كنت ذات مرة اشتريت رمكة من رجل صحراوي أسود شديد السواد، فظهر فيها عيب وتعذر إثبات قدمه لترد، فأدى الأمر إلى موتها منه وتلف الثمن، فأقبل رجل من قومي والمشترى منه عندي ونحن نتكلم في المسألة، فلما بصر بالمشترى منه قال: سبحان الله؟ كنت أعجب من أين جاء هذا الخسران؟ فإذا أنت تعامل الغِرْبان، ألم تعلم أنا لا نعامل مثل هذا حتى إنا لا نزجر الكلب الأسود عنا إذا مرّ بنا لئلا يقع خطاب منا أليه فكيف بغيره؟ وجعل يتأسف من خسران الثمن ومن معاملة ذلك الشخص، وجعلت أنا أضحك من عظمة الدنيا في عينيه ومن تحكيمه الأمور العادية، وكان قومنا - كما قال - يفرون من السواد فلا يلبسون ثوبًا أسود ولا يركبون فرسًا أدهم وهكذا.
[ ٤٨ ]
واعلم أن هذه الأمور العادية يضل فيها العامة والقاصرون من الخاصة، أما العامة فإنهم إذا رأوا شيئًا عند شيء نسبوه إلى ذلك الشيء وغفلوا عن الله تعالى ولم يعلموا أن الله تعالى هو الفاعل وحده ولا تأثير لشيء من الكائنات بحال، فوقعوا في الشرك وفاتهم التوحيد، وأما القاصرون من الخاصة المعتقدين لانفراد المولى تعالى بالفعل وأن لا شريك له فإنهم يجرون على هذا المعنى وينكرون حكمة الله تعالى في أرضه وسمائه، فإذا قيل لهم: إن هذا الشيء يكون عند وجود هذا السبب قالوا: هذا لا معوَّل عليه، فإن السبب لا تأثير له، ووجوده وعدمه سواء. وهذا أيضًا جهل عظيم، فإن الله تعالى كما أنه قادر مريد لا شريك له كذلك هو حكيم يفعل أشياء عند أشياء ويرتب أسبابًا ومسببات حكمةً منه تعالى ورفقًا بعباده في تأنيس نفوسهم بالأسباب المشهودة، فإن افيمان بالغيب وانتظاره عسير عليها وابتلاء لهم ليتيميز من انخرقت له الحجب فأبصر الحق، ومن حجب بها فتاه في أودية الضلال. نسأل الله تعالى العافية. ألا ترى إلى ما جعل تعالى لعامة الخلق من الشبع عند الأكل والري عند الشرب، والتدفي عند اللبس، والراحة عند الركوب، واللذة المخصوصة عند الوقاع، وهكذا مما لا يحصى، وكل ذلك يجوز من الله تعالى أن يخلقه بلا شيء. فهل ينكر أحد من العقلاء هذه الحكمة فيقول مثلًا: إن الطعام لكونه لا تأثير له وجوده وعدمه سواء، ويستجهل من يأكل ليشبع، وكذا ما جعله الله تعالى من المنفعة في الأدوية والعقاقير وما لها من الخواص، وألهم ذلك الأطباء وأهل التجاريب، فهل ينكر أحد ذلك؟ وكذا ما نحن فيه من كل أمر جرت العادة بوجود شيء عنده فلا ينكر بل يعتقد حكمة من الله تعالى مع صحة التوحيد، وهو أن لا ينسب إليه أثرًا أكثر من أن وجوده سبب لبروز القضاء الأزلي عنده لا به، فمن نسب إلى شيء دون الله تعالى تأثيرًا في وجود شيء أو عدمه فهو مشرك، ومن أنكر الحكمة المودعة في قوالب الكائنات فهو جاهل أعمى البصيرة، ولو لم يكن إلاّ جموده عن إدراك ما جرت به العادات وأفضحت به التجريبات لكان أمرًا سهلًا، ولكنه إنكار لحكمة المولى سبحانه وبديع تصرفه في الكائنات الدال على إحاطة العلم والمشيئة بالمصالح والمنافع والمضار وعظمة الملك، فهو ينظر بإحدى العينين دون الأخرى، فمتى حكم التجريب مثلًا بأن يومًا من الأيام لا يسعد بحاجة من سافر فيه أو تزوج أو أخذ في سبب من الأسباب أو أنه يسعد فلا نبادر إذا سمعنا ذلك بإنكاره، ونقول قد أشرك مع الله تعالى، بل لا بأس بالاعتراف بذلك واعتباره عادة مع سلامة العقيدة من نسبة التأثير لليوم أو غيره من سائر الكائنات، والناس في نحو هذا ثلاثة: شخص يعتبره أخذًا وتركًا مع الغفلة عن الله تعالى، إما مع نسبة التأثير إلى السبب وهم المشركون، وإما بلا نسبة ولكن استغراقًا في الركوب إلى الأسباب والالتفات إلى الأغيار، وهو من الغافلين، وشخص لا يعتبره أصلًا استغراقًا في التوحيد والتوكل على الله تعالى والفناء عن الأسباب لا إنكارًا للحكمة، وهذا لا بأس به، وإذا صح توكله وتجرده عن الأسباب فذلك سبب لنجاته بفضل الله تعالى من مقتضيات العادة حتى إنه لو ألقم الحية رجله لم تضره، فإنه لما خرق العادة على نفسه بحسمها عن المألوفات وتجريدها عن الرعونات خرق الله تعالى له العادة بإعفائه عن جري العادات وما تقتضيه بإذن الله الأسباب الحادثات، وشخص يعتبر ذلك تأدبًا مع الله تعالى في مراعاة الحكمة الجارية مع صحة العقيدة وصحة التوكل على الله تعالى عند الأسباب لا على الأسباب وهذا هو الكامل.
