قيل: أمر الله ﷿ موسى، ﵇، فقال: ائت كورة كذا وكذا، فقال: يا رب إني قتلت منهم نفسًا وأنا خائف، فقال الله جل وعز: إني قد أمتّ أقرباءه. فصار إليها فأول ما استقبله قرابة للمقتول. فقال: يا رب هذا أخوه! قال: يا موسى إني جعلته فقيرًا والفقير ميت من العقل وعند الناس ميت وعند الحلال والحرام ميت والفقر الموت الأكبر.
وقيل: إنه إذا أيسر الفقير ابتُلي به ثلاثة: صديقه القديم يجفوه وامرأته يتزوج عليها وداره يهدمها ويبنيها.
[ ١٢٨ ]
وكان في الجاهلية رجل حسن الحال وكان بنو عمه وأخواله يختلفون إليه فيعطيهم ويمونهم ويقوم بأمورهم، ثم اختلّ أمره فأتاهم فحرموه، فأتى أهله كئيبًا، فقالت له امرأته: ما حالك؟ فقال: دعيني عنك، وأنشأ يقول:
دعي عنك عذلي ما من العذل أعجب ولا بد حالٌ بعد حال تقلب
وكان بنو عمي يقولون مرحبًا فلما رأوني مقترًا مات مرحب
كأن مُقلًا حين يغدو لحاجةٍ إلى كل من يلقى من الناس مذنب
وقال بعضهم: رب مغبوطٍ بميسرةٍ هي داؤه ومرحوم من عدم هو شفاؤه، والدنيا دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك وما كان عليك لم تدفعه بقوتك، ومن عتب على الدهر طالت معتبته. وقال الأضبط:
إرض من الدهر ما أتاك به من قرّ عينًا بعيشه نفعه
قال: وسمع سفيان الثوريّ قومًا يقولون بعضهم لبعض: كيف حالك؟ فقال: لقد بلغني أن من كان قبلكم كان يكره أن يسأل أخاه عن حاله إلا من يكون مجمعًا على تغيير سوء حاله إذا أخبره.
قال: وقال أوس بن حارثة: خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع.
قيل: ومرّ رجل من الأغنياء برجل من أهل العلم فتحرك له وأكرمه، فقيل له: هل كانت لك إليه حاجة؟ قال: لا ولكن ذو المال مهيبٌ، وقال: فيه الشاعر:
أرى كل ذي مال يُجلّ لماله ومن ليس ذا مال يهان ويحقر
ويخذله الإخوان إن قل ماله وليس بمحبوب بلى هو يهجر
وأقنع بالمال القليل تكرمًا لأغنى به عما لديك وأصبر
وذكروا أن زياد بن أبي سفيان أرق ذات ليلة وهو بالبصرة فبعث إلى غيلان بن خرشة الضبيّ وسويد بن منجوف السدوسي والأحنف بن قيس السعدي، فلما توافوا إليه قال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ إنه كان عندي ثلاثة من دهاقين كسرى يحدّثون بما كانت الأكاسرة فيه من ملكها وعظيم شأنها، فتقاصر إليّ ما نحن فيه فبعثت إليكم لتصفوا لي ما كانت العرب فيه من البؤس وشدة الحال لنقنع بما نحن فيه فإن الغنى القناعة. قال غيلان: إن اقتصرت عليّ دون أصحابي حدثتك. قال: هات. قال: أخبرني عم لي صدوق أنه خرج في سنة أصابت العرب فيها شدةٌ حتى أكلوا القدّ من القحط واحمر أديم الأرض وآفاق السماء، قال: فطفت ثلاثًا ما أطعم فيهنّ شيئًا إلا ما يأكل بعيري من حشرات الأرض حتى أصابني الميد فشددت على بطني حجرًا من الجوع، فإني لكذلك في جوف الليل إذ دفعت إلى حي عظيم فسلّمت. فقالوا: من هذا؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقالوا: والله ما أبقت لنا هذه السنة قرىً ولا فضلًا. فقالت امرأة كانت إلى جانب القبة: يا عبد الله دونك القبة العظيمة فإن كان عند أحد خير فعندها. فأممتها فلما دفعت إليها سلمت فقال لي: من هذا؟ فقلت: طارق ليل يلتمس قرىً، فقال رجل منهم: يا فلان هل عندك قرى؟ قال: نعم، قد أبقيت في ضرع فلانة رسلًا لطارق ليل. ثم ثار إليها فناداها فانبعثت وتفاجّت عن مثل الظبي القنيص، فضرب زبونتها ثم حلب في علبةٍ معه حتى علتها رغوة اللبن، وكل ذلك بمرأى مني ومسمع، فلقد سمعت الغناء الحذّاء فما سمعت شيئًا كان أحبّ إلى مسامعي من صوت شخبها في تلك العلبة، ثم أقبل بها يريدني فلما أهويت لآخذها عثر فانكفأت العلبة وذهب ما فيها، فوالله لقد فقدت الأهل والمال فما أُصبت بشرّ كان أفزع لقلبي ولا أعظم موقعًا عندي من انكفاء تلك العلبة على مثل الحال التي كنت فيها، فلما رآني صاحب القبة ورأى ما بي من شدة الجهد خرج حتى دخل في إبله وهو يقول: صدق أخو بني قيس في قوله:
هم يطردون الفقر عن جارهم حتى يرى كالغصن الناضر
فأخذ ناقة كوماء فكشف عن عرقوبيها ثم قال: دونك السنام، فلما وافى الودك بطني وحفوف الماء ولا عهد لي قبل ذلك بشيء منه خررت مغشيًا عليّ، فوالله ما أيقظني إلا برد السحر. فقال زياد: قطني قد اكتفيت بهذا، هذا والله غاية الجهد فالحمد لله الذي منّ علينا بمحمد، ﷺ، وهدانا إلى الإسلام وجعلنا ملوكًا. ثم قال: لا أب لشانئك فمن الرجل؟ فقال: عامر بن الطفيل. فقال أبو علي: والله كان لها ولأمثالها.
