محمد بن الحسين عن أبي همّام وكان يخدم ضيغمًا قال: كنت معه في طريق مكة، فلما صرنا في الرمل نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر فبكى.
فقلت له: لو دعوت الله أن يمطر علينا كان أخف على هذه الإبل. قال: فنظر إلى السماء وقال: إن شاء ربي فعل. فوالله ما كان إلا أن تكلم حتى نشأت سحابة وهطلت.
وعن عطاء أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقًا فعرض له سائل فأعطاه بعضه ثم عرض له آخر فأعطاه الباقي وأتى إلى النجارين فملأ مزوده من نشارة الخشب وأتى به منزله وخرج هاربًا من أهله، فأخذت المرأة المزود فإذا دقيق حوّارى فعجنته وخبزت. فلما جاء قال: من أين هذا؟ قالت: الدقيق الذي جئت به.
وعن أبي عبد الله القرشي عن رجل قال: دخلت بئر زمزم فإذا أنا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن، فلما شرب أرسل الدلو فأخذته فشربت فضلته فإذا هو سويق لوزٍ لم أر سويق اللوز أطيب منه، فلما كانت القابلة في ذلك الوقت دخل الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه ونزع الدلو وشرب وأرسل الدلو، فأخذته وشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل لم أشرب شيئًا قط أطيب منه، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فأنظر من هو ففاتني، فلما كان في السنة الثالثة قعدت قبالة زمزم فلما كان في ذلك الوقت جاء الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه فدخل فأخذت طرف ثوبه، فلما شرب من الدلو وأرسلها قلت: يا هذا أسألك برب هذه البنيّة من أنت؟ قال: تكتم عليّ حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: أنا سفيان، وهو الثوري، فتناولت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالسكر الطبرزد لم أر قط أطيب منه، فكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها من الوقت لا أجد جوعًا ولا عطشًا.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابيًا يكدح جبينه بالأرض يريد أن يجعل سجادة فقلت: ما تصنع؟ قال: إني وجدتها نعم الأثر في وجه الرجل الصالح.
ومما قيل من الشعر من هذا الفن منهم بشار حيث يقول:
كيف يبكي لمحبسٍ في طلول من سيقضي ليوم حبسٍ طويل
إن في البعث والحساب لشغلًا عن وقوفٍ برسم دارٍ محيلٍ
ولمحمد بن بشير:
ويلٌ لمن لم يرحم الله ومن تكون النار مثواه
يا حسرتا في كل يومٍ أتى يذكرني الموت وأنساه
كأنه قد قيل في مجلسٍ قد كنت أتيه وأغشاه
صار البشيري إلى ربه يرحمنا الله وإياه
ولجرير:
إن الشقي الذي في النار منزله والفوز فوز الذي ينجو من النار
يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمت علمًا يقينًا لقد أحصيت أثاري
فاغفر ذنوبًا إلهي قد أحطت بها رب العباد وزحزحني عن النار
ولذي الرمة بيت:
إن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍ وإلا فإني لا إخالك ناجيا
ولآخر:
[ ١٥٨ ]
أستغفر الله مما يعلم الله إن الشقي لمن لم يرحم الله
هبه تجاوز لي عن كل سيئةٍ وا سوءتاه من حيائي يوم ألقاه
ولإسماعيل بن القاسم:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محالٌ في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
ولآخر:
أيا عجبًا كيف يعصي الإل هـ أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيءٍ له قدرةٌ تدلّ على أنه واحد
ولله في كل تحريكةٍ وتسكينةٍ أبدًا شاهد
ولأبي نواس الحسن بن هانيء:
سبحان من خلق الخل ق من ضعيفٍ مهين
يسوقهم من قرارٍ إلى قرارٍ مكين
يحور خلقًا فخلقًا في الحجب دون العيون
حتى بدت حركاتٌ مخلوقة من سكون
ولآخر:
أخي ما بال قلبك ليس ينقى كأنك لا تظنّ الموت حقا
ألا يا ابن الذين مضوا وبادوا أما والله ما ذهبوا لتبقى
وما لك غير تقوى الله زادٌ إذا جعلت إلى اللهوات ترقى
ولآخر:
يا قلب مهلًا وكن على حذر فقد لعمري أمرت بالحذر
ما لك بالترهات مشتغلًا أفي يديك الأمان من سقر
ولآخر:
إن كنت توقن بالقيا مة واجترأت إلى الخطيه
فلقد هلكت وإن جحد ت فذاك أعظم للبليه
ولآخر:
وأفنية الملوك محجباتٌ وباب الله مبذول الفناء
فمن أرجو سواه لكشف ضرٍّ وبلوى حين أجهد في الدعاء
وشكوائي إلى ملك عظيمٍ جليلٍ لا يصمّ عن الدعاء