[ ٧٠ ]
ولما ظهرت الصوفية لم يعرف من حالهم وجود هذه الزاوية والقيام بكل وارد من الجنس وغير الجنس كما هو اليوم، بل كانوا - ﵃ - مَعنيّين بما يعنيهم، فمنهم المنقبض عن الناس شغلًا بحاله، ومنهم المخالط ينتفع الناس منه بعلومه ومعارفه وآدابه، وقد يكون منهم من يستقر بين أظهر الناس، ومنهم من يكون سائحًا إنما يلقى في الخلوات والفلوات، وقد يكون منهم من يكون أصحابه هم الذين يقومون بمثونته، أو يسأل قدر قوته، فكان أبو جعفر الحداد، وهو من أكابر المشايخ يخرج بين العشائين فيسأل من الديار حتى يحصل عل القدر المحتاج في ليلته، فيرجع، قالوا: وكان له قدم في التوكل معروف، ولم يُزْرِ به ذلك عند أحد، نعم تكون لهم رباطات فيكون فيها المتجردون من أصحابهم للعبادة كشبه حال أهل الصُّفة وذكر اليافعي ﵀ في ذلك حكاية عن الإمام " أبي بكر " الشبلي - ﵁ - قال: كان عنده في رباطه نحو أربعين مريدًا يعبدون ويعيشون بالفتوح، وأنه اتفق له ذات مرة أن يفتح عليهم بشيء، حتى ضاقوا، فخرج الشيخ إليهم فحدثهم في مقام التوكل، وحضهم على الصبر، ثم ذهب عنهم، فبقوا بعده أيامًا أُخر لم يأتهم شيء، فلحقتهم الضرورة، فلما كان ذلك خرج إليهم فقال لهم: إن الله تعالى أمرنا بالتوكل ورخص لنا الأسباب، فتسببوا، ففعلوا ذلك، وخرج الواحد منهم، البلد وجعل يجول في الأسواق والمجامع من غير أن يسأل أحدًا وإنما يعرض نفسه لما يفتح الله تعالى من رزق، فلم يفتح عليه بشيء حتى انتهى إلى طبيب نصراني قد حلق الناس عليه، وهو يصف لهم الأدوية، فجلس بين يديه، ومد إليه يده ليجس نبضه بلا كلام، فجس الطبيب يده فقال له: أنا أعرف مرضك وأعرف دواءه، ثم قال لغلام له: عليَّ برطل من الشواء، مع خبز وحلواء، فأحضر الغلام ذلك، فقال الطبيب للفقير: أنت جائع، وهذا دواؤك، فقال الفقير: إن كنت صادقًا فمن ورائي أربعون كلهم بهذا المرض، فقال الطبيب لأصحابه: أحضروا من هذا الطعام ما يكفي أربعين، فأحضروا ذلك، فأمر الطبيب من يحمله، وأمر الفقير أن يمشي معهم إلى أصحابه، فلما خرجوا تبعهم الطبيب مستخفيًا ليعلم أصدق الفقير أم لا؟ فأدخلوا ذلك إلى الرباط واستدعوا الشيخ فخرج اليهم، فوضعوا الطعام بين يديه فقال: ما هذا؟ فقص عليه الفقير القصة على وجهها فقال لهم: أفترضون أن تأكلوا طعام رجل من غير أن تكافئوه؟ فقالوا: فكيف نكافئه يا أستاذ؟ فقال: تدعون له، فأخذوا في الدعاء له، والطبيب في كل ذلك ينظر إليهم من طاق، فلما رأى صدق القول، ورأى حالهم من المحافظة على الحقوق، وارتفاع هممهم مع غاية الحاجة من غير أن يتناولوا الطعام قبل المكافأة ألقى الله تعالى الأيمان في قلبه، فدخل عليهم وقال للشيخ: مدَّ يدك، وتشهد شهادة الحق ودخل في صحبتهم فصار من الصوفية، ولله الحمد، فأنظر أيها الناظر في حكمة المولى المتفضل كيف أمسك عن أوليائه الرزق ليخرجوا إلى الخلق فيصطادوا هذا الولي الروميّ حين حان أوان الوصال والخروج من سجن القطيعة إلى حضرة مولاه، فسبحان من يقرب من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم، وإنما هي السابقة " وكلّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه " فكم من ولي لله تعالى في وسطه زنّار، وكم من كافر يؤذن فوق المنار، نسأل الله تعالى السلامة والعافية، ويظهر من القصة أن هؤلاء الفقراء يأتيهم الفتوح لرباطهم، لا أن " الطعام " يخرج لهم من دار الشيخ كما جرى في عرف اليوم، بل قد أشركوا الشيخ في طعامهم في هذه القصة.
