قيل: دخل جرير على عبد الملك بن مروان وقد أوفده إليه الحجاج بن يوسف، فدخل محمد بن الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير مادحك وشاعرك، فقال: بل مادح الحجاج وشاعره، فقال جرير: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده مدحة فيه، قال: هات ابدأ بالحجاج، قال: بل بك يا أمير المؤمنين، فقال: هات ابدأ بالحجاج، فأنشده:
صبرت النفس يا ابن عقيلٍ محافظةً فكيف ترى الثوابا
ولو لم ترض ربك لم ينزّل مع النصر الملائكة الغضابا
إذا شعر الخليفة نار حربٍ رأى الحجاج أثقبها شهابا
فقال: صدقت كذاك هو، ثم قال للأخطل: قم فهات مديحًا، فقام فأنشد وأجاد وأبلغ، فقال: أنت شاعرنا وأنت مادحنا، قم فاركبه، فألقى النصراني ثوبه وقال: خبّ يا ابن المراغة، فساء ذلك من حضر من مضر وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النصراني لا يركب الحنيف المسلم! فاستحيا عبد الملك وقال: دعه، قال جرير: فانصرفت أخزى خلق الله، حتى إذا كان يوم الوداع دخلت لأودعه فأنشدته:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
فقال: بلى نحن كذلك، أعد، فأعدت وأسفر لونه وذهب ما كان في قلبه، فالتفت إلى محمد بن الحجاج فقال: أترى أم حزرة يرويها مائة من الإبل؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين إن كانت من فرائض كلبٍ فلم يروها فلا أرواها الله، فأمر لي بمائة من الإبل.
وحدثنا المدائني عن كيسان عن الهيثم قال: حج عبد الملك بن مروان ومعه الفرزدق، فبينا هو قاعد بمكة في الحجر إذ مر به علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعليه مطرف خزّ، فقال عبد الملك: من هذا يا فرزدق؟ فأنشأ يقول:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلُّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريشٌ قال قائلها: إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
ينمي إلى ذروة العزّ التي قعدت عن نيلها عرب الإسلام والعجم
مشتقةٌ من رسول الله نبعته طابت عناصره والخيم والشيم
في كفه خيزرانٌ ريحه عبقٌ من كف أروع في عرنينه شمم
ينشقّ نور الدجى عن نور غرّته كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلَّمُ إلا حين يبتسم
من معشرٍ حبهم دينٌ وبغضهم كفرٌ وقربهم منجىً ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم ويُستربّ به الإحسان والنعم
لا يستطيع جوادٌ بُعد غايتهم ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا
إن عُدَّ أهل الندى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
مقدَّمٌ بعد ذكر الله ذكرهم في كل برٍ ومختومٌ به الكلم
قال: فلما فرغ من شعره قال لهم عبد الملك: أورافضيّ أنت يا فرزدق؟ فقال: إن كان حبّ أهل البيت رفضًا فنعم، فحرمه عبد الملك جائزته، فتحمّل عليه بأهل بيته فأبى أن يعطيه، فقال له عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ما كنت تؤمل أن يعطيك؟ قال: ألف دينار في كل سنة، قال: فكم تؤمل أن تعيش؟ قال: أربعين سنة؟ قال: يا غلام علي بالوكيل، فدعاه إليه، وقال: اعط الفرزدق أربعين ألف دينار، فقبضها منه.
[ ١٠٣ ]
قيل: ودخل الفرزدق على سكينة بنت الحسين، فقالت له: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول:
بنفسي من تجنُّبُهُ عزيزٌ عليّ ومن زيارته لِمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه ويطرقني إذا هجع النيام
فقال: أما والله لئن تركتني لأسمعنك ما هو أحسن منه، فقالت: اخرجوه عني، ثم عاد من الغد فقالت: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول:
يا بيت عاتكةَ الذي أتعزّل حذر العدى وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني قسمًا إليك مع الصدود لأميَل
فقال: أما والله لئن تركتني لأسمعنك أحسن منه، فقالت: اخرجوه عني، ثم عاد من الغد وعندها جوارٍ كالتماثيل، فأخذت جارية منهن بقلبه، فقالت سكينة: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول:
إن العيون التي في طرفها حورٌ قتلننا ثم لا يحيين قتلانا
فقال: يا بنت رسول الله إن لي حقًا بإقبالي عليك من مكة ولا أزال تدعيني أُسمعك شعري ولا تزيديني على التكذيب مع أني لأخاف لما بي أني لا أبرح ميتًا ولي حاجة، قالت: فما هي؟ قال: إن أنا مت تأمرين بتكفيني في ثياب هذه، وأشار إلى الجارية، فقالت: هي لك، وضمت إليها جائزة وكسوة.
وعن أبي الزناد قال: اجتمع جرير والفرزدق وكثيّر ونصيب في منزل سكينة بنت الحسين، فخرجت جارية ومعها قرطاس وقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت الذي يقول:
أبيت أمنّي النفس أن سوف نلتقي وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها
فإن ألقها أو يجمع الدهر بيننا ففيها شفاء النفس منها وداؤها
قال: نعم، قالت: قولك أحسن من منظرك! وأنت القائل:
ودّعنني بإشارة وتحيةٍ وتكرنني بين الديار قتيلا
لم أستطع رد الجواب عليهم عند الوداع وما شفين عليلا
لو كنت أملكهم إذًا لم يبرحوا حتى أودّع قلبي المخبولا
قال: نعم، قالت: أحسنت أحسن الله إليك! وأنت القائل:
هما دلّتاني من ثمانين قامةً كما انقضّ بازٌ أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض نادتا: أحيٌّ فيرجى أم قتيل نحاذره
فقلت: ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا وولّيتُ في أعجاز ليلٍ أُبادره
أحاذر بوّابين قد وكلا بها وأحمر من ساجٍ تبصّ مسامره
فأصبحت في القوم القعود وأصبحت مغلقةً دوني عليها دساكره
قال: نعم، قالت: سوءة لك! قضيت حاجتك فأفشيت عليها وعلى نفسك، فضرب بيده على جبهته وقال: نعم فسوءة لي! ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم جرير؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت القائل:
رُزقنا به الصيد الغزير ولم نكن كمن نبله محرومةٌ وحبائله
فهيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات حيٌّ بالعقيق نواصله
قال: نعم، قالت: أحسن الله إليك! وأنت القائل:
كأن عيون المجتلين تعرّضت وشمسًا تجلّى يوم دجنٍ سحابها
إذا ذُكرت للقلب كاد لذكرها يطير إليها واعتراه عذابها
قال: نعم، قالت: أحسنت! وأنت القائل:
سرت الهموم فبتن غير نيام وأخو الهموم يروم كلَّ مرام
طرقتك صائدةُ القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام
لو كان عهدك كالذي حدثتني لوصلت ذاك فكان غير ذمام
تجري السّواك على أغرّ كأنه بردٌ تحدّر من متون غمام
قال: نعم، قالت: سوءة لك! جعلتها صائدة القلوب حتى إذا أناخت ببابك جعلت دونها حجابًا، ألا قلت:
طرقتك صائدة القلوب فمرحبًا نفسي فداؤكِ فادخلي بسلام
