قال الحسن الجرجاني: حدثني سهم بن عبد الحميد الحنفي قال:
خرجت من الكوفة أريد بغداد، فلما نزلت، بسط غلماننا وهيأوا غداءنا، فإذا نحن برجل حسن الوجه والهيئة، على برذون فاره، فصحت بالغلمان فأخذوا دابته، فدعوت بالغداء، فبسط يده غير محتشم، وما أكرمته بشيء إلا قبله، وكنا كذلك إذ جاء غلمانه بثقل كثير، وهيئة جميلة، فتناسبنا فإذا هو طريح بن إسماعيل الثقفي، فارتحلنا في قافلة منا لا يدرك طرفاها، فقال طريح:
«ما حاجتنا إلى هذا الزحام، وليست بنا إليهم وحشة، ولا علينا خوف، فإذا خلونا بالخانات والطرق كان أروح لأبداننا»، قلت: «ذلك إليك»، فنزلنا من الغد الخان، وتغدينا وإلى جانبنا نهر ظليل بالشجر، فقال: «هل لك أن تستنقع فيه»؟ فمررنا إليه، فلما نزع ثيابه إذا بين جنبيه آثار ضرب كثير، فوقع في نفسي منه شر، فنظر إلي ففطن وتبسم، وقال: «قد رأينا ذعرك بما ترى، وحديث ذلك يجري إذا سرنا بالعشية» فلما سرنا قلت له:
«الحديث» قال: «نعم، قدمت من عند الوليد بن يزيد بالغناء واليسار، وكتب إلى يوسف بن عمر، فلما أتيته ملأ يدي خيرًا، فخرجت مبادرا إلى الطائف، فلما امتد بي الطريق وليس يصحبني فيه أحد، عن لي إعرابي على قعود له، فحدث أحسن الحديث، وروى الشعر، فإذا هو راوية، فأنشد فإذا هو شاعر، فقلت: «من أين أقبلت»؟ قال: «لا أدري»، قلت: «وما القصة»؟ قال: «أنا عاشق لامرأة قد أفسدت علي عيشي، وقد حذرني أهلها، وجفاني لها أهلي، وإنما أستريح بأن أنحدر إلى الطريق مع منحدر، وأصعد مع مصعد»، قلت: «فأين هي»؟ قال: «تنزل غدًا بازائها»،
[ ٢٧١ ]
فلما نزلنا أراني طريقًا عن يسار الطريق، فقال: «ترى ذلك الطريق»؟
فقلت: «أراه»، قال: «فترى الخيم التي هناك»؟ قلت: «نعم» ! قال:
«فإنها في الخيمة الحمراء»، فأدركتني أريحية الحدث، فقلت: «والله إني آتيها برسالتك»، فمضيت حتى انتهيت إلى الخيم، فإذا امرأة ظريفة جميلة كأنها مهرة عربية، فذكرته لها، فزفرت زفرة كادت تنتقض أضلاعها، وقالت: «أو حي هو» ! قلت: «نعم، تركته في رحلي وراء هذا الطريق» ! قالت: «بأبي أنت وأمي، أرى لك وجهًا حسنًا يدل على الخير، فهل لك في أمر»؟ قلت: «فقير إليه» ! قالت: «البس ثيابي، فأقم مكاني، ودعني حتى آتيه وذلك عند مغيربان الشمس، فإنك إذا أظلم الليل أتاك زوجي»، فقال لك: «يا فاجرة، ويا هنة ابنة الهنة»، فيوسعك شتمًا فأوسعه صمتًا. ثم يقول في آخر كلامه: «اقمعي سقاءك، يا عدوة الله، فضع القمع في هذا السقاء، وإياك وهذا السقاء الآخر فإنه واه» ! قلت:
«نعم»، فأجبتها إلى ما سألت، فجاء الزوج على ما وصفت، وقال:
«اقمعي سقاءك» فحيرني الله إن تركت الصحيح، وقمعت الواهي، فما شعر إلا باللبن يتسبب بين رجليه، فعدا إلى كسر الخيمة، وحل متاعه، وتناول رشاء من قد مدبوغ ثم ثناه باثنتين، فجعل لا يتقي رأسًا ولا وجهًا ولا رجلًا، حتى خشيت أن يبدو له وجهي، فتكون الأخرى، فألزمت وجهي الأرض، فعمل بظهري ما ترى، فلما تغيب عني، جاءت المرأة باكية، فرأت ما بي من الشر، واعتذرت وأخذت ثيابي وانصرفت» .
قال وحدث بهذا الحديث محمد بن صالح بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه «بسر من رأى»، سنة أربعين ومائتين، وكان حمل من البادية إلى المتوكل فأطلقه، وكان إعرابيًا فصيحًا، فعجب منه، وكان حسن الوجه نجيبًا، قلما رأيت في الفتيان مثله، قال: كان منا فتى يقال له الأشتر بن عبد الله، وكان سيد بني هلال، وأحسنهم وجهًا، وأسخاهم كفًا، وكان معجبًا بجارية يقال لها «جيداء»، بارعة الجمال، فلما اشتهر أمرهما، وظهر خبرهما، وقع الشر بين أهل بيتيهما، حتى قتل بينهما
[ ٢٧٢ ]
القتلى، فافترقوا فريقين، فلما طال على الأشتر البلاء، جاءني يوما وقال:
«هل فيك خير»؟ قلت: «عندي ما أحببت»، قال: «تساعدني على زيارة جيداء» قلت: «بالحب والكرامة»، فانهض إذا شئت» .