[ ١٢٩ ]
قال وقال عمر بن الخطاب، ﵁: لقد رأيتني في الجاهلية وأخية لي وإنا لنرعى ناضحًا لأبوينا قد زودتنا أمنا يمنتيها من الهبيد فإذا أسخنت علينا الشمس ألقيت الشملة على أختي وخرجت عريانًا أسعى فنظلّ نرعى ذلك الناضح فنرجع إلى أمنا من الليل وقد صنعت لنا لفيتةً من ذلك الهبيد فنتعشى فواخصباه! قال بعض جلسائه: فوالله لقد حسدته على ذلك.
قال: وسئل عمر بن الخطاب، ﵁، عن جهد البلاء فقال: قلة المال وكثرة العيال.
وكان الفضيل يقول: المال يسوّد غير السيّد ويقويّ غير الأيّد.
وفي كتاب كليلة ودمنة: الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنًا وأساء به الظن من كان يظن به حسنًا، وإن أذنب غيره ظنوه به، وإن كان لسوء الظن والتهمة موضعًا حملوا على ذلك الذي يفعله غيره، وأنشد في ذلك:
إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه وأومت إليه بالعيوب الأصابع
ولآخر:
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وحار ولا يدري وإن كان حازمًا أقدّامه خيرٌ له أم وراؤه
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه ولا خير في وجهٍ يقلّ حياؤه
وقيل لأعرابي: ما أشد الأشياء؟ قال: كبدٌ جائعة تؤدي إلى أمعاء ضيقة.
وقيل لأعرابي: لم يقول أهل الحضر باعك الله في الأعراب؟ قال: لأنا والله نعري جلده ونجيع كبده ونطيل كدّه.
ومما قيل فيه من الشعر:
أعظم من فاقةٍ وجوع مقام حرٍّ على خضوع
فلا ترده ولا ترد ما أٌنيل بالذل والخشوع
واطلب معاشًا بقدر قوتٍ وأنت في منزلٍ رفيع
لعل دهرًا غدًا بنحسٍ يعود بالسعد في الرجوع
ولآخر:
الموت خيرٌ للفتى من أن يعيش بغير مال
والموت خيرٌ للكري م من الضراعة للرجال
ولآخر:
بخلت وليس البخل مني سجيةً ولكن رأيت الفقر شرّ سبيل
لموت الفتى خيرٌ من البخل للفتى وللبخل خيرٌ للفتى من سؤال بخيل
لعمرك ما شيء لوجهك قيمةٌ فلا تلق مخلوقًا بوجه ذليل
ولا تسألن من كان يسأل مرةً فللموت خيرٌ من سؤال سؤول
ولآخر:
لاتحسبن الموت موت البلى فإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذا أشد من هذا لذلّ السؤال
ولآخر في معناه:
من كان في الدنيا أخا ثروةٍ فنحن من نظارة الدنيا
نرمقها من كثبٍ هكذا كأننا لفظٌ بلا معنى
ولآخر:
قد أراح الله من غ مٍ شديدٍ وعذاب
واسترحنا من عيالٍ وعبيدٍ ودواب
وضياعٍ ونخيلٍ وحصادٍ وكراب
واسترحنا من وقوفٍ لبني الدنيا بباب
وقنعنا وأقمنا وحططنا عن ركاب
حبّذا الوحدة إن كا ن بصيرًا بالحساب
ولآخر:
الحمد لله ليس لي مال ولالخلقٍ عليّ إفضال
الخان بيتي ومشجبي بدني وخادمي والوكيل بقّال
ولآخر:
بقيت ومركبتي البرذون حتى أخفّ الكيس إغلاء الشعير
وصرت إلى البغال فأعجزتني وصرت من البغال إلى الحمير
فعزّتني الحمير فصرت أمشي أزجّي الرِّجل تزجية الكسير
ولآخر:
أتراني أرى من الدهر يومًا لي يومًا مطيةٌ غير رجلي
وإذا كنت في جميعٍ فقالوا قرّبوا للرحيل قرّبت نعلي
حيثما كنت لا أخلِّف رحلًا من رآني فقد رآني ورحلي
أبو هفان:
يا مولج الليل في النهار صبرًا على الذّلّ والصّغار
كم من حمارٍ له حمارٌ ومن جوادٍ بلا حمار
الحمدوني:
تسامى الرجال على خيلهم ورجلي من بينهم حافيه
