روي عن نافع قال: لقي يحيى بن زكريا ﵇ إبليس لعنه الله فقال: أخبرني بأحب الناس إليك وأبغضهم إليك. قال: أحبهم إلي كل مؤمن بخيل وأبغضهم إلي كل منافق سخي. قال: ولم ذاك؟ قال: لأن السخاء خلق الله الأعظم فأخشى أن يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له.
وقال النبي ﷺ: «السخي قريب من الله قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله ﷿ من عابد بخيل، وأدوأ الداء البخل» . وقال ﷺ: «ما أشرقت شمس إلا ومعها ملكان يناديان يسمعان الخلائق غير الجن والأنس وهما الثقلان: اللهم عجل المنفق خلفا والممسك تلفاز والملكان يناديان: أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» . وعن الشعبي قال: قالت أم البنين ابنة عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز وكانت تحب الوليد بن عبد الملك: لو كان البخل قميصًا ما لبسته أو طريقًا ما سلكتها، وكانت تعتق كل يوم رقبة، وتحمل على قريش في سبيل الله وكانت تقول: البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة.
وقيل اعتقت هند بنت عبد المطلب في يوم واحد أربعين رقبة.
وقال بعض الحكماء: ثواب الجود خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخل حرمان وإتلاف ومذمة. وقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «يا علي، كن شجاعًا فإن الله يحب الشجاع، وكن سخيًا فإن الله يحب السخي وكن غيورًا فإن الله يحب الغيور. يا علي: وإن إنسان سألك الحاجة ليس لها بأهل فكن أنت أهلًا لها» . وقال الني ﷺ: «السخاء شجرة في الجنة من
[ ٨٧ ]
أخذ منها بغصن مد به إلى الجنة» . وقال عبد العزيز بن مروان: لو لم يدخل على البخلاء في لؤمهم إلا سوء ظنهم بالله ﷿ لكان عظيمًا. وقال ﷺ:
«تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر» . وقال بهرام جور:
من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما جاد الله به على الخلق من المواهب الجليلة والرغائب النفيسة والنسيم والريح كما وعدهم الله بالجنان فإنه لولا رضاه الجود لم يصطفه لنفسه. وقال الموبذان لأبرويز:
أكنتم تمنون أنتم وآباؤكم بالمعروف وتترصدون عليه بالمكافأة؟ قال:
لا، ولا نستحسن ذلك لخولنا وعبيدنا فكيف نرى ذلك وفي كتاب ديننا من فعل معروفًا خفيًا وأظهره ليتطول به على المنعم عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره واستوجب أن لا نعده من الأبرار ولا نذكره في الأتقياء والصالحين؟ قيل:
وسئل الإسكندر: ما أكبر ما شيدت به ملكك؟ قال: ابتداري إلى اصطناع الرجال والإحسان إليهم. قال: وكتب ارسطاطاليس في رسالته إلى الإسكندر:
وأعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلقه وتخلق آثاره وتميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس. فأودع قلوبهم محبة آبدة «١» تبقي بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشرف آثارك. قال: ولما قدم بزرجمهر إلى القتل قيل له: إنك في آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخر فتكلم بكلام تذكر به.
فقال: أي شيء أقول؟ الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن يكون حديثًا حسنًا فافعل. قيل: وتنازع رجلان أحدهما من أبناء العجم والآخر إعرابي من الضيافة. فقال الإعرابي: نحن أقرى للضيف. قال: وكيف ذلك؟ قال:
لأن أحدنا ربما لا يملك إلا بعيرًا فإذا حل به ضيف نحره له، فقال له الأعجمي: فنحن أحسن مذهبا في القرى منكم، قال: وما ذاك؟ قال:
نحن نسمي الضيف مهمان ومعناه أنه أكبر من في المنزل وأملكنا به، وقال بعض الحكماء: بلغ الجود من قام بالمجهود. وقيل الجواد من لم يضن
[ ٨٨ ]
بالموجود. وقال المأمون: الجود بذل الموجود والبخل سوء الظن بالمعبود. قيل وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ويصل الناس وينفق. قال: إن النفقة داعية الرزق وكان جالسًا على باب فقال للرجل: أغلق هذا الباب فأغلقه. فقال: هل تدخل فيه الريح؟ قال: لا. قال: فافتحه، ففتحه فجعلت الريح تخترق في البيت، فقال: هكذا الرزق أغلقت فلم تدخل الريح فكذلك إذا أمسكت لم يأتك الرزق.
