وإذ قد ألممنا بذكر الرياسة والشهرة وضديهما، وذلك مما يبتلى به العام والخاص مع إشكاله والتباسه إلاّ على البصير، فلنشر إلى شرح ذلك باختصار حتى يكون الإنسان منه على محجة واضحة في رشده وغيه، واستقامته وانحرافه في سعيه.
فاعلم أن في كل من الرياسة والشهرة وعدم ذلك شهوة للنفس ونفرة، ومصلحة في الدين والدنيا أو مفسدة، فمن أُلهِم المصلحة في الرياسة أو في الشهرة وسلم من المفسدة ومن الشهوة وأصاب الإمكان فقد حصل على الشرف في الدارين، وفي مثله يقال: المؤمنون أو المتقون بخير فكيف بإمامهم! وإن لم يتوفر له ذلك فإن أنفقت له المصلحة والإمكان أصبح كالسراج يضيء للناس وهو يحترق وفيه يقال: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وإن اتفقت له المفسدة والإمكان أصبح من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وفي أمره ورد: " أنَّ هَذَا الأمْرَ يَكُونُ نُبُوءَةً ثُمَّ خِلافَةً ثُمَّ مُلْكًا ثُمَّ عُتُوًّا وَفَسَادًا في الأرْضِ "، وهو الموجود اليوم، وكثير من الحمقى في زماننا يشتكون الجور ويطلبون العدل، ولم يدروا أن الجور قد مضى مع الملوك بعدما مضى العدل مع الخلفاء، ولم يبق إلاّ الفساد، فيا ليت الناس وقف لهم الأمر في الجور فيعيشوا، وإن لم ينفق له الإمكان فهو الفضيحة إن أبدى صفحة عنقه، والغم والوسواس إن شرق بريقه.
أما إن لم يلهم المصلحة وإنما جمحت به الشهوة أو قصد المفسدة فلا سؤال عليه.
[ ٥٧ ]
أما شهوة الناس في الرياسة مثلًا فواضحة لما مر غير مرة من تعشقها لصفات الألوهية، ولذا يقال: دعوى فرعون الألوهية في ضمير كل أحد مع تعشق ما يتوهم من ثمرات ذلك من التنعم والترفه والاحتواء على الدنيا وأهلها، ونفرتها عن ذلك بتوقع ما فيه عادة من المتاعب والمعاطب وإيثار راحة القلب والبدن، وتشتعل الشهوة وتتقوى بعلو الهمة في الدنيا وقوة الحرص وشهامة النفس وتضعف بضعف ذلك، ومصلحة ذلك في الدنيا إطفاء الفتن، وإخماد الإحن، وقمع البغاة، وإغاثة ملهوف، وإنصاف مظلوم، وتهدين السبل، كما قال عبد الله بن مبارك ﵁:
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفُنا نَهْبًا لأقوانا
وجباية الأموال وتحصينًا وقسم الأرزاق على أهلها إلى غير ذلك، وفي الدين إقامة الصلاة والزكاة والجهاد ونشر العلم وكفاية أهله ونحو ذلك. وفي مطلق الشهرة في الدنيا السعي في مصالح الناس والمسادة بينهم وغير ذلك، وفي الدين نصح المستنصحين، وتعليم المتعلمين، وهداية الضالين، وتربية المريدين، وغير ذلك، وفي حديث الهداية يقول ﷺ لعلي - كرم الله وجهه -: " لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ". والمفسدة في ذلك في الجملة ظلم العباد، والسعي في الأرض بالفساد، وتضييع الحقوق، وإظهار العقوق، وإضلال الناس، والتحريف والإلباس، وشهوة النفس في الخمول والضعة إيثار الراحة والسلامة كما مر في مقابله:
وقائلة ما لي أراك مجانبًا أمورًا وفيها للتجارة مربح؟
فقلت لها: ما لي بربحك حاجة فنحن أناس بالسلامة نفرح
ونفرتها عنها لعدم الحظ السابق، والمصلحة في ذلك بانتفاء المفسدة التي في المقابل، وذلك كله واضح، فقد تبين ما هو حظ النفس فس البابين، فقد تدعو إلى جانبٍ موهِمةً أنها تريد استحصال مصلحته والتخلص من المفسدة في مقابله، وهي إنما تريد حظها الطبيعي منه، والشيطان يحثها إلى ذلك طلبًا لحصول المفسدة التي فيه وفوات المصلحة التي في المقابل، وعلى البصير الحازم أن يزُمَّ نفسه بزمام التقوى، ويزينها بميزان العدل، وينتقدها بسراج الهدى، ويصفيها من بهرج الهوى.
