ذكروا أنه لم يكن في ملوك العجم أدهى من كسرى أنوشروان، وأن الخزر كانت تغير في سلطان فارس حتى تبلغ همذان والموصل، فلما ملك أنوشروان كتب إلى ملكهم فخطب ابنته على أن يزوجه أيضًا ابنته ويتوادعا ويتفرغا إلى سائر أعدائهما، فأجابه إلى ذلك، وعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فزفّها إلى صاحب الخزر وأهدى معها ما يشبه أن يهدى مع بنات الملوك وزفّ صاحب الخزر إلى أنوشروان ابنته، فلما وصلت إليه قال لوزرائه: اكتبوا إلى صاحب الخزر لو التقينا وأكدنا المودة بيننا، فأجابه إلى ذلك ووعده موضع الدرب، فالتقيا فكانا يخلوان في لذاتهما، ثم إن أنوشروان أمر قائدًا من قواده أن يختار ثلاثمائة رجل من أشد أصحابه فإذا هدأت العيون أغار في ناحية من عسكر الخزر، ففعل ذلك، فلما أصبح بعث إليه صاحب الخزر: ما هذا ينهب عسكري البارحة؟ فأنكر ذلك وقال: لم تؤت من قبلي. فأمهله أيامًا ثم عاد إلى مثلها، ففعل ذلك ثلاث مرات في كل ذلك يعتذر إليه أنوشروان ويسأله البحث فيبحث فلا يقف على شيء، فلما طال ذلك دعا صاحب الخزر بقائد من قواده وأمره بمثل ذلك، فلما أصبح بعث إليه أنوشروان: ما هذا أتستبيح عسكري البارحة؟ فأرسل إليه: ما أسرع ما ضجرت، قد فعل هذا بعسكري ثلاث مرات وإنما فُعل بك مرة واحدة! فبعث إليه أنوشروان: إن هذا عمل قوم يريدون أن يفسدوا بيننا وعندي رأي إن قبلته. فقال: وما هو؟ قال: تدعني أبني حائطًا بيني وبينك وأجعل عليه بابًا فلا يدخل عليك إلا من تحب ولا يدخل عليّ إلا من أحب. فأجابه إلى ذلك وتحمّل ومضى، وأقام أنوشروان فأمر، فبني بالصخر والرصاص حائط عرضه ثلاثمائة ذراع حتى ألحقه برؤوس الجبال وجعل عليه أبواب حديد فكان يحرسه مائة رجل بعد أن كان يحتاج إلى خمسة آلاف رجل، فلما فرغ من السد وقُيّد الفند في البحر وأحكم الأمر سرّ سرورًا شديدًا فأمر أن ينصب على الفند سريره ويفرش له عليه، ثم قام فرقى إليه وأغفى عليه، فطلع طالع من البحر سد الأفق بطوله وأهوى نحو الفند، فثار الأساورة إلى قسيهم، فانتبه الملك فقال: ما شأنكم؟ أمسكوا، لم يكن الله جل وعز ليلهمني الشخوص عن وطني اثنتي عشرة سنة فأسد ثغرًا يكون عزًا لرعيتنا وردءًا ومرتقى لعباده ثم يسلط عليّ دابة من دواب البحر. فتنحى الأساورة وأقبل الطالع نحو الفند، فذكر الموبذ أن الله جل وعز أنطق ذلك الحيوان فقال: أيها الملك أنا ساكن من سكان هذا البحر وقد رأيت هذا الفند مشدودًا سبع مرات وخرابًا سبع مرات، وأوحى الله جل وعز إلينا معشر سكان هذا البحر أن ملكًا عصره عصرك وصورته صورتك يبعثه الله جل وعز يسد هذا الثغر إلى الأبد، وأنت ذلك الملك، فأحسن الله على البر معونتك.
ثم غاب عن بصره كأنما غاب في البحر أو طار في الجو، وسأل أنوشروان عند فراغه من ذلك السد من ذلك البحر، فقيل: هو ثلاثمائة فرسخ في مثلها وبينه وبين بيضاء الخزر مسيرة أربعة أشهر على هذا الساحل ومن بيضاء الخزر إلى الفند الذي بناه أسفندياذ مسيرة شهرين. فقال أنوشروان: لا بد من الوقوف عليه والنظر إليه. قالوا: أيها الملك إنه طريق لا يطمع في سلوكه لموضع فيه يقال له دهان شير، يريد فم الأسد، وفيه دردور لا يكاد تسلم فيه سفينة. قال أنوشروان: لا بد من ركوب هذا البحر والنظر إلى هذا السد.
