قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حضرت مجلس المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك عن الفضل بن يحيى؟ قال: بلى. فقلت: دخلت دار الرشيد وإذا الفضل بن يحيى وإسماعيل بن صبيح وعبد الملك بن صالح في بعض تلك الأروقة يتحدثون، فلما بصر بي الفضل أومأ إلي وقال: يا إسحاق انتظرناك منذ الغداة لتساعد على ما نحن فيه من المذاكرة! فقلت: يا سيدي أنا السكيت إذا أجريت الجياد وفاز السابق والمصلّي. فقال: هيهات عندها مدحت نفسك ولما تكذّب.
فلما فرغ عبد الملك من حديثه قال الفضل: إن لقسٍّ حديثًا سمعته من الخليل بن أحمد فهل عند واحد منكم له ذكر؟ فسكت القوم. فقلت: يا سيدي ما نعرف له حديثًا إلا حديث خطبته بعكاظ. قال: ذاك شيء قد فهمته العامة واختبرته الخاصة. ثم أطرق ساعة. فقلنا: إن رأيت أن تحدثنا. فقال: حدثني الخليل بن أحمد أن قيصر ملك الروم بعث إلى قس بن ساعدة أسقف نجران وكان حكيمًا طبيبًا بليغًا في منطقه، فلما دخل عليه ومثل بين يديه حمد الله وأثنى عليه، فأمره بالجلوس فجلس، فرحب به وأدنى مجلسه وقال: ما زلت مشتاقًا إليك معما أحببت من مناظرتك في الطب. فكان أول ما سأله عن الشراب لعجبه به، فقال: أي الأشربة أفضل عاقبة في البدن؟ قال: ما صفا في العين واشتد على اللسان وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم. قال: فما تقول في مطبوخه؟ قال: مرعىً ولا كالسعدان. قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميت أحيي وفيه بعض المتعة وما يكاد يقوى شيء بعد الموت. قال: فما تقول في نبيذ العسل؟ قال: نِعم شراب الشيخ للابردة والمعدة الفاسدة. قال: فما تقول في أنبذة التمر؟ قال: أوساخ يطيب مذاقها في اللهوات وتسوء عاقبتها في البدن وتولّد الأرواح في البطن لرقتها. قال: فمن أي شيء يكون الثمل الذي يذهب الغم ويطيب النفس؟ قال: زعموا أن العقل تصعده سورة الشراب إلى الدماغ الذي هو أصله بقوة الروح الذي جُعل فيه، فإذا صعدت السورة إلى الدماغ الذي هو أصله فاحتوت عليه حتى تغشاه حجب العقل عن منافعه فاحتجب البصر بغير عمى والسمع بغير صمم واللسان بغير خرس، والدليل على ذلك أن السكران لا يرى في نومه شيئًا ولا تصيبه جنابة فلا يزال العقل كذلك محتجبًا حتى تفكه الطبيعة من إسار السكر إما بقوة فيعجل وإما بضعف فيبطيء. قال: فمن أي شيء الخمار من بعد صحو السكران؟ قال: من إعياء الطبيعة عن مجاهدة السورة في افتكاك العقل وتخلّصه حتى يردها النوم إلى هدوء وما أشبهه. قال: الصرف أفضل أم الممزوج؟ قال: الصرف سلطان جائر والجائر مستفسد مذموم والممزوج سلطان عادل والعادل مستصلح محمود. قال: فصف لي الأطعمة. قال: الأطعمة كثيرة مختلفة وجملة ما آمرك به الإمساك عن غاية الإكثار فإن ذلك من أفضل ما بلوناه من الأدوية ورأس ما نأمر به من الحمية.
