روي عن نافع قال: لقي يحيى بن زكرياء، ﵇، إبليس فقال له: أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك، قال: أحب الناس إليّ كل مؤمن بخيل وأبغض الناس إلي كل منافق سخي، قال: ولم ذاك؟ قال: لأن السخاء خلق الله الأعظم فأخشى أن يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له. وقال، ﷺ: السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهلٌ سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل، وأدوى الداء البخل.
وعن النبي، ﷺ، قال: ما أشرقت شمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان وإنهما ليعرّفان الخلائق إلا الثقلين الجن والإنس: اللهم عجّل لمنفقٍ خلفًا، اللهم عجل لممسكٍ تلفًا، وملكان يناديان: يا أيها الناس هلمّوا إلى ربكم فإن ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى.
وعن الشعبي قال: قالت أم البنين بنت عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز: لو كان البخل قميصًا ما لبسته ولو كان طريقًا ما سلكته، وكانت تعتق كل يوم رقبة وتحمل على فرس في سبيل الله، وكانت تقول: البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة.
قيل: وأعتقت هند بنت المهلب في يوم واحد أربعين رقبة.
وروي عن أم ذر قالت: أرسل ابن الزبير إلى عائشة بثمانين ومائة ألف درهم فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فقسمته بين الناس حتى أمست وما عندها من جميع ذلك درهم واحد، فقالت: يا جارية هلمّي فطّريني، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها: يا عائشة أما استطعت مما قسمت أن تشتري لحمًا بدرهم؟ فقالت: لا تغضبي فلو ذكرتني لفعلت، وقيل: إنها تصدّقت بسبعين ألف درهم وإن درعها لمرقّع.
وقال بعض الحكماء: ثواب الجود خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخل حرمان وإتلاف ومذمة.
وقال علي بن أبي طالب، ﵁: قال رسول الله، ﷺ: يا علي كن شجاعًا فإن الله جل وعز يحب الشجاع، يا علي كن سخيًا فإن الله ﷿ يحب السخاء، يا علي كن غيورًا فإن الله ﷿ يحب الغيور، يا علي وإن سائل سألك حاجة ليس لها بأهل فكن أنت لها أهلًا.
وقال، ﷺ: السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا من أخذ منها بغصن قاده ذلك الغصن إلى الجنة.
قيل: وقال عبد العزيز بن مروان: لو لم يدخل على البخلاء في بخلهم إلا سوء ظنهم بالله ﷿ لكان عظيمًا.
وقال، ﷺ: تجافوا عن ذنب السخي فإن الله جل وعز يأخذ بيده كلما عثر.
وقال بهرام جور: من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما جاد الله ﷿ به من المواهب الجليلة النفيسة والنسيم والريح وما وعدهم في الجنان فإنه لولا رضاه الجود لم يصطنعه لنفسه.
[ ٩٠ ]
قال: وقال الموبذ لأبرويز: أكنتم أنتم وآباؤكم تمنّون بالمعروف وتترصدون عليه المكافأة؟ قال: لا، ولا نستحسن ذلك لخولنا وعبيدنا فكيف نرى ذلك لأنفسنا؟ وفي كتاب ديننا: إن من أظهر معروفًا خفيًا ليتطاول به على المنعَم عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره واستوجب أن لا يعد في الأبرار ولا يُذكر في الأتقياء والصالحين.
قال: وسُئل الإسكندر: ما أكثر ما سررت به من ملكك؟ قال: اقتداري على اصطناع الرجال والإحسان إليهم.
قال: وقال أرسطاطاليس في رسالة له إلى الإسكندر: اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلق الآثار وتميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس وأودع قلوبهم محبة بمآثره يبقى بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشريف آثارك.
قيل: ولما قدم بزرجمهر إلى القتل قيل له: أنت في آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخرة فتكلم بكلام تُذكر به، فقال: أي شيء أقول؟ الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن تكون حديثًا حسنًا فافعل.
قيل: وتنازع رجل من أبناء الأعاجم وأعرابي في الضيافة فقال الأعرابي: نحن أقرى للضيف، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن أحدنا ربما لم يملك إلا بعيرًا فإذا حل به ضيف نحر له، قال العجمي: فنحن أحسن مذهبًا في القرى منكم، قال: وما ذاك؟ قال: نسمي الضيف مِهمان، ومعناه أنه أكبر من في المنزل وأملكنا به.
قال بعض الحكماء: قام بالجود من قام بالمجهود.
وقيل: من لم يضنّ بالموجود هو الجواد.
وقال المأمون: الجود بذل الموجود، والبخل سوء الظن بالمعبود.
قيل: وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ويصل وينفق، فقال: إن النفقة داعية إلى الرزق، وكان جالسًا بين بابين فقال للرجل: اغلق هذا الباب، فأغلقه، فقال: هل تدخل الريح البيت؟ قال: لا، قال: فافتحه، ففتحه، فجعلت الرياح تخترق في البيت، فقال: هكذا الرزق إنك إذا غلّقت الباب لم تدخل الريح وكذلك إذا أمسكت لم يأتك.
قيل: ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على إخوانه، فبلغ ذلك المأمون فقال: يا أبا عبد الله إن بيوت المال لا تقوم لهذا! فقال: يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود.
وعن أمية بن يزيد الأموي قال: كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية فجاءه رجل من أهل بيته فسأله المعونة على تزويجٍ، فقال له قولًا ضعيفًا فيه وعد وقلة طمع، فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته وقال: أعطه أربعمائة دينار، فاستكثرناها وقلنا: كنت رددت عليه ردًا ظننا أنك تعطيه شيئًا قليلًا فإذا أنت قد أعطيته أكثر مما أمّل! فقال: إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي.
وبحاتم يضرب المثل في السخاء، فحدثنا عن بعض رجالات طيء قال: كان حاتم جوادًا شاعرًا، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفّرًا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقدح سبق، وإذا أسر أطلق، وكان أقسم أن لا يقتل واحد أمه، ولما بلغ حاتمًا قول التلمّس:
وأعلم علم حقٍ غير ظنٍ وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال خيرٌ من بغاه وطوفٍ في البلاد بغير زاد
قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير على الفساد
قال: ما له، قطع الله لسانه، حرّض الناس على البخل؟ أفلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل فنائه ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس رزقًا بعيش مقتّرٍ لكل غدٍ رزقٌ يعود جديد
ألم تر أن الرزق غادٍ ورائحٌ وأن الذي يعطيك غير بعيد
قيل: ولما مات حاتم خرج رجل من بني أسد يعرف بالخيبري في نفرٍ من قومه وذلك قبل أن يعلم كثير من العرب بموته فأناخوا بقبره، فقال: والله لأحلفن للعرب أني نزلت بحاتم وسألته القرى فلم يفعل، وجعل يضرب برجله قبره وهو يقول:
أعجل أبا سفانةٍ قراكا فسوف أنبي سائلي ثناكا
فقال بعضهم: ما تنادي رمة! وباتوا مكانهم، فقام صاحب القول من نومه فزعًا فقال: يا قوم عليكم مطاياكم فإن حاتمًا أنشدني:
أبا الخيبريّ وأنت امرؤٌ ظلوم العشيرة شتّامها
أتيت بصحبك تبغي القرى لدى حفرةٍ صخبٍ هامها
تبغي لي الذمّ عند المبيت وحولك غوثٌ وأنعامها
[ ٩١ ]
فإنا سنشبع أضيافنا ونأتي المطيَّ فنعتامها
قيل: ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره قرىً فنحر ناقة الضيف وعشّاه وغدّاه ثم قال له: إنك أقرضتني ناقتك فغديتك بها فاحتكم عليّ، قال: راحلتين، قال: لك عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضى، قال: فلك أربعون، ثم قال لمن بحضرته من قومه: من أتانا بناقة فله ناقتان بعد الغارة، فأتوه بأربعين فدفعها إلى ضيفه.
وحكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجةً، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الإسار، قال: ويلك والله ما أنا في بلادي وما معي شيء وقد أسأت أن توهمت بي! فذهب إلى العنزيّين فساومهم به واشتراه منهم وقال: خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي فداه، ففعلوا، فأتاهم بفدائه.
وقيل في المثل: هو أجود من كعب بن مامة، وكان من إياد، وبلغ من جوده أنه خرج في ركب وفيهم رجل من أهل النمر بن قاسط في شهر ناجرٍ، والنجر العطش، فضلوا وتصافنوا ماءهم فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعبًا نصيبه قال: اعط أخاك يصطبح، فيؤثره على نفسه، حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر حتى رفعت له أعلام الماء وقيل له: رد كعب فإنك وارد، فغلبه العطش فمات ونجا رفيقه.
وقيل في المثل: هو أسمح من لافظة، وهي العنز تُستدعى للحلب فتجيء إليه وهي تلفظ بجرّتها فرحًا بالحلب، وقال الشاعر:
يداك يدٌ خيرها يرتجى وأخرى لأعدائها غائظه
فأما التي خيرها يرتجى فأجود جودًا من اللافظه
وأما التي شرها يتقى فنفس العدوّ بها فائظه
قيل: وخرج معاوية بن أبي سفيان ذات يوم فقام إليه رجل فقال: قد أمّلتك لمهمٍ فما عوضي من ذلك؟ قال: إبلاغك أمنيتك فتمنّ، قال: ألف دينار، قال: هي لك ومثلها استظهارًا لبقاء النعمة عليك.
وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بني إن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، وكان يقول لولده: لا تتكلوا على ما سبق من فعلي وافعلوا ما ينسب إليّ، ثم قال متمثلًا:
إنما المجد ما بنى والد الصد ق وأحيا فعاله المولود
ويقول: ابتداء الفضل يدٌ موفورة والبذل بعد الطلب يدٌ مقبوضة.
فأما صلات الخلفاء وسخاؤهم فإنه حدثنا هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي قال: حدثني علي بن صالح قال: كنت يومًا على رأس الهادي وأنا غلام وقد جفا المظالم ثلاثة أيام عاقر العقار فيها، فدخل عليه الحرانيّ فقال: يا أمير المؤمنين إن العامة لا تقاد، أو قال: لا تنقاد لما أنت عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام، فالتفت إليّ فقال: يا علي ائذن للناس عليّ بالجفلى لا بالنقرى، فخرجت من عنده وأنا أطير على وجهي لا أدري ما قال لي، فقلت: أرجع فأسأله عما قال فيقول تحجبني ولا تعلم كلامي؟ ثم أدركني ذهني فبعثت إلى أعرابي كان وفد علينا فسألته عن الجفلى والنقرى، فقال: الجفلى جفالة الرجال والنقرى ترتيبهم، فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل، فلما تقوض المجلس قلت: يا أمير المؤمنين كلمتني بكلام لم أعرفه فبعثت إلى أعرابي كان عندي ففسره لي وفهمني فكافه عني يا أمير المؤمنين، فقال: نعم مائة ألف درهم تحمل إليه، فقلت: يا أمير المؤمنين أعرابي جلفٌ وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه! فقال: ويحك أجود وتبخل؟
[ ٩٢ ]
قال: وحدثنا عبد الله بن عمرو البلخي عن ابن دأب أنه كان يأكل مع الهادي وينادمه وكان يدعو له بتكاءٍ وما كان يفعل ذلك في مجلسه بغيره، وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع، قال: فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح وجّه قهرمانه إلى باب موسى وقال له: الق الحاجب فقل له يوجه إلينا بهذا المال، فلقي الحاجب فأتاه برسالته فتبسم وقال: هذا ليس إلي، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج إليك كتابًا إلى الديوان فتدبره ثم تفعل فيه كذا وكذا، فرجع إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعها ولاتعرض لها، قال: فبينا موسى في مستشرف له إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد، فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن دأب ما غير من حاله شيئًا وقد بررناه بالأمس لنرى أثر ذلك عليه؟ فقال إبراهيم: إن أمرني أمير المؤمنين تعرضت له بشيء من أمره، قال: لا، هو أعلم بأمره، ودخل ابن دأب وأخذنا في حديثه إلى أن عرض له موسى بذكر ذلك فقال: أرى ثوبك غسيلًا وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الثوب الجديد اللين، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه، قال: وكيف وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك؟ قال: ما وصل إلي ولا قبضته، فدعا صاحب بيت مال الخاصة وقال: عجل له الساعة ثلاثين ألف دينار، فأُحضرت وجلعت بين يديه.
وقال الحسن بن يحيى بن عبد الخالق: حدثني محمد بن القاسم بن الربيع قال: أخبرني محمد بن عمرو الرومي قال: حدثني أبي قال: جلس الهادي مجلسًا خاصًا فدعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة بن مسلم والحراني فجلسوا عن يساره ومعهم خادم للهادي أسود يقال له أسلم، إذ دخل صالح صاحب المصلى فقال هارون بن المهدي: ائذن له، فدخل وسلم عليه وقبل يده وجلس عن يمينه بعيدًا، فأطرق موسى ثم التفت إليه وقال: يا هارون كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا وتؤمل ما أنت منه بعيد ودون ذلك خرط القتاد، تؤمل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه وقال: يا موسى إنك إن تجبرت وُضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت خُتلت، وإني أرجو أن يفضي إليّ الأمر فأُنصف من ظلمت وأصل من قطعت وأصيّر أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي، فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أبا جعفر، ادن مني، فدنا وقبل يده ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال: لا والشيخ الجليل والملك النبيل أعني أباك المنصور لا جلست إلا معي، فأجلسه في صدر المجلس معه ثم قال: يا حرانيّ احمل إلى أخي ألف ألف دينار وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف واعرض عليه ما في الخزانة اخاصة وسائر الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت اللعنة فيأخذ منه ما أراد، قال: ففعل ذلك، فلما قام قال لصالح: أدنِ دابته إلى البساط، قال عمرو الرومي: وكان هارون يأنس به، قلت: يا سيدي ما الرؤيا التي قال لك؟ قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبًا وإلى هارون قضيبًا أورق من قضيب موسى وأعلى منه، فأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره وكان قضيب موسى دون قضيب ذلك، فدعا المهدي الحكم بن موسى العنزي وهو الذي بنى أبوه واسطًا للحجاج فقال له: عبّر هذه الرؤيا، قال: يملكان جميعًا فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون فيبلغ مدى آخر ما عاش خليفة وتكون أيامه أحسن أيامٍ وأنضرها ودهره أحسن دهر، قال: فلم يلبث إلا أيامًا يسيرة حتى مات موسى وتولى الأمر هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى وفاطمة من إسماعيل ووفى بكل ما قال، فكان دهره أحسن الدهور.
