قيل: كانت أم الحجاج بن يوسف، الفارغة بنت همام بن عروة بن مسعود، وكانت عند المغيرة بن شعبة، فرآها يوم تتخلل بكرة، فقال:
«أنت طالق، والله لئن كان هذا من غذاء يومك لقد شرهت، وإن كان من عشاء أمسك لقد انتنت» . فقالت: «لا يبعد الله غيرك، والله ما هو إلا من السواك، فخلف عليها بعده يوسف أبو الحجاج، فأولدها الحجاج، وفيها أشعار، منها:
أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاث
ظعائن أسلكت نقب المنقى تحث إذا ونت أي احتثاث
كأن على الحدائج يوم بانوا نعاجًا ترتعي بقل البراث»
تؤمّل أن تلاقي أهل بصرى فيالك من لقاء مستراث
تهيجنا الحمام إذا تداعى كما سجع النوائح بالمراثي
وفي زينب أخت الحجاج، يقول النميري:
ولم تر عيني مثل سربٍ رأيته خرجن من التنعيم معتمرات
ولما رأت ركب النميري أعرضت وكن من أن يلقينه حذرات
تضوع مسكًا بطن نعمان إذ مشت به زينب في نسوة عطرات
مرون بفخ ثم رحن عشيةً يلبين للرحمن مؤتجرات
[ ٢١٧ ]
دعت نسوةً شم العرانين بدنًا نواعم لا شعثًا ولا غبرات
فأدنين لما قمن يحجبن دونها حجابًا من القسي والحبرات
أجل الذي فوق السموات عرشه أوانس بالبطحاء معتجرات
يخبين أطراف البنان من التقى ويخرجن بالأسحار معتمرات
قال عوانة عن محمد بن زياد عن شيخ من كندة: خرج الحارث بن سليل الأسدي زائرًا لمعلقة بن حفصة الطائي، فلما قدم عليه، بصر بابنة له يقال لها: «الزباء»، وكانت من أجمل نساء أهل عصرها، فأعجب بها فقال لأبيها: «أتيتك زائرًا، وقد ينكح الخاطب، ويكرم الطالب، ويفلح الراغب» فقال: «أنت امرؤ كريم يقبل منك الصفو، ويؤخذ منك العفو، فأقم ننظر في أمرك» ثم انكفأ إلى أهله فقال: «إن الحارث بن سليل سيد قومه منصبًا وحسبًا وبيتًا فلا ينصرفن من عندنا إلا بحاجته، فأريدي ابنتك عن نفسها» فخلت بالزباء فقالت: «يا بنية أي الرجال أحب إليك، الكهل الجحجاح، الفاضل المناح، أم الفتى الوضاح» قالت: «الزمور الطماح» قالت: «يا بنية إن الشيخ يميرك، ولا يغيرك، وليس الكهل الفاضل الكثير النائل، كالحديث السن، الكثير الظن» قالت: «يا أماه أخشى الشيخ أن يدنس ثيابي، ويشمت بي أترابي، ويبلي شبابي» .
قال: فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها، فتزوجها الحارث بن سليل على خمسين ومائة من الإبل وألف درهم وابتنى بها ثم رحل إلى قومه، فبينما هو جالس ذات يوم، وهي إلى جانبه، إذ أقبل فتية من بني أسد نشاوى يتبخترون، فلما نظرت إليهم تنفست الصعداء، وبكت فقال: «ما شأنك»؟ قالت: «ما لي وللشيوخ الناهضين كالفروخ»؟ قال: ثكلتك أمك؛ تجوع الحرّة، ولا تأكل بتدييها» فذهبت مثلًا.
أما وأبيك، لرب غارةٍ شهدتها، وخيل وزعتها، وسبية أردفتها، وخمرة شربتها. الحقي بأهلك، فأنت طالق. وقال:
تهزأت أن رأتني لابسًا كبرًا وغاية الناس بين الموت والكبر
[ ٢١٨ ]
فإن يكن قد علا رأسي وغيره صرف الزمان، وتغييرٌ من الشعر
فقد أروح للذات الفتى جذلًا وقد أصيد بها أعينًا من البقر
عني إليك فإني لا توافقني غور الكلام، ولا شربٌ على الكدر
قال: وقال الحجاج لابن القرية: «ما تقول في التزويج»؟ قال:
«وجدت أسعد الناس في الدنيا، وأقرهم عينًا، وأطيبهم عيشًا، وأبقاهم سرورًا، وأرخاهم بالًا، وأشبهم شبابًا، من رزقه الله زوجة مسلمة أمينة عفيفة حسنة لطيفة نظيفة مطيعة، إن ائتمنها زوجها وجدها أمينة، وإن قتر عليها وجدها قانعة، وإن غاب عنها كانت له حافظة، تجد زوجها أبدًا ناعمًا، وجارها سالمًا، ومملوكها آمنًا، وصبيها طاهرًا، قد ستر حلمها جهلها، وزين دينها عقلها، فتلك كالريحانة والنخلة لمن يجتنيها، وكاللؤلؤة التي لم تثقب، والمسكة التي لم تفتق قوامه صوامة ضاحكة بسامة، إن أيسرت شكرت، وإن أعسرت صبرت، فأفلح وأنجح من رزقه الله مثل هذه، وإنما مثل المرأة السوء كالحمل الثقيل على الشيخ الضعيف، يجره في الأرض جرًا، فبعلها مشغول، وجارها مقبول، وصبيها مرذول، وقطها مهزول» . قال: «يا ابن القرية، قم الآن فاخطب لي هند بنت أسماء، ولا تزد على ثلاث كلمات» .