فإذا دعته مثلًا إلى طلب الرياسة والقيام بالأمر موهمة أنها تريد جمع الكلمة ولإقامة الشريعة وبسط العدل وكف الظلم ونحو ذلك فلا ثق بها في هذه الدعوى حتى يمتحنها فإنها تدعي أنها لم ترد متعة الدنيا وإنما طلبت استحصال الأجر والدرجة عند الله تعالى فيكفيك في امتحانها شيئان: أحدهما أن تعاقدها فيما تدعو إليه بأن تقوم فيه أشعث أغبر لا تنال مما يناله من دخل ذلك من أهل الدنيا عادة من مطعوم ولا ملبوس ولا مركوب ولا منكوح ولا مسكون ولا عظمة، وأنك تكون كواحد من الناس لا تتميز عنهم إلاّ بما تحملت من المشاق والمتاعب والهموم في مصالحهم كما كان حال الخلفاء - ﵃ - حتى إنك لو كنت في رفاهية قبل ذلك تركتها شغلًا عنها كما كان فعل عمر بن عبد العزيز - ﵁ - فقد حكي أنه قبل الخلافة اشتريت له حلة بنحو أربعين أو سبعين ألفًا فجسَّها فقال: ما أحسنها لولا خشونة فيها! ولما ولي الأمر اشتريت له حلة بنحو أربعة دوانق فجسها فقال: ما أحسنها لولا لينها! فقيل له ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن نفسي ذوّاقة تواقة كلما ذاقت مكانة تشوقت إلى غيرها، فلما حصلت الخلافة تاقت إلى ما عند الله تعالى، وسمع البكاء يداره حين ولي، فدخل مسلمة بن عبد الملك إلى أخته فاطمة زوجة أمير المؤمنين فسألها عن ذلك فأخبرته أن أمير المؤمنين دخل عليهن فقال: إني قد شغلني عنكن ما نزل بي، يعني من الخلافة، فمن أحبت منكن أن تصبر على ذلك فلتصبر - ﵁ -، وجعلنا في حماه.
[ ٥٨ ]
ولما انعقد له الأمر وكان قد تعب فيه هم بأن يَقِيلَ فذهب ليدخل الدار، فقال له ابنه عبد الملك بن عمر - ﵄ -: ما تريد أن تفعل يا أبت؟ فقال له: يا بني إني قد سهرت من هذا الهم، فأردت أن أصيب راحة، فقال له: وأين حقوق الناس؟ فقال: يا بني إلى الظهر، فقال: يا أبت ومن لك بأن تعيش إلى الظهر؟ فأخذه وقبل ما بين عينيه وقال: الحمد لله الذي خلق مني من يعينني على ديني، فترك القيلولة، وخرج إلى الناس وقال: من كانت له مظلمة فليأتنا، وجعل يرد على الناس ضياعهم وأموالهم وينصفهم مما وقع عليهم من الظلم قبله.
هكذا هكذا وإلاّ فلا لا طرق الجد غير طرق المزاح
ومن هذا سئل إمامنا مالك - ﵁ - من يقاتل عن الإمام؟ قال: إن كان كعمر بن عبد العزيز فنعم، وإلاّ فدعه ينتقم الله من الظالم بالظالم حتى ينتقم من الجميع.
فإذا عرضت على نفسك هذا الشرط فتنبه إليها، فإن انشرحت له بأول عارض فعسى أن تصدق، وإن رأيت في أديمها انكماشًا ما فهي كذابة تريد أن تتذرع بتسويلتها الباطلة إلى اقتناص اللذات، والانهماك في الشهوات، ولا تغتر بانشراح يظهر منها ثانيَ حالٍ لأنه يكون متكلفًا احتيالًا.
