قال أبو العتاهية: خرجت مع المهدي إلى الصيد فتفرق أصحابه وبقيت معه وقد أقبل علينا المطر، فانتهينا إلى ملاح معه زورق فقال لنا: ادخلا من هذا المطر. فدخلنا ووقعت الرعدة على المهدي من شدة البرد فقال له الملاح: هل لك أن ألقي عليك جبتي؟ فقال: نعم. فألقاها عليه. فما زال يتقرقف حتى نام، ثم أقبل الخدم والغلمان وألقوا عليه الخز والوشي، فلما انتبه أمر بدفع ذلك إلى الملاح وقال: يا أبا العتاهية ألا هجوتني! فقلت: يا أمير المؤمنين وكيف تطيب نفسي بهجائك؟ قال: فإني أسألك بالله، فقلت:
يا لابس الوشي على شيبه ما أقبح الأشيب في الداح
فنقر نقرة ثم قال: زدني، فقلت:
لو شئت أيضًا جُلت في خامةٍ وفي وشاحين وأوضاح
فقال: ويلك زدني، فقلت:
كم من عظيم الشأن في نفسه قد بات في جبة ملاح
قيل: وشرب يزيد بن معاوية ذات يوم وعنده الأخطل فلما ثمل قال: يا أخطل اهجني ولا تفحش، فأنشأ يقول:
ألا اسلم سلمت أبا خالدٍ وحياك ربك بالعنقز
وروّى عظامك بالخندري س قبل الممات ولم تعجز
أكلت الدجاج فأفنيتها فهل في الحنانيص من مغمز
ودينك حقًا كدين الحما ر بل أنت أكفر من هرمز
فرفع يده ولطمه وقال: يا ابن اللخناء ما بكل هذا أمرتك! قال: ودخل أبو دلامة على المنصور وعنده المهدي وعيسى بن موسى، فقال له المنصور: اهج بعض من في المجلس. فقال في نفسه: من أهجو، الخليفة أم ابن أخيه؟ ما أحد أحق بالهجاء مني، فقال:
ألا أبلغ لديك أبا دلامه فلست من الكرام ولا كرامه
جمعت دمامةً وجمعت لؤمًا غذاك اللؤم تتبعه الدمامه
إذا لبس العمامة قلت قردٌ وخنزيرٌ إذا وضع العمامه
فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
[ ١٢٤ ]
قيل: وأتى أعرابي عبد الله بن طاهر فقال: أيها الأمير اسمع مديحتي. فقال: لست أنحاش له. قال: فاسمع شعري في نفسي. قال: هات، فقال:
ليس من بخلك أني لم أجد عندك رزقا
ذا لجدّي ولشؤمي ولحرفي المُبَقّى
فجزاك الله خيرًا ثم بعدًا لي وسحقا
فضحك ثم قال: تلطفت في الطلب، وأمر له بألف دينار.