أنشد في النوادر لمحرز العكلي:
يظلّ فؤادي شاخصًا من مكانه لذكر الغواني مستهامًا متيّما
إذا قلت مات الشوق مني تنسمت به أرْيحيّاتُ الهوى فتنسما
وفي البيت فائدة، وهي أن لفظ الأريَحِيّة هو بسكون الراء وفتح الياء، ووقع في شعر المولدين أيضًا ما يوافق ذلك.
مما علق بحفظي من أشعار المعاني عند العرب قول الشاعر:
فجنبت الجيوش أبا زينب وجاد على مسارحك السحاب
يحتمل أن يكون دعاء له بالعافية والخصب، ويحتمل أن يكون دعاء عليه بالإفلاس حتى لا تقصده الجيوش، ثم بالخصب مع ذلك لأنه أوجع لقلبه، حيث يرى الرِّعيْ ولا راعية كما قال الراجز:
أمرعت الأرض لوَانَّ مالا
لو أن نوقًا لك أو جمالا
أو ثلة من غنم أمّا لا
أي إن كنت لا تجد غيرها، وقال الآخر:
ستبكي المخاض الجرب أن مات هيثم وكلّ البواكي غيرهنّ جمود
أي إنه كان يستحييها بخلًا، ولا ينحرها للضيفان، فهي تبكي عليه، ولا يبكي عليه أحد من الناس إذ لا خير فيه، وهذا هجو، وقد استعمل الجمود في مجرد عدم البكاء، وكأنه لاحظ فيه المبالغة، فإن الناس لعدم اكتراثهم بالهالك أصبحوا في حقه لا يتصور منهم البكاء ولا انحدار دمع كمثل الأحجار ونحوها، ويستعمل الجمود حيث يراد البكاء ولا تسمح العين بالدموع كقوله:
ألا إن عينًا لم تجد يوم واسط عليك بجاري دمعها لجمود
ولذا عيب قول القائل:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
ومتى اعتبرنا بالمعنى الأول فلا عيب، وقول الآخر هو توبة بن مضرس بن عبد الله التميمي يلقب الخنوت بوزن السنور:
قتيلان لا تبكي المخاض عليهما إذا شبعت من قرمل وأفان
وهذا مدح ضد الأول أي إنهما كانا يهلكانها بالنحر، فإذا ماتا استراحت وشبعت فلم تبك عليهما، والقرمل واحده قرملة، وهي شجرة ضعيفة تنفضح إذا وطئت، ومنه قولهم في المثل إذا التجأ الضعيف إلى مثله: ضعيف عاذ بقرملة، والأفاني واحده فانية، وهي شجرة أخرى، وقول الآخر، وهو حميد بن ثور:
ولقد نظرت إلى أغز مشهر بِكْرٍ توَسَّن بالخميلة عُونا
متسنم سنماتها مُتبَجّسٍ بالهدر يملأ أنفسًا وعيونا
لقح العجاف له لسابع سبعةٍ وشَرِبْنَ بعدَ تَحَلُّؤٍ فروينا
[ ٢٧ ]
يصف السحاب وفعله وانتفاع الأرض به على طريق التّمثيل، فقوله: أغر أي سحاب فيه برق " أو " أبيض، وقوله: بكر أي لم يمطر قبل ذلك، وقوله: توسن بالخميلة عونًا أي طرقها ليلًا وقت الوسن أي النعاس، والخميلة رملة لينة ذات شجر، والعون جمع عوان، وهي في النساء التي كان لها زوج، وهنا هي الأرض التي أصابها المطر قبل، على التشبيه، وقوله: متسنم سنماتها أي طالع على الأكام والتلال، وأصله في الجمل يتسنم الناقة أي يعلو عليها، وهي سَنمة أي عظيمة السنام، مرتفعته، قوله: متبجس أي متكبر، بالهدر أي رعده يملأ أنفسًا وعيونًا عجبًا به أو رعبًا منه، قوله: لقح العجاف أي الأرضون المجدبة حملت به الماء فأنبتت العشب، وذلك بعد تحلُّؤٍ أي امتناع من السقي لعدم المطر، فهذا كله تمثيل، وقول الآخر:
حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها والناس كلهم بكر إذا شبعوا
أراد بالناقة الحمراء الدهناء، وبالجمل الأصهب الصمان، كأنه يقول: ارتحلوا عن السهل وألجئوا إلى الجبال مخافة الغارات، والقائل كان أسيرًا فكتب إلى قومه ينذرهم، وكانت بكر لهم عدوًا فهو يقول: الناس كلهم إذا شبعوا أعداء لكم كبكر حذروهم، وهذا المعنى مذكور في قصة أخرى: يحكى أن رجلًا من بني العنبر كان أسيرًا في بكر بن وائل، فسألهم رسولًا إلى قومه فقالوا له: لا ترسل إلاّ بحضرتنا، وكانوا أزمعوا غزو قومه، فتخوفوا أن ينذرهم، وذلك هو ما أراد هو أيضًا، فأتوه بعبد أسود فقال له: أبلغ قومي التحية وقل لهم: ليكرموا فلان، يعني أسيرًا من بكر كان عندهم، فإن قومه لي مكرمون، وقل لهم إن العرفج قد أدبي، وقد شكت النساء. وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معهم حيسًا، واسألوا الحارث عن خبري، فلما أبلغهم العبد الرسالة قالوا: جُنّ الأعورُ، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملًا أصهب، ثم سرّحوا العبد ودعوا الحارث فحدثوه بالحديث فقال: قد أنذركم، أما قوله: العرفج قد أدبى فكناية عن الرجال وأنهم استلأموا أي لبسوا الدروع للغزو، وقوله: شكت النساء أي اتخذن الشكاء للسفر، وهي جمع شكوة، معروفة، والحيس أراد به الأخلاط من الناس المجتمعون للغزو، لأن الحَيْسَ يجمع الأقِطَ والسمن والتمر.
لله الأمر من قبل ومن بعد