قال الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي: قال مصعب بن الزبير: إن الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون ويحفظون أحسن ما يكتبون ويكتبون أحسن ما يسمعون، فإذا أخذت الأدب فخذه من أفواه الرجال فإنك لا تسمع منهم إلا مختارًا.
وقال لقمان لابنه: يا بني تنافس في طلب الأدب فإنه ميراث غير مسلوب وقرين غير مغلوب ونفيس حظ في الناس مطلوب.
وقال الزهري: الأدب ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال ولا يبغضه إلا مؤنثهم.
وقيل: إذا سمعت أدبًا فاكتبه ولو في حائط، قال: وقال المنصور بن المهدي للمأمون: أيحسن بمثلي طلب الأدب؟ قال: لأن تموت طالبًا للأدب خير من أن تعيش قانعًا بالجهل. قال: فإلى متى يحسن بي ذلك؟ قال: ما حسنت بك الحياة.
وقال الزهري: ما سمعت كلامًا أوجز من كلام عبد الملك بن مروان لولده حيث يقول: اطلبوا معيشة لا يقدر عليها سلطان جائر. قيل ما هي؟ قال: الأدب.
وقال بزرجمهر: يا ليت شعري أي شيء أدرك من فاته الأدب أم أي شيء فات من أدرك الأدب ومادته من الكتب! وقد أهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفترًا وكتب له: هديتي هذه، أعزك الله، تزكو عن الإنفاق وتربو على الكد، لا تفسدها العواري ولا تخلقها كثرة التقليب، وهي أُنس في الليل والنهار والسفر والحضر تصلح للدنيا والآخرة، تؤنس في الخلوة وتمتع في الوحدة، مسامر مساعد ومحدث مطواع ونديم صديق.
وقال بعضهم: الكتب بساتين العلماء.
وقال آخر: الكتاب جليس لا مؤنة له.
وقال الفضل بن سهل للمأمون وهو بدمشق بدير مران مشرف على غوطتها: يا أمير المؤمنين هل رأيت في حسنها شبيهًا في شيء من ملك العرب؟ يعني الغوطة. قال: بلى والله، كتاب فيه أدب يجلو الأفهام ويذكي القلوب ويؤنس الأنفس أحسن منها.
[ ١ ]
وقال الجاحظ: الكتاب نعم الذخر والعقدة ونعم الجليس والقعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل، الكتاب وعاء مليء علمًا وظرفٌ حشي ظرفًا، إن شئت كان أعيا من باقل وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت بكيت من مواعظه، ومن لك بواعظٍ ملهٍ وبناسك فاتك وناطق أخرس، ومن لك بطبيب أعرابيّ وروميّ وهنديّ وفارسيّ ويونانيّ ونديم مولَّد ووصيف ممتّع، ومن لك بشيء يجمع الأول والآخر والناقص والوافي والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل وخلافه والجنس وضده، وبعد فما رأيت بستانًا يحمل في ردن وروضة تنقل في حجر ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء غيره، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من في الأرض وأكتم للسر من صاحب السر وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة، ولا أعلم جارًا أبر ولا خليطًا أنصف ولا رفيقًا أطوع ولا معلمًا أخضع ولا صاحبًا أظهر كفاية ولا عناية ولا أقل إملالًا وإبرامًا ولا أبعد عن مراء ولا أترك لشغب ولا أزهد في جدال ولا أكف عن قتال من كتاب، ولا أعم بيانًا ولا أحسن مؤاتاة ولا أعجل مكافأة ولا شجرة أطول عمرًا ولا أطيب ثمرًا ولا أقرب مجتنىً ولا أسرع إدراكًا ولا أوجد في كل إبان من كتاب، ولا أعلم نتاجًا في حداثة سنه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وإمكان وجوده يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة ومن الحِكم الرفيعة والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة والأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتراخيةو السائرة والأمم البائدة ما يجمع من كتاب ولولا الحكم المخطوطة والكتب المدونة لبَطل أكثر العلم ولغلب سلطان النسلن سلطان الذكر ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع، ومن لك لا يبتدئك في حال شغلك ولا في أوقات عدم نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل والتذمم، ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غِبًّا وورده خِمسًا وإن شئت لزمك لزوم ظلك.