قال: نعم فسوءة لي! ودخلت وخرجت وقالت: أيكم كثيّر؟ فقال: ها أنا ذا، فقالت: أنت القائل:
وأعجبني يا عزّ مكن خلائقٌ حسانٌ إذا عُدّ الخلائق أربع
دُنوُّكِ حتى يطمع الصبُّ في الصِّبا وقطعك أسباب الصبا حين تقطع
[ ١٠٤ ]
فوالله ما يدري كريمٌ مَطلتهِ أيشتدّ إن قاضاك أم يتضرع
قال: نعم، قالت: أعطاك الله مناك! وأنت القائل:
هنيئًا مريئًا غير داءٍ مخامرٍ لعزة من أعراضنا ما استحلت
فما أنا بالداعي لعزة في الورى ولا شامتٍ إن نعل عزة زلّت
وكنت كذي رجلين، رجلٍ صحيحةٍ ورِجلٍ رمى فيها الزمان فشلّت
قال: نعم، قالت: أحسن الله إليك! ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم نُصَيب؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت القائل:
ولولا أن يقال صبا نصيبٌ لقلت بنفسي النّشأ الصغارُ
ألا يا ليتني قامرت عنها وكان يحلّ للناس القمار
فصارت في يدي وقمرت مالي وذاك الربح لو علم التِّجار
على الإعراض منها والتواني فإن وعدت فموعدها ضمار
بنفسي كل مهضومٍ حشاها إذا قهرت فليس لها انتصار
إذا ما الزُّلُّ ضاعفن الحشايا كفاها أن يُلاث بها إزار
ولو رأت الفراشة طار منها مع الأرواح روحٌ مستطار
قال: نعم، قالت: والله إن إحداهن لتقوم من نومتها فما تحسن أن تتوضأ! لا حاجة لنا في شعرك، ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم جميل؟ قلت: أنا، قالت: أنت القائل:
لقد ذرفت عيني وطال سفوحها وأصبح من نفسي سقيما صحيحها
ألا ليتنا كنا جميعًا وإن نمت يجاور في الموتى ضريحي ضريحها
أظل نهاري مستهاما ويلتقي مع الليل روحي في المنام وروحها
فهل لي في كتمان حبي راحةٌ وهل تنفعنّي بوحةٌ لو أبوحها
قال: نعم، قالت: بارك الله فيك! وأنت القائل:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما قتيلًا بكى من حبّ قاتله قبلي
أبيت مع الهلاك ضيفًا لأهلها وأهلي قريبٌ موسعون ذوو فضل
فيا ربّ إن تهلك بثينة لا أعش فواقًا ولا أفرح بمالي ولا أهلي
ويا رب إن وقّيت شيئًا فوقّها حتوف المنايا ربّ واجمع بها شملي
قال: نعم، قالت: أحسنت أحسن الله إليك! وأنت القائل:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً بوادي القرى إني إذًا لسعيد
لكل حديثٍ عندهن بشاشةٌ وكلُّ قتيلٍ بينهنّ شهيد
ويا ليت أيام الصبا كنّ رجّعًا ودهرًا تولّى يا بثين يعود
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي من الحب قالت ثابتٌ ويزيد
وإن قلت ردّي بعض عقلي أعش به تناءت وقالت ذاك منك بعيد
فما ذكر الخلاّن إلا ذكرتها ولا البخل إلا قلت سوف تجود
فلا أنا مردودٌ بما جئت طالبًا ولا حبها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتها ويزيد
قال: نعم، قالت: لله أنت! جعلت لحديثها ملاحة وبشاشة وقتيلها شهيدًا. وأنت القائل:
ألا ليتني أعمى أصمّ تقودني بثينة لا يخفى عليّ مكانها
قال: نعم، قالت: قد رضيت من الدنيا أن تقودك بثينة وأنت أعمى أصم؟ قال: نعم، ثم دخلت وخرجت ومعها مدهن فيه غالية ومنديل فيه كسوة وصرّة فيها خمس مائة دينار فصبّت الغالية على رأس جميل حتى سالت على لحيته ودفعت إليه الصرة والكسوة وأمرت لأصحابه بمائة مائة.
[ ١٠٥ ]
وقال سوار بن عبد الله: قال رؤبة بن العجاج: أرسل إليّ سليمان بن علي وهو بالبصرة فقال: هذا رسول الأمير أبي مسلم قدّم في إشخاصك، قلت: سمعًا وطاعة، أرجع إلى أهلي فأصلح من شأني، قال: ليس إلى ذلك سبيل، ثم التفت إلى الحرسي فقال: هذا صاحبك فشأنك، فلم أُنهنه أن حملت على البريد فوافيت الأنبار مع الجمعة الأخرى فأُدخلت سرادقًا فيه عشرة آلاف رجل في السواد واضعي أذقانهم على قوابع سيوفهم لا ينظر بعضهم إلى بعض إلا شزرًا ولا يكلمه إلا همسًا، ثم اختُرق بي سرادق آخر مثل الأول على مثل حالهم، فقلت في نفسي: أحسبه تذكّر عليّ بعض قولي في بني أمية فأراد قتلي، فأيست عند ذلك من الحياة، ثم خرجت إلى سرادق ثالث فإذا قبة مضروبة في وسطه فدفعت إليه فسلمت بالإمارة عليه، فقال لي: أنت رؤبة ابن العجاج؟ قلت: نعم، جعلني الله فداك أيها الأمير! فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، فحقق فيّ نفسي ما كنت قدّرت وظننت، ثم قلت: بل أنشدك، جعلت فداك:
لبيك إذ دعوتني لبّيكا تطلب حقًا واجبًا عليكا
فسكت حتى فرغت منها ثم أقبل عليّ فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، قلت بل أنشدك قولي:
ما زال يبني خندقًا ويهدمه وعسكرًا يشرعه ويهزمه
ومغنمًا يجمعه ويقسمه مروان لما غرّه منجّمه
فأمسك حتى فرغت ثم قال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقّ، فقلت بل أنشدك:
ما زال يأتي الأمر من أقطاره على اليمين وعلى يساره
حتى أقرّ الملك في قراره مشمّرًا لا يُصطلى بناره
فقال: أنشدني ويحك يرمي الجلاميد! فأنشدته:
وقاتم الأعماق خاوي المحترق مشتبه الأعلام لمّاع الخفق
فأنصت حتى انتهيت إلى قولي:
يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقّ
فوقفت، فقال: إن أمير المؤمنين وجّهني إلى خراسان وبها جبال الحديد من الرجال فدمّثتها حتى جعلتها دهسًا فلم أجد لي مثلًا إلا قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، أنا والله ذلك الجلمود، اذكر حاجتك، قلت: جعلت فداك، حاجتي أن تردني إلى أهلي فقد خرجت من عندهم وهم على وجل، فقال: يا غلام عليّ ببدرةٍ، فكأنها لم تزل بين يديه، فقال: يا أبا الجحّاف إنك أتيتنا والأموال مشفوهة وقد أمرنا لك بشيء وهو زمر ولو أتيتنا ونحن على طمأنينة لأوطأت العرب عقيبك، والدهر بيننا وبينك أطرق مستتبّ، ولك عودة وعلينا معوَّل. قال رؤبة: فوالله ما دريت بما أجيبه، ثم قال يردّ على السير الذي جاء عليه: فما شعر بي سليمان في الجمعة الثانية إلا وأنا عنده فأخبرته الخبر فقال: يا أبا الجحّاف هذه ديتك وربحت نفسك.
قال: وحدثني عبد الله بن عمرو بن عبيد الله قال: حدثني عبيد الله قال: لما دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي وأنشده شعره الذي يقول فيه:
أنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ لبني البنات وراثةُ الأعمام
أجازه بسبعين ألف درهم، فقال مروان:
بسبعين ألفًا راشني من حبائه وما نالها في الناس من شاعرٍ قبلي
فحدثنا إدريس بن سليمان بن يحيى بن يزيد بن أبي حفصة قال: كان سبب اتصال مروان بخلفاء بني العباس أن جارية يمانية أهديت إلى أبي جعفر المنصور فأنشدته شعرًا لمروان يمدح به السّريّ بن عبد الله يذكر فيه وراثة العباس، فسألها لمن الشعر فأخبرته، فأمر بإحضار مروان، فوافاه بالربذة حاجًا فلقي الربيع، والمنصور عليل العلة التي مات فيها، فقال: كن قريبًا حتى ندعو بك. فلم تزل العلة تشتد به حتى مات قبل أن يصل إليه مروان.