قال: فركبنا وسرنا يومًا وليلة والغداة حتى المساء، فنظرنا إلى أدني سرب لهم، فأنخنا رواحلنا في شعب وقعدنا هنا، وقال: «يا نمير، اذهب وأنشد واذكر لمن يلقاك إنك طالب ضالة، ولا تعرض بذكرى بشفة ولا لسان، إلى أن تلقى جاريتها فلانة، راعية الضأن، فتقرئها مني السلام، وتسألها عن الخبر، وتعلمها بمكاني» .
قال: فخرجت لا أتعدى ما أمرني به، حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة، وأعلمتها بمكانة وسألتها عن الخبر، فقالت: «هي مشدد عليها، محتفظ بها، وعلى ذلك فموعد كما عند الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت، مع صلاة العشاء»، فانصرفت فأخبرته، ثم قدنا رواحلنا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا فيه، فلم نلبث إلا قليلًا حتى إذا جيداء تمشي، فدنت منا، فوثب إليها الأشتر، فتصافحا وسلم عليها، ووثبت موليًا عنهما فقالا: «أقسمنا عليك إلا رجعت، فو الله ما بيننا من ريبة ولا قبيح نخلو به دونك»، فانصرفت إليهما، وجلست معهما، فقال الأشتر: «ما فيك حيلة يا جيداء فنتزود منك الليلة»؟ قالت: «لا، والله، ما إلى ذلك سبيل إلا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشر» ! فقال: «لا بد من ذلك ولو وقعت السماء على الأرض»، قالت: «فهل بصاحبك خير»؟ قلت:
«بلى، وهل الخير إلا عندي؟ فاسألي ما بدا لك، فإني منته إليه، ولو كان في ذلك كله ذهاب نفسي»، فألبستني ثيابها، وأخذت ثيابي ثم قالت:
«اذهب إلى خبائي فادخل في ستري، فإن زوجي يأتيك مع العتمة، فيطلب منك القدح ليحلب فيه، فلا تأخذه منه حتى يطيل عليك نكدك، ثم خذه أو ذره حتى يضعه ثم يستبد بردائه، ولست تراه حتى يصبح»، فذهبت ففعلت ما أمرتني به حتى جاء بالقدح فيه اللبن فأطلت نكدي عليه، ثم أهويت لآخذه فاختلفت يدي ويده، وانكفأ القدح، فانفق منه اللبن، فقال: «إن هذا
[ ٢٧٣ ]
الطماح مفرط»، وضرب يده إل جانب الخباء فاستخرج سوطًا، فضربني مقدار ثلاثين سوطًا حتى جاءت أمه وأخواته فانتزعوني منه، ولا والله ما فعلوا ذلك حتى زايلتني روحي، وهممت أن أوجره بالسكين، فلما خرجوا عني وهو معهم، قعدت كما كتب الله، فما لبثت إن جاءت أم جيداء، فحدثتني وهي تحسبني ابنتها فألقيتها بالسكوت، وتغطيت بثوبي دونها، فقالت: «يا بنية اتقي الله، ولا تتعرضي للمكروه من زوجك، فذلك أولى بك»، ثم خرجت من عندي فقالت: «سأرسل إليك أختك تؤنسك وتبيت الليلة عندك، فلم ألبث أن جاءت الجارية تبكي، وتدعو على من ضربني، وأنا لا أكلمها ثم اضطجعت إلى جانبي فلما استمكنت منها، شددت يدي على فمها، وقلت: «يا هذه تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري بسببها، وأنت أولى من ستر عليها فاختاري لنفسك ولها فو الله لئن تكلمت لتكونن فضيحة شاملة» ثم رفعت يدي عن فيها، فاهتزت مثل القصبة من الروع، وباتت معي ونلت منها الشهوة التامة، ورافقتني أصلح رفيق رافقته، ولم أذق شيئًا إلذ مما ذقت منها قط، فلم نزل نتحدث وتضحك مني ومما بليت به، حتى برق النور، وجاءت جيداء فلما رأتنا ارتاعت وقالت: «من هذا عندك»؟
قلت: «أختك»، قالت: «وما، السبب»؟ قلت: «هي تخبرك فإنها عالمة به» وأخذت ثيابي، وأتيت صاحبي فأخبرته بما أصابني، وكشفت له عن ظهري، فإذا فيه ما الله به عليم»، فقال: «لقد عظمت منتك عندي، ووجب شكرك، وخاطرت بنفسك، فلا حرمني الله مكافأتك» .
