قيل: كان أردشير من أشد خلق الله فحصًا وبحثًا عن سرائر خاصته وعامته وإذكاءً للعيون عليهم وعلى الرعية، وكان يقول: إنما سمي الملك راعيًا ليفحص عن دفائن رعيته، ومتى غفل الملك عن تعرفه ذلك فليس له من رسم الراعي إلا اسمه ومن الملك إلا ذكره، ويقال: إنه كان يصبح فيعلم كل شيء جرى في دار مملكته خير أم شر ويمسي فيعلم كل شيء أصبحوا عليه، فكان متى شاء قال لأرفعهم وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت، ثم يحدّثه بكل ما كان فيه إلى أن أصبح، وكان بعضهم يقول: يأتيه ملك من السماء فيخبره، وما كان ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته.
[ ٦٨ ]
ويقال: إن الأمم كلها، أولها وآخرها، قديمها وحديثها، لم تخف ملوكها خوفها أردشير من ملوك العجم وعمر بن الخطاب، ﵁، من ملوك العرب والإسلام، فإن عمر، ﵁، كان علمه بمن نأى من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه على مهاد، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي أمير ولا عامل إلا وله عليه عين لا يفارقه، فكان أخبار النواحي كلها عنده كل صباح ومساء، حتى إن العامل كان يتوهم على أقرب الخلق إليه وأخصهم به، فساس الرعية سياسة أردشير في الفحص عنها وعن أسرارها، ثم اقتفى معاوية فعله وطلب أثره، فانتظم له أمره وطالت في الملك مدّته.
وكذا كان زياد بن أبي سفيان يحتذي فعل معاوية كاحتذاء معاوية فعل عمر، ﵀، في تعرف أمور رعيته وممالكه، وفي ما يُحكى عنه أن رجلًا كلمه في حاجة له فتعرف إليه وهو يظن أنه لا يعرفه فقال: أصلح الله الأمير، أنا فلان بن فلان، فتبسم زياد وقال: أتتعرف إلي وأنا أعرف منك بنفسك؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأمك وجدك وجدتك وأعرف هذا البُرد الذي عليك وهو لفلان! فبهت الرجل وأُرعد حتى كاد يغشى عليه.
وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان والحجاج ولم يكن بعد هؤلاء الثلاثة أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور فكان أكبر الأمور عنده معرفة الرجال حتى عرف العدو من الولي والموادع والمسالم من المشاغب فساس الرعية على ذلك، ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد فكان أشد الملوك بحثًا عن أسرار رعيته وأكثرهم بها عناية وأحزمهم فيها أمرًا.
وعلى هذا كان المأمون في أيامه، والدليل على أمر المأمون رسالته إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث وهو بالشام خبّر فيها عن عيب واحد واحدٍ وعن نحلته وعن أموره التي خفيت أو أكثرها على القريب والبعيد، ولم يكن أحد من ذوي السلطان الأعظم أشد فحصًا وبحثًا عن أمور الناس حتى بلغ هذا المبلغ في الاستقصاء وجعله أكبر شُغله وأكثره في ليله ونهاره من إسحاق بن إبراهيم.
حدثني موسى بن صالح بن شيخ قال: كلمته في امرأة من بعض أهلنا وسألته النظر لها فقال: يا أبا محمد من قصة هذا المرأة ومن فعلها، قال: فوالله ما زال يحدثني ويخبرني عن قصتها ويصف أحوالها حتى بُهتّ.
وحدّث أبو البرق الشاعر قال: كان يجري عليّ أرزاقًا فدخلت عليه فقال بعد أن أنشدته: كم عيالك؟ تحتاج في كل شهر من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا، فأخبرني بشيء من أمر منزلي جهلت بعضه وعلمه كله.
وحدث بعض من كان في ناحتيه قال: رفعت إليه قصة أسأله فيها أجرًا وأرزاقًا، فقال: كم عيالك؟ فزدت في العدد، فقال: كذبت، فبهتّ وقلت: يا نفس من أين علم أني كذبت! فأقمت سنة أخرى لا أجسر على كلامه ثم رفعت إليه القصة، فقال: كم عيالك؟ فقلت: كذا، قال: صدقت، ووقع في القصة: يجرى على عياله كذا وكذا.