قيل: ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على إخوانه فبلغ ذلك المأمون. فقال: يا أبا عبد الله إن بيوت الأموال لا تقوم بهذا. فقال: يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود. وعن أمية بن يزيد الأموي قال: كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية فجاءه رجل من أهل بيته فسأله المعونة على تزويج، فقال له قولًا ضعيفًا فيه رعد وقلة أطماع.
فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته فقال: أعطه أربعمائة دينار فاستكثرناها وقلنا: كنت رددت عليه ردًا ظننا إنك تعطيه شيئًا قليلًا فإذا أنت أعطيته أكثر مما آمل، فقال: إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي.
وبحاتم يضرب المثل والسخاء، فحدثنا عن بعض حالات حاتم. قيل: كان حاتم جوادًا شاعرًا وكان حيثما نزل عرف منزله وكان ظفرًا إذا قاتل غلب وإذا غنم نهب وإذا سئل وهب وإذا شرب بالقداح سبق وإذا أسر أطلق، وكان أقسم أن لا يقتل واحدًا، قيل: ولما بلغ حاتمًا قول المتلمس الضبعي:
قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد
وحفظ المال أيسر من بقاء وضرب في البلاد بغير زاد
فقال: ما له قطع الله لسانه، يحرض الناس على البخل أفلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل فنائه ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس رزقا بعيش مقتر لكل غد رزق يعود جديد
ألم تر أن الرزق غاد ورائح وأن الذي أعطاك سوف يعيد
[ ٨٩ ]
قال: ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره القرى فنحر ناقة الضيف وعشاه وغداه وقال: إنك قد أقرضتني ناقتك فاحتكم علي. قال: راحلتين.
قال: لك عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضى. قال: إلى أربعون.
ثم قال لمن بحضرته من قومه: من أتانا بناقة فله ناقتان بعد المائة، فأتوا بأربعين فدفعها إلى الضيف. وحكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير فيهم. يا أبا سفانة قد أكلني الأسار والقمل. قال: والله ما أنا في بلادي ولا معي شيء وقد أسأت إلى أن نوهت باسمي فذهب إلى العنزيين فساومهم فيه واشتراه منهم وقال: خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي قراه، ففعلوا فأتاهم بغداء. قيل:
ولما مات حاتم خرج رجل من بني أسد يعرف بأبي الخيبري في نفر من قومه وذلك قبل أن يعلم كثير من العرب بموته فأناخوا بقبره فقال: والله لأحلفن للعرب أنني نزلت بحاتم وسألته القرى فلم يفعل وجعل يضرب القبر برجله ويقول:
عجل أبا سفانة قراكا فسوف أنبي سائلي ثناكا
فقال بعضهم: ما لك تنادي رمة باتوا مكانهم فقام صاحب القول من نومه مذعورًا فقال: يا قوم عليكم مطاياكم فإن حاتمًا أتاني فأنشدني:
أبا الخيبري وأنت امرؤ ظلوم العشرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة بدؤيّة صخبت هامها
تبغي أذاها وإعسارها وحولك طيّ وإنعامها
وإنا لننعم أضيافنا من الكوم بالسيف نعتامها
وقيل في المثل: هو أجود من كعب بن إمامة وكان من إياد وبلغ من جوده أنه خرج في ركب فيهم رجل من بني النمر بن قاسط في شهر ناجر
[ ٩٠ ]
وألجأهم العطش فظلوا فتصافتوا ماءهم فجعل النميري يشرب نصيبه فإذا أراد كعب أن يشرب نصيبه قال: آثر أخاك النمري فيؤثره حتى أضر به العطش فلما رأى ذلك استحث ناقته وبادر حتى رفعت أعلام الماء وقيل له: رد كعب فإنك وارد فمات قبل أن يرد ونجا رفيقه. ومن قول أبي تمام:
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله
كريم إذا ما جئت للعرف طالبًا حباك بما تحوي عليه أنامله
فلو لم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فلتّق الله سائله
وللبحتري:
لو أن كفك لم تجد لمؤمل لكفاه عاجل وجهك المتهلل
ولو أن مجدك لم يكن متقادمًا أغناك آخر سؤدد عن أول
ولبكر بن النطاح في أبي دلف:
بطل بصدر حسامه وسنانه أجلان من صدر ومن أبراد
ورث المكارم وابتناها قاسم بصفائح واسنة وجياد