[ ١٤٧ ]
قال له: عمن حملت الحكمة؟ قال: عن عدة من الفلاسفة. قال: فما أفضل الحكمة؟ قال: معرفة المرء بقدره. قال: فما تقول في الحلم؟ قال: حلم الإنسان ماء وجهه. قال: فما تقول في المال وفضله؟ قال: أفضل المال ما أعطي منه الحق. قال: فما أفضل العطية؟ قال: أن يعطى قبل السؤال. قال: فأخبرني عما بلوت من الزمان وتصرّفه ورأيت من أخلاق أهله. قال: بلونا الزمان فوجدناه صاحبًا ولا يعتب من عاتبه، ووجدنا الإنسان صورة من صور الحيوان يتفاضلون بالعقول، ووجدنا الأحساب ليست بالآباء والأمهات ولكنها هي أخلاق محمودة، وفي ذلك يقول، أو قال أقول:
لقد حلبت الزمان أشطره ثم محضت الصريح من حلب
فلم أر الفضل والمعال في قول الفتى إنني من العرب
حتى نرى ساميًا إلى خلقٍ يذود محموده عن النسب
ما ينفع المرء في فكاهته من عقل جدٍّ مضى وعقل أب
ما المرء إلا ابن نفسه فبها يعرف عند التحصيل للنوب
حتى إذ المرء غال مهجته ألفيته تربةً من الترب
ووجدنا أبلغ العظات النظر إلى محل الأموات، وأحمد البلاغة الصمت، ووجدنا لأهل الحزم حذارًا شديدًا وبذلك نجوٌ من المكروه، والكرم حسن الاصطبار، والعز سرعة الانتصار، والتجربة طول الاعتبار، قال: خبرني هل نظرت في النجوم؟ قال: ما نظرت فيها إلا فيما أردت به الهداية ولم أنظر فيما أردت به الكهانة، وقد قلت في النجوم:
علم النجوم على العقول وبال وطلاب شيءٍ لا ينال ضلال
ماذا طلابك علم شيءٍ أُغلقت من دونه الأفلاك ليس يُنال
هيهات ما أحدٌ بغامض قدره يدري كم الأرزاق والآجال
إلا الذي فوق السماء مكانه فلوجهه الإكرام والإجلال
قال: فهل نظرت في زجر الطير؟ قال: نحن معاشر العرب مولعون بزجر الطير. قال: فما أعجب ما رأيته منه؟ قال: شخصت أنا وصاحب لي من العرب إلى بعض الملوك فألفيناه يريد غزو قومٍ كانوا على دين النصرانية فخرج حتى إذا كان على فراسخ من مدينته أمر بضرب فساطيطه وأروقته لتتوافى إليه جنوده وضرب به فسطاط على شاطيء نهر وأمر بخباء فضرب لي ولصاحبي، فبينا نحن كذلك إذ أقبل طائران أسود وأبيض وأنا وصاحبي نرمقها حتى إذا كانا رأسه رفرفا وشرشرا ثم غابا ثم رجعا أيضًا حتى إذا كانا قريبًا منه طوياه ثم أقبلا نحونا فوقفا ثم رتعا. فقال صاحبي: ما رأيت كاليوم طائرين أعجب منهما فأيهما أنت مختار؟ فقلت: الأسود. قال: الأبيض أعجبهما إليّ، فما تأوّلتهما؟ قلت: الليل والنهار يطويان هذا الرجل في سفره فيموت، وتأولت اختيارك الأبيض أنك تنصرف بيد بيضاء مخفقة من المال. فإذا هو قد غضب. فلما جن الليل بعث إلينا الملك لنسمر عنده فإذا صاحبي قد أخبره بالخبر، فسألني فأخبرته وصدقته. فغضب وقال: هذه حمية منك لأهل دينك. فقلت: أما أنا فقد صدقتك. فأمر بحبسي ومضى لوجهه، فلم يتجاوز إلا قليلًا حتى مات، فأوصى لي بعشرين ناقة وقال: قاتل الله قسًا! لقد محضني النصيحة. فانصرفت من سفري ذلك بعدة من الإبل وانصرف صاحبي مخفقًا من المال.
