قال بعض الحكماء: صن شكرك عمّن لا يستحقه واستر ماء وجهك بالقناعة.
وقال الفضل بن سهل: من أحب الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالّته ومكره. ومن ذلك قول رجل لرجل شكره في معروف:
لقد ثبتت في القلب منك محبةٌ كما ثبتت في الراحتين الأصابع
قال: واصطنع رجل رجلًا فسأله يومًا: أتحبني يا فلان؟ قال: نعم أحبك حبًا لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك.
وقال كسرى أنوشروان: المنعم أفضل من الشاكر لأنه جعل له السبيل إلى الشكر.
واختصر حبيب بن أوس من هذا شيئًا في مصراع واحد فقال:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
وقال بشار:
أثني عليك ولي حالٌ تكذبني فيما أقول وأستحيي من الناس
قد قلت إن أبا حفصٍ لأكرم من يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي
ولأبي الهول في مثله:
فإني إذ مدحتك يا ابن معنٍ رآني الناس في رمضان أزني
فإن أك أُبتُ عنك بغير شيءٍ فلا تفرح كذلك كان ظني
ولآخر في مثله:
لحى الله قومًا أعجبتهم مدائحي فقالوا خفاتًا في ملامٍ وفي عتب:
أبا حازمٍ تمدح، فقلت معذّرًا: هبوني امرأً جربت سيفي على كلب
ولبعض المحدثين:
عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمنٍ لكنه يشتهي حمدًا بمجّان
والناس أكيس من أن يحمدوا أحدًا حتى يروا قبله آثار إحسان
وقال آخر:
فلو كان يستغني عن الشكر سيدٌ لعزّة ملكٍ أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره فقال اشكروني أيها الثقلان
الباهلي عن أبي فروة قال: أخبرني الحلبي قال: مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت والشكر زيادة في النعم وأمان من الغِيَر.
قيل وقال رسول الله، ﷺ: خمس يعاجل صاحبهن بالعقوبة: البغي والغدر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم ومعروف لا يشكر.
وفي حديث مرفوع: دعاء المنعم على المنعَم عليه مستجاب.
وقيل: أنشد عمر بن الخطاب، ﵁، الحطيئة هذا البيت وعنده كعب الأحبار:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
فقال كعب: يا أمير المؤمنين هذا البيت الذي قال مكتوب في التوراة! قال عمر: وكيف ذاك؟ قال: في التوراة مكتوب: من يصنع المعروف لا يضيع عندي، لا يذهب العرف بيني وبين عبدي.
قيل: ودخل أبو مسلم صاحب الدولة على أبي العباس وأبو جعفر المنصور عنده، فقال أبو العباس لأبي مسلم: يا عبد الرحمن هذا أبو جعفر عبد الله بن محمد مولاك! قال: قد رأيت مجلسه يا أمير المؤمنين ولكنّ هذا مجلس لا يقضى فيه حق غيرك.
[ ٥٧ ]
فصل لكاتبه في مثله: ولست أقابل أياديك ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر الذي جعله الله جل وعز للنعم حارسًا وللحق مؤديًا وللمزيد سببًا.
وقيل لرسول الله، ﷺ: أليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا! وفي الحديث أن رجلًا قال في الصلاة خلف رسول الله، ﷺ: اللهم ربنا لك الحمد حمدًا زاكيًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف رسول الله، ﷺ، قال: أيكم صاحب الكلمة؟ قال أحدهم: أنا يا رسول الله. فقال: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرون أيهم يكتبها أولًا، وقيل: نسيان النعمة أول درجات الكفر، ولابن المقفع:
مننت على قومي فأبدوا عداوةً فقلت لهم كفؤ العداوة والشكر
وقال آخر:
ألا في سبيل الله وُدٌ بذلته لمن لم يكن عندي لمعشاره أهلا
ولكن إذا فكّرت فيه وجدتني بحسني إليه قد أفدت به عقلا
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: لا تدع المعروف لكفر من كفره فإنه يشكرك عليه أشكر الشاكرين، وقد قيل في ذلك:
يد المعروف غنمٌ حيث كانت تحمّلَها شكورٌ أم كفور
فعند الشاكرين لها جزاءٌ وعند الله ما كفر الكفور
قال بعضهم: ما أنعم الله على عبد نعمةً فشكر ذلك إلا لم يحاسبه على تلك النعمة، وقال بعض الحكماء: عند التراخي عن شكر المنعم تحلّ عظائم النقم.
قيل: وكان رسول الله، ﷺ، كثيرًا ما يقول لعائشة، ﵂: ما فعل بيتك أو بيت اليهودي؟ فتقول:
يجزيك أو يُثني عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فيقول، عليه وعلى آله السلام: قد صدق يا عائشة، إن الله جل وعز إذا أجرى لرجل على يدي رجل خيرًا فلم يشكره فليس لله بشاكر.
قيل وقيل لذي الرمة: لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك؟ فقال: لأنه وطّأ مضجعي وأكرم مجلسي فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري.
ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر وينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قاله بزرجمهر: من انتظر بمعروفه شكرًا فقد استدعى عاجل المكافأة.
وقال بعض الحكماء: كما أن الكفر يقطع مادة الإنعام فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق الأجر.
وقال علي بن عبيدة: من المكارم الظاهرة وسنن النفس الشريفة ترك طلب الشكر على الإحسان ورفع الهمة عن طلب المكافأة واستكثار القليل من الشكر واستقلال الكثير مما يبذل من نفسه.