[ ٦٩ ]
ويقال: إن كسرى أبرويز كان نصب رجلًا يمتحن به من فسدت عليه نيته من رعيته وطعن في المملكة، فكان الرجل يُظهر التأله والدعاء إلى التخلي من الدنيا والرغبة في الآخرة وترك أبواب الملوك، وكان يقص على الناس ويبكيهم ويشوب كلامه في خلال ذلك بذم الملك وتركه شرائع ملته وسنن سيرته ودينه الذي كان عليه، وكان هذا الرجل يمتثل ما حدّه له أبرويز ليمتحن بذلك خاصته، وكان من يسعى يخبر أبرويز بذلك، فيضحك ويقول: فلان في عقله ضعف وأنا أعلم أنه وإن كان بتكلم بما يتكلم لا يقصدني بسوء ولا المملكة بما يوهنها، ويظهر الاستهانة بأمره والثقة به والطمأنينة إليه، ثم توجه إليه في خلال ذلك من يدعوه فيأبى أن يجيبه ويقول: لا ينبغي لمن خاف الله أن يخاف أحدًا سواه، فكان الطاعن على الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل والزيارة له والأنس به، فإذا خلوا تذاكرا أمر الملك فابتدأ الناسك فطعن فيه وأعانه الخائن وطابقه على ذلك وشايعه، فيقول الناسك: إياك وأن يظهر هذا الجبار على كلامك فإنه لا يحتمل لك ما يحتمله لي، فحصّ منه دمك، فيزداد الآخر إليه استنامة وبه ثقة، فإذا علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به العقوبة في الشريعة قال لمن بحضرته: إني قاعد غدًا مجلسًا للناس أقص عليهم فاحضروه، ويقول لمن هو أشد به ثقة: احضر أنت فإنك رجل رقيق عند الذكر حسن النية ساكن الريح بعيد الصوت وإن الناس إذا رأوك قد حضرت زادت نياتهم خيرًا وسارعوا إلى استجابتي، فيقول الرجل: إني أخاف من هذا الجبار فلا تذكره إن حضرت، وكانت العلامة بينه وبين أبرويز أن أبرويز قد كان وضع عيونًا يحضرون متى جلس، فكان الناسك يقصّ على العامة ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة والخائن حاضر، فيأخذ الناسك في ذكر الملك، فينهض الخائن، وتجيء عيون أبرويز فتخبره بما كان، فإذا زال الشك عنه في أمره وجّهه إلى بعض البلدان وكتب إلى عامله: قد وجهت إليك برجل وهو قادم عليك بعد كتابي هذا فأظهر بره والأنس به والثقة إليه والسكون إلى ناحيته فإذا اطمأنت به الدار فاقتله قتلةً تحيي بها بيت النار وتصل بها حرمة النوبهار، فإن من فسدت نيته بغير علة في الخاصة والعامة لم يصلح بعلة، ومن فسدت نيته بعلة صلحت بخلافها.
[ ٧٠ ]
قال: وحدثنا الوضّاح بن محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا بديل بن حبيب يقول: كنا إذا خرجنا من عند أبي جعفر المنصور صرنا إلى المهدي وهو يومئذٍ ولي عهد، ففعلنا ذلك يومًا فأبرز لي المنصور يده فانكببت عليها فقبلتها، فضرب يدي بيده، فعلمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده، فوضع في يدي كتابًا صغيرًا تستره الكف، فلما خرجت قرأت الكتاب فإذا فيه: إذا قرأت كتابي هذا فاستأذن إلى ضياعك بالري، فرجعت فاستأذنت فقلت: يا أمير المؤمنين ضياعي بالري قد اختلت ولي حاجة إلى مطالعتها. فقال: لا ولا كرامة، فخرجت ثم عدت إليه اليوم الثاني فكلمته، فردّ عليّ مثل الجواب الأول، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أردت صلاحها لأقوى بها على خدمتك، فقال: إذا شئت، فقلت: يا أمير المؤمنين فلي حاجة أذكرها. قال: قلت: أحتاج إلى خلوة، فنهض القوم وبقي الربيع، فقلت أحلني، قال: ومن الربيع؟ قلت نعم، فتنحى الربيع فقال: إن جدت لي بدمك ومالك، فقلت: يا أمير المؤمنين وهل أنا ومالي إلا من نعمتك؟ حقنت دمي ورددت علي مالي وآثرتني بصحبتك، فقال: إنه يهجس في نفسي أن المرار بن جهور على خلعي وليس لي غيرك لما أعرف بينكما فاظهر إذا صرت إليه الوقيعة فيّ والتنقّص لي حتى تعرف ما عنده فإذا رأيته يهمّ بخلعي فاكتب إليّ ولا تكتبن على بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك في كل يوم فقد نصبت لك فلانًا القطان في دار القطن فهو يوصل كتبك، قال: فمضيت حتى أتيت الري فدخلت على مرّار فقال: أفلتّ؟ قلت: نعم والحمد لله، ثم أقبلت أؤنسه بالوقيعة في المنصور حتى أظهر ما كان المنصور ظن به، فكتبت إليه بذلك، فلما وصلت منه إلى ما أردت أتيت ضياعي ثم رجعت إليه بعد أيام، فقال: نجّاك الله من الفاجر؟ قلت: نعم، وأرجو أن تقع عينه عليّ أبدًا، فكنت أعرّض به فيزيدني مما عنده، ثم قال لي: هل لك أن تخرج إلى متنزه طيب؟ قلت: نعم، فخرجت أنا وهو نتساير حتى صرنا إلى موضع مشرف قد بنيت له عليه قبة، فأحدّ النظر إلى ما هناك ثم قال: يا أبا بديل أترى الفاجر يظن أني أعطيه طاعة أبدًا ما عشت؟ اشهد أني قد خلعته كما خلعت خفّي هذا من رجلي! قال: فرجعت إلى منزلي وأنا في كل يوم أكتب بخبره، قال: وقد كنت أعددت تسعة فرسان من بني يربوع ورجلًا من بني أسد فواطأتهم أن نبطش به وكتبت إلى المصمغان أن يأتيه في جنده إلى الموضع الذي اتفقنا عليه، قال: وأخذ المرّار الدواء في ذلك اليوم، وسبق إليه الأسدي بالخبر وقال: احذر فقد اتخذ لك كيت وكيت، قال: فدخلت عليه فإذا هو على كرسي، فعرفت الشر في وجهه والمنكر في نظره، فقال: هيه يا أبا بديل مع إكرامي لك أردت أن تقتلني؟ قال فتضاحكت وقلت: بلغ من مكره أن دس إليك هذا الأسدي، لقد علمت فيك حيلته! ثم حرّكه بطنه فقام إلى الخلاء وقال: لا ترم، فلما ولى وثبت وخرجت مسرعًا، فقال الحاجب: أسرعت. قلت: نعم في حاجة للأمير، وركبت فرسي فرأيت القوم قد وافوا كلهم إلا الأسدي، فعلمت أنه صاحبي، فلما خرج سأل عني فأخبر بمضييّ، فوجّه خيلًا في طلبي، فمال اليربوعيون فدفعهم، ومضيت حتى صرت إلى المصمغان وكتبت إلى أبي جعفر المنصور كتابًا مكشوفًا، فكتب: إني قد عرفت ما وصفته وقد صح الأمر، ثم كتب إلى خازم بن خزيمة فصار إليه حتى أخذه.
[ ٧١ ]
عليّ بن بريهة الهاشمي قال: قال صاحب عذاب أبي جعفر: دعاني أبو جعفر المنصور ذات يوم وإذا بين يديه جارية صفراء وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها: ويلك اصدقيني فوالله ما أريد إلا الألفة ولئن صدقتني لأصلن الرحم ولأتابعن البرّ إليه، وإذا هو يسائلها عن محمد بن عبد الله وهي تقول: ما أعرف مكانه، ودعا بالدَّهق وأمر به فوضع عليها فلما كادت نفسها أن تتلف قال: امسكوا عنها، وكره ما رأى وقال لأصحاب العذاب: ما دواء مثلها إذا صار إلى مثل حالها؟ قالوا: الطيب تشمه والماء البارد يصب على وجهها وتسقى السويق، فأمر لها بذلك وعالج بعضه بيده وقال لأصحاب العذاب: ألا أعلمتموني بما ينالها فأكف عنها؟ قالوا: قد علمنا أنها لا تقوى على هذا ولكنا هبناك، فما زالوا يردون عليها نفسها حتى أفاقت، وأعاد عليها المسألة فأبت إلا الجحود، فقال لها: أتعرفين فلانة الحجامة؟ فاسود وجهها وتغيرت، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين تلك في بني سليم، قال: صدقت، هي والله أمتي ابتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر وكسوة شتائها وصيفها، أمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أخباركم، ثم قال: أوتعرفين فلانًا البقال؟ قالت: نعم هو في بني فلان، قال: هو والله مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من البيوع فأخبرني أن أمةً لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حناء وورقًا، فقال لها: ما تصنيعن بهذا؟ فقالت: كان محمد بن عبد الله في بعض ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب، فأسقط في يدها وأذعنت بكل ما أراد.
