الواجب
وإلا بعذر إلى طالب يموّه بالحلف الكاذب [٣٠ و]
قلم: [البسيط]
كلّ الأنابيب أقلام فان بريت صارت سحائب من نفع وإضرار [٤]
إذا استطالت دواوين الملوك بها حلّت عزاليها بالماء والنار [٥]
قلم: [مجزوء الخفيف]
اعرفوا حال حاملي أبدا من مواقفي
أنا في كفّ ذي السّما ح سحاب المنافع
وبكفّ اللئيم قا طع سبل الصنائع
وبكفّ الظلوم مف تاح باب الفجائع
_________________
(١) صوح الشجر: يبس حتى تشقق.
(٢) شداها: قوتها وحدها، الشدا: الطرف من القوة، يقال: لم يبق من قوته إلا شدا، وحدّ كل شيء شداه.
(٣) الغنا: أصله الغناء ضد الفقر، والنفع والكفاية، يقال: هذا شيء لا غناء فيه.
(٤) الأنابيب: جمع الأنبوب والأنبوبة: ما بين العقدتين في القصب والقنا، وكل مستدير أجوف كالقصب، تصنع منه الأقلام.
(٥) العزالي: جمع العزلاء، مصب الماء من القرية ونحوها، يقال: أرسلت السماء عزاليها إذا انهمرت بالمطر.
[ ٩٣ ]
بي إذا ما جريت يع رف سرّ الطبائع
قلم: [مجزوء الخفيف]
أيها السائلي بفك رته عن سرائري
جملة الأمر أنّني ترجمان الخواطر
وإذا ما جريت كن ت محلّ الجواهر