فأتاهم، فقال: «جئت من عند من تعلمون، والأمير يعطيكم ما تسألون، أفتنكحون أم تدعون»؟ قالوا: «أنكحنا وغنمنا» .
فرجع إلى الحجاج، فقال: «أصلح الله الأمير، صلاح من رضي عمله، ومد في الخيرات أجله، وبلغ به أمله، جمع الله شملك، وأدام طولك، وأقر عينك، ووقاك حينك، وأعلى كعبك، وذلل صعبك، وحسن حالك على الرفاء والبنين والبنات، والتيسير والبركة، وأسعد السعود وأيمن الجدود، وجعلها الله ودودًا ولودًا، وجمع بينكما على الخير والبركة، فتزوجها الحجاج، ثم إنه دخل ذات يوم عليها وهي تقول:
وما هند إلا مهرةٌ عربيةٌ سليلة أفراس تجللها بغل
[ ٢١٩ ]
فإن نتجت مهرًا كريمًا فبالحرى وإن يك أقرافٌ فما أنجب الفحل
فخرج من عندها مغضبًا، ودعا ابن القرية، فدفع إليه مائة ألف درهم وقال: «أدخل إلى هند وطلقها عني، ولا تزد على كلمتين، وادفع إليها المال»، فحمل ابن القرية المال، ودخل عليها فقال: «إن الأمير يقول:
(كنت فبنت)، وهذه المائة ألف صداقك» . فقالت: «يابن القرية ما سررت به إذ كان، ولا جزعت عليه إذ بان، وهذا المال بشارة لك لما جئتنا به»، فكان القول أشد على الحجاج من فراقها» .
وذكروا أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ كانت عنده عاتكة بنت زيد بن نفيل فأحبها حبا شديدا فأمره أبوها بفراقها وأن يطلقها تطليقة واحدة، ففعل ثم ندم على فعله فقال:
فلم أر مثلي طلق اليوم مثلها ولا مثلها في غير جرمٍ تطلق
لها خلقٌ سهلٌ وحسنٌ ومنصبٌ وخلقٌ سويٌ ما يعاب ومنطق
أعاتك قلبي كل يومٍ وليلةٍ إليك بما تخفي القلوب معلق
أعاتك ما أنساك ماذر شارقٌ وما لاح نجمٌ في السماء محلق
فسمع أبو بكر ذلك فرق له، وأمره بمراجعتها.
وعن علي بن دعبل قال: «حدثني أبي قال: خرجت ومعي إعرابي ونبطي إلى موضع يقال له بطياثا من أمصار دجلة، متنزهين، فأكلنا وشربنا، فقال الأعرابي: قل بيت شعر فقلت:
نلنا لذيذ العيش في بطياثا
فقال الأعرابي:
لما حثثنا أقدحًا ثلاثا
فقال النبطي:
وامرأتي طالق ثلاثا
[ ٢٢٠ ]
وما زال يبكي حتى الصباح فقلت له: «ما يبكيك»؟ فقال ذهبت امرأتي بقافية.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كنت أنا والحسين بن الضحاك يومًا عند المعتصم، وحضرت قينة تعرض عليه، فأعجب بها فقال للمدنيين:
«كيف ترونها»؟ فقال أحدهم: «امرأته طالق أن كان رأى مثلها»، وقال آخر: «امرأته طالق إن لم..»، وسكت، فقال المعتصم: «إن لم »، قال «لا شيء»، فضحك وقال له: «ويحك ما دعاك إلى طلاق أهلك بلا سبب»، فقال: «يا أمير المؤمنين كلنا قد طلق امرأته بلا سبب» . ومما قيل في ذلك من الشعر:
رحلت أمية بالطلاق ونجوت من رق الوثاق
بانت فلم يجزع لها قلبي ولم تدمع مآقي
لو لم أرح بفراقها لأرحت نفسي بالإباق
وخصيت نفسي لا أري د حليلةً حتى التلاقي
وقال آخر:
رأيت أثاثها فطمعت فيها وقد نصبت لعيرك بالأثاث
فطلقها وعد النفس عنها سريعًا، إن نفسك في التواث «١»
وإلا فالسلام عليك إني سآخذ من غدٍ لك في المراثي
[ ٢٢١ ]