يا عصمة العرب التي لو لم تكن حيًا إذا كانت بغير عماد
إن العيون إذا رأتك بعزمه فتحت منه مواضع الأسداد
وكأن رمحك منقع في عصفر وكان سيفك سل من فرصاد «١»
لو صال من غضب أبو دلف على بيض السيوف لذبن في الأغماد
أورى ونور للعداوة والهوى نارين: نار دم ونار زناد
قال أبو هفان «٢»: انتشرت هذه الأبيات [حتى انتهت إلى] عبد العزيز بن أبي دلف بسر من رأى فقال: هل سمعت بمثل هذه الأبيات؟ قلت: لا،
[ ٩١ ]
قال: ولغيره في أبي دلف:
ولو يجوز لقال الناس كلهم لولا أبو دلف ما أورق الشجر
قال ابن يحيى النديم: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور فقال:
أنشدني قول عمارة في أهل بغداد فأنشدته:
ومن يشتري مني ملوك مخرم أبع حسنًا وابني هشام بدرهم
وأعطي رجاءً بعد ذاك زيادة وأمنح دينارًا بغير قتوم
فإن طلبوا مني الزيادة زدتهم أبا دلف والمستطيل بن أكثم
فقال المتوكل: ويلي على ابن البوال على عقبيه يهجو شقيقه دولة العباس قال: فهل عندك من أعدم في أبي دلف القاسم بن عيسى «١» شيء؟
قلت: يا أمير المؤمنين قول الإعرابي الذي يقول فيه:
أبا دلف إن السماحة لم تزل مغللة تشكو إلى الله غلها
فبشرها ربي بميلاد قاسم فأرسل جبريلًا إليها فحلها
وقال غيره:
حر إذا جئته يومًا لتسأله أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يخفي صنائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهرا
وقال آخر:
فتى عاهد الرحمن فابذل ماله فليس تراه الدهر إلا على العهد
فتى قصرت آماله عن فعاله وليس على الحر الكريم سوى الجهل
وقال آخر:
إذا ما أتاه السائلون توقدت عليه مصابيح الطلاقة والبشر
[ ٩٢ ]
له من ذرى المعروف نعمى كأنها مواقع ماء المزن في البلد القفر
وقال آخر:
عاد السرور إليك في الأعياد وسعدت من دنياك بالإسعاد
رفقا بعبد جل ما أوليته رفقا فقد أثقلته بأيادي
ملأ النفوس مهابة ومحبة بدر بدا متعمّرا بسواد
ما أن أرى لك مشبهًا فيمن أرى إن الكرام قليلة الأنداد
وقال في ابن أبي دؤاد:
بدا حين أثرى بإخوانه فقلل عنهم شبات «١» العدم
وحذره الحزم صرف الزمان فبادر قبل انتقال النعم
فليس وإن نجل البا خلون يقرع سنًا له من ندم
ولا ينكث الأرض عند السؤال ليمنع سؤاله عن نعم
ويروي في الحديث: إنه لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد صالح أبدًا. ويقولون: الشحيح أغدر من الظالم أقسم الله بعزته لا يساكنه بخيل في جنته. وقال النبي ﷺ: «من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه» . وقال الشاعر في ذلك:
ليس في كل ساعة وأوان نتيها صنائع الإحسان
فإذا أمكنت تقدمت فيها حذرًا من تعذر الإمكان
وذكر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁، إن أمير المؤمنين عليًا صلوات الله عليه بعثه إلى حكيم بن حزام بن خويلد يسأله مالًا، فانطلق به إلى منزله، فوجد في الطريق صوفًا، فأخذه ومر بقطعة كساء فأخذها، فلما صار إلى المنزل أعطاه طرف الصوف فجعل يفتله حتى صيره خيطًا، ثم دعا بغرارة مخرقة فرقعها بالكساء وخيطها بالخيط وصر فيها ثلاثين ألف درهم
[ ٩٣ ]
فحملت معه. قال: وأتى قوم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ﵀ يسألونه في حمالة فصادفوه في حائط له يتتبع ما يسقط من الثمر فيعزل جيده ورديئه على حدة فهموا بأن يرجعوا عنه وقالوا ما نظن خيرًا. ثم كلموه فأعطاهم، فقال رجل من القوم: لقد رأيناك تصنع شيئًا لا يشبه فعالك.
فقال: وما ذاك؟ فأخبروه. فقال: إن الذي رأيتم يؤول إلى اجتماع ما ينفع وينمو، ومنها قيل: الذود إلى الذود إبل. وأنشدوا:
أب كبير هامه صغير وفي البحور تغرق البحور
وقال آخر:
قد يلحق الصغير الجليل وإنما القرم من الأفيل «١»
وسحق النخل من الغسل
قال: وأتى رجل ابن طلحة بن عبيد الله فسأله حمالة فرآه يهنأ بعيرًا له فقال: يا غلام أخرج إليه بدرة. فقبضها وقال: أردت أن أتصرف حين رأيتك تهنأ بالبعير فقال: إنا لا نضيع الصغير ولا يتعاظمنا الكبير.
[ ٩٤ ]