وعن رجل من بني عامر أنه خرج وهو غلام ما بقل «١» وجهه، وكان ذا جمال وهيئة، صاحب غزل، فهجم على قوم يتحملون، وقد شدوا أثقالهم وبرزوا، وإذا امرأة جميلة قد تخلفت على جمل لها لإصلاح شأنها، قال:
فوقفت عليها، فإذا هي أحسن خلق الله وجهًا، وأغزله وأملحه، فتلاقينا كلامًا غير كثير، فقالت: «أسألك شيئًا فهل لك به علم»؟ قلت:
«سلي»، قالت «أيهما أحسن جردة الرجل أم المرأة»، قلت: «الرجل»،
[ ٢٧٤ ]
قالت: «بل المرأة، فإن أحببت أن تعلم ذلك علمته»، قلت: «وكيف أعلمه»؟ قالت: «أتجرد لك من ثيابي وأرميها عني ثم أمشي حتى أبلغ الأكمة، ثم أقبل حتى آتيك فتعطيني عهد الله وميثاقه لتفعلن كما فعلت»، فقلت: «لك عهد الله إن فعلت لأفعلنه»، قال: «فألقت ثيابها عن أحسن ما نظرت إليه قط، بياضًا ونظافة وحسنًا، فلما انتهت إلي قالت: «الوفاء»، قلت: «الوفاء، ونعمة عيني»، فخلعت ثيابي وأنا كأبهى الفتيان وأهيأهم حتى مضيت بعد الغاية، فلما انتصف بي المدى سمعت خرخرة جملي، فإذا هي قد جالت على ظهره لابسة ثيابي، متنكبة قوسي، قد لزمت المحجة، فناديتها فلم تعرج علي، ولبست ثيابها وتخمرت بخمارها، وركبت بعييرها وزجرته، فانبعث بي أثر الحي وأخذت شق الوحشي، حتى ما أراها وجعلت أكف عن الجمل، إذ خشيت أن الحق الظعن حتى رأوني من بعيد، وجعلوا ينادون: «ويحك أقبلي» ! وأنا صامت لا أتكلم ولا أتقدم، فلما طال عليهم أمري، بعثوا بجارية لهم مولدة، فأقبلت تعدو حتى أتتني ونشطت خطام «١» الجمل من يدي، وأنا متبرقع أحسن الناس وجهًا وعينًا. فنظرت الجارية في وجهي ساعة، ثم قالت: «لقد أمسيت حديدة الطرف»، وقادت الجمل حتى أتت الحي، فقالت أم الجارية: «يا بنية لقد استحيت من الناس مما دعوتك العشية»، ثم تأملت ونظرت وسائر النساء. وقالت إحداهن: «والله إنه لرجل فطن»، وأنزلتني العجوز وأدخلتني الستر؛ وقالت: «من أنت لا أفلحت»؟ قلت: «بل ابنتك لا أفلحت، ولا أنجحت»، وقصصت عليها قصتها، فقالت: نشدتك الله ألا أعرتني نفسك هزيعًا من الليل فإنا كنا على أن نبني بابنتي صاحبة الجمل الليلة وما في الحي رجل غير زوجها، وهو إنسان فيه لوثة ولا بد من أن أدخلك عليه فإنك غلام أمرد، فلا ينكرك ولا أراه أقوى منك إن اعتركتما فلك عندي يد بيضاء» .
وأقبلت وأخت لابنتها وخالتها فألبسنني ثوب العروس وطينني، ثم دلفن
[ ٢٧٥ ]
بي نحو الرجل، بعيد العتمة، وقالت أمها: «أنا لك الفداء، تجلد ساعة بالامتناع، فإنه منصرف عنك. وستأتيك الكافرة» . فأدخلتني على مثل الأسد إلا أن به لوثة كما قالت فاعتركنا حتى أعيا، وكف عني، وطال بي الليل حت سمعت خرخرة جملي، فلم ألبث إلا هنيهة حتى جاءت أمها وخالتها وهي معهما، فجعلتها مكاني، وفتشت عن سرها فإذا هي قد ظلت مع إنسان كانت تهواه. وأتيت ثيابي، فنهضت مبادرا لا ألوي على شيء حذرًا مما لقيت.
قال: وملك النعمان بن المنذر أربعين سنة، فلم تر منه سقطة غير هذه، وهو أنه ركب يومًا فبصر بجارية قد خرجت من الكنيسة، فأعجبته لجمالها، فدعا بعدي بن زيد، وكان نديمه ووزيره، فقال له: «يا عدي! لقد رأيت جارية لئن لم أظفر بها أنه الموت، ولا بد من أن أتلطف أو تتلطف لي حتى تجمع بيني وبينها»، قال: «ومن هي»؟ قال: «سألت عنها فقيل: هي امرأة حكم بن عمرو رجل من أشراف الحيرة» . قال: «فهل أعلمت أحدًا» ! قال: «لا»، قال: «فاكتمه فإذا أصبحت، فجدد الحكم كرامة وبرًا» .
