﵁
[ ٢٢ ]
قال: ولما فرغ أمير المؤمنين، ﵇، من قتال أهل الجمل دخل عليه عبد الله بن الكواء وقيس بن عبادة السكري فقالا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت يضرب الناس بعضهم رقاب بعض أرأيًا رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة، فإن كان رأيًا رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهدًا عهده إليك رسول الله، ﷺ، فأنت الموثوق به المأمون فيما حدثت عنه. فقال: والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه، أمّا أن يكون عندي عهد من رسول الله، ﷺ، فيه فلا والله لو كان عندي ما تركت أخا تيم وعدي على منبر رسول الله، ﷺ، ولكن نبينا، ﵇، لم يُقتل قتلًا ولم يمت فُجاءةً ولكنه مرض ليالي وأيامًا فأتاه بلال ليؤذنه بالصلاة فيقول: ائت أبا بكر وهو يرى مكاني، فلما قبض، ﷺ، نظرنا في الأمر فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله، ﷺ، لديننا فولّينا أمورنا أبا بكر فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة والدين جامع، أو قال: الأمر جامع لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد منا أحد على أحد بالشرك، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه بسيفي وسوطي على كراهة منه لها، وودّ أبو بكر لو أن واحدًا منا يكفيه، فلما حضرت أبا بكر، ﵀، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي من رسول الله، ﷺ، وسابقتي وفضلي، فظن أبو بكر أن عمر أقوى مني عليها، ولو كانت اثرةً لآثر بها ولده، فولّى عمر على كراهة كثير من أصحابه، فكنت فيمن رضي لا فيمن كره، فوالله ما خرج عمر، ﵀، من الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، فأقام عمر، ﵀، بين أظهرنا الكلمة واحدة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان، فكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه بسوطي وسيفي، أتّبع أثره اتّباع الفصيل أمه لا يعدل عن سبيل صاحبيه ولا يحيد عن سنتهما، فلما حضرت عمر، ﵁، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي وسابقتي وفضلي، فظن عمر أنه إن استخلف خليفة يعمل بخطيئة لحقته في قبره فأخرج منها ولده وأهل بيته وجعلها شورى في ستة رهط، منهم: عبد الرحمن بن عوف، فقال: هل لكم أن أدع لكم نصيبي على أن أختار لله ولرسوله؟ قلنا: نعم. فأخذ ميثاقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه، وأخذنا ميثاقه على من يختار لله ولرسوله، فوقع اختياره على عثمان، ﵁، فنظرت فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فاتّبعت عثمان وأدّيت إليه حقّه على أثرة منه وتقصير عن سنّة صاحبيه، فلما قتل عثمان، ﵁، نظرت فكنت أحق بها من جميع الناس. فقالا: صدقت وبررت، فأخبرنا عن طلحة والزبير بما استحللت قتالهما وقد شركاك في الهجرة مع رسول الله، ﷺ، وفي الشورى من عمر، ﵏. فقال: قد شركاني في الهجرة وفي الشورى ولكنهما بايعاني بالحجاز وخلعاني بالعراق ولو فعلا ذلك بأبي بكر وعمر لقاتلاهما. فقالا: صدقت وبررت وأنت أمير المؤمنين.
قال: ولما كان حرب صفين كتب أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، إلى معاوية بن أبي سفيان: ما لك يُقتل الناس بيننا؟ ابرز لي فإن قتلتني استرحت مني وإن قتلتك استرحت منك. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل فابرز إليه. قال: كلا يا عمرو، أردت أن أبرز له فيقتلني وتثب على الخلافة بعدي! قد علمت قريش أن ابن أبي طالب سيدها وأسدها. ثم أنشأ يقول:
يا عمرو قد أسررت تهمة غادرٍ برضاك لي تحت العَجاج بِرَازي
ما للملوك ولِلْبراز وإنها حتفُ المبارز خطفةً من بازي
إن التي منّتك نفسك خاليًا قتلي جزاك بما نويت الجازي
فلقد كشفت قناعها مذمومةً ولقد لبست لها ثياب الخازي
فأجابه عمرو بن العاص:
معاويَ إنني لم أجن ذنبًا وما أنا بالذي يُدعى بخازي
فما ذنبي بأن نادى عليٌ وكبش القوم يدعى للبِراز
فلو بارزته للقيت قِرنًا حديد الناب شهمًا ذا اعتزاز
أجبنًا في العشيرة يا ابن هندٍ وعند الباه كالتيس الحجازي
[ ٢٣ ]
ثم كتب معاوية إلى علي، ﵀: أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا ما نرُمّ به ما مضى ونصلح ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك علي وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس وإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا خاف من الفناء إلا ما أخاف، وقد والله رقّت الأجناد وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لأحد منا على أحد فضل نستذلّ به عبدًا أو نسترقّ به حرًا.