[ ٥٩ ]
فقالوا: أيها الملك اتق الله في نفسك وفيمن معك! فقال: أتوكل على الله الذي خلق هذا البحر وهو جل وعز ينجينا من دردوره ولا أحسب أني أمسح ايران شهر شرقه وغربه وأعرف عدد جباله وأوديته إلا بعد ركوب هذا البحر وسلوكه إلى البر. فهيئت له السفن وركب معه عدة من النساك حتى لجّجوا في البحر ووافوا ذلك الذي يعرف بدهان شير فدفعوا إلى دردورٍ هائل فبقوا فيه متحيرين لا يرون منارًا يجعلونه علمًا لهم ولا جبلًا يقيمونه أمارةً لمنصرفهم، فرجعوا على الملك باللوم والعيب. فقال: أخلصوا نياتكم لله جل وعز وتضرعوا إليه، ففعلوا، ونذر أنوشروان إن نجاه الله جل ذكره ليصّدّقن بخراج سبع سنين. قال: فرفعت له جزيرة تعلوها الأمواج وفوق الجزيرة أسد في عظم جبل يتشرب الماء مؤخره وينحطّ من فيه إلى ذلك الدردور، فبينا هم كذلك إذ بعث الله ﷻ سمكة عظيمة فطفرت حتى صارت في في الأسد، فسكن الدردور ونفذت السفينة حتى وصل إلى ما أراد ثم انصرف إلى دار مملكته.
حمّاد قال: حدثني أبي قال: قال الأعشى في مدحه إياس بن قبيصة وذكره مسيره إلى الروم حيث لقيه كسرى أبرويز بساتيدما، وهو جبل يزعم أهل العلم أنه دون الجبال وأنه لا بد من أن يراق عليه دم كل يوم. قال الواقدي: بل هو محيط بالدنيا، وزعموا أنه ليس في الأرض يوم إلا ويسفك عليه دم، وإنما سمي ساتيدما معناه سيأتي دمًا، فكان من خبر إياس بن قبيصة أن كسرى أبرويز كان رجلًا سيء الظن وأنه بعث شهربراز إلى الروم في جيش عظيم فأعطي من الظفر ما لم يعط أحد كان قبله، وهو الذي أصاب خزائن الملك التي كانت تسمى كنج بادآورد، أي الكنز الذي جاءت منه به الريح، وكانوا حملوها ليحرزوها، فضربتها الريح في الجزر من خليج البحر فأخذها وبعث بها إلى كسرى، فحسده كسرى وحذره وبعث إليه برجل تقدم إليه في قتله، وكان الذي أتاه رجل من أهل أذربيجان، فلما رأى جماله وهيئته قال: لا يصلح قتل هذا في غير جرم ولا حق، فأخبره بما أمره به، فأرسل شهربراز إلى قيصر: إني أريد أن ألقاك. فالتقيا، فقال له: إن هذا الخبيث قد أراد قتلي وإني والله لأريدن منه مثل الذي أراد مني، فاجعل لي ما أطمئن إليه وأعطيك مثل ذلك، ولئن قتلته لتجلعن لي ما أغلب عليه من الكور وأجعل لك أن لا أغزوك أبدًا ولا أتناول شيئًا من أرضك وأن أعطيك من بيوت أموال كسرى مثل ما تنفق في مسيرك هذا، فأعطاه قيصر ما سأل، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل وخلّف شهربراز في أرض الروم وقد أخذ منه العهود والمواثيق، ولم يعلم كسرى بذلك حتى دنا منه قيصر، فلما بلغه ذلك علم أن شهربراز علم بما كان دبره من قتله، وكانت جنوده قد تفرقت في السواد وغيرها، وكان كسرى قد أبغضه أهل مملكته وملّوه وعرف حاله عند الناس، فاحتال بحيل الرجال واستعمل المكر والدهاء فبعث إلى قسّ عظيم من النصارى يثق ملك الروم بقوله فقال: إني أكتب معك كتابًا لطيفًا في حرير وأجعله في قناة إلى شهربراز وجائزتك عليّ ألف دينار، وقد عرف كسرى أن القسّ يذهب بالكتاب إلى ملك الروم، فكتب إلى شهربراز: إني كتبت إليك وقد دنا قيصر مني وقد أحسن الله جل وعز إليّ بصنيعك ونفوذ تدبيرك وقد فرقت لهم الجيوش وأنا تاركه حتى يدنو مني وأثب عليه وثبة أستأصل شأفته بها، وإذا كان ذلك اليوم وهو يوم كذا وكذا فأغر أنت عليّ من قبلك منهم فإنك تبيدهم وتهلكهم، وأرجو أن تكون لملك قيصر مصطلمًا. فخرج القسّ بالكتاب حتى لقي قيصر، وقد كانت صوّرت لقيصر أرض العرب والعراق وصوّرت له النهروان بغير حين المدّ، فلما انتهى إليه في المد وليس عليه جسر وقرأ الكتاب من يد القسّ وقال: هذا هو الحق، ورجع منهزمًا مفلولًا واتبعه كسرى بإياس بن قبيصة الطائي فأدركهم بساتيدما مرعوبين مفلولين من غير لقاء ولا قتال، فقتلوا قتل الكلاب ونجا قيصر في خواص من أصحابه، فمدح الأعشى إياس بن قبيصة وكان قد أصابه مرض فقال:
ما تعيف اليوم في الطير الرَّوَح من غراب البين أو تيس برح
جالسًا في نفرٍ قد أيسوا في مقيل القدّ من صحب قزح
[ ٦٠ ]
قال ابن الأعرابي وسأله حماد عن قوله: ما تعيف القوم في الطير الروح؟ فقال: تطيّر الأعشى من مرض إياس إلى الزجر والفأل فقال لنفسه ما تعيف منه، أي ما تكره منه، وهو آخر أمره إلى السلامة، فرجع قيصر وقد اتهم شهربراز فلم يزل به حتى أمكنته الفرصة منه فقتله وعامة رجاله وأفناهم.
قيل: ولما تشاغل عبد الملك بن مروان بمقاتلة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم وقالوا له: قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ببعض ووقع بأسهم بينهم فالرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك منهم، فنهاهم عن ذلك فأبوا عليه إلا أن يفعل، فلما رأى ذلك دعا بكلبين فأرّش بينهما فاقتتلا قتالًا شديدًا ثم دعا بثعلب فخلاّه بينهما، فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه، فقال ملك الروم: هكذا العرب تقتتل بينها فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا، فعرفوا صدقه ورجعوا عما كانوا عليه.
وعن بكّار بن ماهويه قال: قال كسرى أبرويز لمنجمه: كيف يكون أجلي؟ فقيل له: تقتل. فقال: والله لأقتلن قاتلي! فأمر بسم فخلط في أدوية وكتب عليه: هذا دواء الجماع من أخذ منه وزن كذا جامع كذا مرة، وصيّره في خزانة الطب، فلما قتله ابنه شيرويه فتّش خزانة أبيه فمرّ بذلك السم فقال في نفسه: بهذا كان يقوى أبي على الجماع وعلى شيرين وغيرها، فأخذ منه فمات من ساعته.
وعن الهيثم عن ابن عياش قال: كان الحجاج حسودًا لا تتم له صنيعة حتى يفسدها، فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فظفر به وصنع به ما صنع ورجع إلى الحجاج بالفتح فلم ير منه ما أحب وكره منافرته، وكان عاقلًا رفيقًا، فجعل يترفق به ويداريه ويقول: أنت أيها الأمير أشرف العرب فمن شرفته شرف ومن وضعته اتضع وما ينكر لك ذلك مع رفقك ويمنك ومشورتك ورأيك، وما كان هذا كله إلا بصنع الله ﷿ وتدبيرك، وليس أحد أشكر لصنيعك مني، ومَن ابن الأشعث وما خطره! حتى عزم الحجاج على المضي إلى عبد الملك فأخرج عمارة معه، فوفد عليه وعمارة يومئذٍ على أهل فلسطين أمير، فلم يزل يلطف بالحجاج في مسيره ويعظمه حتى قدموا على عبد الملك، فلما قامت الخطباء بين يديه وأثنت على الحجاج، قام عمارة فقال: يا أمير المؤمنين سل الحجاج عن طاعتي ومناصحتي وبلائي. فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين صنع وصنع، ومن بأسه ونجدته وعفافه ومكيدته كذا وكذا، هو أيمن الناس نقيبةً وأعلمهم بتدبير وسياسة، ولم يبق غاية في الثناء عليه. فقال عمارة: أرضيت يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فرضي الله عنك، حتى قالها ثلاثًا في كلها يقول: قد رضيت، فقال عمارة: فلا رضي الله عن الحجاج يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا عافاه! فهو والله السيء التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق وألّب عليك الناس، وما أُتيت إلا من قلة عقله وضعف رأيه وقلة بصره بالسياسة، ولك والله أمثالها إن لم تعزله! فقال الحجاج: مه يا عمارة! فقال: لا مه ولا كرامة يا أمير المؤمنين، كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج أبدًا! فقال عبد الملك: ما عندنا أوسع لك، فلما انصرف عمارة إلى منزله بعث إليه الحجاج وقال: أنا أعلم أنه ما خرج هذا عنك إلا معتبة ولك عندي الغنى ولك ولك. فأرسل إليه: ما كنت أظن أن عقلك على هذا. أرجع إليك بعد الذي كان من طعني وقولي عند أمير المؤمنين! لا ولا كرامة لك.