قال الملك: وما رأيت أيضًا من الزجر أعجب؟ قلت: رأيت مرة عند الملك الهمام أبي قابوس وقد خرج عليه خارج من مضر يريد ملكه وقد حشد له فبعث إلى بعض عماله في توجيه أربعمائة فارس ووجهني مع الرسول وأمرنا بالشد على أيديهم في جمع الخيل والرجال، وكان الرسول شاعرًا، فبينا نحن نسير إذ سنحت لنا ظباء أعنزٌ فيها تيس يقدمها، وكان أبو قابوس يواعد للقائه في يوم كذا وكذا، فنحن نقول إن كان الملك قد خرج في يوم كذا فهو اليوم في موضع كذا وقد أقبلنا ونحن نقود جيشًا عرمرمًا، فأنشأ الرسول يقول:
ألا ليت شعري ما تقول السوانح أغادٍ أبو قابوس أم هو رائح
قال: فنظرت إلى التيس عند فراغه من هذا البيت قد دخل في مكنسه حتى توارى فيه، فدخلني من ذلك ما لم أقدر على أن أمسك نفسي حتى استرجعت.
[ ١٤٨ ]
فقال لي رفيقي: ما لك؟ قلت: إن صدق الزجر فصاحبك قد ثوى في التراب والتحف عليه أطباق الثرى. قال: كيف ذلك؟ قلت: وافق فراغك من البيت دخول التيس في مكنسه. فأعرض عني فلما أصبحت في اليوم الذي واعدنا للقائه لم يواف ولم يكن بأوشك من أن أتانا الخبر بهلاكه وقعود ابنه، فأكرمه قيصر وأحسن جائزته.
قلنا: أيّد الله الوزير! لقد بلغت باستحقاق ولقد حزت قصبة الرهان في كل منقبة. فتبسم وقال: عز الشريف أدبه. وإذا رسول الرشيد قد وافاه فنهض نحوه وتصدع المجلس وانصرفنا. فلما مضى من الليل بعضه إذ أنا بطارق قد طرقني وبين يديه غلمان على أعناقهم البدر وإذا رسول الفضل وقد حمل إلي مائة ألف درهم وقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول: ضجرت باستماع الحديث وأوجبت عليّ بذلك منّةً وهذه صلة وتحةٌ في جنب قدرك عندي فخذها ولا تعتد بها. فقلت: سبحان الله الذي خلق هذا الرجل وجبله على كرم بذّ به من مضى ومن غبر! وإذا هو قد وجه إلى أصحابي الذين كانوا معي بمثل الذي وجّه به إليّ، فغدوت إليه وأردت أن أشكره فقال: والله لئن ذهبت تكشف ما ستر الله لأجفونك! فكأنما ألقمني بذلك حجرًا، فاحتبسني عنده فطعمت وشربت ورحت وقد حملني على عدة أفراس بسروج مذهبةٍ ولجم مذهبة ووجه معي بعشرة تخوت ثياب وعشر بدر. قال فقال المأمون: ويحك يا إسحاق! ثواب حديثك ضعف ما أمر لك به الفضل وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. فقبضت ذلك وانصرفت.
قال: وكان محمد بن حازم قال قصيدته التي يقول فيها:
فيا شامتًا مهلًا فكم من شماتة تكون لها العقبى لقاصمة الظهر
فاعتل محمد ولم يكن يرثه إلا أخوه وكان بسر من رأى، فوجهت إليه جاريته تعلمه بشدة علته، فقدم أخوه ومحمد لمآبه فأدخل الجارية بيتًا في الدار ووطئها قبل وفاة أخيه. فلما مات حمل المال والأثاث والجارية إلى منزله بسر من رأى وأخذ في الشراب، فانصرف ليلةً ثملًا فأراد المبيت على سطح الدار فمنع من ذلك فامتنع، فلما صار في أعلى الدرجة سقط وانقصف ظهره فجعلنا نتذاكر شعر أخيه.
قيل: ووفدت عزة كثيّر على عبد الملك بن مروان، فلما دخلت سلّمت فردّ ﵍ ورحّب بها وقال: ما أقدمك يا عزة؟ قالت: شدة الزمان وكثرة الألوان واحتباس القطر وقلة المطر. قال: هل تروين لكثير:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغير
قالت: لا أروي له هذا، ولكني أروي له قوله:
كأني أنادي صخرةً حين أعرضت من الصم لو تمشي بها العصم زلّت
فقال: ما كنت لتصيري إلى حاجة أو تهبي نفسك لي فأزوجك منه.