فإن كنت حاملنا ربنا وإلا فأرجل بني الزانية
[ ١٣٠ ]
قال: وكان أعرابي بالبصرة في بيت فكان إذا خرج استوثق على غلق بابه فيظن جيرانه أن له مالًا فقال:
ليس إغلاقي لبابي أن لي فيه ما أخشى عليه السرقا
إنما أغلقه كي لا يرى سوء حالي من يمرّ الطرقا
ليس لي فيه سوى باريةٍ وبلى أغلَقْتُ لِبدًا خَلَقا
منزلٌ داخله الفقر فلو دخل السارق فيه شرِقا
ولآخر:
يبيت يراعي النجم من جوع بطنه ويصبح يُلقى ضاحكًا متبسما
ولآخر:
وعاقبة الصبر الجميل جميلةٌ وأحسن أخلاق الرجال التفضّل
ولا عار أن زالت على المرء نعمةٌ ولكن عارًا أن يزول التجمّل
ولآخر:
كم من فقيرٍ بعد جهدٍ وحاجةٍ هو اليوم محسودٌ وقد كان يُرحم
ولآخر:
قد يكثر المال يومًا بعد قلته ويكتسي الغصن بعد اليبس بالورق
ولآخر:
كم من غنيٍّ رأيت الفقر أدركه ومن فقيرٍ غنيًا بعد إقلال
ولآخر:
كم من غني كان بالمال مثريًا هو اليوم مرحومٌ وقد كان يُحسد
ولآخر:
كم من فتىً كان ذا ثروةٍ رمته الحوادث حتى افتقر
ولآخر:
إذا كان جدُّ المرء في الشيء مقبلًا تأتت له الأشياء من كل جانب
وإن أدبرت دنياه عنه توعرت عليه وأعيته وجوه المطالب
وإن قلّ مال المرء أقصاه أهله وأعرض عنه كلّ إلفٍ وصاحب
وكذّبه الأقوام في كلّ منطقٍ وإن كان فيه صادقًا غير كاذب
ولآخر:
متى ما يرى الناس الفقير وجاره يقولون هذا عاجزٌ وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ولكن أحاظٍ قسّمت وجدود
وقال عبد الأعلى القاضي: الفقير مرقته سلقة ورداؤه علقة وسمكته شلقة.
ولآخر:
من كان ذا مالٍ كثيرٍ فلم يقنع فذاك الموسر المقتر
الفقر في النفس وفيها الغنى وفي غنى النفس الغنى الأكبر
وكتب بعضهم يستميح بعض الأغنياء:
هذا كتاب فتىً أزرى الزمان به قد كاد تنفطر الأضلاع من هممه
شطّت منازله عنه وضعضعه ريب الزمان فأبدى الضعف في كلمه
يذري الدموع بعينٍ غير جامدةٍ طورًا بدمعٍ ويبكي تارةً بدمه
أضحى ببابك محزونًا له أملٌ يرجو بجودك أن يفتكّ من عدمه
يا ذا المقدّم في الأفعال من كرمٍ أنت المداوي صريع الدهر من سقمه
ولآخر:
خُلقٌ واسعٌ ومالٌ قليل واعتداءٌ من الزمان طويل
ما احتيال الفتى بدولة دهرٍ وعليه النائبات تدول
كلما رام نهضةً أقعدته عائلات من الزمان تعول
فيمن أثرى بعد الفقر أٌنشد لرجل من المحدثين:
لئن كنتَ قد أُعطيتَ خزًّا تجرّه تبدّلته من فروةٍ وإهاب
فلا تُعجبن أن تملك الناس إنني أرى أمّةً قد أدبرت لذهاب
ولآخر:
تاه على إخوانه بالغنى فصار لا يطرف من كبره
أعاده الله إلى حاله فإنه يحسن في فقره
ولآخر دعبل:
عطاياه تغدو على سابحٍ وطورًا على بغلةٍ ندبه
فلو خُصّ بالرزق بخل الكرا م ما نال خيطًا ولا هدبه
ولكنه الرزق ممن يعي ش في رزقه الكلب والكلبه
ولآخر:
كنت إذ كنتَ عديمًا لي خلًا ونديما
ثم أثريت فأعرض ت ولم ترع قديما
صار ما نلت من الما ل لنا ذنبًا عظيما
هكذا يفعل بالإخ وان من كان كريما
ولآخر:
صحبتك إذ أنت لا تُصحب وإذ أنت لا غيرك الموكِب
وإذ أنت تفرح بالزائرين ونفسُك نفسَك تستحجب
وإذ أنت تكثر ذمّ الزمان ومشيك أضعاف ما تركب
[ ١٣١ ]
فقلت كريمٌ له همةٌ ينال فأُدرك ما أطلب
فنلتَ وأقصيتني جانبًا كأني ذو عرّةٍ أجرب