[ ٦١ ]
وعن الهيثم بن الحسن بن عمارة قال: قدم شيخ من خزاعة أيام المختار فنزل على عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، فلما رأى ما تصنع شيعة المختار به من الإعظام له جعل يقول: يا عباد الله أبالمختار يصنع هذا؟ والله لقد رأيته تبيع الإماء بالحجاز! فبلغ ذلك المختار فدعا به فقال: ما هذا الذي يبلغني عنك؟ قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه، فقال: لا والله لا تقدر على ذلك! قال: ولم؟ قال: أما دون أن أنظر إليك وقد فتحت مدينة الدمشق حجرًا حجرًا وقتلت المقاتلة وسبيت الذرية ثم تصلبني على شجرة على نهر! والله إني لأعرف الشجرة الساعة وأعرف شاطيء ذلك النهر! قال: فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: أما إن الرجل قد عرف الشجرة، فحبس حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا خزاعة ومزاح عند القتال! فقال: أنشدك الله أن أُقتل ضياعًا! قال: وما تطلب ها هنا؟ قال: أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني. قال: ادفعوها إليه وإياك أن تصبح بالكوفة، فقبضها وخرج.
وعنه قال: كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل المدينة فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار وقال: أسرت هذا، فقال: كذبت والله ما أسرني هذا إنما أسرني رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق! فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين، يعني الملائكة، خلّوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق عني رأيت الدُّهم بلقًا مصمتات
أري عينيّ ما لم تبصراه كلانا مولعٌ بالترهات
كفرت بدينكم وجعلت نذرًا عليّ قتالكم حتى الممات
وعنه قال: خرج الأخوص بن جعفر المخزومي يتغدى في دير اللجّ وذلك في يوم شديد البرد ومعه حمزة بن بيض وسراقة البارقي، فلما كانا على ظهر الكوفة وعليه الوبر والخز وعليهما أطمار قال حمزة لسراقة: أين يذهب بنا هذا في هذا البرد ونحن في أطمارنا؟ قال سراقة: أن أكفكيه. فبينا هو يسير إذ لقيهم راكب مقبل فحرك سراقة دابته نحوه وافقه ساعةً ولحق بالأخوص، فقال: ما خبّرك به الراكب؟ قال: زعم أن خوارج خرجت بالقطقطانة، قال: بعيد. قال: إن الخوارج تسير في ليلة ثلاثين فرسخًا وأكثر، وكان الأخوص أحد الجبناء فثنى رأس دابته وقال: ردوا طعامنا نتغدى في المنزل، فلما حاذى منزله قال لأصحابه: ادخلوا، ومضى إلى خالد بن عبد الله القسري فقال: قد خرجت خارجة بالقطقطانة، فنادى خالد في العسكر فجمعهم ووجّه خيلًا تركض نحو دير اللج لتعرف الخبر، فانصرفوا وأعلموه أنه لا أصل للخبر، فقال للأخوص: من أعلمك هذا؟ قال: سراقة، قال: وأين هو؟ قال: في منزلي، فأرسل إليه من أتاه به فقال: أنت أخبرته عن الخارجة؟ قال: ما فعلت أصلح الله الأمير، فقال له الأخوص: أوتكذبني بين يدي الأمير؟ قال خالد: ويحك اصدقني! قال: نعم أخرجنا في هذا البرد وقد ظاهر الخز والوبر ونحن في أطمارنا هذه فأحببت أن أرده، فقال له خالد: ويحك وهذا مما يتلاعب به؟! وكان سراقة ظريفًا شاعرًا وهو الذي يقول:
قالوا سراقة عنّينٌ فقلت لهم: ألله يعلم أني غير عنّين
فإن ظننتم بي الشيء الذي زعموا فقربوني من بنت ابن يامين
وذكروا أن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع في ماء الفرات فقال له: يا غلام اخرج إليّ أسائلك، فعرفه الغلام، فقال: إني أخاف، أفآمن أنا إن خرجت حتى ألبس ثيابي؟ قال: نعم، فخرج وقال: والله لا ألبسها اليوم، فضحك شبيب وقال: خدعني ورب الكعبة! ووكل به رجلًا من أصحابه يحفظه ألا يصيبه أحد من أصحابه بمكروه.