فأجابه علي: من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فقد جاءني كتابك وتذكر أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وأنا وإياك نلتمس غايةً لم نبلغها بعد، فأما طلبك الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك عنه أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلستَ بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن وليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المحق كالمبطل، في أيدينا فضل النبوة التي قبلنا بها العز ونفينا بها الخزي.
عن الشعبي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلًا استضحك فقال: يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك، ما كل ما أرى يوجب الضحك! فقال معاوية: خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك عليّ بن أبي طالب، ﵁، فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وأبديت عورتك كيف حضرك ذهنك في تلك الحال، أما والله لقد واقفته هاشميًّا منافيًّا ولو شاء أن يقتلك لقتلك! فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك، أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع قذالك وأيتم عيالك وأنهب مالك وعزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولّت عيناك وأزبد شدقاك وتنشّر منخراك وعرق جبينك وبدا من أسفلك ما أكره ذكره. فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا.
قال: وذكر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، قال: زعم ابن النابغة أني تلعابةٌ تمزاحةٌ ذو دعابة، أعافس وأمارس، لا رأي لي في الحروب، هيهات يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت والبعث، فمن كان له قلب ففي هذا عن هذا واعظ، أما وشر القول الكذب إنه ليحدّث فيكذب ويعِد فيخلف، فإذا كان البأس فأعظم مكيدته أن يمنح القوم استه.
قال: وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله يوم صفين: تبين لي هل ترى علي بن أبي طالب، ﵁؟ قال عبد الله: فنظرت فرأيته فقلت: يا أبت ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء. قال: فاسترجع، وقال: والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا يوم أجنادين، وددت أن بيني وبين موقفي بُعد المشرقين. فنزل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو قالا: والله لئن كان صوابًا إنه لعظيم مشكور، ولئن كان خطأً إنه لصغير مغفور. فقلت له: يا أبت فمن يمنعك من الذي فعلا؟ فوالله ما يحول بينك وبين ذلك أحد! فقال: إن يرجع الشيخ ولم يُعذّر إذ نزل القوم بضنك فانظر، ثم تأمل بعد هذا أو ذر.
وقال بعض الشعراء في معاوية ومحاربته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
قد سرت سير كليبٍ في عشيرته لو كان فيهم غلامٌ مثل جسّاس
الطاعن الطعنة النجلاء عاندها كطرّة البُرْدِ أعيا فتقها الآسي
عبد الله بن السائب قال: جمع زياد أهل الكوفة يحرضهم على البراءة من علي، كرم الله وجهه، فملأ منهم المسجد والرحبة، قال: فغفوت غفوة فإذا أنا بشيء له عنق مثل عنق البعير أهدل أهدب، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا النقّاد ذو الرقبة بُعثت إلى صاحب القصر. فانتبهت فزعًا، فما كان بأسرع إذ خرج علينا خارج من القصر فقال: انصرفوا فإن الأمير في شغل عنكم اليوم، فإذا هو قد فلج، فقال عبد الله في ذلك:
ما كان منتهيًا عما أراد بنا حتى تأتّى له النّقّادُ ذو الرقبه
فأسقط الشقَّ منه ضربةٌ ثبتت لمّا تناول ظلمًا صاحب الرّحبه
أراد أنه قتل في رحبة المسجد.
[ ٢٤ ]
الأصمعي قال: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من عليّ، ﵁، فقال: يا بني إياك وذكر عليّ، ﵁، فإن بني أمية تنقصته ستين عامًا فما زاده الله بذلك إلا رفعة.
قال: وقال عبد الملك بن مروان للحجاج بن يوسف: جنّبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين، ﵇، نزع الله ملكهم.