حدثنا محمد بن علي بن الحسين العلوي قال: كنت عند عمر بن الفرج الرخجي في اليوم الذي عقد فيه المأمون لأخيه أبي إسحاق على ثغر المغرب ولابنه العباس على الشام والجزيرة ولعبد الله بن طاهر على الجند ومحاربة بابك وعند عمر جماعة من الهاشميين فتذاكرنا أمر هؤلاء الثلاثة فقال عمر: فرق أمير المؤمنين في هؤلاء الثلاثة ما لم يفرق مثله أحدٌ منذ كانت الدنيا، أمر لأخيه أبي إسحاق بخمس مائة ألف دينار ولابنه العباس بخمس مائة ألف دينار ولعبد الله بن طاهر بخمس مائة ألف دينار، فمن سخت نفسه بمثل هذا؟
[ ٩٣ ]
وكان للبرامكة في هذا الشأن ما لم يكن لأحد من الناس منها، إنهم كانوا يخرجون بالليل سرًا ومعهم الأموال يتصدقون بها، وربما دقوا على الناس أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها الثلاثة الآلاف إلى الخمسة الآلاف والأكثر من ذلك والأقل، وربما طرحوا ما معهم في عتب الأبواب، فكان الناس لاعتيادهم ذلك يعدون إلى العتب إذا أصبحوا يطلبون ما ألقي فيها.
ومنهم خالد بن برمك فإنه حدثنا يوسف بن سلام الزعفراني قال: حدثني أبي قال: قال خالد بن برمك يومًا وهو بالري وأراد الخروج إلى مجلس له وإخراج دوابه إلى الخضرة ونحن قيام بين يديه: من يخرج مع هذه الدواب؟ قال أبي: أنا، وليس أحد يجتريء أن يتكلم، فقال: اخرج معها، فخرجت وكنت أحسن إليها، فلما رددتها حمد أثري فيها، فقلت: أيها الأمير لي حاجة، فقال: وما حاجتك؟ قلت: ثلاثة آلاف درهم، قال: ثلاثة آلاف درهم؟ قلت: نعم، قال: اعطوها ثلاثة آلاف درهم، وقال لي: اشترها الآن واعتقها، ثم قال: ما تريد؟ قلت: الحج أحج وتحج هي أيضًا، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم، قلت: نحتاج إلى خادم يخدمنا، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم لثمن الخادم، قلت: نحتاج إلى ثمن كسوة، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم لكسوتهم، فلم أزل أقول وأعد شيئًا شيئًا حتى قلت: وأحتاج إلى منزل وأحتاج إلى فرس، وهو يقول اعطوه ثلاثة آلاف درهم، حتى أخذت ثلاثين ألف درهم.
قال: وحدثنا يزيد البرمكي قال: كسا خالد كل ثوب كان له حتى لم يبق عليه من كسوته إلا طيلسان خلق، فاتصل خبره في كسوته بامرأته أم خالد بنت يزيد وكانت بالري فبعثت إليه بكسوة من الري طيلسان مطبق لم أر مثله جودةً وحسنًا وسعة، وكان خالد ذا بسطة في الجسم فكان يحتاج إلى أسبغ ثوب وأتمه، فوضع بين يديه فنظر إليه ثم رفع رأسه إلي فقال: يا يزيد كيف ترى هذا الطيلسان؟ قلت: ما رأيت مثله وإن بالأمير إليه لحاجة، قال خالد: اصنع به ماذا شئت، قلت: تلبسه أيها الأمير، قال: أنا والله إلى غير هذا أحوج، قلت: وما هو؟ قال: أن تقوم الساعة على شريف من أشراف الناس أو حرّ من أحرارهم فتتحفه به فيقوم فيلبسه كل يوم عيد أو يخرج إذا خرج نحو أهله فيلبسه عند قدومه عليهم فيقول هذا كسوة خالد، هذا والله أفضل وأشرف من لبسي إياه، قال: فكساه بعض عفاته.
يحيى بن خالد فإنه حدثنا علي بن الحسين الأشقر عن عبد الله بن أسوار قال: كنت أخط بين يدي يحيى وكان خطي يعجبه، فبينا أنا جالس بين يديه إذ ناوله رجل كتابًا فثنى أعلاه وجعل يقرؤه، فدخل الفضل ابنه فسلم وجلس ثم أقبل على رجل يحدثه وطرف يحيى في الكتاب الذي بيده، فقال الفضل لذلك الرجل: إني لأعجب كثيرًا من أمر نحن فيه! كان الرجل يصل الرجل بخمسين ألف درهم فتغنيه وعشيرته فيكتفون بها ونرى ذلك في وجوههم ويتبين عليهم أثره ونحن نصل الرجل بالخمس المائة الألف الدرهم والأكثر فلا نرى ذلك في وجوههم! فالتفت إليه يحيى وقطع قراءة الكتاب فقال: يا أبا العباس إذا كان أمل الرجل ألف ألف درهم وأعطيته خمس مائة ألف لم تقع منه موقعًا وإنما يرى في وجه الرجل ما بلغ به الأمل، فعجب أهل المجلس من كرمه وقوله وما زالوا يحكونه عنه.
وحدّث ابن مزروع عن أبيه قال: كنت أسير في موكب يحيى بن خالد فعرض له رجل من العامة ومعه كتاب فقال: أصلح الله الأمير، اختم هذا الكتاب، فبادر إليه الشاكرية يزجرونه من حواشي موكبه، فقال: دعوه قبل أن لا تنتفع به، يعني خاتمه، واستدناه فختمه له، وتعجب مسايروه من اغتنامه المعروف وعمله بأفعال الرجال.
[ ٩٤ ]
وحدّث صالح بن سليمان قال: وذكر ليحيى وهو مجاور بمكة أن بجدّة قومًا يصيدون السمك ويبيعونه ويشترون طعامهم به فإن لم يجدوا صيدًا مكثوا أيامًا لا يأكلون يشدّ الرجل على بطنه حجرًا ولا يسألون الناس شيئًا وربما مات أحدهم جوعًا، فقال: هؤلاء أعجب قوم سمعت بهم، ينبغي أن نلتمس الثواب فيهم، فبعث فحُمل إليه بعضهم فسأله عن حالهم فأخبره فقال: وكم أنتم؟ فذكر عدة، فقال: وكلكم على هذه الطريقة؟ قال: نعم، قال: فما يغنيكم؟ قال: تحفر لنا بركة يجتمع فيه ماء السماء فإن الماء يعز بالبلاد إلا على من كانت له مصنعة فيشرب منها ويبيع فضلها وينتفع بثمنه، قال: فبكم يكتفي أحدكم في الشهر؟ قال: بأربعة دراهم لكل رجل وللمرأة ستة دراهم، قال: فإني قد أجريت لكل رجل عشرة دراهم ولكل امرأة ثمانية عشر درهمًا، فهل تتزوجون؟ قال: نعم، قال: فكم مهور نسائكم؟ قال: أربع مائة درهم، قال: فإني آمر بإعطائكم ما أجريت عليكم لسبع سنين ولمهور نسائكم عشرين ألف درهم، قال: من يدفع هذا المال إلينا؟ فأشار إلى غلام أمرد معه فقال: ادفع إلى هذا المال، فدفع إليه، فقال: أتأذن أن أشتري، أصلحك الله، من هذا المال تابوتًا أجعله فيه؟ قال: نعم، وأمر باتخاذ بركة لهم بلغت النفقة عليها عشرين ألف درهم.
