ومنهن الزباء «١»، واسمها هند، وملكت الشام بعد عمها المنصور، وكان جذيمة الأبرش قتل عمها، فبعث إليها جذيمة يخطبها، فأظهرت البشر والسرور لرسوله، وكتبت إليه بالقدوم عليها لتزوجه نفسها، فاستشار نصحاءه، فقالوا: «أيها الملك، إن تزوجت بها، جمعت ملك الشام، وملك الجزيرة إلى ملكك» . فاستخلف ابن أخيه عمرو بن عدي، وسار في ألف فارس من خاصته؛ فلما انتهى إلى مكان يسمى «بقة»، وهو حد مملكتها ومملكته، نزل في ذلك المكان، واستشار أصحابه أيضًا في المصير إليها بالانصراف، فزينوا له الإلمام بها وقالوا: «إنك، إن انصرفت من ههنا، أنزله الناس منك على جبنٍ ووهن» .
فدنا منه مولى يقال له قصير بن سعد، فقال له: «أيها الملك، لا تقبل مشورة هؤلاء؛ وانصرف إلى مملكتك حتى يتبين لك أمرها، فإنها امرأة موتورة، ومن شأن النساء الغدر» .
فلم يحفل بقوله، ومضى حتى اقتحم مملكتها، فقال قصير: «ببقةٍ صرم الأمر»، ثم أرسلها مثلًا. فلما بلغ المرأة قدومه عليها، أمرت جنودها، فاستقبلوا الملك؛ فقال قصير: «أيها الملك! إني رأيت جنودها لم يترجلوا لك، كما يترجل للملوك، ولست آمن عليك، فاركب
[ ٢٣٧ ]
«العصا»، وانج بنفسك» (والعصا كانت فرسًا لجذيمة، لا يشق غبارها)؛ فلم يعبأ جذيمة بقوله؛ وسار حتى دخل المدينة، وأمرت هند الزباء بأصحابه أن ينزلوا فأنزلوا، وأخذت منهم أسلحتهم ودوابهم؛ وأذنت لجذيمة، فدخل عليها، وهي في قصر لها، ولم يكن معها في قصرها إلا الجواري، فأومأت إليهن أن يأخذنه؛ واجتمعن عليه ليكتفنه، فامتنع عليهن، فلم يزلن يضربنه بالأعمدة حتى أثخنه وكتفنه. ثم دعت بنطع، فأجلسته فيه، وكشفت عن عورتها؛ فنظر جذيمة، فإذا لها شعرة وافية. فقالت: «كيف ترى عروسك؟
أشوار عروس أم ما ترى؟ «أرى بظرا ناتئًا، ونبتًا فاشيًا، ولا أعلم ما وراء ذلك»؟ قالت: «أما إنه ليس من عدم المواسي أو لقلة الأواسي، ولكنه شمةٌ من أناسي» .
ثم أمرت به، فقطعت عروقه، فجعلت دماؤه تشخب في النطع، فقالت: «لا يحزنك ما ترى. فإنه دم هراقه أهله»، فأرسلتها مثلًا.
واحتال «قصير» للعصا حتى وصل إليها وركبها، ثم دفعها، فجعلت تهوي به كأنها الريح. وكان المكان الذي قصد فيه جذيمة مشرفًا على الطريق، فنظر جذيمة إليه وقد دفع الفرس، فقال: «لله حزم على رأس العصا»، فلم تزل دماؤه تشخب حت مات. ثم أمرت بأصحابه، فقتلوا بأجمعهم.
وكان عمرو بن عدي يركب كل يوم من الحيرة، فياتي طريق الشام، يتجسس عن خبره وحاله، فلم يبلغه أحد خبره. فبينا هو ذات يوم في ذلك، إذ نظر إلى فرس مقبل على الطريق، فلما دنا منه، عرف الفرس، وقال:
«يا خير ما جاءت به العصا»، فذهبت مثلًا. فلما دنا منه قصير، قال له: «ما وراءك»؟ قال: «قتل خالك وجنوده جميعًا، فاطلب بثأرك» . قال:
«وكيف لي بها، وهي أمنع من عقاب الجو»؟ فذهبت مثلًا. ثم إن قصيرًا أمر بأنف نفسه فجدع، ثم ركب وسار نحو الزباء، فاستأذن علهيا، فقيل لها: «إن مولى لجذيمة وقرهمانه وأكرم الناس عليه قد أتاك مجدوعًا» .
فأذنت له، فدخل عليها.
[ ٢٣٨ ]
قالت: «من صنع بك هذا»؟ قال: «أيتها الملكة! هذا فعل عمرو بن عدي، اتهمني وتجنى علي الذنوب، وزعم إني أشرت على خاله بالمصير إليك، حتى فعل بي ما ترين، ولم آمنه أن يقتلني، فخرجت هاربًا إليك، وقد أتيتك لأكون معك، وفي خدمتك؛ ولي جداء وعندي غناء» .
قالت: «نعم أقم، فعندي لك ما تحب»، وولته نفقتها، فخف لها، ورأت منه الرشاقة، فيما أسندته إليه، فأقام عندها حولًا، ثم قال لها:
«أيتها الملكة! إنه لي بالعراق مالًا كثيرًا، فإذا أذنت لي في الخروج لحمله، فافعلي» . فدفعت إليه مالًا كثيرًا، وأمرته أن يشتري له ثيابا من الخز والوشي ولآليء وياقوتًا ومسكًا وعنبرًا وألنجوجًا. فانطلق حتى أتى عمرًا فأخبره، فأخذ منه ضعفي مالها، وانصرف نحوها، فاسترخصت ما جاء به، وردته الثانية والثالثة، فكان يأخذ في كل مرة مثل أضعاف مالها، فيشتري لها جميع ما تريد، فتسترخصه.