الثاني أن تقدر أن لو ظهر غيرك في الوجود ممن يقوم بهذا الأمر مثل ما ترجو أو أفضل هب تكتفي بذلك وتحمد الله تعالى على ما كفاك مئونة ما تريد أم لا. فإن اكتفيت بذلك وعلمت أن المراد انتفاع المسلمين وصلاحهم، وقد حصل بلا شك منك فقد تصدق، وإن وجدت نفسك مع ذلك مضرة على طلب ذلك متنكدة من فواته فاعلم أنها كاذبة إنما تطلب حقها، فإن زعمت أنها إنما طلبت الفوز بدرجة ذلك عند الله تعالى وإنما تنكدت من فواتها فاعرض عليها أنه لو حصل ذلك أو أرفع منه وهي بين يدي الله تعالى في خلوتها مراقبة له لهجة بذكره سارحة في رياض المعارف ليلًا ونهارًا هل تطلب هذه الخطة؟ فإن قالت إذن لا حاجة لي بها إذ أصبت الغنيمة الباردة ووقعت على الدر النفيس فعسى أن تكون صادقة، وإن أصرت على الطلب فهي كاذبة، هذا على أن دسائس النفس أدق شيء وأعمصه فقد تسخو بالحظوظ الحسية كلها حتى تتوهم أنها صادقة وإنما تريد حظوظًا معنوية مثل الصيت والذكر في الدنيا على ما وقع للرهبان، نسأل الله السلامة من شرها.
ثم إن ألفيتها صادقة مع الامتحانات، وما أغرب وجود ذلك!، فانظر حينئذ في الإمكان، فإن القيام بذلك متوقف عادة على أمور كالعقل والقوة والعدد والعدة والمال والإخوان والأعوان، فإن تيسر ذلك فمن علامة الإذن التيسير، ولا يكاد يتفق ذلك، ولا سيما فيما نحن فيه من آخر الزمان الذي قل خيره وكثر شره، وإن اتفق فلا يكاد يتفق إلاّ بعد فتن ومفاسد لا يقوم بها ما يرجى من مصلحة، فلا يصل إلى الطاعة على زعمه إلاّ بعد اقتحام معاص عظام، وما أشبهه حينئذ بما شاع في ألسنة المتطببين من أنه لا يكون الرجل طبيبًا حتى يعمل مقبرة، ولكن الناس مبتلون مقودون بسلاسل القدر، لينتظم أمر الدنيا على حسب ما شاء الحكيم العليم، نسأله سبحانه أن يصرفنا فيما فيه رضاه، وكذا ما نحن فيه، وإن لم تر إمكانًا أصلًا أو لم تره على مقتضى المصلحة الشرعية فخل عنها، واعلم أنك لست من أهلها.
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ودع عمار العلى للمقدمين على ركوبها واقتنع منهن بالبلل
ولا تغتر بصلاح نيتك وتمنيك الخير وتظن أنك تعطى لا محالة ما تتمنى فهيهات!
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
واعلم أنك متى رمت النهوض إلى هذا الأمر بلا عُدّته تكون كالمجبوب يروم أن يتزوج ليولد له ولد صالح يدعو له أو ليكثر الأمة المحمدية بنسله، فهذا أحمق مبين، وحسبه أن يحتسب على الله تعالى نيته الصالحة فعسى أن يعطى بها خيرًا، وفي الحديث: " نِيَّةُ المُؤْمِنِ أبْلَغُ منْ عَمَلِهِ " وفي الحديث: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة " وكذا أنت في هذا كله.
[ ٥٩ ]
وانظر إلى الملك الذي أشرف على تَلٍّ ونظر إلى جنوده تحته فأعجبوه، فتمنى أن لو كان حاضرًا مع النبي ﷺ لينصره، فرحمه الله تعالى بفضله على هذه النية، فَانْوِ أنت أيضًا أن لو كانت لك قوة على إظهار الشريعة وإحياء السنة وإخماد البدعة وحسم الباطل وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وإقامة ميزان العدل وإصلاح العباد والبلاد، فعسى أن تنال بهذه النية خيرًا، وقف هاهنا وطب نفسًا عما وراءه، فلا تلج تلك المضايق ولا تتبع تلك الطرائق، وإذا فهمت الدسيسة في هذا القسم فافهمها في غيره والله الموفق.
لله الأمر من قبل ومن بعد