فلما أذن للناس بدأ به فأجلسه معه على سريره وكساه، فاستعظم الناس ذلك، فلما أصبح بدأ أيضأ بالأذن له وجمله فأنكر الناس ذلك. فقالوا: «ما هذا إلا لأمر» . فصنع به ذلك أيامًا؛ ثم قال له عدي: «أيها الملك، عندك عشر نسوة، فطلق إحداهن، ثم قل له فليتزوجها» ففعل، فلما دخل عليه، قال: «يا حكم ما كانت نفسي تسمح بهذا لولد فتزوج فلانة، فقد طلقتها»، فخرج حكم إلى عدي فقال: «يا أبا عويمر، ما صنع الملك بأحد ما صنع بي، وما أدري بما أكافيه» . قال له عدي: «طلق امرأتك كما طلق لك امرأته»، ففعل وحظي بها عدي عنده، وعلم حكم أنه قد مكر به في امرأته. وفيه يقول الشاعر:
ما في البرية من أنثى تعادلها إلا الذي أخذ النعمان من حكم
وحدث الفضل بن العباس عن الزبير بن بكار، عن محمد بن بشير
[ ٢٧٦ ]
الخارجي قال: «قدم علينا رجلان من أهل المدينة يصيدان ومعهما نسوة، والفساطيط مضروبة. وكان سليمان بن عبد الله الأسلمي وابن أخ له مقيمين بناحية الروحاء. فأرسل النسوة إلى سليمان وابن أخيه: «أما لكما حاجة في الحديث»؟ فرد الرسول: «إن يكن لنا فيه حاجة، فكيف لنا بذلك مع أزواجكن»؟ فقلن: «إنما خرج أزواجنا للصيد وقد بلغنا إن لكما صاحبًا يعرف من طلب الصيد ما لا يعرفه غيره فلو طرح لهم شيئًا من ذكره لا سرعوا إليه، وتخلفتم وتحدثتم ما شئتم»، يعنين به محمدًا بن بشير، فمضى إليه سليمان وابن أخيه فقال: «يا أبا محمد! أرسل إلينا النسوة بكذا وكذا، وسألنني أن أخرجك إلى الصيد، فقلت: «لا والله لا أفعل ولا أتعب ولا أنصب وأنتم تتلهون وتتحدثون أنا لذا أشد حبًا، وأكثر صبابة وشوقًا فأرسلا إلى النسوة بمقالتي، فأرسلن إليّ رسولا وعاهدنني لئن أخرجتهم ليحتلن لي حتى أخلو معهن ليلة حتى الصبح»، فصرت إليهم، وذكرت لهم الصيد فخرجوا معي، فما زلت أحدثهم بالصدق حتى أخذت في الكذب مما يضارع الصدق حتى أفنيته، فأقمت معهم ثلاثة أيام ولياليها، ثم انصرفوا من غير أن اصطدنا شيئًا، فقلت في ذلك:
إني انطلقت معي قومٌ ذوو حسبٍ ما في خلائقهم زهوٌ ولا حمق
إني لأعجب منهم كيف أخدعهم أم كيف آفك قومًا ما بهم رهق «١»
أظلّ في الأرض ألهيهم وأخبرهم أخبار قومٍ وما كانوا ولا خلقوا
ولو صدقت لقلت القوم قد دخلوا حين انطلقنا وإني ساعة انطلقوا
فلو أجاهد ما جاهدت دونكم في المشركين لأدركت الأولى سبقوا
إن كنت أبدًا جاري من حلائلكم والدهر ذو عنفٍ أيامه طرق
فإن كل جديدٍ عائدٌ خلقًا فلن يعود جديدًا ذلك الخلق
قال: فظفر أصحابي بالحديث والمغازلة، وأنا بالجهد والخيبة مع أتم القيادة «٢» والتعب وكذب المحادثة. وحدثنا وهب بن سليمان عن عمه الحسن
[ ٢٧٧ ]
بن وهب قال: خرج محمد بن عبد الملك الزيات من عند الواثق ومزيد بن محمد بن أبي الفرج الهاروني وكيل عبد الله بن طاهر، فإذا بجارية حسناء في منظرة لها، فلما بصرت به ورأت موكبه، وكان جميلا طريفا، أو مأت إليه السلام وأو مأت بيدها إلى صدرها، فأعجب بها فلما صار إلى منزله، دخلت إليه، فرأيته بخلاف ما عهدت، وكان لا يكتمني شيئا فقلت: «ما لي أراك مدلهًا يا أبا الحسن»؟ قال: «رأيت شيئًا أنا فيه مفكر»، ثم أنشأ يقول:
وابأبي مخضبٌ أومى إلينا بيده
أومى بها يخبرني راحته في كبده
أن الضنى في جسدي يخبرني عن جسده
فليس للحاسد إلا خصلةٌ من حسده
ثم شرح لي القصة، ثم انصرفت من عنده، ووافيت مولى الجارية، فسألته أن يبيعها، فقال: «اشتريتها للأمير عبد الله بن طاهر، وليس إلى بيعها من سبيل»، فلم أزل به حتى اشتريتها بخمسين ألف درهم، ووجهت بها إليه، وكتبت إليه:
هذا محبك مطويٌ على كمده عبرى مدامعه تجري على جسده
له يدٌ تسأل الرحمن راحتها مما به، ويدٌ أخرى على كبده
فقبلها، وحسن موقعها عنده، فولاني خراج ديار ربيعة، فأصبت فيها [ألف] آلف درهم.
قال السجستاني «١»: أرق الرشيد ذات ليلة، فوجه إلى عبد الملك الأصمعي، وإلى الحسين الخليع، فأحضر هما، وشكا إليهما مدافعة نومه، وشدة أرقه، وقال لهما: «عللاني بأحاديثكما، وابدأ أنت يا حسين» .
