يقال: إن رجلًا رفع رقعة إلى عمر بن الخطاب، ﵀، يسعى فيها ببعض أصحابه، فوقّع فيها: تقربت إلينا بما باعدك من الرحمن ولا ثواب لمن آثر عليه.
قيل: ورفع منتصح رقعة إلى عبد الملك بن مروان، فوقّع فيها: إن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن كنت صادقًا مقتناك، وإن استقلتنا أقلناك. فاستقاله الرجل.
قيل: وكتب صاحب بريد همذان إلى المأمون بخراسان يعلمه أن كاتب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطآ على إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما، فوقّع المأمون: إنا نرى قبول السعاية شرًا كمن قبله وأجازه، فأنف الساعي عنك فلو كان في سعايته صادقًا لقد كان في صدقه لئيمًا إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر على أخيه.
[ ٥٦ ]
قال: وقال المأمون لولده: يا بني نزّهوا أقداركم وطهروا أحسابكم عن دنس الوشاة وتمويه سعايتهم فكل جانٍ يده في فيه وليس يشي إليكم إلا أحد الرجلين ثقة وظنين، أما الثقة فقد قيل إنه لا يبلغ ولا يشين بالوشاية قدره، وأما الظنين فأهل أن يتهم صدقه ويكذّب ظنه ويردّ باطله، وما سعى رجل برجل إليّ قط إلا انحط من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدًا، فلا تعطوا الوشاة أمانيهم فيمن يشون بهم، فقد قال بعض الملوك لرجل سعى بآخر: لو كنت أنت أنا ما كنت صانعًا به؟ قال: كنت أقتله. فقال: أما إذ لم تكن أنت أنا فإني غير قاتله ومع ذلك فلا تدعوا الفحص عما يلقى إليكم مما تحذرون رجوع ضرره عليكم.
عوانة قال: قام رجل إلى سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين عندي نصحية. قال: وما نصيحتك هذه؟ قال: كان فلان عاملًا ليزيد والوليد وعبد الملك فخانهم فيما تولاه واقتطع أموالًا جليلة فمر باستخرجها منه. فقال: أنت شر منه وأخون حيث اطّلعت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفّر أصحاب النصائح لعاقبتكم ولكن اختر مني خصلة من ثلاث. قال: اعرضهن يا أمير المؤمنين. قال: إن شئت فتّشت عما ذكرت فإن كنت صادقًا مقتناك، وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن شئت أقلناك. قال: بل تقيلني يا أمير المؤمنين. قال: قد فعلت فلا تعودن بعدها إلى أن تظهر من ذي مروءة ما كتمه الله وستره.