لبعضهم:
وقالوا عقابٌ قلت عقبى لهم من النوى دنت بعد شحطٍ منهم ونزوح
وقالوا حمامٌ قلت حُمَّ لقاؤها وعادت لنا ريح الوصال تفوح
وقالوا دمٌ دامت مودة بيننا وطلحٌ فنيلت والمطيُّ طلوح
وقالوا تغنّى هدهدٌ فوق أيكةٍ فقلت هدىً تغدو بنا وتروح
وحكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج يتصيد ومعه عديّ بن زيد فمرّ بآرامٍ، وهي القبور، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: إنها تقول:
أيها الركب المخبو ن على الأرض تمرون
فكما كنتم فكنا وكما نحن تكونون
قال: أعد. فأعاد، فرجع كئيبًا وترك صيده. قال: ثم خرج معه خرجة أخرى فوقف على آرام بظهر الكوفة، فقال: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:
رُبّ ركبٍ قد أناخوا عندنا يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم وكذاك الدهر حالًا بعد حال
فانصرف وترك صيده.
عبد الله بن مسلم قال: حدثت عن معاوية أنه سأل عبيد بن شرية الجرهمي عن أعجب شيء رآه فقال: نزلت بحيّ من قضاعة في الجاهلية فأخرجوا جنازة لرجل من بني عذرة فخرجت معهم حتى إذا واروه تنحيت جانبًا وعيناي تذرفان ثم تمثلت بأبيات من شعر كنت رُوّيتها قبل ذلك الزمان:
استقدر الله خيرًا وارضينّ به فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور
حتى كأن لم يكن إلا تذكُّره والدهر أيتما حالٍ دهارير
قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال: أتدري من قائل هذه الأبيات؟ قلت: لا والله. قال: والذي يُحلف به أنه لصاحب هذا القبر وهذا ذو قرابته أسرّ الناس بموته وأنت الغريب تبكي عليه! فعجبت مما ذكره في شعره والذي صار إليه من قوله كأنه نظر إلى نفسه بعد موته.
قال: ولما بعث أبو بكر الصديق، ﵁، خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حيّ من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالسًا على شراب له وهو يغني بهذه الأبيات:
ألا عللاني قبل جيش أبي بكر لعل منايانا قريبٌ وما ندري
[ ١٥٠ ]
فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه وإذا رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها، ولذلك قيل:
إن البلاء موكل بالمنطق
وحدثنا الحسين بن الضحاك قال: شهدت الواثق وكان قاعدًا في مجلس كان أول مجلس قعده فكان أول ما تغنى من الغناء في ذلك المجلس صوت إبراهيم بن المهدي فغنت به شارية جارية إبراهيم:
ما درى الحاملون يوم استقلوا نعشةً للثواء أم للقاء
فلتقل فيك باكياتٌ كما شئ ن صباحًا وعند كل مساء
قال: فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، ثم اندفع بعض المغنين فغنى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعًا أيها الرجل
قال: فازداد والله في البكاء، ثم قال: أسمعت كاليوم قط تعزية بأب ونعي نفس؟ ثم ارفضّ ذلك المجلس.
وحدثنا ابن المكي عن أبيه قال: قال محمد الأمين في آخر أيامه: يا مكي والله أحب أن أقعد يومًا قبل أن يحال بيننا وبين ما نريد. فقلت: يا أمير المؤمنين افعل ذلك، فقال: اغد عليّ في غد. قال: فانصرفت وغدا عليّ رسوله في السحر فجئت إليه وهو في صحن داره وعليه جبة وشي مذهبة تأتلق وعمامة مثلها ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ذهب مرصّع بالجوهر.
فدعا بكرسي فجلست عليه عن يساره. ثم قال لخادم على رأسه: ادع لي فلانة وفلانة، حتى عدّ أربع جوار ما منهن جارية إلا وأنا أعرف حذقها وجودة غنائها. فخرجن وجلسن عن يمينه. ثم قال: يا غلام عليّ برطلٍ، فأتي برطل وقدح بلّور مكلل بالجوهر. فالتفت إلى التي تليه فقال لها: غني، فضربت ضربًا حسنًا وتغنت بشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه كما قتلت كسرى بليل مرازبه
بني هاشمٍ ردوا سلاح أخيكم ولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه
قال: فرمى بالقدح في وسط الدار ثم قال: لعنك الله! ما هذا؟ قالت: لا والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا. ثم التفت إلى الغلام فقال: اسقني. فأتاه بقدح مثل الأول. وقال للأخرى: غني. فغنت ما قيل في كليب وائل:
كليب لعمري كان أكثر ناصرًا وأيسر ذنبًا منك ضُرّج بالدم
فرمى بالقدح في صحن الدار وكسره ثم قال: يا غلام عليّ برطل. وقال للثالثة: غني، فغنت:
أتقتل عمرًا لا أبا لك شاردًا وتزعم بعد القتل أنك هارب
فلو كنت بالأقطار ما فتّ ضربتي وكيف تفوت الحين والدم طالب
قال: فرماها بالقدح وقال: يا غلام عليّ برطل. وقال للرابعة: غني. فغنت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العوائر
قال: فالتفت إلي وقال: قد سمعت هذا أمر يريده الله جل وعز. قال: فما مضت أيام حتى رأيت رأسه بين شرفتين من شرف قصره.