قال: «نعم يا أمير المؤمنين! خرجت في بعض السنين منحدرا إلى البصرة،
[ ٢٧٨ ]
وممتدحًا لآل سليمان، فقصدت محمد بن سليمان بقصيدتي، فقبلها وأمرني بالمقام، فخرجت ذات يوم إلى المربد، وجعلت المهالبة طريقي، فأصابني حر وعطش، فدنوت من باب دار كبير لأستسقي، فإذا أنا بجارية أحسن ما يكون كأنها قضيب يتثنى، وسناء العينين، زجاء الحاجبين، مهفهفة الخصر، حاسرة الرأس، مفتوحة الجرب؟؟؟؟، عليها قميص لاذجلناري، ورداء عدني، قد علت شدة بياض بدنها حمرة قميصها، تتلألأ من تحت القميص بثديين كرمانتين، وبطن كطي القباطي، وعكن مثل القراطيس، لهما جمة جعدة، بالمسك محشوة، وهي، يا أمير المؤمنين متقلدة خرزًا من ذهب، والجوهر يزهو بين ترائبها، وعلى صحن جبينها طرة كالسبج، وحاجبان مقرونان، وعينان كحلاوان، وخدان أسيلان، وأنف أقنى، تحته ثغر كاللؤلؤ وأسنان كالدر، وقد غلب جربانها سواد السمك والغالية ودابر العود الهندي، على لبتها عبق الخلوق وهي والهة حيرى، واقفة في الدهليز، وجائية تخطر في مشيتها، قد خالط صرير نعلها أصوات خلخالها كأنها تخطر على أكباد محبيها، فهي كما قال الأفوه الأودي:
ليس منه ما يقال لها كملت لو أن ذا كملا
كل جزءٍ من محاسنها كائنٌ من حسنها مثلا
لو تمنت في براعتها لم نجد في حسنها بدلا
فهبتها، والله، يا أمير المؤمنين، ثم دنوت منها لأسلم عليها، فإذا الدار والدهليز والشارع قد عبقت بالمسك. فسلمت عليها، فردت السلام بلسان منكسر، وقلب حزين محرقٍ، فقلت لها: «يا سيدتي! إني شيخ غريب أصابني عطش، فأمري لي بشربةٍ من ماءٍ، تؤجري» . قالت: «إليك عني، يا شيخ، فإني مشغولة عن سقي الماء وادخار الأجر» ! فقلت لها: «يا سيدتي، لأية علة»؟ قالت: «لأني عاشقة من لا ينصفني، وأريد من لا يريدني، ومع ذلك فإني ممتحنة برقباء فوق رقباء» . قلت لها: «يا سيدتي، هل على بسيط الأرض من تريدينه ولا يريدك»؟ قالت: «إنه لعمري على ذلك الفضل الذي ركب الله فيه من الجمال والدلال» . قلت لها: «يا
[ ٢٧٩ ]
سيدتي، فما وقوفك في الدهليز»؟ قالت: «هو طريقه، وهذا أوان اجتيازه» . قلت لها: «يا سيدتي، هل اجتمعتما في خلوة في وقت من الأوقات، أم حب مستحدث» ! فتنفست الصعداء، وأرخت دموعها على خديها كطل على ورد، وأنشأت تقول:
وكنا كغصني بانةٍ وسط وردةٍ نشم جنى اللذات في عيشةٍ رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌ فيا من رأى فردًا يحن إلى فرد
قلت لها: «يا هذه، ما بلغ من عشقك هذا الفتى»؟ قالت: «أرى الشمس على حائطهم أحسن منها على حائط غيرهم؛ وربما أراه بغتة، فأبهت وتهرب الروح عن جسدي، وأبقى الأسبوع والأسبوعين بغير عقل»؛ قلت لها: «عزيز علي، وأنت على ما بك من الضنى وشغل القلب بالهوى، وانحلال الجسم وضعف القوى، ما أرى من صفاء اللون، ورقة البشر، فكيف لو لم يكن بك من الهوى شيء، أراك كنت مفتنة في أرض البصرة» .
قالت: «كنت، والله، يا شيخ، قبل محبتي لهذا الغلام، تحفه الدلال والجمال والكمال، ولقد فتنت جميع ملوك البصرة، وفتنني هذا الغلام» .
فقلت: «يا هذه، ما الذي فرق بينكما» قالت: «نوائب الدهر، وأوابد الحدثان، ولحديثي وحديثه شأنٌ من الشان، وأنبيك أمري:
إني كنت أفصدت، في بعض أيام النيروز، فأمرت، فزين لي وله مجلس بأنواع الفرش، وأواني الذهب؛ ونضدنا الرياحين والشقائق والمنثور وأنواع البهار، وكنت دعوت لحبيبي عدة من متظرفات البصرة، فيهن من الجواري، جارية «شهران»، وكان شراؤها عليه من مدينة عمان ثمانمائة ألف درهم؛ وكانت الجارية ولعت بي، وكانت أول من أجابت الدعوة، وجاءتني منهن؛ فلما حصلت عندي، رمت بنفسها علي، تقطعني عضًا وقرصًا. ثم خلونا نتمزز القهوة إلى أن يدرك طعامنا، ويجتمع من دعونا، فتارة هي فوقي، وتارةً أنا فوقها، فحلمها السكر على أن ضربت يدها على تكتي فحلتها، ونزعت هي سراويلها، وصارت بين فخذي كمصير الرجال من النساء. فبينا نحن كذلك، إذ دخل علي حبيبي، وقد التزق قرطي
[ ٢٨٠ ]
بخلخالي؛ فلما نظر إلينا، اشمأز لذلك، وصدف عني وعنها صدوف المهرة العربية إذا سمعت صلاصل اللجم، وعض على أنامله، وولى خارجًا.