وحدثنا يزيد البرمكي قال: قدم الوافدي من المدينة بأسوإ حال فصار إلى يحيى وهو لا يعرفه فوضع الطويلة على رأسه، فركب يحيى وخرج فرآه جالسًا على باب داره في زي القضاة، فقام الواقدي وأثنى عليه ودعا له، ومر يحيى في موكبه إلى دار أمير المؤمنين ثم انصرف وإذا الواقدي في مجلسه ذلك، فقام إليه ودعا له وأثنى عليه، فدخل منزله وجلس الواقدي، فسأل يحيى عنه وقال: من هذا الشيخ الرثّ الهيأة؟ فلم يعرفه أحد. فقال: ويحكم لا أشك إلا أنه شيخ أصيل معه علمٌ وفقه، ودعا بكيس فيه أربعة آلاف دينار وأمر وكيلًا له أن يدفعها إليه، وكان قصارى الواقدي ومناه أن يصله بألف درهم، فخرج الرسول ووضع الكيس في حجره، فلما رأى عظم الكيس أقبل يدعو ليحيى ويثني عليه ثم قام وانصرف إلى منزله وقد أخذته الرعدة والحرص أن يرى ما في الكيس فيعرف منتهاه، فلما صار إلى حجرته استعار من بعض جيرانه ميزانًا وصنجات ثم فتح الكيس وإذا أربعة آلاف دينار فكاد أن يغشى عليه من السرور، فرمّ من حاله واتخذ ثيابًا سويةً وعمد على أن ينصرف إلى المدينة.
فلما كان من الغد بكّر على يحيى ليودعه فدخل وأنشد فرآه عالمًا فقيهًا مسامرًا بليغًا فأعجب به، فقام ليودعه فقال: أقم عندنا ولك في كل حول هذا المقدار، فأقام عنده.
[ ٩٥ ]
وحدثنا يعقوب بن إسحاق قال: رأى رجل من الموالي ليحيى رؤيا، وكان يحيى على حال الخوف والوجل من الهادي، فقص الرؤيا على أبيه، فقال: يا بني هذه والله رؤيا عجيبة وأخلق به لأن الرشيد في حجره وولاية العهد له، قال: يا أبت أفترى أن أخبره بها؟ قال: يا بني لا تفعل فإن السلطان غليظ عليه وهو يرميه بالزندقة وأنا أشفق عليه من إتيانه لأنه لا يقبل مثل هذا في هذا الوقت، فعصى الرجل أباه وأتاه، قال الرجل: فلما دخلت عليه رأيت المصحف بين يديه يقرأ فيه فعجبت مما قيل فيه، فلما خف من عنده دنوت منه فقصصت عليه الرؤيا، فقال: يا ابن أخي ما أحسن بالرجل أن يلتمس الرزق بالأحسن الأجمل وأقبح به أن يلتمسه على هذا وربما تذكره مما يشبهه! فخرجت من عنده وقد سقط وجهي، فأتيت أبي فأعلمته، فقال: بُعدًا لك وسحقًا! قد نصحت لك فلم تقبل، ثم أقبل يشتمه وتشتمه أمه وأهله ويقولون: نشهد عليك أنك من الزنادقة المعطلين! قال: ثم لم يلبث أن توفي الهادي وأفضى الأمر إلى الرشيد وصار يحيى إلى ما صار إليه، فبينا هو في موكبه يومًا إذ بصر بي فوجه إليّ ودعاني، فدخلت عليه وهو على كرسي قد طرح ثوبه وجعل يمسح وجهه، فلما دنوت منه قال: أين كنت عنا؟ قلت: أعزك الله، والله ما لقيت منك ما يدعو إلى إتيانك! قال: ويحك إنك أتيتنا ونحن في حال كنا نتخوف الجدُر أن يكون فيها من يسعى بنا والإخوان أن يسعوا بنا ويحتالوا علينا، ولم يكن الرأي أن أجيبك إلا بما أجبتك، ووالله ما فارقني الفكر في العناية بك والإيجاب لك والمعرفة بحقك منذ وقعت عليك عيني. ثم أمر سلامًا بإحضار عشرة آلاف درهم فأُحضرت، وأمر بالكتاب إلى سليمان بن راشد بأرمينية فدفع المال إليّ وحملني وخلع عليّ وقال: اذهب فاصلح شأنك وتعال فتسلم كتبك، وأمر لي بعشر من دواب البريد، فانصرفت إلى منزلي وتحتي دابة وعلي خلعة ومعي عشرة آلاف درهم، فقال أبي: ما هذا يا بني؟ فأعلمته الخبر، فما زلت وأهلي وأبي ندعو له ونشهد أنه من الصديقين والشهداء والصالحين، فقلت لبعض جيراننا: ما أصنع بعشر دواب البريد؟ فقال: أكرِها فإنك تصيب في السكك من تقصر به دابته عن حاجته فيكتري منك، قال: فلما كان من الغد عدت إليه فأخذت كتبي وجوازي، فلما صرت إلى السكة وجدت رجلًا كبيرًا قد وجّه إلى تلك الناحية ولم يكتف بما حمل عليه من الدواب، فأكريت منه ثماني دواب وخرجت على دابتين، أنا على دابة وغلامي على أخرى، ولم أزل في حشم المكتري حتى صرنا إلى أول العمل فإذا يحيى قد سبقني بالكتاب إلى سليمان أن رجلًا من حاله كيت وكيت وله عندي أيادٍ فاخترتك له فكن عند ظني بك في أمره وافعل به وافعل، قال: فوجه سليمان قائدًا في جند عظيم لاستقبالي حتى إذا اتصل به دنوّي استقبلني في وجوه أهل البلد، فلما دنا منا بادر إلى الرجل المكتري مني ولم يشكّ أني هو وسأله، فأعلمه المكتري أنه فلان بن فلان، فقال سليمان: توهمتك فلانًا! قال: لست هو لكنه ذاك، وأشار إليّ، فأقبل سليمان ركضًا إليّ وتضاءلت منه حياء لرثاثة حالي، فسألني وأعلمني أنه وجه إليّ وكيله وحمل معه هدايا، فقلت: ما وصل ذلك إليّ، فلما نزلنا وحططنا في بعض تلك المنازل إذا وكيله قد وافى بهداياه وإذا دواب وبغال موقرة وتخوت وثياب، فدخلت البلد وقد حسنت حالي ووكّد عليّ في كتابه وليس عندي إلا إطلاق العمل لك، وهاهنا نشوى الكبرى ونشوى الصغرى وهما من أجلّ الأعمال بأرمينية ونواحيها وإن شئت أن تخرج إليها فاخرج وإن شئت فهاهنا من يبذل عنهما خمس مائة ألف درهم، قلت: لا والله أبقاك الله إلا الخمس المائة الألف عجّلها لي فأنصرف إلى أب شيخ كبير وعيال قد خلّفتهم ورائي، قال سليمان: ذاك إليك، فلما خرج سليمان سألت عن نشوى ونشوى قال فقيل مقاطعتهما خمس مائة ألف درهم ويصير إلى المقاطع مثلها، ثم لم ألبث من الغد أن أتى رسوله بالمال فخرجت وأهديت إلى يحيى هدايا كثيرة وألطافًا جليلة مما كان برّني به سليمان، فلما دخلت إليه تبسم لي وقال: إنا لم نوجهك لننتفع بك وإنما وجّهناك لتنتفع بنا وسيتصل معروفنا إليك فالزمنا، فكسبت تجاهه مع ما وصل إليّ منه ولم يزل يصلني به عشرين ألف ألف درهم.