قال: وكان رجل من الخوارج قال في قصيدة له:
ومنا يزيد والبطين وقعنب ومنا أمير المؤمنين شبيب
فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله، فأُتي به، فلما وقف بين يديه قال: أنت القائل: ومنا أميرُ المؤمنين شبيب؟ قال: لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قلت؟ قال: قلت ومنا أميرَ المؤمنين شبيب، فضحك عبد الملك وأمر بتخلية سبيله، فتخلص بحيلته وفطنته لإزالة الإعراب عن الرفع إلى النصب.
[ ٦٢ ]
وزعموا أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي هجم في بعض غاراته على شابّة جميلة منفردة فأخذها، فلما أمعن بها بكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي لفراق بنات عمي، كن مثلي في الجمال وأفضل مني، خرجت معهن فانقطعنا عن الحي، قال: وأين هن؟ قالت: خلف ذلك الجبل ووددت إذ أخذتني أخذتهن، فأخذ إلى الموضع الذي وصفته فما شعر بشيء حتى هجم على فارس شاكٍّ في السلاح فعرض عليه المصارعة فصرعه الفارس ثم عرض عليه ضروبًا من المناوشة فغلبه الفارس في كلها، فسأله عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكدم، فاستنقذ الجارية منه.
وعن عطاء أن مخارق بن عفان ومعن بن زائدة لقيا رجلًا ببلاد الشرك ومعه جارية لم يريا مثلها شبابًا وجمالًا فصاحا بها ليخلي عنها، ومعه قوس فرمى وهابا الإقدام عليه، ثم عاد ليرمي فانقطع وتره وسلّم الجارية وأسند في جبل كان قريبًا منه، فابتدرا الجارية وفي أذنها قرط فيه درة فانتزعه بعضهما من أذنها، فقالت: وما قدر هذا؟ لو رأيتما درّتين معه في قلنسوته، وفي القلنسوة وتر قد أعده فنسيه من الدهش! فلما سمع قول المرأة ذكر الوتر فأخرجه وعقده في قوسه، فوليا ليست لهما همة إلا النجاء وخليا عن الجارية.
قيل: واستودع رجل رجلًا مالًا ثم طالبه به فجحده، فخاصمه إلى إياس بن معاوية القاضي وقال: دفعت إليه مالًا في مكان كذا وكذا، قال: فأي شيء كان في ذلك الموضع؟ قال: شجرة، قال: فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى تلك الشجرة فلعل الله أن يوضح لك هناك ما تبين به حقك أو لعلك دفنت مالك عند الشجرة فنسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة، فمضى، وقال إياس للمطلوب منه: اجلس حتى يرجع صاحبك، فجلس وإياس يقضي وينظر إليه بين كل ساعة ثم قال: ترى صاحبك بلغ موضع الشجرة؟ قال: لا، فقال: يا عدو الله أنت الخائن! قال: أقلني أقالك الله! فأمر بحفظه حتى جاء خصمه فقال له: خذه بحقك فقد أقرّ.
قال: واستودع رجل رجلًا كيسًا فيه دنانير فغاب وطالت غيبته فشقّ المستودع الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وخيطه والخاتم على حاله، فجاء الرجل بعد ست عشرة سنة فقال: مالي. وطالب به، فأعطاه الكيس بخاتمه، فنظر إليه وإذا ماله دراهم، فأحضره مجلس إياس، فقال إياس للطالب: ماذا تقول؟ قال: أعطيته كيسًا فيه دنانير، فقال: منذ كم؟ قال: فإذا ست عشرة سنة، قال: فضّا الخاتم، ففضاه، فقال: انثرا ما فيه، فنثراه، فإذا هي دراهم بعضها من ضرب عشر سنين وأكثر وأقل، فأقر بالدنانير وألزمه إياها حتى خرج منها.