[ ٢ ]
والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يقليك والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي لا يؤذيك والجار الذي لا يستبطئك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك وعمّر صدرك وحباك تعظيم الأقوام ومنحك صداقة الملوك، يطيعك في الليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقّرك وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة وإن عزلت لم يدع طاعتك وإن هبت عليك ريح أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقًا به ومتصلًا منه بأدنى حبل لم يضرك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، وإن أمثل ما يقطع به الفُرّاغ نهارهم وأصحاب الكفايات ساعة ليلهم نظرة في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبدًا في تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة وابتداء إنعام، ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك ونظرك إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم ومن فضول النظر وملابسة صغار الناس ومن حضور ألفاظهم الساقطة ومعانيهم الفاسدة وأحوالهم الردية وطرائقهم المذمومة وأفعالهم الخبيثة القبيحة لكان في ذلك السلامة ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا السلامة ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة وعن اللعب وكل ما أشبهه، لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنة، وهو الذي يزيد في العقل ويشحذه ويداويه ويهذبه وينفي الخبث عنه ويفيد العلم ويصادق بينك وبين الحجة ويقودك للأخذ بالثقة ويُعمر الحال ويكسب المال، وهو منبهة للمورث وكنز عند الوارث غير أنه كنز لا زكاة فيه ولا حق للسلطان يخرج منه، هو كالضيعة التي لا تحتاج إلى سقي ولا إسجال بإيغاز ولا إلى شرط ولا أكار، وليس عليها عشر للسلطان ولا خراج، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها وخلدت من عجيب حكمها ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدناها بها من غاب عنا وفتحنا بها كل منغلق علينا فجمعنا في قليلنا كثيرهم وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم لقد كان بُخِس حظنا منه، وأكثر من كتبهم نفعًا وأشرف منها حظًا وأحسن موقعًا كتب الله ﷿ التي فيها الهدى والرحمة والإخبار عن كل عبرة وتعريف كل سيئة وحسنة، وما زالت كتب الله جل وعلا في الألواح والصحف والمصاحف، فقال جل ذكره: " أم لم يُنَبّأ بما في صُحف موسى وإبراهيم الذي وفّى "، فذكر صحف موسى الموجودة وصحف إبراهيم البائدة، وقال: " آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه "، وقال ﷿: " ما فرطنا في الكتاب من شيء "، وقال: " كرامًا كاتبين "، وقال: " وأما من أُوتي كتابه وراء ظهره "، وقال: " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا "، ولو لم تكن تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان ولكنه تعالى جده علم أن نسخه أوكد وأبلغ وأهيب في الصدور فقال جل ذكره: " إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون "، ولو شاء الله أن يجعل البشارات بالمرسلين على الألسنة ولم يودعها الكتب لفعل، ولكنه ﵎ علم أن ذلك أتم وأبلغ وأكمل وأجمع. وفي قول سليمان، ﵇: " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم "، وقد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت وإنسي وغيرهما، فرأى الكتاب أبهى وأحسن وأكرم وأفخم وأنبل من الرسالة، ولو شاء النبي، ﷺ، أن لا يكتب إلى قيصر وكسرى والنجاشي والمقوقس وإلى بني الجُلندي وإلى العباهلة من حمير وإلى هوذة والملوك العظماء والسادة النجباء لفعل ولوجد المبلغ المعصوم من الخطإ والزلل والتبدّل، ولكنه، ﵇، علم أن الكتاب أشبه بتلك الحالة وأليق بتلك المراتب وأبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب، وحمله إن كثُر ورقه فليس مما يمل لأنه وإن كان كتابًا واحدًا فإنه كتب كثيرة، فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني ولا الثالث حتى يهجم على الرابع، فهو أبدًا مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون حاثًا لبعض، ولا يزال نشاطه زائدًا متى خرج من أثر صار في خبر حتى يخرج من خبر إلى شعر ومن الشعر إلى النوادر ومن النوادر إلى نتف وإلى مواعظ حتى يفضي به إلى
[ ٣ ]
مزح وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة. وكانوا يجعلون الكتاب نقرًا في الصخور ونقشًا في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتيء وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخًا لأمر جسيم أو عهدًا لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غُمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقَّر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء، يعمدون إلى المواضع الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مرّ ولا ينسى على مرور الدهور، وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سببًا لحفظ الأموال والخزائن ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة. قال الله ﷿: " هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب "، ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم، ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، وذلك مشهور في الحمام إذا أُرسلت، وكانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه، وكانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر والجسور، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان وتفردت بالشعر، فلها من البنيان غُمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شَعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييدًا للمآثر على مر الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب باقٍ يقع من قرن إلى قرن فهو أبدًا جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النِّحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبية وحميّة الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله وخمول ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر بن الخطاب: تفقهوا قبل أن تسودوا. وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة. وكانوا يجعلون الكتاب نقرًا في الصخور ونقشًا في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتيء وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخًا لأمر جسيم أو عهدًا لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غُمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقَّر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء، يعمدون إلى المواضع الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مرّ ولا ينسى على مرور الدهور، وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سببًا لحفظ الأموال والخزائن ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة. قال الله ﷿: " هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب "، ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم، ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، وذلك مشهور في الحمام إذا أُرسلت، وكانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه، وكانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر والجسور، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان وتفردت بالشعر، فلها من البنيان غُمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شَعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييدًا للمآثر على مر الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب باقٍ يقع من قرن إلى قرن فهو أبدًا جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النِّحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبية وحميّة الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله وخمول ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر بن الخطاب: تفقهوا قبل أن تسودوا.