[ ٩٦ ]
وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن علي قال: جاء يحيى ومعه ابنه جعفر إلى عبد الصمد بن علي فسلم عليه وببابه فتىً من ولد عبد الله بن علي فقام إلى جعفر فقبل يده، فقال له: ائتني وارفع إليّ حوائجك إلى أمير المؤمنين وقد أمرت لك بخمسة آلاف دينار، فقال يحيى: وقد أمرت لك بمثلها وأجريت عليك ثلاثة آلاف درهم في كل شهر فابعث بمن يقبض ذلك. فلما انصرف دعاه عبد الصمد فقال: لم فعلت ما فعلت؟ فقال: أنا ابن أخيك وإنما تصلني في السنة بأربعة آلاف درهم، وقد أغناني هذا وأبوه في ساعة واحدة فكيف تلومني على ذلك؟ وحدّث يحيى بن محمد قال: لما خرج الرشيد إلى القاطول قال ليحيى: يا أبت لا تفجعني بك وكن معي في هذا الوجه لآنس بك، فعمد على الشخوص معه، فقال لرجاء بن عبد العزيز وكان على نفقاته: كم عند وكلائنا من المال؟ قال: سبع مائة ألف درهم، قال: فاقبضها إليك، فغدا إليه فقبّل يده ومنصور بن زياد عنده، فلما خرج رجاء قال لمنصور: قد ظننت أن رجاء توّهم أنا وهبنا له هذا المال وإنما أمرناه بقبضه ليكون معنا في هذا الوجه، فقال منصور: فأنا أعلمه ذلك، قال إذن يقول: فقل له يقبل يدي كما قبلت يده، فلا تقل له شيئًا، وترك المال له. وكان يحيى يقول: اسرف فإن الشرف في السرَف.
ومنهم الفضل بن يحيى البرمكي، فإنه حدثنا محمد بن علي بن عيسى بن ماهان عن محمد بن زيد أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى وقد خرج من الحمّام بعد العصر وهو يقول: أعوذ بالله من النار! فقلت: جعلت فداك! اشتر هذا الوجه الحسن من النار. فدعا بخمس مائة ألف درهم وقال: اشتر بها وجهي الساعة، فقلت: جعلت فداك! الوقت ضيق ولكن غدًا إن شاء الله، فقال: لا والله إلا الساعة، فوجهت إلى القضاة في الجانبين بثلاثمائة ألف درهم وحملت إلى أبي محمد السمرقندي منها صدرًا وأمرتهم عنه بتفريقه وفرقت البقية بحضرتي، فلم تغب الشمس حتى فرّق ذلك كله.
وحدّث محمد بن الحسين بن مصعب قال: وقف الفضل بن يحيى بخراسان موقفًا لم يقفه أحد قط، خرج إلى الميدان ليضرب بالصوالج فأمر بدفاتر البقايا التي على الناس فأحضرت وأمر الحاجب بالخروج إلى الناس وإعلامهم أنه قد وهبها لهم ثم أمر بها فضربت بالنار، وكان مبلغ ذلك أكثر من عشرين ألف ألف درهم.
وحدث بعض الهاشميين عن خلف المصري قال: مررت يومًا بباب يحيى بن معاذ فوجدته مغلقًا ولم أر بالباب أحدًا، فأنكرت ذلك، فدنوت إلى الباب واستفتحت ففتح لي ودخلت عليه وسألته عن حاله فذكر أنه توراى عن غرمائه، فقلت: وكم لديّانك عليك؟ فقال: ثلاثمائة ألف درهم، ثم مضيت إلى الفضل بن يحيى فأخبرته فسكت، فلما انصرف إلى منزلي كتب إلي: إنك دللتنا على مكرمة فشكرناك على ذلك وأمرنا لك بمائة ألف درهم لدلالتك وبعثنا إليك بثلاثمائة ألف درهم لتوصلها إلى يحيى بن معاذ، فأوصلتها إليه فقضى دينه بها.
قيل: ودفع حمزة بن جعفر بن سليمان إلى أبي النضير الشاعر رقعةً ليوصلها إلى الفضل يسأله فيها الإذن في ابتياع ضيعة بفارس، وكان مبلغ ما يوزن في ثمنها مائة ألف درهم، قال أبو النضير: فأخذتها منه فدفعتها إلى الفضل فنظر فيها ووضعها فاغتممت لما رأيت من قلة نشاطه لها، فلما أصبحت قيل لي: خزّان بيت المال يطلبونك، فظننت أنه نظر لي بشيء في خاصتي، فأتيتهم فقالوا لي: أحضر من يحمل المائة الألف إلى صاحب الرقعة، فحملتها إلى حمزة، قال حمزة: فصرت إليه فقلت: أصلح الله الأمير! وصلت إلي صلتك ولا والله ما أدري كيف أشكرك إلا بقول أبي النضير فيك:
وللناس معروفٌ وفيهم صنائعٌ ولن يجبر الأحزان إلا جدا الفضل
إذا ما العطايا لم تكن برمكيةً فتلك العطايا ما تمرّ وما تُحلى
قال أبو النضير: فالتفت إليّ الفضل فقال: يا أبا النضير جزاؤك عندي، فوصلني حتى أغناني.
[ ٩٧ ]
وحدث أحمد بن علي الشيقي وغيره ممن ينزل بنهر المهدي قال: أقبل الفضل بن يحيى يومًا على نهر المهدي يريد منزله بباب الشماسية، فاستقبله فتىً من الأبناء قد أملك ومعه جماعة كثيرة قد ركبوا معه في السواد والسيوف، وهكذا كانوا يفعلون، يركبون مع الرجل عند إملاكه ويستعيرون الدواب ويسيرون خلفه ويطرّقون بين يديه، قال: فترجل الفتى للفضل وقبل يده ورجله، فسأله عن شأنه فأخبره، فقال: كم أصدقت أهلك؟ قال: أربعة آلاف درهم، فدعا قهرمانه وقال: احمل إليه الساعة أربعة آلاف درهم لصداق أهله وأربعة ألاف درهم لشراء منزل ينزله وأربعة آلاف درهم لنفقة تحويل أهله وأربعة آلاف للنفقة على الوليمة وأربعة آلاف درهم ليتصرف بها في معيشته، قال أحمد بن علي: فأشاروا على الفتى أن يسأله أن يأمر قوّاده وحشمه بإتيانه، فأمرهم بذلك فأتوه وجعلوا يطرحون العشرة الآلاف الدرهم والخمسة الآلاف الدرهم والأقل والأكثر في مجلسه حتى اجتمع له خمسون ألف درهم سوى ما أعطاه الفضل.