قيل: وإن أبا جعفر كتب في حمل عبد الله بن الحسن وأهل بيته من المدينة إلى حضرته، فلما أُخرجوا كثر عليهم البكاء، فقال عبد الله: أفيقوا من البكاء وأوغلوا في الدعاء، فإني أشهد الله على ما أردت من إحياء الحق وإماتة الباطل، فجرى القدر بما جرى، فجدي الحسن والحسين قتلا بسم وسيف، فالحمد لله الذي جعل منايانا جهادًا ولم يجعلها مهادًا.
وأخبرنا إبراهيم بن السندي بن شاهك وكان من العلماء بأمر الدولة قال: قال لي المأمون: نُبئت أنك عالم بأمر الدولة ورجال الدعوة. قلت: ذلك الذي يلزمني يا أمير المؤمنين بعد الفرض أن أعرف أيام مواليّ ومحاسن ساداتي، قال: فهات ما عندك، ثم أنشأ يحادثني ويسائلني عن أمور خفية لم تخطر ببالي قط، فكان منها أن قال: ما اسم أم قحطبة بن شبيب؟ قلت: لا أعلم، قال: لبابة بنت سنان. ثم قال: ما اسم أبي عون؟ قلت: لا أدري، قال: فلان. فوالله ما زال يسائلني عن خفيّ أمر الدولة ولا يجد عندي جوابًا ولا يزيدني على أن تبسم، فكلما فعل ذلك زاد في عينيّ وضعفت عند نفسي، قال فكان آخر ما قال: أخبرك أن بعض أهلنا ذات يوم رأت وهي حامل متمّ كأنه أتاها آتٍ في منامها فقال لها: يولد في هذه الليلة خليفة ويموت خليفة ويستخلف خليفة، فمات الهادي في تلك الليلة واستخلف الرشيد وولدت أنا.
[ ٧٢ ]
وعن إبراهيم بن السندي بن شاهك قال: لما اختار يحيى بن أكثم العشرة من الفقهاء وأحضرهم مجلس المأمون لمذاكرة الفقه جعل له يومًا في الجمعة يحضرون مجلسه، فقال لي المأمون: يا إبراهيم احضر فلست بدون أكبرهم، فكنت أحضر، وكان قد اختار من أيام الجمعة يوم الثلاثاء، قال: فحضرت يومًا فلما أمسك المأمون عن المسائل نهض القوم، وكان ذلك إذنه بانصرافهم، فوثبت معهم، فقال بيده: مكانك يا إبراهيم، فقعدت وقام يحيى وساءه تخلفي، فقال لي ودخل إبراهيم بن المهدي: هات ذكر من في عسكرنا ممن يطلب ما عندنا بالرياء، فقلت ما عندي، وقال إبراهيم ما عنده، فقال: ما أرى عند أحد ما يبلغ إرادتي، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره حتى والله لو كان قد أقام في رحل كل رجل حولًا لما زاد على معرفته، وقال: إنه كان مما حفظت عنه في ثلب أصحابه أنه قال: تسبيح حميد الطوسي وصلاة قحطبة وصيام النوشجاني ووضوء بشر المريسي وبناء مالك بن شاهك المساجد وبكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر وجمَع الحسين بن قريش القيامي وقصص مرجّا وصدقة علي بن هشام وحملان إسحاق بن إبراهيم في سبيل الله وصلاة أبي رجاء الضحى، فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار: هل رأيت أو سمعت قط أعلم برعيته وأشد تنقيرًا من هذا؟ قلت: اللهم لا! فحدثت بهذا الحديث بعض أهل الخطر، فقال: وما تصنع بهذا وقد كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء بمعايبهم رجلًا رجلًا حتى إنه أعلم بما في منازلهم منهم؟ قال: وحدثنا سليمان بن علي النوفلي قال: سمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لنا المأمون يومًا من الأيام: من أنبل من تعلمون نبلًا وأعفهم عفة؟ قال: فقلنا وأكثرنا، فبعضنا مدحه وقرظه وقدمه على كل خليفة وإمام وعدّدنا ما نعرف من مكارم الأخلاق، فقال: ما كمال المناقب إلا لبني هاشم غير أنّا لم نردها ولا أردنا خلفاءها، قال علي بن صالح: اعرف القصة في عمر بن الخطاب، ﵀، فأشاح بوجهه وأعرض وذكر كلامًا ليس من جنس هذا الكتاب فنذكره، ثم قال: ذاك والله أبو العباس عبد الله بن طاهر دخل مصر وهي كالعروس الكاملة فيها خراجها وبها أموالها جمّة ثم خرج عنها فلو شاء الله أن يخرج عنها بعشرة آلاف ألف دينار لفعل، ولقد كان لي عليه عين ترعاه، فكتب إليّ أنه عرضت عليه أموال لو عرضت عليّ أو بعضها لشرهت إليها نفسي، فما علمته خرج عن ذلك البلد إلا وهو بالصفة التي قدمه فيها إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس، فمن رأى أو سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام؟ فالحمد لله الذي جعله غرس يدي وخرّيج نعمتي.