فأنا، يا شيخ، منذ ثلاث سنين، اسل سخيمته، وأستعطفه فلا ينظر إلي بعين، ولا يكتب إلى بحرف، ولا يكلم لي رسولًا.
قلت لها: «يا هذه، أفمن العرب هو أم من العجم»؟ قالت: «هو من جلة ملوك البصرة» . قلت: «من أولاد نيابها أو من أولاد تجارها» .
قالت: «من عظيم ملوكها» . قلت لها: «أشيخ هو أم شاب»؟ فنظرت إلي شزرًا وقالت: «إنك لأحمق. أقول: هو مثل القمر ليلة البدر، أمرد أجرد، وطرة رقعاء كحنك الغراب، تعلوه شقرة في بياض، عطر لباس، ضارب بالسيف، طاعن بالرمح، لاعب بالنرد والشطرنج، ضارب بالعود والطنبور، يغني وينقر على أعدل وزن، لا يعيبه شيء إلا انحرافه عني، لا نقصًا لي منه بل حقدًا لما رآني عليه» . قلت: «يا هذه، وكيف صبرك عنه»؟ فأنشأت تقول:
أما النهار، فمستهامٌ والهٌ وجفون عيني ساجفاتٌ تدمع
والليل، قد أرعى النجوم مفكرًا حتى الصباح، ومقلتي لا تهجع
كيف اصطباري عن غزالٍ شادن في لحظ عينيه سهامٌ تصدع
وجهٌ يضيء، وحاجبان تقوسا وكأن جبهته سراجٌ يلمع
وبياض وجهٍ قد أشيب بحمرة في وجنتيه كأنه مستجمع
والقد منه كالقضيب إذا زها والغصن في قنوائه يترعرع
تمت خلائقه، وأكمل حسنه كمثال بدرٍ، بعد عشرٍ، أربع
قلت لها: «يا سيدتي، ما اسمه، وأين يكون»؟ قالت: «تصنع به ماذا»؟ قلت: «أجهد في لقائه، وأتعرف الفضل بينكما في الحال»، قالت: «على شريطة» قلت: «وما هي»؟ قالت: «تلقانا إذا لقيته، وتحمل لنا إليه رقعة» . قلت: «لا أكره ذاك» . قالت: «هو ضمرة بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، يكنى بأبي شجاع، وقصره في المربد
[ ٢٨١ ]
الأعلى، وهو أشهر من أن يخفى» . ثم صاحت في الدار: «يا جواري، دواةً وقرطاسًا» ! وشمرت عن ساعدين كأنهما طومارا فضة، ثم حملت القلم وكتبت:
«بسم الله الرحمن الرحيم، سيدي: تركي الدعاء في صدر رقعتي، ينبيء عن تقصيري، ودعائي، إن دعوت، يكون هجنة. فلولا أن بلوغ المجهود يخرج عن حد التقصير، لما كان لما تكلفته خادمتك من كتب هذه الرقعة معنى، مع إياسها منك، وعلمها بتركك الجواب.
سيدي، فجد بنظرة، وقت اجتيازك في الشارع إلى الدهليز، تحي بها أنفسًا ميتةً أسرى؛ واخطط بخط يدك، بسطها الله بكل فضيلة، رقعة فأجعلها عوضًا من تلك الخلوات التي كانت بيننا في الليالي الخاليات التي أنا ذاكرتها.
سيدي، ألست لك محبة، وبك مدنفة؟ فإن رجعت، مولاي، إلى الأشبه بك، وأنقذتني من عوارض التلف، كنت لك خادمة، ولك شاكرة» .
فلما فرغت من الكتاب، يا أمير المؤمنين، ناولتني إياه، فقلت لها:
«يا سيدتي، قد وجب حقك علي، ولزمتك حرمتي لطول وقوفي عليك.
