حدثني الأخ الصالح الفاضل أبو عبد الله محمد الصغير بن أبي عمرو المراكشي ﵀ ورحم سلفه قال: أخبرني الولي الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدلائي أن شيخ المشايخ سيدي أحمد بن يوسف الراشدي الملياني لم يكن في وقته يطعم في زاويته، فقالوا له في ذلك فقال: نحن أردنا انتفاع المسلمين، فإذا قمت أنا وبناتي وتعبنا واحترقنا في طعام المريد الزائر فأي نفع يحصل له؟ وفي المعنى أيضًا كلام يتشعب، ونحن نختصر منه قدرًا صالحًا إن شاء الله فنقول: إن الزاوية المشتهر اسمها اليوم عند أهل الطريق من إطعام الطعام للوافدين والمساكين والملازمين على الدوام حتى صارت عند العوام كأنها من الفروض أو الشروط لا يعلم لها من حيث خصوصها أصل، ولا يجري لها ذكر في الكتاب ولا السنّة، وإنما مرجعها إلى القرى وإكرام الضيف، ولا شك أنه مأمورٌ به، ففي الحديث: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ " ولكنه أمر مشترك بين جميع المؤمنين، لا يختص بالصوفي ولا القدوة، وإن كان هؤلاء أحق بمنازلة كل " خلق " محمود، وكان ﷺ يقري الضيف ويحض أصحابه على ذلك وربما ورد الضيوف فيذهب ببعضهم ويذهب أصحابه بالباقي ويقول: " مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ وَاحِدٌ فَلْيَذْهَبْ بِثَانٍ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبُ بِثَالِثٍ " وهكذا، وكان عنده أصحاب الصُّفة: نحو أربعين رجل، وهم أضياف الإسلام، وكان إذا أتته صدقة دفعها إليهم، وإذا أتته هدية أخذ منها معهم، وربما يدخل إلى داره حتى إذا لم يجد شيئًا دفع الضيف إلى غيره، ولا شك أن هذا كله يكون أصلًا للإطعام في الجملة من غير اختصاص بكيفية ولا بدوام ولا تعميم للناس مع أنه ﷺ اجتمعت له أحوال الظاهر والباطن والولاية والخلافة، فمن حاله " الشريف " يستمد الموفق من كل صنف، ثم كان الخلفاء بعده يطعمون على حسب سيرتهم المعلومة، ثم الملوك بعد ذلك.
لله الأمر من قبل ومن بعد