وحدث أحمد بن علي قال: حدثنا رجل من جيراننا أن الفضل بن يحيى مرّ به في يوم صائف منصرفًا من المدينة يريد منزله فقال الرجل: لا والله إن في منزلي قليل ولا كثير، فعطس الفضل، فقلت: يرحمك الله، وقد كان سمع يميني فأمر بعض غلمانه أن يحملني معه على دابته، فلما صار بي إلى قصره أخرج إليّ خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب، فانصرفت بها إلى منزلي، فقالت لي امرأتي: والله لقد خرجت من عندنا وما تملك قليلًا ولا كثيرًا، فمن أين سرقت هذا؟ قال: فأعلمتها القصة فلم تصدقني قولي واستراب الجيران بحالي وتناهى الخبر إلى السلطان فطمع فيّ وأخذني فحبسني، فقلت له: إنه كان من أمري كيت وكيت، فوقع خبري إلى الفضل فأمر بإحضاري، فلما أُحضرت ورآني عرفني وأمر بإطلاقي ووصلني بخمسة آلاف أخرى وبعشرة أثواب وقال: تعهد بما ننفعك، فلم يزل ينفعه حتى حدث من أمرهم ما حدث.
وعن أحمد بن محمد بن عبد الصمد أن رجلًا كان ينزل على نهر المهدي وكانت عليه نعمة فزالت فلم يقدر على شيء فمطر الناس ثلاثة أيام متتابعة فبقي في منزله لا يقدر على الخروج، فأضر به ذلك وأبلغ إليه الجوع وإلى عياله، فلما كان في آخر الليل جاء إلى البقال بقصعة له ليرهنها عنده على خبز، فانتهره البقال وقال: ما أصنع بهذه القصعة؟ وأبى أن يعطيه عليها شيئًا، قال: فعاد إلى منزله مغمومًا لا حيلة له، فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم سق إليّ في هذه الليلة عبدًا من عبادك تحبه يفرج عني ما أمسيت فيه، فما شعرت إلا والباب يدقّ عليّ فإذا رجل على حمار قد حفّ به خدم، فقال لي: كم عيالك؟ قلت: كذا وكذا، فأعطاني كيسًا قدرت أن فيه خمسة آلاف درهم، فقلت: الحمد لله الذي استجاب دعائي وفرج عني، فقال لي: وما كان قولك ودعاؤك؟ فخبّرته الخبر بصنيع البقال وما دعوت الله جل وعز به، فاستحلفني أني دعوت بهذا الدعاء، فحلفت له، فأمر لي بمائة ألف درهم، فسألت بعض أولئك الخدم عنه لأعلم هل يقدر على ما أمر لي به أم لا، فقال: هو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، فسكتّ إلى ذلك وانصرفت إلى منزلي، ومضيت إلى قهرمانه لما أصبحت فقبضت منه المال.
وحدث خلف بن عمر المصري قال: كنا عند الفضل ذات ليلة فقال: أتعرفون رجلًا كانت عليه نعمة فزالت عنه حتى أردها عليه؟ فقال الأشعري، وكان قاضيًا: أعرف، أصلحك الله، رجلًا شريفًا من آل خالد بن عبد الله القسري بالكوفة قد أضرت به الحاجة، وسماه له، فكتب إلى عامل الكوفة: احمل إليّ فلانًا على البريد فقد بعثت بجوازه، فلم يعلم الخالدي حتى حمله العامل على البريد ووجهه إليه، فلما قدم عليه دعاه وسأله عن حاله وأمر له بمائة ألف درهم وقال: أقم بها مروءتك حتى أنظر في أمرك وأدبر لك ما يصلح حالك، ثم ولاه كرمان، فصار إليها وحسنت حاله، ثم إن كتاب صاحب البريد بها ورد على الفضل بن يحيى بوفاة الكوفي فقال لنا: أتدرون ما قال الفارسي في مثل له؟ فذكر المثل بالفارسية ثم فسره بالعربية فقال: إلى أن يُدرك الحشيش قد مات الحمار، أردت بهذا الرجل الغنى فمات قبل ذلك، واغتم لوفاته ولما فاته من الإحسان إليه بعد الذي قد كان أعطاه وأكبسه من مرافق العمل الذي ولاه، وتقدم بحمل جميع ما خلّفه إلى أهله فحُمل إليهم.
[ ٩٨ ]
وحدثنا أبو طالب الجعفري قال: حدثني سليمان بن أبي جعفر أن محمد بن إبراهيم الإمام ركب إلى الفضل بن يحيى يومًا وكان قد ركبه دين وحمل حقة فيها جوهر، فلما وصل إليه قال: قد لزمني دين أحوجني إلى احتيال ألف ألف درهم، وعلمت أن التجار لا يسمحون بإخراج مثلها وإن وثقنا الرهن ولك معاملون وتجار مطيعون ومعي رهن فإن رأيت أن تأمر بقبضه وحمل هذا المال إلينا فأنت أولى بذلك، فقال الفضل: نعم لنا تجار يطيعوننا ويسارعون إلى أمرنا، ولكن ما هذا الرهن؟ فوضع الحقة بين يديه، ففتحها حتى نظر إليها فأُعجب بالجوهر الذي فيها، ثم أمر بإعادتها إلى حالها وقال: ضع خاتمك عليها، فختمها، قال فقال الفضل: إن نُجح الحاجة أن تقيم في منزلي الذي أنا فيه، فقال: يشق عليّ المقام، فقال: وما يشق عليك؟ إن رأيت أن تلبس من ثيابنا شيئًا دعوت لك به وإلا فابعث إلى منزلك لتؤتى به، فأقام عنده، ونهض الفضل فدعا وكيله وأمر أن يحمل إلى منزل محمد بن إبراهيم ألف ألف درهم مبدرة ويضعها قبالة مجلسه ليراها إذا دخل، ففعل الوكيل ذلك، وانصرف محمد إلى منزله مع المغرب، فلما دخل وقعت عينه على المال فقال: ما هذا؟ قالوا: وجه به الفضل، قال: أحسن الله جزاءه فإنه وإن كان وجه بذلك على ما رهنّاه فقد ظهر لنا من عنايته ما قدّرناه فيه، قالوا: وما الرهن؟ قال: الحقة، قالوا: قد ردها تحت خاتمك، فقال: أين هي؟ فأُتي بالحقة ففتحها حتى نظر إليها وفرح فرحًا شديدًا فعدا إلى الفضل فوجده قد سبقه إلى دار أمير المؤمنين فتبعه فلم يزل واقفًا ينتظره حتى خرج الفضل من باب آخر فصار إلى منزله وشكر له ما كان منه وانصرف عنه، فلما دخل منزله وجد فيه ألف ألف درهم سوى الأولى، فقال: ما هذا؟ قالوا: بعث به الفضل، فأتاه فقال له: جعلت فداك! أما كان فيما وجّهت به أمس كفاية حتى أردفته بمثله؟ فقال: إنه والله طالت عليّ ليلتي فركبت إلى أمير المؤمنين وأعلمته حالك فأمرني بالتقدير لك فقدّرت مائة ألف دينار، فما زال يقول ويماكسني حتى وقفت على ألف ألف فأمر لك بها فلم أنصرف إلى المنزل حتى حُمل المال إليك، فقال محمد: لست أجد لك شكرًا أقضي به حقك غير أنه على ابن محمد بن علي وعليه من الأيمان المغلظة إن وقفت بباب أحد سواك أبدًا حتى ألقى الله جل وعز ولا أسأل أحدًا حاجة ما بقيت سواك، فكان لا يركب إلى أحد سوى الفضل ولا يقف بباب أحد غيره.