وكنت قد سألت شربة ماء» . قالت: «استغفر الله، ما فهمنا عنك» . ثم صاحت في الدار: «أخرجن إلينا شرابًا من ماء وغير ماء» . فما كان إلا أن أقبل ثلاثون وصيفة، بأيديهن الطاسات والجامات والأقداح، مملؤة ماء وثلجًا وفقاعًا وشرابًا، فشربت الماء ثم قلت: «يا سيدتي، مع قدرتك على هذا من استواء الحال، وكثرة الخدم والعبيد والجواري، فلم لا تأمرين إحدى الجواري أن تقف مراعية للغلام، حتى إذا مر أعلمتك، فتخرجين إليه»؟ قالت: «لا تغلط يا شيخ»، فتمثلت:
عبالة عنق الليث من أجل أنه إذا رام أمرًا قام فيه بنفسه
ثم انصرفت عنها، يا أمير المؤمنين؛ فلما أصبحت غدوت على محمد بن سليمان فوجدت مجلسه محتفلًا بالملوك وأبناء الملوك، ورأيت غلامًا قد
[ ٢٨٢ ]
زان المجلس، وفاق من فيه حسنًا وجمالًا، قد رفعه الأمير فوقه، فسألت عنه، فقيل: «ضمرة بن المغيرة»، فقلت في نفسي: «بالحقيقة حل بالمسكينة ما حل، هو، والله، قاتلها فيما أرى» . ثم قمت فقصدت المربد، ووقفت على باب داره، فإذا هو قد ورد في موكب جليل، فوثبت إليه، وبالغت في الدعاء والثناء؛ ثم دنوت منه، وفاوضته في الذي بيني وبينها، وناولته الرقعة، فلما قرأها ضحك، ثم قال: «يا شيخ قد استبدلنا بها، فهل لك في أن تنظر إلى البديل»؟ قلت: «نعم» . فصاح في الدار:
«يا جواري، أخرجن إلينا لذيذًا» . فما كان إلا أن طلعت جارية وضيئة الكمين، ناهدة الثديين، تمشي مشية مستوحل، ترتج من دقة خصرها على كبر عجزها ذات فخذين وعجيزتين تختطفان الأنفس اختطافًا، على رأسها بطيخة من الكافور، مكتوب علي جبينها:
آه «١» من الحب آه ما أقتل الحب وأضناه
ودون ذلك مكتوب:
عيارةٌ قياسةٌ في الخطى رخيمة الدل، صيودٌ للرجال
وقد كتبت بالغالية على عصابتها ثلاث أسطر، وهي:
إذا غضبت رأيت الناس قتلى وإن رضيت فأرواحٌ تعود
لها في عينها لحظات سحرٍ، تميت بها، وتحيي من تريد
وتسبي العالمين بمقلتيها فكل العالمين لها عبيد!!
فناولها الرقعة، وقال: «اقرئي وأجيبي صاحبتك» . فلما قرأت الرقعة، اصفرت، وعرقت، ومزقتها، وضربت بها في وجه الغلام، وغابت في الستر. فقال لي: «أما أنت، يا شيخ، فاستغفر الله مما مشيت فيه» .
قلت: «بل أنت استغفر الله من هجرانك إياها، وتركك إتيانها. والله ما أرى لها في البشر نظيرًا» . قال: «لا أفعل، ولو أنها في حسن يوسف وكمال حواء» .
[ ٢٨٣ ]
فخرجت، يا أمير المؤمنين، وأنا أجر ذيلي حتى وردت عليها؛ فاستأذنت ودخلت، فبدأت بي، فقالت: «ما وراء الشيخ»؟ قلت:
«البؤس واليأس» . قالت: «لا عليك. فأين الله والقدر»؟ ثم أمرت لي بخمسمائة دينار، وعشرة أثواب، وخرجت من عندها وأنا ممتدح لآل سليمان. فلم يكن لي، والله، إلا معرفة خبرها في العام الذي عدت فيه إلى البصرة، فوردت عليها، فوجدت على بابها أمرًا، ونهيًا، وأسبابًا لا تكون إلا على باب الخلفاء.
فاستأذنت، فدخلت، فإذا فوق رأسها ثلاثون رجلًا من شيوخ وشبان وخدم، وقوف بسيوفهم، فلما نظرت إلي، عرفتني، ووثبت إلي، وقبلت رأسي، وقالت: «يا شيخ! الحمد لله الذي جعل العبيد بالصبر ملوكًا، وجعل الملوك بالتيه عبيدًا، إن الذين تراهم وقوفًا، أصحاب «ضمرة»، يسلون سخيمتي، ويسألونني الرجوع له، والله، لا نظرت إليه في وجه، ولو أنه في حسن يوسف وكمال حواء» . فسجدت، يا أمير المؤمينين شماتة بضمرة، وتقربًا إلى الجارية. فقال بعض حجاب ضمرة: مهلًا يا شيخ، فمن طاب محضره، طاب مولده» . ثم انصرفوا.