فقال له الربيع: الحق بالمهدي ولا تتخلف عنه. وانصرف مروان إلى اليمامة فجعلها طريقًا وعليها بشر بن المنذر واليًا، فأوفده بشر فيمن أوفده وأعطى كل رجل ألف درهم. فقدم مروان على المهدي وقد مدحه بأربع قصائد قوله:
صحا بعد جهدٍ فاستراحت عواذله وأقصر عنه حين أقصر باطله
وقوله:
طاف الخيال وحيّه بسلام أنى أُلم وليس حين لمام
وقوله:
اعص الهوى وتعزّ عن سعداكا فلمثل حلمك عن هواك نهاكا
وقوله:
مرى العين شوقٌ حال دون التجلد ففاضت بأسرابٍ من الدمع حشَّدي
[ ١٠٦ ]
حشّدي من الحشاد، يريد أنه يخلطها به. قال إدريس: فأعطي مروان المهدي ثلاثين ألف درهم فانصرف إلى اليمامة ثم عاد في سنة أربع وستين ومائة فطلب الوصول بيعقوب بن داود، فأقام نحوًا من سنة، وغضب المهدي على يعقوب بن داود. قال إدريس: فحدثني مروان قال: بينا أنا واقف على باب المهدي إذ خرج خالد بن يزيد بن منصور فقال: يا ابن أبي حفصة ذكرك أمير المؤمنين آنفًا وهو يراك أشعر الناس غير أنه يقول لا حاجة لنا فيما قبلك فانصرف عن بابنا. قال: فانصرفت مغمومًا ثم تذكرت رجلًا أتحدث عنده وأتفرج به وآنس لديه، فأتيت يزيد بن مزيد فشكوت إليه ما قال لي خالد بن يزيد، فقال: أدلك على رجل صدوق له رقةٌ لعله ينفعك. قلت: ومن هو؟ قال: الحسن الحاجب. فغدوت إلى الحسن فشكوت إليه ما حكاه خالد من رأي أمير المؤمنين. فقال: قل في يعقوب بن داود. فقلت: بأبي أنت وأمي! أنت ترجو أن يكون ذلك مفتاحًا لما أنا فيه؟ قال: ذاك كما أقول لك. فانصرفت وقلت:
أتاني من المهديّ قولٌ كأنما به احتز أنفي مدمن الضّعن جادع
وقلت، وقد خفت التي لا شوىً لها بلا حدثٍ: إني إلى الله راجع
وما لي إلى المهدي لو كنت مذنبًا سوى حلمه الصافي من الناس شافع
ولا هو عند السخط منه ولا الرضى بغير الذي يرضى به الله صانع
عليه من التقوى رداءٌ يكنّه وللحق نورٌ بين عينيه ساطع
يُغضّ له طرف العيون وطرفه على غيره من خشية الله خاشع
هل الباب مفضٍ بي إليك ابن هاشمٍ فعذري إن أفضى بي الباب ناصع
أتيت امرأً أطلقته من وثاقه وقد أُنشبت في أخدعيه الجوامع
وجلّى ضباب العدم عنه وراشه وأنهضه معروفك المتتابع
فقلت وزيرٌ ناصحٌ قد تتابعت عليه بإنعام الإمام الصنائع
وما كان لي إلا إليك ذريعةٌ وما ملكٌ إلا إليه الذرائع
وإن كان مطويًا على الغدر كشحه فلم أدر منه ما تجنّ الأضالع
وقل مثل ما قال ابن يعقوب يوسفٌ لإخوته قولًا له القلب نائع
تنفّس فلا تثريب إنك آمنٌ وإني لك المعروف والقدر جامع
فما الناس إلا ناظرٌ متشوّفٌ إلى كلّ ما تسدي إليّ وسامع
قال وقد قلت في قصيدة أخرى:
سيحشر يعقوب بن داود خائبًا يلوح كتابٌ بين عينيه كافر
خيانته المهدي أودت بذكره فأمسى كمن قد غيبته المقابر
بدا منك للمهدي كالصبح ساطعًا من الغش ما كانت تجنّ الضمائر
وهل لبياض الصبح إن لاح ضوءه فجاب الدجى من ظلمة الليل ساتر
أمنزلةٌ فوق التي كنت نلتها تعاطيت، لا أفلحت مما تحاذر
قال: ثم أتيت بها الحسن بعد يومين فقال: ما صنعت؟ فأنشدتهما إياه. قال: اكتبهما لي. فقلت: قد فعلت. فقال: هاتهما. فتناولهما وقال: لست واضعهما من يدي حتى أضعهما في يد المهدي. ثم مضى وأتيته من الغد فقال: ما وضعتهما من يدي حتى وضعتهما في يد المهدي فقرأهما فرقّ لك وأمر بإدخالك عليه فاحضر يوم الاثنين. فحضرت فخرج عليّ فقال: قد علم أمير المؤمنين بمكانك وقد أحبّ أن يجعل لك يومًا يشرّفك فيه ويبلغ بك. قلت: فمتى بأبي أنت وأمي؟ قال: يوم الخميس. فعدت إليه يوم الخميس فإذا وجوه بني العباس يدخلون على المهدي، فلما تتام المجلس دعاني فدخلت، فسلمت فرد علي السلام، فقال: إنما حبسك عن الدخول انقطاعك إلى الفاسق يعقوب بن داود. فافتتحت النشيد بما قلت في يعقوب فأنشدته ثم أشدته قولي فيه: طرقتك زائرة فحيّ خيالها. فأُعجب بذلك وقال: جزاك الله خيرًا. فقلت: اشهدوا هذا والله الشرف، أمير المؤمنين يجزيني خيرًا، ثم أنشدته: أعادك من ذكر الأحبة عائد، فلما صرت إلى قولي:
أيادي بني العباس بيضٌ سوابغٌ على كل قوم بادئاتٌ عوائد
فهم يعدلون السمكَ من قبة الهدى كما يعدل البيت الحرام القواعد
[ ١٠٧ ]
سواعد عزّ المسلمين وإنما ينوء بصولات الأكف السواعد
يزين بني ساقي الحجيج خليفةٌ على وجهه نورٌ من الحق شاهد
يكون غرارًا نومه من حذاره على قبةِ الإسلام والخلق راقد
كأن أمير المؤمنين محمدًا لرأفته بالناس للناس والد
على أنه من خالف الحق منهم سقته به الموت الحتوف الرواصد
أشار إليّ فأمسكت. فقال: يا بني العباس هذا شاعركم المنقطع إليكم المعادي فيكم فآتوا إليه ما يسره. فقلت: ينبغي إذ سمعوا كلام أمير المؤمنين وعرفوا رأيه أن يصلوني من أموالهم. فقال: أنا فارض عليهم لك مالًا، ففرض على موسى ابنه خمسة آلاف درهم وعلى هارون خمسة آلآف ثم فرض على القوم على قدر حالاتهم حتى فرض عليهم سبعة وثلاثين ألف درهم والربيع يكتب كل ما فرض على كل رجل منهم. فقال أبو عبيد الله: يا أمير المؤمنين إنما نحن من أهلك فأدخلنا فيما أدخلتهم فيه، فجعل عليه ألفًا وعلى الربيع ألفين، فتمت أربعين ألفًا. فقلت: يا أمير المؤمنين من لي بهذا المال؟ قال: هذا، وأشار إلى الربيع، ثم قال: إن أمير المؤمنين يعطيك من صلب ماله، فأمر لي بثلاثين ألف درهم في ثلاث بدر، فجيء بهن فطرحن قريبًا، فدعوت وشكرت فقال: يا ابن أبي حفصة ستجيئك صِلاتي وبرّي ويأتيك مني ما يؤديك إلى الغنى.
قلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت من قبولك وبشرك وسرورك بما سمعت مني ما سأزداد به شعرًا وستسمع ويبلغك، وقلت: يا أمير المؤمنين لا يبلغ ما أعطيتني لشاعر بعدي. قال: أجل. قلت: وآذنّي في زيارتك. قال: نعم. قلت: يا أمير المؤمنين لي عدو فيك وفي أهل بيتك فإن رأى أمير المؤمنين أن يُجعل لأحد عليّ سلطان دونه. قال: لا سلطان عليك دون أمير المؤمنين. فقلت: اكتب إليّ بذلك كتابًا. فأمر بالكتاب بذلك، فانصرفت، فلما صرت خلف الستر خرج إليّ خادم بمنديل فيه أربعة أثواب: ثوب وشيٍ وثوب خزّ وجبة بياض محشوة وقميص، فقال: ألبسوه وأعيدوه إلي، فلبست الخز والوشي على الثياب التي كانت عليّ وألقيت القميص على أحد منكبي والجبة على المنكب الآخر. فقال لي: يا ابن أبي حفصة أتدخل على أمير المؤمنين هكذا وقد مثلت بنفسك؟ فقلت: والله لو كانت كرامة أمير المؤمنين أُحد لما خلعت منها شيئًا أطيق حمله، ثم دخلت. فلما رآني تبسم ثم قال: مطرف، فأبطأوا به، فقال: المطرف! وأنا قائم، ثم قال الثالثة المطرف، فلما أبطأوا انصرفت وقعدت خلف الستر، فلم ألبث أن رفع الستر وخرج أمير المؤمنين على دابة، فقمت إليه، فلما رآني قال: المطرف! فما برح حتى أُتي به فنشر عليّ بين يديه، وأمر لي بعشرة من خدم الروم وقطيعة بناحية السواد، فبعت القطيعة من عيسى بن موسى بعشرين ألف درهم وبرذون بسرجه ولجامه. قال: فلم يزل مروان على باب المهدي حتى هلك.