[ ٩٩ ]
ومن كرمه ما حُدّث به المأمون فكبر عنده واستحسنه وعجب من جوده وسعة صدره، فإنه بلغنا عن عمرو بن مسعدة قال: رفعت قصة إلى المأمون منسوبة إلى محمد بن عبد الله يمتّ فيها بحرمه ويزعم أنه من أهل النعمة والقدر وأنه مولى ليحيى بن خالد وأنه كان ذا ضيعة واسعة ونعمة جليلة وأن ضياعه قُبضت فيما قبض للبرامكة وزالت نعمته بحلول النقمة عليهم، فدفعها المأمون إلى ابن أبي خالد وأمره أن يضم الرجل إلى نفسه وأن يجري عليه ويحسن إليه، ففعل ذلك به وصاحت حاله وتراجع أمره وصار نديمًا لابن أبي خالد لا يفارقه، فتأخر عنه ذات يوم لمولود ولد له، فبعث إليه فاحتجب عنه، فغضب عليه ابن أبي خالد وأمر بحبسه وتقييده وإلباسه جبة صوف، فمكث لذلك أيامًا، فسأله المأمون عنه، فقص عليه قصته وعظم عليه جرمه وشكا ما يراه عليه من التيه والصلف والافتخار بالبرامكة والسمو بآبائهم، فأمره بإحضاره، فأُحضر في صوفه، فأقبل عليه المأمون بالتوبيخ مصغرًا لقدره مسفهًا لرأيه وعظّم في عينه إحسان ابن أبي خالد إليه مع طعن على البرامكة ووضع منهم، فأطنب في ذلك، فقال محمد: يا أمير المؤمنين لقد صغّرت من البرامكة غير مصغّر ووضعت منهم غير موضوع وذممت منهم غير مذموم، ولقد كانوا شفاء أسقاهم دهرهم وغياث إجداب عصرهم، كانوا مفزعًا للملهوفين وملجأً للمظلومين، وإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته ببعض أخبارهم ليستدل بذلك على صدق قولي فيهم ويقف على جميل أخلاقهم ومحمود مذاهبهم في عصرهم والأفعال الشريفة والأيادي النفيسة! قال: هات، قال: ليس بإنصاف محدّث مقيّد في جبة صوف، فأمر فأُخذ قيده، فقال: يا أمير المؤمنين ألم الجبة يحول بيني وبين الحديث، فأمر فخلع عليه، ثم قال: هات حديثك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، كان ولائي وانقطاعي إلى الفضل، فقال لي الفضل يومًا بمحضر من أبيه وأخيه جعفر: ويحك يا محمد إني أحب أن تدعوني دعوة كما يدعو الصديق صديقه والخليل خليله، فقلت: جلعت فداك! شأني أصغر من ذلك ومالي يعجز عنه وباعي يقصر عن ذلك وداري تضيق عنه ومُنّتي لا تقوم له، قال: دع عنك ذلك فلا بد منه، فأعدت عليه الاستعفاء، فرأيته جادًا في ذلك مقيمًا عليه، وسألا ذلك وأعلماه قصور يدي عن بلوغ ما يجب ويشبه مثله، فقال لهما: لست بقانعٍ منه دون أن يدعوني وإياكما لا رابع معنا، فأقبل عليّ يحيى وقال: قد أبى أن يعفيك وإن لم يكن غيرنا فأقعدنا على أثاث بيتك فلا حشمة منا واطعمنا من طبيخ أهلك فنحن به راضون وعليه شاكرون، فقلت: جعلت فداك! إن كنت قد عرضت عليّ ذلك وأبيت إلا هتكي وفضيحتي فالأقل أن تؤجلني حتى أتأهب، فقال: استأجل لنفسك، فقلت: سنة، فقال: ويحك أمعنا أمان من الموت إلى سنة؟ فقال يحيى: أفرطت في الأجل، ولكني أحكم بينكما بما أرجو أن لا يرده أبو العباس واقبله أنت أيضًا، فقلت: احكم وفقك الله للصواب وتفضل عليّ بالاستظهار والفسح في المدة، فقال: قد حكمت بشهرين، فخرجت من عندهم وبدأت برمّ داري وإصلاح آلتي وشراء ما أتجمل به من فرش وأثاث وغير ذلك وهو في ذلك لا يزال يذكرني ويعدّ الأيام عليّ، حتى إذا كانت الجمعة التي يجب فيها الدعوة قال لي: يا محمد قد قرب الوقت ولا أحسبه بقي عليك إلا الطعام، قلت: أجل يا سيدي، فأمرت باتخاذ الطعام على غاية ما انبسطت به يدي ومقدرتي، وجاءني رسوله عشية اليوم الذي في صبيحته الدعوة فقال لي: إلى أين بلغت وهل تأذن بالركوب؟ قلت: نعم بكّر، فبكّر هو ويحيى وجعفر ومعهم أولادهم وفتيانهم، فلما دخلوا أقبل عليّ الفضل وقال: يا محمد إن أول ما أبدأ به النظر إلى نعمتك كلها صغيرها وكبيرها، فقم بنا إليها حتى أدور فيها وأقف عليها، فقمت معه وطاف في المجلس ثم خرج إلى الخزائن وصار إلى بيوت الشراب وخرج في الاصطبلات ونظر إلى صغير نعمتي وكبيرها ثم عدل إلى المطبخ فأمر بكشف القدور كلها وأبصر قدرًا منها، فأقبل على أبيه وقال: هذا قِدرك الذي يعجبك ولست أبرح دون أن تأكل منه، ثم كره أن يأكل فيثلم عليّ في أكله ويفسد طعامه، فدعا برغيف فغمسه في القدر وناول أباه ثم فعل ذلك بأخيه ودعا بخلال، وخرج إلى الدار ووقف في صحنها مفننًا طرفه في فنائها وبنائها وسقوفها وأروقتها ثم أقبل عليّ وقال: من جيرانك؟ قلت: جعلت فداك! عن يميني فلان بن فلان التاجر، وعن شمالي فلان بن فلان الكاتب، وفي ظهر
[ ١٠٠ ]
داري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا يقصر، فقال لي: أوتعرفه؟ قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة ألاّ يجتريء أحد أن يشتري شيئًا في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقًا لك ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل بداره؟ فأومأت إليه، فقال: عليّ بنجار، فأُتي به، فقال: افتح هاهنا بابًا، فأقبل عليه أبوه وقال: نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سببًا، وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد ردّ أباه وأخاه أمسكت عن مسألته، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه، فدخلت دارًا حار بصري فيها من حسنها، كلها لؤلؤٌ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قدّ واحد وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة، فلما نظروا إلى الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهيّ قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال: مرّ بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما دخلت مجلسًا من مجالسه إلا وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، وكذلك مرافقها من الستور والبسط وغير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند الدواب، فدخلنا إصطبلًا فيه أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من داري، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه، فلما انتهى إلى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه، فقال: يا محمد هذه الدار أجلّ أم دارك؟ فقلت: يا سيدي وما أنا وما داري! هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، فقال: يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ولك عندي زيادة، فقلت في نفسي: يهب لي ملك غيره! فعلم ما في نفسي، فقال: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت إليها ما ترى، فبارك الله لك فيها! وانصرف بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما بما جرى، فرأيت أخاه جعفرًا قد أمعض من ذلك وتغير وجهه تغيرًا عرفته، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول: يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يدًا أشكرها منه، فقال: يا أخي بقي لك منها قطبها، قال: وما هو؟ قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج الله عنك! فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها، فخرج عني وأنا أيسر أهل زماني، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم؟ فقال المأمون: ذهب القوم والله بالمكارم! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم إلى ابن أبي خالد بردّ مرتبته وتصييره في جملة خواصه. ري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا يقصر، فقال لي: أوتعرفه؟ قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة ألاّ يجتريء أحد أن يشتري شيئًا في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقًا لك ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل بداره؟ فأومأت إليه، فقال: عليّ بنجار، فأُتي به، فقال: افتح هاهنا بابًا، فأقبل عليه أبوه وقال: نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سببًا، وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد ردّ أباه وأخاه أمسكت عن مسألته، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه، فدخلت دارًا حار بصري فيها من حسنها، كلها لؤلؤٌ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قدّ واحد وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة، فلما نظروا إلى الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهيّ قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال: مرّ بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما دخلت مجلسًا من مجالسه إلا وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، وكذلك مرافقها من الستور والبسط وغير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند الدواب، فدخلنا إصطبلًا فيه أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من داري، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه، فلما انتهى إلى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه، فقال: يا محمد هذه الدار أجلّ أم دارك؟ فقلت: يا سيدي وما أنا وما داري! هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، فقال: يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ولك عندي زيادة، فقلت في نفسي: يهب لي ملك غيره! فعلم ما في نفسي، فقال: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت إليها ما ترى، فبارك الله لك فيها! وانصرف بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما بما جرى، فرأيت أخاه جعفرًا قد أمعض من ذلك وتغير وجهه تغيرًا عرفته، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول: يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يدًا أشكرها منه، فقال: يا أخي بقي لك منها قطبها، قال: وما هو؟ قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج الله عنك! فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها، فخرج عني وأنا أيسر أهل زماني، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم؟ فقال المأمون: ذهب القوم والله بالمكارم! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم إلى ابن أبي خالد بردّ مرتبته وتصييره في جملة خواصه.