[ ٤ ]
وقال بعض الحكماء: ذهبت المكارم إلا من الكتب. وقال الله ﷿: " اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم "، فوصف نفسه تعالى جده بأنه علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم واعتد بذلك في نعمه العظام وأياديه الجسام ووضع القلم في المكان الرفيع ونوه بذكره وأقسم به كما أقسم بما يخط به فقال: " ن والقلم وما يسطرون، والقلم أرجح من اللسان لأن كتابته تقرأ بكل مكان ويظهر ما فيه على كل لسان ويوجد مع كل زمان، ومناقلة اللسان وهديته لا تجاوزان مجلس صاحبه ومبلغ صوته، والكتاب يخاطبك من بعيد، وقد قالوا: القلم أحد اللسانين، وقالوا: كل من عرف النعمة في بيان اللسان كان أعرف لفضل النعمة في بيان القلم. وقد يعتري القلم ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه، فما أكثر من يعزم على عشرة أسواط فيضرب مائة لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع فأراه السكون أن الصواب في الإقلال فلما ضرب تحرك دمه فأشاع الحرارة فيه وزاد في غضبه فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم فما أكثر من يبتديء الكتاب وهو يريد مقدار سطرين فيكتب عشرة. وقد قيل: القلم الشاهد والغائب يقرأ بكل لسان وفي كل زمان. وقالوا: ظاهر عقول الرجال في اختيارها ومدوّن في أطراف أقلامها، ومصباح الكلام حسن الاختيار. وقالوا: القلم مجهِّز جيوش الكلام، يخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفًا وينطق سائرًا على الأرض، بياضه مظلم وسواده مضيء، وقال الشاعر:
قومٌ إذا خافوا عداوة معشرٍ سفكوا الدمِّا بأسنة الأقلام
ولَمَشقة من كاتب بمداده أمضى وأقطع من صنيع حسام
وقال آخر أيضًا:
ما السيف والسيف سيفُ الكميّ بأخوف من قلم الكاتب
له غايةٌ إن تأمّلتها ظهرت على سَوءة الغائب
أداة المنية في جانبيه فمِن مثلِه رهبة الراهب
سنان المنيّة في جانبٍ وسيف المنيّة في جانب
ألم تر في صدره كالسّنان وفي الردف كالمرهف القاضب
فيجري به الكف في حالةٍ على هيئة الطاعن الضّارب
وقال آخر أيضًا ملغزًا:
وأعجف رجلاه في رأسه يطير حثيثًا على الأملس
مطاياه من تحته الإصبعان ولولا مطاياه لم يلمس
وقال آخر، سامحه الله:
وأعجف مُنْشَقِّ الشِّباة مقلَّمِ موشّى القرا طاوي الحشا أسود الفم
إذا هو أضحى في الدواة فأعجمٌ ويضحي فصيحًا في يدي غير أعجم
يناجي مناجاةً أغرَّ مُرزّأً متى ما استمعْ معروفه يتبسمِ
وقال آخر، ﵀:
لك القلم الذي لم يجر لؤمًا بغاية منطق فكبا بعِيِّ
ومبتسمٌ عن القرطاس يأسو ويجرح وهو ذو بال رخيِّ
فما المقداد أعضب مِن شَباهُ ولا الصمصام سيف المذحجيّ
وقال وأجاد:
أحسن من غفلة الرقيب ولحظة الوعد من حبيب
والنغم والنقر من كعابٍ مصيبة العود والقضيب
ومن بنات الكروم راحًا في راحتي شادنٍ ربيب
كَتبُ أديبٍ إلى أديب طالت به مدة المغيب
فنَمّقت كفه سطورًا تنمّقُ الصبر في القلوب
تترك من سُطّرت إليه أطرب من عاشق طروب
وقال آخر:
إذا استمدّت صرفت الطرف عن يدها خوفًا عليها لما أخشى من التهم
كأنما قابل القرطاس إذ مشقت منها ثلاثة أقلامٍ على قلم
وقال أشجع في جعفر البرمكي:
إذا أخذت أنامله تُبَيّن فضله القلما
تطأطأ كلٌ مرتفعٍ لفضل الكَتْبِ مذ نجما
يقدم ويؤخر، أراد: إذا أخذت أنامله القلم تبين فضله. وفي الخط قال: نظر المأمون إلى مؤامرة بخط حسن فقال: لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة! وقال يحيى بن خالد البرمكي: الخط صورةٌ روحها البيان ويدها السرعة وقدماها التسوية وجوارحها معرفة الفصول، وقال في مثله، رحمه الله تعالى:
[ ٥ ]
تقول وقد كتبت دقيق خطي: فديتك ممّ تجتنب الجليلا؟
فقلت لها:
نَحَلْتُ فصار خطي دقيقًا مثل صاحبه نحيلا
وقال علي بن الجهم في صفة الكتب: إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت كتابًا فأجد اهتزازي فيه من الفوائد والأريحية التي تعتادني وتعتريني من سرور الاستنباه وعز التبيين أشد إيقاظًا من نهيق الحمار وهدة الهدم، وإني إذا استحسنت كتابًا واستجدته رجوت فيه فائدةً، فلو تراني ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من قبله، وإن كان الكتاب عظيم الحجم وكان الورق كبير القدر.