وعن عبد الله بن هارون قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله عن المغيرة قال: دخل المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وأبو السائب والعثماني ابن لؤلؤ الرطب وابن أخت الأحوص على المهدي وهو بالمدينة فقال: أنشدوني. فأنشد المغيرة:
وللناس بدرٌ في السماء يرونه وأنت لنا بدرٌ على الأرض مقمر
فبالله يا بدر السماء وضوءه تزال تكافي عُشر ما لك أضمر
وما البدر إلا دون وجهك في الدجى يغيب فتبدو حين غاب فتقمر
وما نظرت عيني إلى البدر ماشيًا وأنت فتمسي في الثياب فتسحر
وأنشد ابن أخت الأحوص:
قالت كلابة: من هذا؟ فقلت لها: هذا الذي من أعدائه زعموا
إني امرؤٌ لجّ بي حبٌّ فأحرضني حتى بليت وحتى شفني السقم
وأنشده العثماني المخزومي:
رمى القلب من قلبي السواد فأوجعا وصاح فصيح بالرحيل فأسمعا
وغرّد حادي البين وانشقت العصا فأصبحت مسلوب الفؤاد مفجّعا
كفى حزنًا من حادث الدهر أنني أرى البين لا أسطيع للبين مدفعا
وقد كنت قبل اليوم بالبين جاهلًا فيا لك بينًا ما أمرّ وأوجعا
وأنشده أبو السائب:
[ ١٠٨ ]
أصيخا لداعي حبّ ليلى فيمِّما صدور المطايا نحوها فتسمعا
خليلي إن ليلى أقامت فإنني مقيمٌ وإن بانت فبِينا بنا معا
وإن انثنت ليلى بربعٍ يحوزها قعيدكما بالله أن تتزعزعا
فقال: والله لأغنينكم الليلة! ثم قال للمغيرة: هل لك من حاجة؟ فإنه بلغني أنك بعت جاريتك في دين كان عليك. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد فعلت ذلك. قال: فلأردنها عليك، فأجاز ثلاثة منهم بعشرة آلاف دينار إلا ابن لؤلؤ الرطب فإنه سار معه، فمرّ بدار فقال: لمن هذه الدار؟ فقال: للأحوص الذي يقول:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل حذر العدى وبه الفؤاد موكل
وأراك تفعل ما هويت وبعضهم مدق الحديث يقول ما لا يفعل
فقال: عزّ عليّ لم تأخذ شيئًا، ثم قال للربيع: اعتق ما تملك إن لم تعطه أنت عشرة آلاف دينار وأنا عشرة آلاف دينار، فقبضها وخرج.
قال: ودخل ابن الخياط على المهدي فمدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فلما قبضها فرقها بين الناس وأنشأ يقول:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى أفدت وأعداني فبددت ما عندي
فأعطاه لكل درهم دينارًا.
قال: ودخل سلم بن عمرو الخاسر على المهدي فقال:
أليس أحق الناس أن يدرك الغنى مرجّي أمير المؤمنين وسائله
لقد بسط المهدي عدلًا ونائلًا كأنهما عدل النبي ونائله
فقال: أما ما ذكرت يا سلم من الجود فوالله ما تعدل الدنيا عندي خاتمي هذا، وأما العدل فإنه لا يقاس برسول الله، ﷺ، أحد وإني لأتحراه جهدي، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، ثم وفد عليه في السنة الثانية فأنشده:
إن الخلافة لم تكن بخلافة حتى استقرت في بني العباس
شدّت مناكب ملكهم بخليفةٍ كالدهر يخلط لينه بشماس
فأمر له بعشرين ألف درهم وعشرين ثوبًا، فلما كان في العام الثالث وفد عليه فأنشده:
أفنى سؤال السائلين بجوده ملِكٌ مواهبه تروح وتغتدي
هذا الخليفة جوده ونواله نفد السؤال وجوده لم ينفد
فأمر له بثلاثين ألف درهم وثلاثين ثوبًا.
وعن أحمد بن بكر الباهلي قال: حدثني حاجب المهدي قال: قال لي المهدي يومًا نصف النهار: اخرج وانظر من بالباب. فخرجت فإذا بشيخ واقف، فقلت: ألك حاجة؟ فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحدًا غير أمير المؤمنين، فتركته ودخلت على المهدي، فقال لي: اخرج فانظر من بالباب، فخرجت فإذا الشيخ، فقلت: إن كان لك حاجة فاذكرها. قال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين. ففعل هذا مرات، فقال المهدي: انظر من بالباب. فقلت: شيخ قد سألني غير دفعة عن حاجة فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحدًا دون أمير المؤمنين، فقلت: أيدخل؟ قال: نعم ومره بتخفيف، فخرجت وقلت له: ادخل وخفف. فدخل وسلم بالخلافة ثم قال: يا أمير المؤمنين إنا قد أُمرنا بالتخفيف:
فإن شئت خففنا فكنا كريشةٍ متى تلقها الأنفاس في الجو تذهب
وإن شئت ثقّلنا فكنا كصخرةٍ متى تلقها في حومة البحر ترسب
وإن شئت سلمنا فكنا كراكبٍ متى يقض حقًا من سلامك يعزب
فضحك المهدي وقال: بل تكرم وتقضى حاجتك. فقضى حاجته ووصله بعشرة آلاف درهم.
[ ١٠٩ ]
قال المبرد: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: ذكروا أن فتيانًا كانوا مجتمعين قد ائتلفوا في نظام واحد كلهم ابن نعمة وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه، فذكر ذاكرٌ منهم وقال: كنا قد اكترينا دارًا شارعتها على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس فكنا لا نستكثر أن تقع مؤونتنا على واحد منا إذا أمكنه ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم أصحابه بأمره الدهر الأطول، فكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام أطيبه ولبسنا من اللباس ألينه ودعونا الملهين والملهيات وكنا في أسفل الدار، وإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع فيها بالنظر إلى الناس، وكنا لا نُخلّ بالنبيذ في عسرٍ ولا يسر ولو نبيع الثوب من الأثواب، فإنا لكذلك يومًا إذا بفتىً يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد وادخل، فإذا رجل حلو الوجه سريّ الهيئة تنبّيء رؤيته أنه من أهل النعم. فأقبل علينا فقال: إني سمعت بمجتمعكم وحسن منادمتكم وصحة ألفتكم حتى كأنكم أُدرجتم جميعًا في قلب واحد فأحببت أن أكون واحدًا منكم وأن لا تحتشموني. قال: وصادف ذلك منا إقتارًا من القوت وإكثارًا من النبيذ. فقال لغلام معه: هات ما عندك. فغبر عنا غير بعيد ثم أتى بسلة خيزران فيها طعام من جداء ودجاج وفراخ ورقاق وأُشنان وأخلّة ومحلب فأصبنا من ذلك الطعام ثم أفضنا في شرابنا وانبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق الله إذا حدث وأحسنهم استماعًا إذا حُدث وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف، ثم أفضينا معه إلى أكرم مخالعة وأجمل معاشرة، فكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيظهر لنا أنه لا يحب غيره ويُرى ذلك في أسارير وجهه، فكنا نغنى به عن حسن الغنى ونتمثل بكلامه ونتدارس أخباره، فشغلنا بظرفه وبما عاشرنا به عن وصفه والسؤال عن تعرف اسمه ونسبه، فلم يكن عندنا من أمره إلا معرفة الكنبة، فإنا سألناه عنها فأنبأنا أنه يكنى أبا الفضل، فقال لنا يومًا بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم كيف عرفتكم؟ قلنا له: إنا لنحب ذاك. فقال: أحببت جاريةً في جواركم وكانت مولاتها ذات حبائب فكانت تختلف بالرسائل بينها وبين حبائبها وكنت أجلس لها في الطريق ورأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبّرت عن ائتلافكم ومساعدة بعضكم بعضًا فكان الدخول عندي فيما أنتم فيه آثر عندي من الظفر بالجارية. فسألناه فخبرنا بمكانها. فقلنا له: فإنا نخدعها لك حتى يظفرك الله بها. قال: يا إخوتي إني والله على ما ترون من شدة الشوق إليها والكلف بها وما قدّرت فيها حرامًا قط وما تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمنّ الله جل وعز بثروةٍ فأشتريها. فأقام معنا شهرين ونحن به على غاية الاغتباط وبقربه على غاية السرور، ثم احتبس عنا فتألمنا لفراقه كل ممضّ ولوعة مؤلمة ولم نعرف له منزلًا نلتمسه فيه فيكون فقده أخف علينا، فكدر عيشنا الذي كان صافيًا قد طاب لبابه، وقبح ما كان قد حسن لنا بقربه وانصرام الغمّ بمحادثته، فكنا فيه كما قال القائل:
يذكرنيهم كلّ خيرٍ رأيته وشرٍ فما أنفك منهم على ذكر
[ ١١٠ ]
فغاب عنا عشرين يومًا لا نلتذهنّ، ثم نحن يومًا مجتازون في الرصافة فإذا به وقد طلع في موكب نبيل وزي جليل فحيث بصر بنا انحطّ عن دابته وانحط غلمانه ثم قال: يا إخوتي ما هنأني عيش بعدكم ولست أماطلكم بحديثي وخبري حتى نبلغ المسقر، ثم مال بنا إلى مسجد فقال: أعرفكم أولًا نفسي، أنا العباس بن الأحنف وكان من خبري أني انصرفت من عندكم إلى منزلي والمسودة قد أحاطت بي فمُضي بي إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد فقال: ويحك يا عباس إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك وحسن تأتّيك! وإن الذي ندبتك له من شأنك، وقد عرفت خطرات الخلفاء، وإني أخبرك أن ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين وقد جرى بينهما عتب وهي بعزة دلالة المعشوق تأبى أن تعتذر وهو بعزة الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك، وقد رمت الأمر من قبلهما فأعياني وهو أحرى أن تستفزه الصبابة، فقل شعرًا تسهل به هذا السبيل، فقضى كلامه، ثم دعاه أمير المؤمنين فصار إليه، وأُعطيت قرطاسًا ودواة فاعتراني الزمع ونفر عني كل شيء من العروض ثم انفتح لي شيء من الأشياء والرسل ما تغبّني فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني، فقلت لأحد الرسل: أبلغ الوزير قد قلت أربعة أبيات فإن كان فيها مقنع. وفي قدر ذهاب الرسول ومجيه حضرني بيتان من غير ذلك الرويّ، فكتبت الأربعة الأبيات في صدر الرقعة وعقّبت بالبيتين فكتبت:
العاشقون كلاهما متغضّب وكلاهما متوجِّدٌ متجنّب
صدت مغاضبةً وصد مغاضبًا وكلاهما مما يعالج متعب
راجع أحبتك الذين هجرتهم إن المتيَّم قلّ ما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما دب السلوُّ له فعزّ المطلب
ثم كتبت تحت ذلك:
لا بد للعاشق من وقفةٍ تكون بين الوصل والصرم
حتى إذا الهم تمادى به راجع من يهوى على رغم
[ ١١١ ]
قال: ووجهت بالكتاب فدفعه إلى الرشيد، فقال: والله ما رأيت شعرًا أشبه بما نحن فيه من هذا، والله لكأني قصدت به. فقال يحيى: فأنت والله المقصود به يا أمير المؤمنين، هذا يقوله العباس بن الأحنف في هذه القصة. فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قولي: راجع من يهوى على رغم، استفرغ ضاحكًا ثم قال: إني والله أراجعها على الرغم، وقال: يا غلام نعليّ، فنهض وأذهله الجذل والسرور عن أن يأمر لي بشيء. فدعاني يحيى وقال: إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء. قلت: لكن هذا الخبر لم يقع مني بغاية الموافقة. قال: إذًا أوقّعه. ثم جاء إنسان فساره بشيء فنهض ونهضت لنهوضه. فقال: يا عباس أمسيت أنبل الناس، أتدري ما سارني به هذا الرسول؟ قلت: لا. قال: ذكر أن ماردة تقلت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه فقالت: كيف كان هذا يا أمير المؤمنين؟ فأعطاها الشعر وقال: هذا الذي جاء بي! قالت: فمن يقوله؟ قال: العباس بن الأحنف. قالت: فبكم كوفيء؟ قال: ما فعلت شيئًا. قالت: إذًا والله لا أجلسنّ حتى يكافأ! فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم لقيامهما وهما يتناظران في صلتك، فهذا كله لك. قلت: ما لي من هذا إلا الصلة! فضحك وقال: هذا أحسن من شعرك. فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير وأمرت هي لي بمال دونه وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به وحملت على ما ترون من الظهر. ثم قال لي الوزير: تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤثّل لك بهذا المال، فاشتريت لي ضياع تُغلّ عشرين ألف درهم ودفع إلى بقية المال. فهذا هو خبري الذي عاقني عنكم، فهلموا حتى أقاسمكم الضياع وأفرق بينكم المال. فقلنا: هنأك الله مالك، كلنا يرجع إلى نعمة من أبيه وأهله. فأقسم وأقسمنا فقال: أنتم إسوتي فيه. قلنا: أما هذا فنعم، فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها. قال: فمضينا إلى صاحبتها، وكانت جارية جميلة حلوة لا تحسن شيئًا أكثر مما بها من الظرف، وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار، فاستامت بها صاحبتها خمس مائة دينار فأجبناها بالتعجب فحطت مائة. فقال لنا العباس: يا فتيان إني أحتشم والله أن أقول بعد ما قلتم ولكن هي جارية في نفسي بها يتم سروري، إن هذه الجارية أريد إيثار نفسي بها وأكره أن تنظر إليّ بعين من قد ماكس في ثمنها فدعوني أعطيها خمس مائة دينار. قلنا: قد حطت مائة! قال: وإن فعلت. فصادفت مولاتها رجلًا حرًا وأخذت من الثمن ثلاثمائة وجهزتها بالباقي فما زال لنا عشيرًا حتى فرق بيننا وبينه الموت.
[ ١١٢ ]
وعن المبرد قال: حدثني من اعتمد عليه أن مسلم بن الوليد كان يمدح من دون الخليفة وكان يقول: إن نفسي تذوب حسرات من أنه يحوي خزائن الخلفاء من لا يقاربني في أدب ولا يوازيني في نسب ولا يصلح أن يكون شعره خادمًا لشعري. وكان إذا كسب جمع أصحابه فلم يخرج من منزله حتى يأتي على جميع ما معه، فلا يزال في أكل وشرب وقصف حتى يفنى ما معه، فعرف بذلك، وكانت البرامكة ويزيد بن مزيد الشيباني ومحمد بن منصور بن زياد يبرونه ويعطفون عليه ويتفقدون من حاله. فخرج ذات يوم فلقي يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلم عليه فرد ﵇ ورحب به وسأله عن شأنه فخبره وسأله أن يقربه من الخليفة وأن يحتال حتى يعد في ممازحته ومن يجري عليه أرزاقه. فقال له الحميري: سأتأتّى لوصولك إلى أمير المؤمنين. فدخل الحميري فأصاب أمير المؤمنين لقس النفس قد اشتمل عليه الفكر في سرعة تقضي أمور الدنيا وأنه لا يتشبث منها بشيء إلا كان كالظل الزائل والسراب الخادع. فقال له جعفر بن يحيى: يا أمير المؤمنين أفتظن أن هذا الفكر يحبس عليك الأيام ويمنعك مما لا تستمتع به؟ إنما هذا الذي أنت فيه عارض عرض لك، وقد كان ملك من الملوك يقال له بهمان وكان من أجلّ ملوك العجم وكان حكيمًا يقول: الهم مفسدة للنفس ومضلة للفهم ومشدهة للقلب، ومن أعظم الخطإ التشاغل بما لا يمكن دفعه، وقد قالت الحكماء: بالسرور يطيب العيش ومع الهم يتمنى الموت. وقال له سليمان بن أبي جعفر: يا أمير المؤمنين يروى عن لقمان الحكيم أنه قال: من يملك يستأثر، ومن لا يستشر يندم، والهم نصف الهرم، والفقر الموت الأكبر. قال: فكأن الرشيد نشط واندفع عنه ما كان اعتراه من ذلك الفكر. فتقدم إليه الحميري وقال: يا أمير المؤمنين خلّفت بالباب آنفًا رجلًا من أخوالك الأنصار متقدمًا في شعره وأدبه وظرفه، أنشدني قصيدة يذكر فيها أنسه ولهوه ولعبه ومحادثته إخوانه ويذكر مجالس اتصلت له بأبلغ قول وأحسن وصف وأقرب رصف، يبعث والله على الصبابة والفرح ويباعد عن الهم والترح، وكأنه قد وفق بيمن أمير المؤمنين وسعادة جده لأن يكون مبرئًا من هذه الشكوى زائدًا في سرور أمير المؤمنين مستدعيًا له صلة رحمه والتشرف بخدمته. قال: فاستفزه السرور والقلق إلى دخوله عليه واستماع قصيدته وجعل يتابع الرسل بعضهم في إثر بعض حتى دخل. وكان حلو الشمائل، فوصل إليه في وقت قد كان خرج فيه من رسم الشباب وشرته ولم يكن في عداد من قد اضطرب سنًا، وكان ناهيك من رجل معه فهم وتجربة وتمييز ومعرف، فأمهل حتى سكن ثم أذن له في الجلوس والانبساط واستدعى منه أن يزيد في الأنس، فانبرى مسلم ينشد قصيدته، فجعل الرشيد يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شراب ولهو ودماثة وغزل وسهولة ألفاظ، فأمر له بمال وأمر أن يتخذ له مجلس يتحول إليه، وجعل الرشيد وأصحابه يتناشدون قصيدته، فسماه يومئذ بآخر بيت من قصيدته صريع الغواني، والرشيد الذي سماه بهذا الاسم، والقصيدة هي هذه:
أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
فما جزعي أني أموت صبابةً ولكن على من لا يحل لها قتلي
أُحب التي صدّت وقالت لتربها: دعيه الثريا منه أقرب من وصلي
بلى ربما وكلت عيني بنظرةٍ إليها تزيد القلب خبلًا على خبل
كتمت تباريح الصبابة عاذلي فلم يدر ما بي واسترحت من العذل
ومانحةٍ شّرابها الملك قهوةٍ يهودية الأصهار مسلمة البعل
ربيبة شمس لم تُهجن عروقها بنارٍ ولم يجمع لها سعف النخل
بعثنا لها منا خطيبًا لبضعها فجاء بها يمشي العرضنة في مهل
قد استودعت دنًا لها فهو قائمٌ بها شفقًا بين الكروم على رجل
فوافى بها عذراء خلٌ أخو ندىً جزيل العطايا غير نكسٍ ولا وغل
معتقةٍ لا تشتكي دم عاصرٍ حروريةً في جوفها دمها يغلي
أغارت على كف المدير بكونها فصارت له منها أنامل كالذبل
[ ١١٣ ]
أماتت نفوسًا من حياةٍ قريبةً وماتت فلم تُطلب بوترٍ ولا تبل
شققنا لها في الدنّ عينًا فأسبلت كما أخضلت عين الخريدة بالكحل
كأن فنيقًا بازلًا شقّ نحره إذا أسفرت منها الشعاع على البزل
ودارت علينا الكأس من كف ظبية مبتلةٍ حوراء كالرشإ الطفل
كأن ظباءً عكفًا في رياضها أباريقها أوجسن قعقعة النبل
وحن لنا عودٌ فباح بسره فكان عليه ساق جاريةٍ عطل
تضاحكه طورًا وتبكيه تارةً خدلَّجةٌ هيفاء ذات شوىً عبل
إذا ما علت منا ذؤابة واحد تمشت به مشي المقيد في الوحل
فلا نحن متنا موتة الدهر بغتةً ولا هي عادت بعد علٍ ولا نهل
سأنقاد للّذات متبع الهوى لأمضي همًّا أو أصيب فتىً مثلي
هل العيش إلا أن تروح مع الصبا وتغدو صريع الكأس والأعين النجل
قيل: وأدخل الفضل بن يحيى أبا نواس إلى عند الرشيد فقال له الرشيد: أنت القائل:
عُتقت في الدنّ حتى هي في رقة ديني
أحسبك زنديقًا! قال: يا أمير المؤمنين قد قلت ما يشهد لي بخلاف ذلك. قال: وما هو؟ قال قلت:
أية نارٍ قدح القادح وأي حدٍ بلغ المازح
لله درّ الشيب من واعظ وناصحٍ لو قبل الناصح
فاغد فما في الحق أغلوطةٌ ورح لما أنت له رائح
من يتق الله فذاك الذي سيق إليه المتجر الرابح
لا يجتلي الحوراء من خدرها إلا امرؤٌ ميزانه راجح
فاسم بعينيك إلى نسوةٍ مهورهن العمل الصالح
فقال الفضل: يا سيدي إنه ليؤمن بالبعث ويحمله المجون على ذكر ما لا يعتقده، ثم أنشد:
لقد دار في رسم الديار بكائي وقد طال تردادي بها وعنائي
كأني مريعٌ في الديار طريدةً أراها أمامي مرةً وورائي
فلما بدا لي حانٍ لا تهرّ كلابه عليّ ولا ينكرن طول ثوائي
فما رمته حتى أتى دون ما حوت يميني وحتى ريطتي وحذائي
وكأس كمصباح السماء شربتها على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاء
أتت دونها الأيام حتى كأنها تساقط نورٍ من فتوق سماء
ترى ضوءها من ظاهر البيت ساطعًا عليك ولو غطيته بغطاء
تبارك من ساس الأمور بقدرةٍ وفضّل هارونًا على الخلفاء
نراك بخيرٍ ما انطوينا على التقى وما ساس دنيانا أبو الأمناء
إمام يخاف الله حتى كأنما يؤمِّل رؤياه صباح مساء
أشمَّ طوال الساعدين كأنما يناط نِجادا سيفه بلواء
[ ١١٤ ]
فخلع عليه الرشيد ووصله بعشرة آلاف درهم والفضل بمثلها، فنظر إلى جارية تختلف كأنها لؤلؤة فقال: يا أمير المؤمنين أنا ميت في ليلتي هذه فإذا متّ فمُر أن أدفن في بطن هذه الجارية. فقال له الرشيد: خذها لا بارك الله لك فيها! قال أبو نواس: فأخذتها وانصرفت بمثل الشمس حسنًا وفي منزلي غلامٌ مثل القمر، فلقيني محمد بن يسير الشاعر فقال: أتيتك مهنئًا بما حباك به أمير المؤمنين. فقلت: نعمةٌ تتبعها نقمة. قال: ولم ذاك؟ فقلت: عندي غلام مثل القمر وهذه مثل الشمس وإن جمعتهما أتخوف ما تعلم وإن أفردت الجارية لم آمن عليها وغلامي لا بد منه. قلت: اجعلها عند بعض إخوانك إلى وقت حاجتك إليها. قلت: فلعل الحارس هو المتحرس منه. قال: فصيرها عند عجوز تثق بها، قلت: لعلي أسترعي الذئب! قال: ثم افترقنا، فالتقى معه أبو نواس بعد ثلاثة أيام فقال له: يا محمد بن يسير ما على الأرض شر منك، شاورتك في أمر فلم تفتح عليّ فيه شيئًا فلما فارقتك ازدحم علي الرأي المصيب. قال محمد فماذا صنعت؟ قال: زوّجت الشمس من القمر فحصّلتهما لأقضي بهما وطري! قال: كان الشيء عليك حلال فجعلته حرامًا. قال: يا أحمق شاورتك في الحلال والحرام! إنما قلت كيف الرأي في تحصيلهما! ثم أنشأ:
زوّجت هذاك بهذه لكي أنكح ثنتين فثنتين
أنكح هذه مرةً ثم ذا أُدير رمحًا بين صفين
متعت نفسي بهما لذةً يا من رأى مطلع شمسين