[ ١٠١ ]
وحدثنا غيره قال: اصطحب رسول للفضل ورجل كوفي في طريق خراسان فأقبل الكوفي يسأل عن أفعال الفضل، فأخبره بإنهابه الأموال الجليلة في العطايا، فقال له الكوفي: خبرني عن هذه الأموال التي يهبها يراها وينظر إليها؟ فقال: لا، قال: فمن هناك تهون عليه. فلما وصلا إلى الموضع دعا الفضل بالرسول وسأله عما رأى في طريقه وعما سمع، فأقبل يخبره حتى انتهى إلى خبر الكوفي فذكر له ما قال وكان متّكيًا فاستوى جالسًا ثم قال: يا غلام ائت صاحب بيت المال فاسأله عن حاصله، فقال: هو عشرة آلاف درهم، فقال تُحمل الساعة إلى دار العامة وتشقّ عنها البِدَر شقًا وتنثر في وسط الدار، قال: ففعل ذلك بها، ثم قال للرسول: هات صاحبك الكوفي، فأُتي به، وأمر الفضل بتفريق ذلك المال على زواره رجلًا رجلًا واسمًا اسمًا على مقاديرهم وما وقع لكل رجل منهم، ثم أمر للكوفي بمائة ألف درهم وقال: هذه لك لتنبيهك إيايّ على هذا الفعل، ومما قيل في ذلك:
كريمٌ كريم الأمهات مهذَّبٌ تحلّب كفاه الندى وأنامله
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجّته المعروف والجود ساحله
جوادٌ إذا ما جئت للعرف طالبًا حباك بما تحوي عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها، فليتق الله سائله
وللبحتري في ذلك:
لو أن كفك لم تجد لمؤملٍ لكفاه عاجل وجهك المتهلل
أو أنّ مجدك لم يكن متقادمًا أغناك آخر سوددٍ عن أول
علي بن يحيى النديم قال: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور قال: أنشدني قول عمارة في أهل بغداد، فأنشدته:
من يشتري مني ملوك المخرِّم أبع حسنًا وابني هشامٍ بدرهم
وأعطي رجاءً بعد ذاك زيادةً وأمنح دينارًا بغير تندّم
وإن طلبوا مني الزيادة زدتهم أبا دُلفٍ والمستطيل ابن أكثم
فقال المتوكل: ويلي على ابن البوّال على عقبيه يهجو شقيق دولة بني العباس! قلت: يا سيدي من شقيق دولة بني العباس؟ فقال: القاسم بن عيسى فهل عندك من مديحه شيء؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قول الأعرابي الذي يقول:
أبا دلفٍ إن السماحة لم تزل مغلَّلةً تشكو إلى الله غلَّها
فبشّرها ربي بميلاد قاسمٍ فأرسل جبريلًا إليها فحلّها
ولبكر بن النطاح في أبي دلف:
بطلٌ بصدر حسامه وسنانه أجلان من صدرٍ ومن إيراد
ورث المكارم وابتناها قاسمٌ بصفائحٍ وأسنةٍ وجياد
يا عصمة العرب التي لو لم تكن حيًا إذًا كانت بغير عماد
إن العيون إذا رأتك حدادها رجعت من الإجلال غير حداد
وإذا رميت الثغر منك بعزمةٍ فتّحتَ منه مواضع الأسداد
وكأن رمحك منقعٌ في عصفرٍ وكأن سيفك سلّ من فرصاد
لو صال من غضبٍ أبو دلفٍ على بيض السيوف لذبن في الأغماد
أذكى ونوّر للعداوة والهوى نارين نار دمٍ ونار رماد
وقال أبو هفان: أنشدته عبد العزيز بن أبي دلف بسر من رأى فبرّني ثم قال: هل خلق مثله؟ قلت: لا.
ولغيره في أبي دلف:
ولو يجوز لقال الناس كلهم لولا أبو دلفٍ ما أورق الشجر
قرمٌ إذا ما حوى في كفه حجرًا يفيض في كفه من جوده الحجر
وأنشد أيضًا، ﵀:
خِلٌّ إذا جئته يومًا لتسأله أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يخفي صنائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهرا
وأنشد:
يداك يدٌ غيثها مرسلٌ وأخرى لأعدائها غائظه
فأما التي سيبها يرتجى فأجود بالمال من لافظه
وأما التي شرّها يتقى فنفس العدو بها فائظه
آخر:
فتىً عاهد الرحمان في بذل ماله فليس تراه الدهر إلا على العهد
فتىً قصرت آماله عن فعاله وليس على الحر الكريم سوى الجهد
آخر:
[ ١٠٢ ]
عاد السرور إليك في الأعياد وسعدت من دنياك بالأسعاد
رفقًا بشكر جلّ ما أوليته رفقًا فقد أثقلته بأيادي
ملأ النفوس مهابةً ومحبةً بدرٌ بدا متغمرًا بسواد
ما إن أرى لك مشبهًا فيمن أرى أمُّ الكرام قليلة الأولاد
ولآخر:
إذا ما أتاه السائلون توقدت عليه مصابيح الطلاقة والبشر
له في ذرى المعروف نعمى كأنها مواقع ماء المزن في البلد القفر