[ ٧١ ]
وكان بعد ذلك الشيخ يوسف العجمي فيما حكى من سيرته يخرج الواحد من أصحابه ويذهب بدابة معه فيسأل النهار كله إلى الليل وما أجتمع يأتي به إلى الفقراء، وبذلك يعيشون، وصورة السؤال أن يقف بباب الدار والحانوت فيقول: الله، ويمد بها صوته حتى يكاد يغشى عليه ويسقط، قالوا: وكانوا يتناوبون في الخروج بينهم وبين الشيخ، يخرج الخارج يومًا لأنفسهم ويومًا للشيخ، فكان الخارج لهم يأتي بالدابة مُوقرة لحمًا وخبزًا وجبنًا وبصلًا وغير ذلك، وفي يوم الشيخ إنما يأتي بكسيرات يأكلها فقير واحد فقالوا له في ذلك فقال: أنّتم بشريتكم باقية، فبينكم وبين الخلق ارتباط، فيعطونكم، وأنا بشريتي قد فنيت حتى لا تكاد " ترى " فليس بيني وبين التجار والسوقة وأبناء الدنيا كبير مجانسة " قالوا ": وكان يأمر بإغلاق باب الزاوية " طول النهار " لا يفتح لأحد إلاّ للصلاة وإذا دق أحد يقول للنقيب: اذهب وانظر من شق الباب فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له، وإلا فهي زيارات فشارات فقال بعض الناس في ذلك، فقال الشيخ: أعز ما عند الفقير وقته، وأعز ما عند أبناء الدنيا مالهم، إن بذلوه لنا بذلنا لهم وقتنا.
وقد شاع اليوم إقامة الصوفية الزوايا بإطعام الطعام، ولا سيما في بلادنا المغربية، وخصوصًا في البوادي، وما يكون من فتوح يأتي إلى يد الشيخ، وهو ينفق فيه على المجاورين والواردين، وهذا قد كان فيهم من قديم، ففي ترجمة الشيخ أبي يعزى أن الناس " كانوا " يأتون إليه من كل بلد، فيطعمهم من عنده، ويعلف دوابهم، وأن الفتوح كانت تأتيه من إخوانه في الله تعالى فينفقها على زائريه وأن أهل القرى القريبة منه كانوا يضيفون الواصلين لزيارة أبي يعزى ويتبركون بهم، فلما مات أبو يعزى رِيءَ في النوم وهو يطير في الهواء فقيل له: بم نلت ما نلت؟ فقال: بإطعام الطعام.
ويحكى عن الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن ياسين الدغوغي أنه كان يقول: طلبنا التوفيق زمانًا فأخطأناه، فإذا هو في إطعام الطعام وقد اشتهر ذلك اليوم حتى إن عوام البادية يرون ذلك كأنه شرط انتصب للزيارة أو تصدّى للمشيخة، ويعدون قوة ذلك وتيسره من كراماته، ولا يبالون بمن لم يروا ذلك على يده، فوقع في ذلك منافع عظام وآفات جسام.
وأهل الزوايا مختلفون، منهم من يطعم الناس من مال أبيه أو من كد يمينه من غير أن يدخل عليه فتوح أصلًا، فهذا أقرب الناس إلى السلامة وأبعد عن الشبهة، وهو منتفع بحصول الأجر فيما أنفق، وفي سد خلة المحتاج، وفي ترغيب الناس في الخير بما يحصل لهم من الميل الطبيعي، وفي اجتماع أهل الخير عنده، وفي تعاونهم على البر، وتعلم العلم والأدب والمعرفة وتربية الخير، وإحياء مراسم الطريق، وتكثير سواد أهله، وغير ذلك من الوجوه المستحسنة، والمصالح المتبينة، وينتفع الناس معه بما ذكر وبحسن الظن به وبالطريق وبأهلها وبسلامتهم من كل ما يقابل ذلك من الآفات، إن كانت " لا " تأتيه الفتوح فذاك، وإن كانت تأتيه ويردها فلا شك أنها حالة رفيعة، ولكن لا بد أن يحذر آفة الرد كما يحذر آفة الأخذ، ولا سيما في الرد على إخوانه وأتباعه.
