واعلم أن الحكم حكمان حكم تكليفي وحكم تصريفي، وكلاهما يجب الإذعان له والتسليم.
أما التكليفي فهو الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة التي وردت بها الشريعة المطهرة.
وأما التصريفي فهو ما قدر على العبد من غير ذلك مما يرد عليه كالغنى والفقر والعز والذل والصحة والمرض والسرور والحزن وغير ذلك. ومورد الأول كلام الله تعالى أمرًا ونهيًا، ومورد الثاني قدرته تعالى إيجادًا وإعدامًا على وفق مشيئته وعلمه؛ وكما لا بد من قبول الأول وامتثاله فعلًا وتركًا وتلقيه بالصبر على ما فيه من المشقة على النفس، وقد تضمحل أيضًا دواعي النفس فيرتقي العبد إلى الرضى والاستلذاذ، كذلك لا بد في الثاني من تلقي محبوبه بالشكر ومكروهه بالصبر؛ وقد تضمحل أيضًا دواعي النفس فيرتقي العبد إلى الرضى.
ثم إن كل شيء قدر على العبد فلا محالة يقدر له وقت يقع فيه لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، فمتى حان وقت شيء فهو بارز لا محالة خيرًا كان أو شرًا لا يمكن أن لا يبرز ولا أن يبرز غيره في موضعه، فالبصير يستكن حتى ينقضي بانقضاء وقته فيجمع بين راحة قلبه والأدب مع ربه، والجاهل يقلق منه أو يروم ظهور غيره دونه فيصير أحمق الحمقاء، ولا يحصل إلا على الشقاء.
وقال صاحب " الحكم العطائية ": " ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله فيه " وقالوا: الوقت سيف، وأنشدوا:
وكالسيف إن لاينته لان مسه وحَدَّاه إن خاشنته خَشِنان
ولله الأمر من قبل وبعد