وذكر له العتبي كتابًا لبعض القدماء وقال: لولا طوله لنسخته، فقال: ما رغبي إلا فيما زهدت عنه، وما قرأت كتابًا كبيرًا فأخلاني من فائدةٍ ولا أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت فيها.
قال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵁، لا يجالس الناس ونزل مقبرة من المقابر وكان لا يكاد يُرى إلا وفي يده كتاب يقرأ فيه، فسئل عن ذلك وعن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة.
وقيل لابن داحة وقد أخرج إليه كتاب أبي الشمقمق وهو في جلود كوفية وورقتين طابقتين لا بخط عجيب فقال: لقد ضيع درهمه صاحب هذا الكتاب، وقال: والله إن القلم ليعطيكم مثل ما تعطونه ولو استطعت أن أتودعه سويداء قلبي وأجعله مخطوطًا على ناظريّ لفعلت.
وقال بعضهم: كنت عند بعض العلماء وكنت أكتب عنه بعضًا وأدع بعضًا فقال لي: اكتب كل ما تسمع فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض، وقيل:
أما لو أعي كل ما أسمع وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعت لقيل هو العالم المقنع
ولكن نفسي إلى كل نوعٍ من العلم تسمعه تجزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ولا أنا من جمعه أشبع
ومن لثّ في علمه هكذا ترى دهره القهقرى يرجع
إذا لم تكن حافظًا واعيًا فجمعك للكتب لا ينفع
وقال بعضهم: الحفظ مع الإقلال أمكن ومع الإكثار أبعد وهو للطبائع مع رطوبة القضيب أقبل، ومنها قول الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبي خاليًا فتمكّنا
وقيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فسمع ذلك الأحنف فقال: الكبير أكثر عقلًا ولكنه أكثر شغلًا، وكما قال:
وإنّ مَن أدّبته في الصّبى كالعود يُسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقًا ناضرًا بعد الذي أبصرت من يبسه
والصبيّ على الصّبَى أفهم وله آلف وإليه أنزع، وكذلك العالم على العلم والجاهل على الجهل، وقال الله ﵎: " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا "، لأن الإنسان على الإنسان أفهم وطباعه بطباعه آنس، ومن التقط كتابًا جامعًا كان له غنمه وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعة وعلى صاحبه كّده، ومتى ظفر بمثله صاحب علم فهو وادعٌ جامٌ ومؤلّفه متعوب مكدود وقد كفي مؤنة جمعه وتتبّعه وأغناه عن طول التفكير واستنفاد العمر، كان عليه أن يجعل ذلك من التوفيق والتسديد إذا بالغ صاحبه في تصنيفه وأجاد في اختياره، قال أبو هفّان:
إذا آنس الناس ما يجمعون أنِست بما يجمع الدفتر
له وطري وله لذّتي على الكأس والكأس لا تحضر
تدور على الشرب محمودةً لها المورد الخِرْقُ والمصدر
يغنّيهم ساحر المقلتين كشمس الضحى طرفه أحور
وريحانهم طيب أخلاقهم وعندهم الورد والعبهر
على أن همّتنا في الحروب فتلك الصناعة والمتجر
قال: لمّا قلتها عرضتها على ابن دهقان فقال: إذا سمع بها الخليفة استغنى بها عن الندماء. وأنشدنا غيره:
نِعم المحدِّث والرفيق كتابٌ تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشيًا سرًا إذا استودعته وتنال منه حكمةٌ وصواب
وقال آخر:
نِعم الجليس بعقب قعدة ضجرةٍ للملك والأدباء والكتّاب
[ ٦ ]