قال إبراهيم بن السندي: بعث إليّ المأمون فأتيته فقال: يا إبراهيم إني أريدك لأمر جليل والله ما شاورت فيه أحدًا ولا أشارك بك أحد، فاتق الله ولا تفضحني، فقلت: يا سيدي لو كنت شر خلق الله ما تركت موضع قادح فكيف ونيّتي في طاعة أمير المؤمنين نية العبد الذليل لمولاه؟ قال: قد رأيت أن أوليك خبر ما وراء باب داري فانظر أن تعمل بما يجب عليك لله جل وعز ولي ولا تراقب أحدًا، فقلت: يا سيدي فإني أستعين بالله ﷿ على مرضاته ومرضاتك، فبعثت أصحاب الأخبار في الأرباع ببغداد فرفع إليّ بعضهم أن صاحب ربع الحوض أخذ امرأة مسلمة مع رجل نصراني من تجار الكَرخ فافتدى نفسه بألف دينار، فرفعت إليه ذلك فدعا عبد الله بن طاهر فقال له: انظر في هذا الذي رفعه إلي صاحب الخبر، فقرأه وقال: رفع يا أمير المؤمنين الباطل والزور وأغراه بي فعمل قوله فيّ وملأ قلبه، فبعث إلي وقال: يا إبراهيم ترفع إلي الكذب وتحملني على عمّالي؟ فكتبت رُقعَة دفعتها إلى فتحٍ الخادم ليوصلها إليه قلت فيها: إنّما يحضر الأخبار في الأرباع المرأة والطفل وابن السبيل وغير ذلك، ولو كانت الأخبار لاترفع إلا بشهود عدول ما صحّ خبرولا كتب به، ولكن مَجرَى الأخبار أن يحضرها قوم على غير توطّؤ، فإن أمرني أمير المؤمنين أن لا أكتب إليه بخبر إلاّ بعدول وبرهان فعلت ذلك، وعلى هذا فلا يرتفع في السنة خبر واحد. فلّما قرأ الرقعة فكّر فيها ليلته وجاءني رسولُه مع طلوع الشمس، فأتيتُه من باب الحمّام فلمّا رآني قال: اطمأنن. وقام فصلى ركعتين أطال فيهما ثم سلّم والتفت إليّ وليس في المجلس غيري فقال: يا إبراهيم إنما قمت للصلاة ليسكن بهرك ويقوى متنك ويُفرخ روعك فتمكن في قعودك، وكنت قاعدًا على ركبتي، فقلت: لا أضع قدر الخلافة يا سيدي ولا أجلس إلا جلوس العبد بين يدي مولاه. ثم قام فصلى ركعتين دون الأوليين ثم قال: هذه رقعتك تحت رأسي قد قرأتها أربع مرات وقد صدقت في ما كتبت به ولكني امرؤٌ أداري عمّالي مداراة الخائف وبالله ما أجد إلى أن أحملهم على المحجّة البيضاء سبيلًا، فاعمل على حسب ذلك ولِن لهم تسلم منهم وفي حفظ الله إذا شئت. فانصرفت فدعوت أصحاب الأخبار فتقدمت إليهم في مداراة القوم والرفق بهم واللين لهم.
[ ٨٠ ]
وعن إسحاق بن أيوب بن جعفر بن سليمان قال: دخل محمد بن واضح دار المأمون وخلفه أكثر من خمسمائة راكب كلهم راغبٌ إليه وراهب منه، وهو إذ ذاك يلي أعمالًا من أعمال السواد، فدعا به المأمون فقال: يا أمير المؤمنين اعفني من عمل كذا وكذا فإنه لا قوة لي عليه، فقال: قد أعفيتك، واستعفى من عمل آخر وهو يظن أنه لا يعفيه فأعفاه حتى خرج من كل عمل في يده في أقل من ساعة وهو قائم على رجله، فخرج وما في يده شيء من عمله، فقال المأمون لسلم الحوائجي: إذا خرج فانظر إلى موكبه واحص من معه، وكان المأمون قد رآه من مستشرف له حين أقبل، فخرج سالم وقد استفاض الخبر بعزله عن عمله فنظر فإذا لا يتّبعه إلا غلام له بغاشية، فرجع إلى المأمون فأخبره، فقال: ويلهم لو تجمّلوا له ريثما يرجع إلى بيته كما خرج منه! ثم تمثل فيهم:
ومن يجعل المعروف في غير أهله يلاق الذي لاقى مجير ام عامر
ثم قال: صدق رسول الله وكان للصدق أهلًا حين قال: لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب أو دين.
وذكروا أنه كان سبب عزل الحجاج عن الحجاز أنه وفد وفد منهم فيهم عيسى بن طلحة بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان فأثنوا على الحجاج وعيسى ساكت، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام وجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين من أنا؟ قال: عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: فمن أنت؟ قال: عبد الملك بن مروان، قال: أفجهلتنا أو تغيرت بعدنا؟ قال: وما ذاك؟ قال: ولّيت علينا الحجاج يسير فينا بالباطل ويحملنا على أن نثني عليه بغير الحق، والله لئن أعدته علينا لنعصينك، فإن قاتلتنا وغلبتنا وأسأت إلينا قطعت أرحامنا، ولئن قوينا عليك لنعصينك ملكك! قال: فانصرف والزم بيتك ولا تذكرنّ من هذا شيئًا، قال: فقدم إلى منزله وأصبح الحجاج غاديًا على الوفد في منازلهم يجزيهم الخير، ثم أتى عيسى بن طلحة فقال: جزاك الله عن خلوتك بأمير المؤمنين خيرًا فقد أبدلني بكم خيرًا لي منكم وأبدلكم بي غيري وولاني العراق.
وعن الوضّاحيّ عن معمر بن وهيب قال: كان عبد الملك عندما استعفى أهل العراق من الحجاج بن يوسف قال لهم: اختاروا أي هذين شئتم يعني أخاه محمد بن مروان أو ابنه عبد الله مكان الحجاج، فكتب إليه الحجاج: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق استعفوا من سعيد بن العاص إلى عثمان بن عفان فأعفاهم منه فساروا إليه من قابل فقتلوه، فقال عبد الملك: صدق ورب الكعبة، وكتب إلى محمد وعبد الله بالسمع والطاعة له.