ومن الآفات المشاهدة اليوم في ذلك أن الشح عياذًا بالله قد غلب على الناس ولا سيما فيما هو لله خالصًا، إذ لا باعث عليه من النفس، فتجد الفقير يثقل عليه أن يتصدق بدرهم لمسكين محتاج ويتيم وأرملة، ويخف عليه أن يحمل الدينار والدينارين إلى دار شيخه، وذلك إما لبواعث شهوانية كطلب الأعواض العاجلة أو مساعفة الغير أو المراياة أو نحو ذلك، وإما تصريف من الله تعالى وتسخير في هذا الوجه، ثم إن رد عليه شيخه ذلك وأغلق عليه بابه انغلقت عليه أبواب الخير والنفقة، فبأي وجه يرتاض في صفة البخل حتى يتخلى منها؟ " أو " بمجرد الموعظة والتذكير من شيخه من غير أن ينازلها بالفعل؟ وهيهات منه ذلك! وإذا كان كذلك كان شيخه قد غشه في تربيته له ولو أنه قبض منه ذلك وأنفقه له في وجوه الخير كان أعود عليه وأرجى لاعتياده ذلك في جهات أخرى، ولحصول نور ينتفع به، نَعَمِ الأمْرُ مُخْطِر، والناس فيه ثلاثة: رجل طالب دنيا آكلٌ بدينه، يقبض لنفسه شهوة، فهذا فاسد مفسد، وربا أنتفع معه من أنفق لله تعالى " إنَّ اللهَ يُؤَيّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفّاجِرِ ".
[ ٧٢ ]
ورجل صادق في حاله، غير كامل في تصرفه، يخشى العطب في الأخذ، ويؤثر جانب السلامة، فهذا سالم في نفسه، ولا ربح معه للناس من هذا الوجه.
ورجل كامل قد تضلع من العلم والحال، فهذا حقه الأخذ لحق الغير نصحًا له وإعانة له على الخير، اللهم إلاّ أن يعرض ما يمنع كاطلاعه على اختلاف قصد المتصدق أو فساد في المال أو نحو ذلك.
وكان ﷺ يقبل من أصحابه ما يأتون به من النفقة إعانة لهم على الخير، وتزكية لهم عن الأخلاق المذمومة، ونفعًا للمسلمين بما أنفقوا وإلا فهو ﷺ أغنى الخلق ظاهرًا وباطنًا، وقد عرض عليه أن تجعل له الجبال ذهبًا يتفق منها فلم يرض، وقد لا يقبل لعوارض، وقد قال ﷺ في آخر الأمر: " هَمَمْتُ ألاَّ أقْبَلَ إلاّ مِنْ قُرَشيّ أو ثَقَفيّ أوْ دَوْسيٍّ " والكامل من المشايخ له مدخل في ذلك.
ومنهم من يطعم من الفتوح أو من الأمرين، فإن استقام أخذه وتصرفه فهو ينتفع بما مر في الأول، وإن كان لا يبلغ في أجر النفقة مبلغ من أنفق في كد يمينه، وعرق جبينه، وبمعاونة الناس على الخير، وإدخال السرور عليهم في الأخذ، وتربية أحوالهم المحمودة، وتزكيتهم من المذمومة، وبالسلامة من الأنفة والاشتهار بالنزاهة المتوقع في الأول، وبتيسر رزقه في خلال ذلك ليتفرغ للعباده، إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية، وينتفع الناس معه بما مر، والمنفقون بذلك مع حصول أجر ما أنفقوا، والتخلي والتحلي كما مرّ، وغير ذلك، ومن سوى هذين الشخصين من كل من يستظهر بالخرقة ويتجر باللقمة فلا عبرة له، وقد ينتقع المنفق كما مر إن سلم من أتباعه على زيغه والسقوط في مهاوي بدعته، وهذا كله في الإطعام والإنفاق جملة.