[ ٧٣ ]
وقال بشر بن الوليد: كان والله المأمون الملك حقًا، ما رأيت خليفة قط كان الكذب عليه أشد منه على المأمون، وكان يحتمل كل آفة تكون بالإنسان إلا الكذب، قال فقال لي يومًا: صف لي أبا يوسف القاضي فإني لم أره، فوصفته له، فاستحسن صفته وقال: وددت أن مثل هذا بحضرتنا فنتزين به، ثم أقبل عليّ وقال: ما في الخلافة شيء إلا وأنا أحسن أن أدبّره وأبلغ منه حيث أريد وأقوى عليه إلا أمر أصحابك، يعني القضاة، وما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام ويتوقى سوء عاقبته ويكالب عليه الفقهاء وأهل التصنع؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين ما أدري ما تقصده فأجيب عنه! قال: لكني أدريه وأُدريك ولا والله ما تجيبني عنه ولا فيه بجواب مقنع، ثم قال: ولينا رجلًا أشرتَ به قضاء الأبلّة وأجرينا عليه في الشهر ألف درهم وما له صناعة ولا تجارة ولا كان له مال قبل ولايتنا إياه وولينا رجلًا آخر قضاء دمشق وأجرينا عليه ألف درهم في الشهر أشار به إلي محمد بن سماعة، فأقام بها أربعة عشر شهرًا، فوجهنا من يتبع أمواله في السر والعلانية ويتعرف حاله، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من دابة وغلام وجارية وفرش وأثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار، وولينا رجلًا أشار به إلي فلان نهاوند فأقام بها أربعة وعشرين شهرًا، فوجهنا من يتبع أمواله فأخبرنا أن في منزله خدمًا وخصيانًا بقيمة ألف وخمس مائة دينار سوى نتاج قد اتخذه، فهات ما عندك من الجواب! فقلت: ما عندي يا أمير المؤمنين جواب، قال: ألم أعلمك؟ ثم قال: وأكبر من هذا وأطم أني فزعت إلى علي بن هشام في رجل أوليه القضاء فقال: قد أصبت واحدًا والله يشهد أنه سرني ورجوت أن يكون بحيث أحب، قلت: فاغدُ به عليّ، قال: أفعل، ثم غدا، فقلت: أين الرجل؟ فقال: لم أجده في الفقه بالموضع الذي يجب أن يتصل صاحبه بأمير المؤمنين، قال: فأنكرت عليه وأظهرت الغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل الذي ذكرته لك بالأمس هو علي بن مقاتل وكان عندي من أهل العفاف والستر، فانصرفت بالأمس على أن أحضره، فوجهت إليه وأنا لا أشك أنه سيظهر الكراهية في ما أراد له أمير المؤمنين وإن كان يستبطن غيرها ويستعفي كفعل من يتصنع أو يكره ذلك بالحقيقة، فلما جاءني ألقيت إليه الذي أردته له فما تمالك أن وثب فقبّل رأسي، فعلمت أنه لا خير عنده وأنه لو كان من أهل الفضل والخير لعدّ الذي دعي إليه إحدى المصائب، فلم أر لنفسي أن أحضره ولا أن يستعان بمثله، فقلت: جزاك الله خيرًا عن إمامك أحسن ما جزى امرأً عن إمامه وهم دينك ونفسك، قال بشر: فبهتّ وانقطعت ولم أُحر كلمةً فقال: لا ولكن إن أردت العفيف النظيف الزاكي التقي الطاهر فقاضي الري هو بالحالة التي فارقته عليها والله ما غير ولا بدّل، فأما قولكم في يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه إلا أن ظاهره أنه أعف خلق الله عن الصفراء والبيضاء، ميل إلينا من أموال الحشوية أربع مائة ألف دينار، فأي نفس تسخو بهذا؟ قال بشر: فقلت يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب فإنه كان يفحص عن عمّاله وعن دفين أسرار حكّامه فحصًا شافيًا، فكان لا يخفى عليه ما يفيد كل امريء وما ينفق، وكان من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه وتنقيره، فقال المأمون: إن أهمّ الأمور كلها أمور القضاة والحكام إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء والأموال والفروج والأحكام فوددت أني أجد مائة حاكم وأني أجوع يومًا وأشبع يومًا.