قال: وأودع رجل رجلًا من أمناء إياس مالًا وحج، فلما رجع طالبه فجحده، فأتى إياسًا فأخبره، فقال: أتعلم أنك أخبرت غيري بذلك؟ قال: لا، قال: فهل علم أنك أعلمتني؟ قال: لا، قال: أفنازعته بحضرة أحد؟ قال: لا، قال: فانصرف واكتم أمرك ثم عد إلي، ودعا إياس أمينه ذلك فقال: قد حضر مال كثير وقد رأيت أن أودعك إياه وأصيره عندك فارتد له موضعًا وأتني بمن يحمله معك. فمضى الأمين، وعاد الرجل إلى إياس فقال له: انطلق إلى صاحبك فطالبه بمالك فإن أعطاك وإلا فقل إنك تعلمني، فأتاه فقال له: اعطني مالي وإلا أتيت القاضي فأعلمته، فدفع إليه ماله، وصار إلى إياس فقال: قد رد مالي عليّ، وجاء الأمين إلى إياس في موعده فانتهره وقال: اخرج عني يا خائن.
قال: وأراد معاوية أن يوجه ابنه يزيد إلى غزو الصائفة وكره يزيد ذلك وأنشأ يقول:
تجنّى لا تزال تعدّ ذنبًا لتقطع وصل حبلك عن حبالي
فيوشك أن يريحك من أذاتي نزولي في المهالك وارتحالي
[ ٦٣ ]
وخرج وخرج الناس معه، وفيمن خرج أبو أيوب الأنصاري، فلما قرب من قسطنطينية اشتكى أبو أيوب فأتاه يزيد عائدًا، فقال له: ما حاجتك؟ قال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها ولكن سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: يدفن بجنب قسطنطينية رجل صالح وقد رجوت أن أكونه فقدمني ما قدرت عليه، فمات فلما فرغ من جهازه ووضع على سريره قدّم الكتائب بين يديه، فنظر قيصر ورأى أمرًا عجيبًا وشيئًا يحمل والناس بالسلاح تحته، فأرسل إليه: ما هذا الذي نرى؟ قال يزيد: هذا صاحب نبينا، ﷺ، أوصى أن ندفنه إلى جنب مدينتكم ونحن ننفذ وصيته أو نموت دونه، فأرسل إليه: العجب من الناس! وما يذكرونه من دهاء أبيك وهو يبعثك في هذا البعث تدفن صاحب نبيك بجنب مدينتي فإذا ولّيت عنه نبشته فطرحته للكلاب، فأرسل إليه يزيد: إني ما أردت أن أُجنّه حتى أودع مسامعك كلامي، وكفرت بالذي أكرمتُ له هذا الميت، لئن تعرضت له لا تركت في أرض العرب نصرانيًا إلا سفكت دمه واستصفيت ماله وسبيت حرمه، فأرسل إليه قيصر: كان أبوك أعرف لك مني وإني أحلف بحق المسيح، ﵇، لا يحرسه سنة أحد غيري.