وحدثنا محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان وهو أمير البصرة قال: كان بالبصرة رجل من بني تميم وكان شاعرًا ظريفًا وكنت آنس به فأردت أن أخدعه فقلت: يا أبا نزار أنت شاعر وظريف والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف فما يمنعك منه؟ قال: ما عندي ما أتحمل به. قلت: أنا أعطيك نجيبًا فارهًا ونفقة سابغة تخرج إليه وقد امتدحته فإنك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك. قال: والله أيها الأمير إني لا أظنك صادقًا. قلت: أجل، فدعوت بنجيبة فارهة. فقال: هذه إحدى الحسنيين فما بال الأخرى؟ فدعوت له بثلاثمائة درهم. قال: وهذه الثانية، قال: أحسبك أيها الأمير قصّرت في النفقة. قال: هي لك كافية إن قبضت يدك عن السرف. قال: ومتى رأيت السرف في أكابر بني سعد فكيف في أصاغرها؟ فأخذ النجيبة والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بطويلة فأنشدنيها وحذف منها ذكري. فقلت له: ما صنعت شيئًا. قال: وكيف ذلك؟ قلت: تأتي الخليفة وأنت وافد فلا تثني على أميرك! قال: أيها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خدّاعًا. أما والله ما لكرامتي حملتَني وجُدت لي بمالك الذي ما رامه أحد إلا جعل الله خدّه الأسفل ولكن لأذكرك! قلت: فأنشدني ما قلت. فأنشدني، فقلت: أُعنت وأجدت. فتركني وخرج حتى أتى الشأم والمأمون بسلغوس، فأخبرني قال: بينا أنا غزاة قرة قد ركبت نجيبتي ولبست أطماري وأنا أريد العسكر فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقرّ قراره ولا يدرك خطاه، فتلقاني مكافحة ومواجهة وقال: السلام عليكم، بكلام جهوري ولسان بسيط. فقلت: وعليكم السلام. فقال: قف إن شئت. فوقفت، فتضوعت منه رائحة المسك الأذفر. فقال: ممن؟ قلت: رجل من مضر. قال: ونحن من مضر، ثم ماذا؟ قلت: من بني تميم. قال: وما بعدهم؟ قلت: من بني سعد. قال: هيه، فما أقدمك؟ قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى راحة ولا أوسع باحة ولا أطول باعًا ولا أمدّ يفاعًا منه. قال: فما الذي قصدته به؟ قلت: شعر طيب يلذّ على أفواه الرواة ويحلو في أذن المستمعين. قال: فأنشدنيه. فمضيت وقلت: يا ركيك أخبرك أني قصدت الخليفة بشعر قلته ومديح حبّرته فتقول أنشدنيه؟ فقال: وما الذي تأمل فيه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي فألف دينار. قال: أنا أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيدًا والكلام عذبًا وأضع عنك العناء وطول الترداد، متى تصل أنت إلى الخليفة؟ بينك وبينه عشرة آلاف رامح ونابل. قلت: فلي عليك الله أن تفعل؟ قال: لك الله عليّ أن أفعل. قلت: ومعك مال؟ قال: بغلي هذا خير من ألف دينار أنزل لك عن ظهره. قال: فغضبت وعارضتني مِرة بني سعد وخفة أحلامها وقلت: ما يساوي هذا البغل، هذا النجيب! قال: فدع عنك هذا ولك الله أن أعطيك ألف دينار، فأنشدته الأرجوزة وقلت:
مأمون يا ذا المنن الشريفه وصاحب المرتبة المنيفه
[ ١١٥ ]
وقائد الكتيبة الكثيفه هل لك في أرجوزةٍ ظريفه
أظرف من فقه أبي حنيفه لا والذي أنت له خليفه
ما ظُلمت في أرضنا عفيفه أميرنا شكّته خفيفه
وما اجتبى شيئًا سوى الوظيفة فالذئب والنعجة في سقيفه
واللص والتاجر في قطيفه
فوالله ما أتممت إنشادها حتى جاءني زهاء عشرة آلاف فارس قد سدّوا الأفق وهم يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فأخذني القلق، ونظر إليّ بتلك الحال وشملي قد تبدد فقال: لا بأس عليك! قلت: يا أمير المؤمنين أمعذري أنت؟ قال: نعم. ثم التفت إلى خادم في جانبه وقال له: أعطه ما معك، فأخرج له كيسًا فيه ثلاثة آلاف دينار وقال: هاك سلام عليك، فكان آخر العهد به.
حدثنا إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحاك قال: دخلت أنا ومحمد بن عمرو الرومي دار المعتصم بالله فخرج علينا كالحًا فجاء إيتاخ وقال: الملهون على الباب مخارق وعلويه وفلان وفلان. فقال: اغرب، عليك وعليهم لعنة الله! قال: فتبسمت إلى محمد وتبسم إليّ. فقال المعتصم: مم تبسمت يا حسين؟ قلت: من شيء خطر لي، قال: هاته، فأنشدته:
انف عن قلبك الحزن بدنوٍ من السكن
وتمتع بِكَرّ طر فك في وجهه الحسن
فدعا بألفي دينار، ألف لي وألف لمحمد بن عمرو. فقلت: يا أمير المؤمنين الشعر لي فما معنى ألف لمحمد؟ قال: لأنه جاء معك. وأمر الملهين بالدخول فأدخلوا، فما زال ينشد الشعر، ولقد قام يريد البول فسمعته يردده.
قال أبو العيناء: أنشدني المعتصم بعقب مدحٍ جرى لبغداد:
سقاني بعينيه كأس الهوى فظلت وبي منه مثل اللمم
بعيني مهاةٍ شقيقته وشنبٍ عذابٍ وفرعٍ أحم
قال أبو العيناء: فتوهمت أنه يعني سر من رأى ويكني عنها بذلك الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين قال مروان في جدك قريش: الأبلج ذو البهاء غيث العفاة غد الأنواء وهم زمام الدولة الزهراء. فقال: قل يا أبا عبد الله في مدح بني هاشم لك ولغيرك فلقد أصبت مقالًا، فأنشدته لمروان بن أبي حفصة:
إلى ملكٍ مثل بدر الدجى عظيم الفناء رفيع الدعم
قريع نزارٍ غداة الفخار ولو شئتُ قلتُ جميع الأمم
له كفُّ جودٍ تفيد الغنى وكفُّ تبيد بسيف النِّقم
فقال: زدني، فأنشدته:
انتجعي يا ناق ملك غالب قريش بطحاء أولي الأهاضب
والرأس ممدودٌ على المناكب مدَّ القباطيّ على المشاجب
فقال: زدني، فأنشدته:
يا قطب رجراجة الملحاء ومنزل البدر من السماء
والمجتدي في السنة العجفاء
فقال: حسبك يا أبا عبد الله. ثم التفت إلى جارية بين يديه فقال: عشر بدر ووصيفة وفرسًا ومملوكًا وخمسين ثوبًا الساعة، فجيء بذلك كله، فأعطاه إياه وانصرف. فقال له الناس: يا أبا العيناء ما هذا؟ قال: مال الله على يد عبد الله، الحمد لله والشكر لأمير المؤمنين ما دامت السماء وما حملت مقلتاي الماء.
قال أحمد بن أبي طاهر: أخبرني مروان بن أبي الجنوب قال: لما استُخلف المتوكل بعثت إليه بقصيدة مدحت فيها ابن أبي دؤاد وفي آخرها بيتان ذكرت فيهما ابن الزيات بين يدي ابن أبي دؤاد وهما:
وقيل ليَ الزيات لاقى حمامه فقلت أتاني الله بالفتح والنصر
لقد حفر الزيات بالغدر حفرةً فألقي فيها بالخيانة والغدر
فلما صارت القصيدة في يدي ابن أبي دؤاد ذكر لك للمتوكل وأنشده البيتين، فقال: احضرنيه. قال: هو باليمامة. قال: يُحمل. قلت: عليه دين. قال: كم؟ قلت: ستة آلاف دينار. قال: يعطاها. فأُعطيت ذلك وحملت وصرت إلى سر من رأى وامتدحت المتوكل بقصيدة أقول فيها:
رحل الشباب وليته لم يرحل والشيب حل وليته لم يحلل
فلما صرت من القصيدة إلى هذا البيت:
كانت خلافة جعفر كنبوةٍ جاءت بلا طلب ولا بتبخل
وهب الإله له الخلافة مثلما وهب النبوة للنبي المرسل
فأمر لي بخمسين ألف درهم.
[ ١١٦ ]
قال: وكان علي بن الجهم يقع في مروان ويثلبه حسدًا لمنزلته من أمير المؤمنين. فقال له المتوكل: يا علي أيكما أشعر؟ قال: أنا أشعر منه. قال: ما تقول يا مروان؟ قال: إذا حققت شعرك في أمير المؤمنين لم أبال بمن زيّف شعري. ثم التفت مروان إلى علي فقال: يا علي أنت أشعر مني؟ قال: نعم، تشكّ في ذا؟ قال أمير المؤمنين: بيني وبينك. قال: هو يحابيك. فقال المتوكل: هذا من عيّك. ثم التفت إلى حمدون النديم فقال: ذا حكم بينكما.