فناولتني خريطة «١» فيها أوراق، فقالت: «هذا أول ما ورد علينا منه، فإذا ثوب خزّ أبيض يقق، مكتوب فيه بماء الذهب: «بسم الله الرحمن الرحيم. لولا تغاضي عليك، أدام الله حياتك، لو صفت شطرًا من غدرك، ولبسطت سوط عتبي عليك، وحكمت سيف ظلامتي فيك، إذ كنت الجانية على نفسك، والمظهرة لسوء العهد وقلة الوفاء، المؤثرة علينا غيرنا، فخالفت هواي، وفرشت نفسك لها، على حالتي جد وهزل، وصحو وسكر، والمستعان الله على ما كان من سوء اختيارك. وقد ضمنت رقعتي هذه، أبيات شعر، أنت المتفضلة بالنظر إليها، وهي:
قطع قلبي فراقكم قطعا وكدت أقضي بينكم جزعا
[ ٢٨٤ ]
ما تكحل العين بالرقاد ولا ينام جنبي في الليل مضطجعا
لا عيش لي مذ نأت ولا وجدت عيناي في الأرض قط متسعا
قلت لها: «أفلا تحدثينني كيف سليت عنه، وابتلى»؟ قالت:
«كيف لا أحدثك»؟ افتصدت «تفاحة»، جارية محمد بن سليمان، فدعينا إلى خورنق لمحمد بن سليمان، فلما طعمنا، دعت لنا بالشراب، فبينا نحن كذلك، إذا بحراقة سلطانية قد وردت، وفيها عدة من أبناء الملوك، وفيهم هذا العيار، ولا علم لي بمكانه، وكنت حملت العود وغنيت:
أبلى فؤادي وشفني الأرق والدمع من مقلتي يستبق
من حب ظبيٍ أغن ذي دعجٍ وقلبه للشفاء منطبق
فلما وجبت العتمة انصرفنا، وأبطأت الجارية، وأتاني هؤلاء القوم من عنده يسلون سخيمتي، ويستعطفونني عليه.
ثم انصرفت عنها، يا أمير المؤمنين، ودخلت الحمام من ساعتي، فما كان إلّا أن دخلت، حتى أتاني غلامي، فقال: «جماعة من جلة الناس قد طرقوا دارك يطلبونك» . فلبست ثيابي، وخرجت مسرعًا، فإذا بضمرة قد كبس داري في عدة من الرؤساء، فقال: «والله لا برحنا، حتى تنفق علينا الخمسمائة دينار التي أخذتها من الجارية، سيدتي» . قلت: «أي والله، بالسمع والطاعة» .
ثم جذبني إلى نفسه، فلم يزل يناظرني في أمرها حتى أقبل المساء، ثم انصرف إلى رحله. فلما كان من الغد، وردت له رقعة مع خادم، وكيس فيه الف دينار، واستزارني، فقبلت ذلك، وصرت معه إليه. فلما نظر إلي، تنحى عن مقعده، وأقعدني، ثم قال: «هذا قد أعددته، للنيروز، لسيدتي هدية، وأنت أولى من تجشم مع الخادم إليها» . قلت: «السمع والطاعة» . ثم صاح في الدار: «هاتوا الهدية» . فإذا مائة تخت من ثياب، وصندوق من ذهب مقفل عليه، فقال لي: «في التخت والصندوق مبلغ ثلاثين ألف دينار، وأنت أولى من تفضل بالإيصال» .
[ ٢٨٥ ]
فصرنا إليها، واستأذنا، فلما مثلنا بين يديها، أنكرتني وقالت: «من الشيخ»؟ قلت: «الخليع، شاعر العراق؛ ومعي هدية عبدك ضمرة» .
فصاحت في الدار: «تملك» ! فإذا جارية كأنها الظبية المنفلتة من الشبكة، قالت لها: «خذي هذه الهدايا، وفرقيها على جواري الدار»، ثم قالت:
«أيطمع الخنوص أن يجتمع معي، بعد قبولي الهدية، في ثلاثين سنة»؟
قلت لها: «العفو عند المقدرة يعدل عتق رقبة»، قالت: «ففي خمس عشرة سنة»؟ قلت لها: «أنقصيها، أولى بك» . قالت: «ففي ثلاث سنين»، قلت لها: «حطة أخرى، وقد اجتمعنا»، قالت: «لا، والله، لا آكل ولا أشرب حتى آتيه» .
وأمرت أن يسرج؛ وبادرت إلى باب ضمرة مبشرًا، فما وصلت أو سمعت صلاصل اللجم، فإذا هي قد سبقتني في جواريها وخدمها.
فدخلت، فإذا هما يتعانقان ويتعاتبان، فقلت: يا سيدتي، ما أنتما إلى شيء أحوج منكما إلى خلوة. قالا: هو ذاك! فانصرفت عنهما، ثم بكرت عليهما، فإذا هي في المرقد الأول جالسة، عليها جبّة وشيء مطير، وهي تعصر الماء عن ذوائبها، وتصلح قرونها، فاستحيتني وقالت: لا تفكرن في ريبة، فو الله ما صلينا البارحة، حتى بعثت إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي، فزوجت نفسي سيدي، ولكن صر إليه في المرقد الثاني.
فصعدت إليه، فلما نظر إلي، وثب إلي، وقبل بين عيني وقال: يا شيخ، قد جمع الله بيني وبين سيدتي بك. ثم دعا بدواة وقرطاس، وكتب إلى ابن نوح الصير في ثلاثة آلاف دينار؛ فرجعت إليها، فقالت: بماذا برك سيدي؟ فأقرأتها الرقعة، فقالت: نعجل إليك مثلها، فدعت بمال وطيار ووزنت ثلاثة آلاف دينار، ودعت بعشرة أثواب من ثياب مصر، وقالت: هذه وظيفتك علينا كل عام، فخرجت من عندي، وأخذت مرفوعي من آل سليمان، وانصرفت إلى العراق.
وكان الرشيد متكئًا، فاستوى جالسًا وقال: أوه يا حسين، لولا أن ضمرة سبقني إليها، لكان لي ولها شأن من الشأن.
[ ٢٨٦ ]