قالت: الأمر إليك يا أمير المؤمنين، ما كنت لأزهد في هذا الشرف الباقي لي ما دامت الدنيا أن يكون أمير المؤمنين وليي. فعظم بذلك قدرها عنده وأمر لها بمال وكتب إلى كثير وهو بالكوفة: أم اركب البريد وعجّل فإني مزوجك عزة. فأتاه الكتاب وهو مضنىً من الشوق إليها فرحل فأقبل نحوها، فلما كان في بعض الطريق إذا هو بغراب على شجرة بانة وإذا هو ينتف ريشه ويطايره، وكان شديد الطيرة، فلما رآه تطير وهم بالانصراف ثم غلبه شوقه فمضى وهو مكروب لما رأى، حتى أتى ماءً لبني نهد، فإذا هو برجل يسقي إبله فنزل عن راحلته واستظل بشجرة هناك فأبصر النهدي، فأتاه وسأله عن اسمه ونسبه فانتسب، فرحب به، فأخبره عما رأى في طريقه، فقال: أما الغراب فغربة، وأنا البانة فبينٌ، وأما نتف ريشه ففرقة. فاستطير لذلك، ومضى حتى دنا من دمشق فإذا بجنازة فاستعبر وقال: أسأل الله خير ما هو كائن! فسأل عن الميت فإذا هي عزة، فخرّ مغشيًا عليه، فعُرف وصب عليه الماء فكان مجهوده أن بلغ القبر، فلما دفنت انكب على القبر وهو يقول:
سراج الدجى ضمر الحشى منتهى المنى كشمس الضحى نوامة حين تصبح
إذا ما مشت بين البيوت تخزلت ومالت كما مال النزيف المرنح
تعلّقتُ عزًا وهي رؤدٌ شبابها علاقة حبٍ كاد بالقلب يرجح
أقول ونضوي واقفٌ عند رمسها عليك سلام الله والعين تسفح
فهلا فداك الموت من أنت دونه ومن هو أسوأ منك ذلًا وأقبح
على أم بكرٍ رحمة وتحيةٌ لها منك والنائي يودّ وينصح
[ ١٤٩ ]
منعّمةٌ لو يدرج الذرُّ بينها وبين حواشي بردها كاد يجرح
وما نظرت عيني إلى ذي بشاشةٍ من الناس إلا أنت في العين أملح
ثم بكى حتى غشي عليه، فأفاق وهو يقول:
ما أعيف النهدي لا در رده وأزجره للطير لا طار طائره
رأيت غرابًا ساقطًا فوق بانةٍ ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقال غرابٌ اغترابٌ من النوى وبانة بينٌ من حبيب تعاشره
ثم لم يزل باكيًا حتى أدركه الموت ولم ير ضاحكًا بعدها، وقيل فيه من الشعر:
تنادى الطائران ببين سلمى على غصنين من غربٍ وبان
فكان البان أن بانت سليمى وفي الغرب اغتراب غير داني
أخذه أبو الشيص فقال:
أشاقك والليل ملقي الجران غرابٌ ينوح على غصن بان
أحصُّ الجناح شديد الصياح يبكي بعينين ما تدمعان
وفي نعبات الغراب اغترابٌ وفي البان بينٌ بعيد التداني
ولآخر:
أقول يوم تلاقِينا وقد سجعت حمامتان على غصنين من بان
الآن أعلم أن الغصن لي غصصٌ والبان بينٌ قريبٌ عاجلٌ داني
فقمت تخفضني أرضٌ وترفعني حتى وثبت وهذا السير إزكاني
ولآخر:
أقول وقد صاح ابن دأية غدوةً بوشك النوى لا أخطأتك الشوابك
أفي كل يومٍ رائعي منك روعةٌ ببينونة الأحباب عرسك فارك
فلا بضت في خضراء ما عشت بيضةً وضاقت برحبيها عليك المسالك