فقال: يا أمير المؤمنين تركتني بين لحيي الأسد! قال: لا بد أن تصدقني قال: يا أمير المؤمنين أعرقهما في الشعر أشعرهما، فقال المتوكل: يا مروان اهجه. قال: لا أبدأه ولكن يقول. فقال علي: قد كظّني النبيذ ولست أقدر أن أقول. قال مروان: لكني أقول:
إن ابن جهمٍ في المغيب يعيبني ويقول لي حسنًا إذا لاقاني
وإذا التقينا فاق شعري شعره ونزا على شيطانه شيطاني
إن ابن جهمٍ ليس يرحم أمه لو كان يرحمها لما عاداني
فقال المتوكل: يا مروان بحياتي لا تقصر! فقال:
يا عليُّ يا ابن بدرٍ قلت أمي قرشيه
قلت ما ليس بحقٍ فاسكتي يا نبطيه
اسكتي يا بنت جهمٍ اسكتي يا حلقيه
قال: فجعل المتوكل يضرب برجله ويضحك وأمر لي بألف دينار، قال مروان: صرت إلى المتوكل فقلت:
سقى الله نجدًا والسلام على نجد ويا حبذا نجدٌ على القرب والبعد
نظرت إلى نجدٍ وبغداد دونها لعلي أرى نجدًا وهيهات من نجد
ونجدٌ بها قومٌ هواهم زيارتي ولا شيء أحلى من زيارتهم عندي
قال: فلما تممت إنشادها أمر لي بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ثوبًا وثلاثة من الظهر فرسًا وبغلة وحمارًا، فما برحت حتى قلت في شكره:
تخيّر رب الناس للناس جعفرا فملّكه أمر العباد تخيّرا
فلما صرت إلى هذا البيت:
فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد فقد خفت أن أطغى وأن أتجبّرا
قال: لا والله لا أمسك حتى أغرقك بجودي ولا تبرح أو تسأل حاجة.
قلت: يا أمير المؤمنين الضيعة التي أمرت بإقطاعي إياها من اليمامة ذكر ابن المدبر أنها وقف من المعتصم. قال: فإني أقبّلكها بخراج درهم. قلت: لا يحسن أن يؤدي درهم. فقال ابن المدبر: فألف درهم. قلت: نعم. فأمضاها لي ثم قال: ليست هذه حاجة. قلت: فضياعي التي كانت لي وحال ابن الزيات بيني وبينها. فأمر بردّها عليّ.
قال: وقال أبو يعقوب الخطابي: كنت جالسًا عند معن بن زائدة وإذا عليه إزار يساوي أربعة دراهم، فقال: يا أبا يعقوب هذا إزاري وقد قسمت العام في قومك خاصة أربعين ألف دينار، فبينا نحن نتحدث إذ أبصر أعرابيًا يحط به الآل من خوخةٍ مشرفة له على الصحراء، فقال لحاجبه: إن كان هذا يريدنا فأدخله! فدخل الأعرابي وسلّم وأنشأ يقول:
أصلحك الله قلّ ما بيدي فلا أطيق العيال إذ كثروا
ألح دهرٌ رمى بكلكله فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فاضطرب، وقال: أرسلوك وانتظروا! يا غلام ما فعل بغلتنا الفلانية؟ قال: حاضرة. قال: كم هي؟ قال: ألف دينار. قال: اطرحها إليه. ثم قال: اذهب إليهم بما معك ثم إذا احتجت فارجع.
وعن أبي يعقوب الخطابي قال: دخل أعرابي معه صبي صغير في نطع إلى معن بن زائدة وقال:
سميتُ معنًا بمعنٍ ثم قلت له هذا سميّ امريءٍ في الناس محمود
أنت الجواد ومنك الجود أوله لا بل يمينك منها صورة الجود
فأعطاه ألف دينار.
قال: ودخل يزيد بن مزيد الشيباني أحد الأجواد مسجدًا باليمن فوجد في قبلته مكتوبًا:
مضى معنٌ وخلاني ببثّي على معن بن زائدة السلام
فسأل عن قائله، فإذا هو معهم، فقال: يا غلام أمعك شيء؟ قال: نعم ألف دينار. قال: فادفعها إليه. فخرج الرجل وهو يقول: رحم الله أبا الوليد وصلني حيًا وميتًا.
وحدثنا جعفر بن منصور بن المهدي قال: حدثني أبي قال: حج المهدي فنزل زبالة فدخل حسين بن مطير الأسدي عليه فقال:
أضحت يمينك من جودٍ مصوّرةً لا بل يمينك منها صورة الجود
[ ١١٧ ]
من حسن وجهك تضحي الأرض مشرقة ومن بنانك يجري الماء في العود
فقال له المهدي: كذبت. قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لقولك في معن بن زائدة:
ألِمّا على معن وقولا لقبره سقتك الغوادي مربعًا ثم مربعا
فيا قبر معنٍ كيف واريت جوده وقد كان منه البر والبحر مترعا
فلما مضى معنٌ مضى الجود وانقضى وأصبح عرنين المكارم أجدعا
فكنت لدار الجود يا معن عامرًا فقد أصبحت قفرًا من الجود بلقعا
أبى ذكر معنٍ أن يميت فعاله وإن كان قد لاقى حمامًا ومصرعا
فتىً عيش في معروفه بعد موته كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
فقال: يا أمير المؤمنين إنما معنٌ حسنة من حسناتك وفعلة من فعلاتك، فأمر هل بألف دينار ثم قال: سل حاجتك. فقال:
بيضاء تسحب من قيامٍ فرعها وتغيب فيه وهو جعدٌ أسحم
فكأنها فيه نهارٌ مشرقٌ وكأنه ليلٌ عليها مظلم
قال: خذ بيدها، لجارية كانت على رأسه، فأولدها مطير بن الحسين بن مطير.
قال: ودخل مروان بن أبي حفصة على جعفر بن يحيى يسأله إيصاله إلى الرشيد وأنه قد مدحه بقصيدة ينشدها إياه وقد كان جعفر وصله بثلاثين ألف درهم كتب له بها إلى صالح الصيرفي وكانت فيها دراهم طبرية، فقال:
ثلاثون ألفًا كلها طبريةٌ دعا لي بها لما رأى الصك صالح
دعا بالزيوف الناقصات وإنما عطاء أبي الفضل الجياد الرواجح
فقلت له لما دعا بزيوفه أألجدُّ هذا منك أم أنت مازح
فلما أنشده ذلك جعفرًا ضحك وقال: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده:
كأن الشمس يوم أصيب معنٌ من الظلماء ملبسةٌ جدولا
وكان الناس كلهم لمعنٍ، إلى أن زار حفرته، عيالا
فقال جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله؟ قال: لا. قال: فلو كان حيًا ثم سمعها منك بكم كان يثيبك؟ قال: بأربع مائة دينار. قال: أظن أنه كان لا يرضاها لك، قد أمرنا لك عن معن بأربعمائة كما ظننت وزدناك مثلها لما ظنناه به فيك فاغد على الخازن لقبضها منه.
قال: ودخل أعرابي على داود بن يزيد بالسند فقال: أيها الأمير تأهب لمديحي. فتأهب ثم قال: لئن أحسنت لأحسنن إليك ولئن أسأت لأردن شعرك عليك، فقال:
أمنت بداودٍ وجود يمينه من الحدث المخشيّ والبؤس والفقر
وأصبحت لا أخشى بداود نبوةً ولا حدثانًا إذ شددت به أزري
فما طلحة الطلحات ساواه في الندى ولا حاتم الطائي ولا خالد القسري
له حكم لقمانٍ وصورة يوسفٍ وملك سليمانٍ وصدق أبي بكر
فتىً تهرب الأموال من طلّ كفه كما يهرب الشيطان من ليلة القدر
فقال: يا أعرابي أحسنت فاحتكم وإن شئت فاردد الحكم إليّ. فقال: ما عند الأمير ما يسعه حكمه. فقال: أنت في هذا أشعر. وأمر هل بعشرة آلاف درهم.
قال: ودخل محمد بن الجهم على المأمون فقال: أنشدني أحسن ما سمعته في المديح. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قوله:
يجود بالنفس إذ ضنّ البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود
فقال: أنشدني أخبث ما سمعته في الهجو، فقال قوله:
قُبحت مناظره فحين خبِرتَه حَسُنت مناظره لقبح المَخبر
قال: فأنشدني أحسن ما سمعته في المراثي، فقال قوله:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه فطيب تراب القبر دلّ على القبر
ومثله:
على قبره بني القبور مهابةٌ كما قبله كانت على ساكن القبر
قال: فأنشدني أحسن ما سمعته في الغزل، قال قوله:
حبٌ مُجدٌّ وحبيبٌ يلعب وأنت ملقىُ بينهم معذَّب
فاستحسن الأبيات ثم أمر بتقليدي الصيمرة والسيروان ومهرجانقذق والدينور ونهاوند، فانصرفت من عنده بولاية الجبل.