وأما أكل المريد لطعام شيخه والنزول في مثواه وافتراش فراشه وغير ذلك من الانتفاعات فقد يسلم في ذلك وقد يحصل له انتفاع زيادة على السلامة كحصول بركة ونور في قلبه أو رحمة من الله تعالى بذلك، وقد جاءت امرأة من لكتاوة إلى دار أشياخنا، وأظنه في حياة سيدي أحمد بن إبراهيم بقصد الزيارة فأكلت من طعام الزاوية ثم رجعت إلى بلدها وبقيت أيامًا فماتت فريئت بعد موتها فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقالت: رحمني بالطعام الذي أكلت من الزاوية.
وقد يتضرر المريد بذلك من جهات منها أن يتشوف إلى ذلك أو إلى المَزية فيه فيفسد قصده، ويختل حاله، ومنها أن يستشعر شيخه منه أحيانًا ثقلًا في ذلك لما يقتضيه الطبع البشري، فينفر منه، وفي ذلك ضرره، وقد تذهب زيارته وخدمته في بطنه، وذلك هو الخسران المبين، ومن ذلك وقع ما ذكر في صدر هذه الترجمة للشيخ أحمد بن يوسف من ترك الإطعام كما قال، وقد يدخل عليه في ذلك من مزاحمة الإخوان والواردين الشغل والفتنة والشحناء والتدابر والتقاطع وغير ذلك.
وقد حدثونا عن شيخ شيوخنا سيدي عبد الله بن حسين الرقي - ﵁ - أنه " كان " إذا ذهب مع الفقراء لزيارة شيخهم سيدي أحمد بن علي يأخذ معه زادًا تحت إبطه فإذا وصلوا إلى زاوية الشيخ انفرد عنهم ودخل المسجد واشتغل بحاله واقتات من زاده فلا جَرَمَ " أن " كان هو الذي أنجح وأفلح.
هذا ولا يخلو شيء من مصالح وآفات، والمعصوم من عصمة الله، والموفق من وفقه الله، والورع من ورعه الله، فلا يمكن الاعتراض على من أكل، ولا من ترك، ولا من أطعم، ولا من ترك، ولا من اشتهر، ولا من اختفى، اللهم إلاّ " على " من كان في تربيته على يده بوجهه، فمن عرف فليتبع، ومن جهل فليسلم، والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باقية في محلها بشرطها.
وبلغني أن الفقيه الصالح سيدي الصغير ابن المنيار مر ذات مرة بسيدي محمد بن أبي بكر الدلائي فأخرج إليه الطعام من الزاوية فلم يأكله فبلغ ذلك ابن أبي بكر فذكر ذلك وكأنه اعتل بما يقع من خدمة الناس في الحصاد والدرس، فقال له ابن أبي بكر: أيما أفضل أنت أم جدك؟ يعني سيدي علي بن إبراهيم، وقد جاءه بنو موسى بسبعمائة منجل ليحصدوا، فلما رأى عددهم قال لهم: بخلتمونا يا بني موسى، فقال له سيدي الصغير: جدي أعرف بحاله وأقدر على ما يفعل، وأنا أتصرف بمقتضى حالي أو نحو هذا " من " الكلام.
وقد يكون للولي حال مع الله تعالى فيسأل الناس ويأخذ من الله تعالى لا من الناس، ويتصرف بالله وفي الله، ولا يصح الاعتراض عليه لاستقامته.
[ ٧٣ ]
وقد قيل للإمام الجنيد: إن النوري يسأل الناس فقال: دعوه في حاله، ولكن هاتوا الميزان فوزن قدرًا من الدراهم، ثم أخذ قبضة من الدراهم بغير وزن فقذفها على الموزون وقال لصاحبه: اذهب بتلك المجموع " إليه " فلما باغ النوري قال: " النوري ": " هات " الميزان، فوزن القدر الموزون ورده وأخذ الباقي، فقال له الحامل: كنت عجبت من فعل الجنيد وأنه كيف خلط الموزون، فأي فائدة للوزن؟ وفعلك هذا أعجب، فما هذا؟ فقال له النوري: إن الجنيد رجل حكيم، وإنه أحب أن يأخذ الحبل بطرفيه، فوزن قدرًا لنفسه وجعل الآخر لله تعالى، ونحن قد أخذنا ما لله تعالى، فلما رجع الرسول إلى الجنيد بكى وقال: أخذ ماله ورد علينا مالنا، فتبين بذلك أنه يأخذ ما لله من الله عن بصيره صادقة فلا بأس " عليه " " بذلك " والله الموفق " و" المعين.
لله الأمر من قبل ومن بعد