[ ٦٤ ]
وعن بعض مشايخ المدينة قال: كانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، رضوان الله عليهما، جارية مغنية يقال لها عُمارة، فلما وفد عبد الله على معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم وأقام عنده، فأخرجها إليه فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لم يملك نفسه معه وجعل يمنعه من أن يبوح به مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها، فلم يزل يكاتمه إلى أن مات معاوية وأفضى إليه الأمر وتقلد الخلافة يزيد، فاستشار بعض من يثق به في أمرها فقال: إن أمر عبد الله لا يرام، وأنت لا تستجيز إكراهه ولا يبيعها بشيء أبدًا وليس يغني في هذا الأمر إلا الحيلة، قال: اطلب لي رجلًا عاقلًا من أهل العراق ظريفًا أديبًا له معرفة ودراية، فطلبوه فأتوه به، فلما دخل عليه استنطقه فرأى بيانًا وحلاوة وفقهًا، فقال له: إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظوتك آخر الدهر ويدٌ أكافيك عليها، ثم أخبره بأمره، فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن جعفر ما يرام ما قبله إلا بالخديعة وإن يقدر على ما سألت رجلٌ فأرجو أن أكونه والقوة بالله، فأعني يا أمير المؤمنين بالمال، قال: خذ ما أحببت، فأخذ واشترى من طُرف الشام وثياب مصر ومتاعها للتجارة ومن الرقيق والدواب وغير ذلك حاجته وشخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر واكترى منزلًا إلى جانبه ثم توسل إليه وقال: أنا رجل من أهل العراق وقدمت بتجارة فأحببت أن أكون في جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله إلى قهارمته وقال: أكرموا جارنا وأوسعوا عليه المنزل، فلما اطمأن العراقي وسلم عليه أيامًا وعرّفه نفسه هيّأ له بغلة فارهة وثيابًا من ثياب العراق وألطافًا وبعث بها إليه وكتب رقعة يقول فيها: يا سيدي أنا رجل تاجر ونعمة الله عليّ سابغة وعندي احتمال وقد بعثت إليك بشيء من اللطف وهو كذا ومن الثياب والعطر وبعثت إليك ببغلة خفيفة العنان وطية الظهر فاتخذها لرحلك وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله، ﷺ، إلا قبلت هديتي ولم توحشني بردها فإني أدين الله ﷿ بحبك وحب أهل بيتك، وإن أفضل ما في سفري هذا أن أستفيد الأنس بك وأتشرف بمواصلتك، وأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مرّ بالعراقي في منزله فقام إليه وقبل يده وسلم عليه واستكثر منه، فرأى أدبًا وظرفًا وحلاوة وفصاحة فأعجب به وسرّ بنزوله عليه، فجعل العراقي يبعث كل يوم بلطف إلى عبد الله وبطرف، فقال عبد الله: جزى الله ضيفنا هذا خيرًا فقد ملأنا شكرًا وأعيانا عن مجازاته، فإنهما لكذلك إذ دعاه عبد الله ودعا بعمارة وجواريه، فلما تعشيا وطاب لهما وسمع غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في عجبه إذ رأى ذلك يسرّ عبد الله إلى أن قال له: رأيت مثل عمارة؟ قال: لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها وما تصلح إلا لك وما ظننت أنه يكون في الدنيا مثل هذه حسن وجه وحذق عملٍ! قال: كم تساوي عندك؟ قال: ما لها ثمن إلا الخلافة، قال: تقول هذا لما ترى من رأيي فيها ولتجلب سروري! قال: والله يا سيدي إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجدّ، وبعد فإني رجل تاجر أجمع الدرهم إلى الدرهم طلبًا للربح ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال عبد الله: بعشرة آلاف دينار؟ قال: نعم، ولم يكن في ذلك الزمان جارية بعشرة آلاف دينار، فقال عبد الله كالمازح: أنا أبيعكها بعشرة آلاف دينار! قال: قد أخذتها، قال: هي لك، قال: قد وجب البيع، وانصرف العراقي. فلما أصبح لم يشعر عبد الله إلا والمال قد وافاه، فقال عبد الله: بعث العراقي بالمال؟ قالوا: نعم بعشرة آلاف دينار وقال هذه ثمن عمارة، فردها إليه وقال: إنما كنت أمزح معك وما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها، قال: جعلت فداك إن الجد والهزل في البيع سواء! قال له عبد الله: ويحك لا أعلم موضع جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك ولكني كنت أمازحك وما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموقعها من قلبي، قال له العراقي: فإن كنت مازحًا فإني كنت جادًا، وما اطلعت على ما نفسك، وقد ملكت الجارية وبعثت بالثمن وليست تحلّ لك وما من أخذها بدّ، فمنعه إياها، فخرج العراقي وهو يقول: أستحلفك في مجلس أمير المؤمنين، فلما رأى عبد الله الجد منه قال: بئس الضيف! ما طرقنا طارق ولا نزل بنا ضيف أعظم بلية علينا منك، تحلفني فيقول الناس اضطهده
[ ٦٥ ]