[ ٧٤ ]
حمدون بن إسماعيل النديم قال: حضر العيد فعبّى المعتصم بالله خيله تعبيةً لم يسمع بمثلها ولم ير لأحد من ولد العباس شبيهٌ بها، وأمر بالطريق فمسح من باب قصره إلى المصلى ثم قسم ذلك على القوّاد وأعطى كلّ واحد منهم مصافّه، فلما كان قبل الفطر بيوم حضر القوّاد وأصحابهم في أجمل زيّ وأحسن هيأة فلزموا مصافّهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم بالله إلى المصلى، فكان الموضع الذي وقع لإبراهيم بن المهدي من بعد الحرسيّ بحذاء مسجد الخوارزمي وإبراهيم واقف وأصحابه في المصاف، فلما أصبح المعتصم أمر القواد الذين لم يرتبوا في المصاف بالمصير إلى المصلى على التعبية التي حدّها، ولبس ثيابه وجلس على كرسيّ ينتظر مضيّ القواد، فلما انقضى أمرهم تقدّم إلى الرجّالة في المسير بين يديه فتقدّم منهم سبعة آلاف ناشب من الموالي كل ثلاثمائة منهم في زيّ مخالف لزيّ الباقين وأربعة آلاف من المغاربة وأمر الشيعة فكانوا وراءه بالأعمدة وعدّتهم أربعة آلاف، وركبت لا أدري منزلتي أين هي ولا أعرف مرتبتي ولم أعلم أين أسير من الموكب، فلما وضع رجله في الركاب واستوى على سرجه التفت إليّ وقال: يا حمدون كن أنت خلفي، فلزمت مؤخر دابته، فلما خرج من باب القصر تلقّاه القواد وأصحاب المصافّ يخرج الرجل من مصافه فإذا قرب نزل وسلم عليه بالخلافة فيأمره بالركوب ويمضي حتى وصل إلى إبراهيم بن المهدي فنزل وسلم عليه بالخلافة فردّ ﵇ فقال: كيف أنت يا إبراهيم وكيف حالك وكيف كنت في أيامك؟ اركب، فركب، فلما جاوزه التفت إليّ فقال: يا حمدون! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: تذكر، قلت: أي والله يا سيدي، وأمسك، فنظرت في ما قال فلم أجدني أذكر شيئًا في ذلك الموضع مما يشبه ما كنا فيه، فنغص عليّ يومي وما رأيت من حسنه وسروري بالمرتبة التي أهلني بها، وقلت: الخلفاء لا يعاملون بالكذب ولا يجوز أن يسألني عند انصرافي عن هذا الأمر فلا يكون له عندي جواب ولا حقيقة، وتخوفت أن ينالني منه مكروه، فلم أزل واجمًا في طريقي إلى وقت انصرافه ثم أجمعت على مغالطته إن أمكنني وأعمل الحيلة في التخلص إن يسألني، فلما استقر في مجلسه وبسط السماط وجلس القوّاد على مراتبهم للطعام أقبلت أخدم وأختلف ليست لي همة غير ما كان قاله لي لا أغفل عن ذلك حتى انقضى أمر السماط ورفع الستر ونهض أمير المؤمنين ودخل الحجرة ومضى إلى المرقد، فلم ألبث أن جاء الخادم وقال لي: أجب أمير المؤمنين، فمضيت فلما دخلت ضحك إليّ وقال: يا حمدون رأيت؟ قلت: نعم يا سيدي قد رأيت، فالحمد لله الذي بلغ بي هذا اليوم وأرانيه فما رأيت ولاسمعت لأحد من الخلفاء والملوك بأجلّ منه ولا أبهى ولا أحسن، قال: ويحك رأيت إبراهيم بن المهدي؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: رأيت سلامه عليّ وردّي عليه ونزوله إليّ؟ قلت: نعم، فقال: إنه لما كان من أمره ما كان، يعني الخلافة، قسم الطريق في يوم عيد من منزله إلى المصلّى كقسمتي إياه في هذا اليوم بين قواده، فوقع موضعي منه الموضع الذي كان به هذا اليوم، فلما حاذاني نزلت فسلّمت عليه فردّ عليّ مثل ما رددته حرفًا حرفًا على ما قال لي، قال: فدعوت له وانفرج عني ما كنت فيه وتخلّى عني الغمّ والكرب، ثم قال: يا حمدون إني لم آكل شيئًا وأنا أنتظر أن تأكل معي فامض إلى حجرة الندماء فإنك تجد إبراهيم هنالك فاجلس إليه وعابثه وضاحكه وأجر له هذا الحديث وقل له إنك رأيته في ذلك اليوم فعل بي فعلي به في هذا اليوم وانظر إلى وجهه وكلامه وما يكون منه فعرفنيه على حقيقته واصدقني عنه وعجّل ولا تحتبس، قلت: نعم يا سيدي، فمضيت وقد دُفعتُ إلى أغلظ مما كنت فيه لعلمي بأن إبراهيم لو كان من حجرٍ لأثر فيه هذا القول وتغيّر وظهر منه ما يكره، وخفت أن يكون يأتي بما يسفك به دمه فمضيت حتى دخلت الحجرة فجلست إلى إبراهيم وفعلت ما أمرني به وأنا مبادر خوفًا من خادم يلحقني أو رسول فلا يمكنني معه تحسين الأمر وما يظهر لي منه، فقلت لإبراهيم: كيف رأيت يا سيدي هذا اليوم، أما أعجبك حسنه وما كان من تعبية أمير المؤمنين؟ قال: بلى والله إنه أعجبني فالحمد لله الذي بلّغنيه وأرانيه، وأطنب في الدعاء للمعتصم، فلما أمسك قلت: يا سيدي أذكرك في أيامك وقد ركبت فعبّيت شبيهًا بهذه التعبية وقسمت الطريق مثل هذه القسمة فوقع لأمير المؤمنين الموضع الذي
[ ٧٥ ]
وقع لك واجتزت به فنزل إليك وسلّم فرددت عليه كرده عليك في هذا اليوم، قال: فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربدّ لونه وجفّ ريقه واعتقل لسانه وبقي لا يتكلم بحرف مليًا، ثم قال بلسان ثقيل: لكأني في ذلك الموضع في ذلك اليوم، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين، فعل الله به وفعل، قال: فتغنّمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم، فقال لي: هيه يا حمدون! فقلت: يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به فأظهر سرورًا ودعاء وقال كيت وكيت، فقال: والله قال بحياتي؟ قلت: وحياتك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف رأيت وجهه؟ فلم أدر ما أقول فقلت: يا أمير المؤمنين بالله لمّا تركتني من وجه عمّك الذي لا يتبين فيه فرح ولا حزن، فاستضحك ثم أمسك وتخلّص إبراهيم، ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد، فلما انتبه وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبرّ إبراهيم وألطفه. قع لك واجتزت به فنزل إليك وسلّم فرددت عليه كرده عليك في هذا اليوم، قال: فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربدّ لونه وجفّ ريقه واعتقل لسانه وبقي لا يتكلم بحرف مليًا، ثم قال بلسان ثقيل: لكأني في ذلك الموضع في ذلك اليوم، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين، فعل الله به وفعل، قال: فتغنّمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم، فقال لي: هيه يا حمدون! فقلت: يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به فأظهر سرورًا ودعاء وقال كيت وكيت، فقال: والله قال بحياتي؟ قلت: وحياتك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف رأيت وجهه؟ فلم أدر ما أقول فقلت: يا أمير المؤمنين بالله لمّا تركتني من وجه عمّك الذي لا يتبين فيه فرح ولا حزن، فاستضحك ثم أمسك وتخلّص إبراهيم، ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد، فلما انتبه وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبرّ إبراهيم وألطفه.