ووقع قصير بقلبها، فاستخلفته، ثم بعثته في الدفعة الرابعة بمال عظيم، وأمرته أن يشتري أثاثًا ومتاعًا وفرشًا وآنية، فانطلق إلى عمرو، فقال: «قد قضيت ما علي، وبقي ما عليك»، فقال: «وما الذي تريد»؟ قال «أخرج معي في ألفي فارس من خدمك، وكونوا في أجواف الجواليق، على كل بعير رجلان» . فانتخب عمرو ألفي فارس من أصحابه، فخرج، وخرجوا معه في الجواليق، كل رجل بسيف، وكان يسير النهار، فإذا أمسى الليل، فتح الجواليق ليخرجوا ويطعموا ويشربوا ويقضوا حوائجهم، حتى إذا كان بينه وبين مدينتها مقدار ميل، تقدم «قصير» حتى دخل عليها، وقال: «أيتها الملكة! اصعدي على القصر لتنظري ما أتيتك به»، فصعدت فنظرت إلى ثقل الأحمال على الجمال، فقالت:
ما للجمال مشيها وئيدا أجندلًا يحملن أم حديدا
أم صرفانًا باردًا شديدا «١»
[ ٢٣٩ ]
فأجابها قصير سرًا:
«بل الرجال جثما قعودا»
فقال: «لما عليها من المتاع الثقيل النفيس» . فأمرت بالأحمال، فأدخلت قصرها، وكان وقت المساء، فقالت: «إذا كان غدًا نظرنا إلى ما أتيتنا به» .
فلما جن عليهم الليل، فتحوا الجواليق، وخرجوا، فقتلوا جميع من في القصر. وكان لها سربٌ قد أعدته للفزع والهرب، إن حل بها روع، تخرج إلى الصحراء؛ وقد كان قصير عرف ذلك المكان، ووصفه لعمرو، فبادر عمرو إلى السرب، فاستقبلته الزباء، فولت هاربة نحو السرب، فاستقبلها بالسيف، فمصت فصّها، وكان مسموما، وقالت: «بيدي لا بيدك يا عمرو، ولا بيدي العبد»، فقال عمرو: «يده ويدي سواء، وفي كليهما شفاء»، وضربها بسيفه حتى قتلها؛ وأقبل قصير حتى وقف عليها، فجعل يدخل سيفه في فرجها ويقول:
ولو رأوني وسيفي يوم أدخله في جوف زباء ماتوا كلهم فرحا
وغنم عمرو وأصحابه من مدينتها أموالًا جليلة، وانصرفوا إلى الحيرة، فكان الملك، بعد خاله جذيمة، وعمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي.
ومنهن صاحبة الجعد بن الحسين أبي صخر بن الجعد، وكان جعد قد طعن في السن، وكان يكنى أبا الصموت، وكانت له وليدة سوداء، فقالت: «يا أبا الصموت! زعم بنوك أن يقتلوني إذا أنت مت»، قال: «ولم ذاك»؟ قالت: «ما لي إليهم ذنب غير حبك، فأعتقني»، فأعتقها، فبقيت يسيرًا، ثم قالت: «يا أبا الصموت! هذا عرابة من أهل عدن يخطبني» ! قال: «ما كان هذا ظني بك»، قالت: «إنما أريد ما له لك»، فقال: «ائتيني به»، فجاءت به، فزوجها منه، فولدت منه، وقربته من مال جعد، وكانت تأتي الجعد، فتخضب رأسه، ثم قطعته، فقال الجعد:
[ ٢٤٠ ]
أبلغ لديك بني عمرٍ مغلغلةً عوفًا وعمرًا، فما قولي بمردود
بأن بيتي أمسى فوق داهيةٍ سوداء قد وعدتني شر موعود
تعطى عرابة بالكفين مختضبًا من الخلوق، وتعطيني على العود
أمسى عرابة ذا مالٍ وذا ولدٍ من مال جعدٍ، وجعدٌ غير محمود
ومنهن امرأة مروان بن الحكم، وكانت أم خالد بن يزيد بن معاوية، وهي ابنة هشام بن عتبة، فأراد مروان الخروج إلى مصر، فقال لخالد:
«أعرني سلاحك»، فأعاره، فلما رجع، قال له خالد: «رد علي سلاحي»، فأبى عليه. وكان مروان فحّاشا، فقال له: «يابن الربوخ الرطبة»، فجاء خالد إلى أمه، فقال: «هذا ما صنعت بي. سبني على رؤوس الملأ، وقال لي كيت وكيت، قالت: «اسكت، فإني أكفيك أمره» . فجاء مروان، فرقد عندها، فأمرت جواريها، فطرحن عليه الشوادكين (يعني الملاحف)، ثم غططنه حتى قتلنه، وخرجن يصحن:
«وا أمير المؤمنيناه» !! فدعا عبد الله بامرأة أبيه ليقتلها، فقالت: «إن الذي يبقى عليك من العار أعظم من قتل أبيك»؛ قال: «وما ذاك»؟ قالت:
«يقول الناس: إن أباك قتلته امرأة» فأمسك عنها.
[ ٢٤١ ]