وقهره وألجاه إلى أن استحلفه، أما والله ليعلمنّ أني سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء! ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال: أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوضٌ مما ألطفتنا به، فقبض العراقي الجارية وخرج، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة إني والله ما ملكتك قطّ ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية، فأقام الرجل أيامًا ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة، فقال: هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريبًا من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال: هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل! فقال: مه أنزلوا الرجل واكرموا مثواه، فأرسل إلى عبد الله: إن أذنت، جعلت فداك، لي في الدخول عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج. فأذن له، فلما دخل عليه خبّره بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجهًا إلا عنده وها هي ذه، فأدخلها الدار، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا: عمارة عمارة! فلما رأت عبد الله خرّت مغشيًا عليها، وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمّه ويقول: يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي: بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله: قد علم الله كيف كان الأمر، فالحمد لله على كل حال، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي، فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال. هره وألجاه إلى أن استحلفه، أما والله ليعلمنّ أني سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء! ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال: أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوضٌ مما ألطفتنا به، فقبض العراقي الجارية وخرج، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة إني والله ما ملكتك قطّ ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية، فأقام الرجل أيامًا ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة، فقال: هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريبًا من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال: هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل! فقال: مه أنزلوا الرجل واكرموا مثواه، فأرسل إلى عبد الله: إن أذنت، جعلت فداك، لي في الدخول عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج. فأذن له، فلما دخل عليه خبّره بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجهًا إلا عنده وها هي ذه، فأدخلها الدار، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا: عمارة عمارة! فلما رأت عبد الله خرّت مغشيًا عليها، وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمّه ويقول: يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي: بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله: قد علم الله كيف كان الأمر، فالحمد لله على كل حال، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي، فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال.
[ ٦٦ ]
أبو محارب قال: قال معاوية بن أبي سفيان: إن عمرو بن العاص قد احتجن عنا خراج مصر، فعزله واستعمل أبا الأعور السلمي، فبلغ عمرًا الخبر فدعا وردان مولاه وقال له: ويحك عزلني أمير المؤمنين! قال: فمن استعمل؟ قال: أبا الأعور، قال: دعني وإياه أصنع له طعامًا ولا ينظر في كتابه حتى يأكل، قال: نعم، فلما قدم عليه أخرج الكتاب بتسليم العمل إليه، فقال عمرو: ما تصنع بالكتاب؟ لو جئتنا برسالة لقبلنا ذلك منك، فقال وردان: ضع الكتاب وكل، فقال أبو الأعور لعمرو: انظر في الكتاب، قال: ما أنا بناظر فيه حتى تأكل، فوضعه إلى جانبه وجعل يأكل، فاستدار وردان فاتخذه، فلما فرغ أبو الأعور من غدائه طلب الكتاب فلم يجده فقال: أين كتابي؟ فقال له عمرو: أوليس جئتنا زائرًا لنحسن إليك؟ قال: بل استعملني أمير المؤمنين وعزلك! قال: مهلًا لا يظهرن هذا منك فإنه قبيح ونحن نصلك ونحسن إليك، فرضي بالصلة، وبلغ معاوية الخبر فاستضحك وتعجب من فعله وأقرّ عمرًا على عمله.
وعن الشعبي قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية، وكان خاف العزل: قد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وسفهني سفهاء قريش وأمير المؤمنين أولى بعمله. فكتب إليه معاوية: أما ما ذكرت من كبر سنك فأنت أكلت عمرك، وأما اقتراب أجلك فلو أستطيع دفع الموت عن أحد دفعته عن نفسي وعن آل أبي سفيان، وما ذكرت من سفهاء قريش فحلماؤها أنزلتك هذه المنزلة، وأما العمل فاصبر رويدًا يدرك الهيجاء حمل. فاستأذنه في القدوم عليه فأذن له، فوافاه، فقال له معاوية: يا مغيرة كبرت سنك واقترب أجلك ولم يبق منك شيء وسأستبدل بك، فانصرف فرأى أصحابه الكآبة في وجهه فقالوا: ما لك؟ قال: قال لي كيت وكيت، قالوا له: فما تريد أن تصنع؟ قال: ستعلمون، قال: فأتى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين إن الإنسان يغدو ويروح، ولستَ في زمن أبي بكر ولا عمر، فلو أنك نصبت لنا إنسانًا نصير إليه بعدك، كان الرأي على أني قد كنت دعوت أهل العراق إلى يزيد، قال: يا أبا محمد انصرف إلى عملك واحكم هذا الأمر لابن أخيك. قال: فأقبل على البريد يركض وقال: قد والله وضعت رجله في ركاب طويل الركض، قال: فذاك هو الذي بعث معاوية على أخذ البيعة ليزيد.