وكان ﷺ يعالج ويستعمل الرُّقي وقد يكون من ذلك ما هو خفي يكون اعتباره تعمقًا في الأسباب فيترك، وجعل بعض الأئمة من هذا نهيه ﷺ الأمة عن الكي مع الاعتراف له بأنه سبب من الأسباب.
إذا علم هذا كله فكل ما ورد من نصوص الشريعة وأقوال أهل الدين وفعلهم يتنزل على هذا، وبما قررنا يعرف عذر من اعتبر شيئًا من ذلك وعذر من لم يعتبر.
[ ٤٩ ]
وفي الحديث: " لا عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ " فالحق عندنا في تأويله " أنه " إثبات لانفراد المولى جل وعز بكل التأثير، وأن لا تأثير لشيء مما يتوهم العرب أنه مؤثر، لا في باب العَدْوى ولا في باب الطِّيَرَة. لا انه نفي لما جرت العادة بوجوده عند ذلك بإذن الله تعالى، وهذا هو الجمع بين التوحيد والحكمة، وهو جمع بين الحقيقة والشريعة في المعنى، وقوله ﷺ: " وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأسَدِ " وكذلك قوله ﷺ: " لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلى مُصِحٍّ " أي ذو الإبل المريضة على ذي الإبل الصحيحة يحتمل معنيين: أحدهما " أنه " سدّ للذريعة بمعنى أنه ترك ذلك مخافة أن يقع شيء " بإذن الله " فيظن من وقع له أو غيره أنه ناشئ عن ذلك السبب فيقع في الشرك، الثاني أنه إثبات لما جرت به العادة من حكمة الله تعالى كما قررنا، فيعتبر ذلك شرعًا ولو لم يكن إلاّ تنزهًا عن تغيير القلوب وآية الناس.
وفي الحديث أيضًا: " اطْلُبُوا الخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ " وهو يحتمل أمورًا: الأول: " اطلبوا الخير " عند الناس الحسان الوجوه فإن الخير مقرون بهم، وهذا من نمط ما نحن فيه.
الثاني: اطلبوا الخير منهم فإنه يصدر عنهم الخير بإذن الله تعالى، إذ حسن الخَلْق عنوان حُسْنِ الخُلْق كما تقرر في الفِراسَة الحكمية وهو قريب مما قبله.
الثالث: اطلبوا الخير عندهم ومنهم، فإن النفس تنبسط إليهم وتتمتع برؤيتهم، وفي الحكمة: اعتمد بحوائجك إلى الصباح الوجوه، فإن حسن الصورة أول نعمة تلقاك من الرجل.
الرابع: اطلبوا الخير أي الرزق عند الوجوه المُستحسنة " شرعًا " كالبيع والتجارة والقراض والهبة والصدقة وسائر الوجوه الحِلّيّة دون السرقة والغصْب والخيانة ونحو ذلك.
وكان ﷺ يقول: " إذَا أبْرَدْتُمْ إلَيَّ بَرِيدًا فَأبْرِدُوهُ حَسَنَ الوَجْهِ حَسَنَ الاسْمِ " وهو أيضًا يحتمل أنه لمجرد النظر أو لزائد على ذلك، ولهذا بعث الله الأنبياء ولا سيما نبينا ومولانا محمد ﷺ في أحسن صورة.
وفي ترجمة الإمام الشافعي ﵁: كان يتجنب أهل العاهات والناقصين خلقة، وكان يقول: احذروا الأعور " والأحول " " والأعرج " والأحدب، والأشقر، والكوسج، وكل من به عاهة في بدنه فإن فيه التوّى ومعاشرته عسيرة.
ومن غريب ما وقع له في ذلك أمران: الأول أنه حكى أنه بعث رجلًا من أصحابه ذات مرة ليشتري له نوعًا من العنب معروفًا، قال الرجل: فذهبت فلم أجده إلاّ عند رجل من هذا الجنس، إما أشقر أو أزرق قال: فأتيته به، فلما طرحت الطبق بين يدي الإمام قال: أين وجدت هذا؟ قلت: عند فلان، وكان يعرفه، فقال: أردد إليه عنبه، قال: فقلت: يا أبا عبد الله، إن لم ترد أن تأكله أكله غيرك، فقال: ما أحب أن تتم المعاملة بيننا وبينه، فانظر في هذا، ولا تظن أن الإمام به حب الثمن يسترده ولا يتصدق بالعنب، كلاّ، فإن جوده قد طبق الآفاق، وهو الذي وضع بين يديه عشرة آلاف خارج مكة، فكل من سلم عليه يعطيه حتى لم يقم إلاّ وقد فرغت، وإنما الحامل له على ما قال ألاّ تتم المعاملة بينه وبينه، والظاهر من القصة أن الرجل المبعوث قد اشترى العنب شراء بَتًّا، وهو العادة في مثل ذلك، ففسخ العقدة إن لم يكن فضلًا من البائع إنما هو أن يدعي أنه من مثل ذلك الشخص عَيب، وهذا نهاية هذا الأمر، وليس بعجب، فقد حكي عن بعض القضاة من السلف أنه رد فرسًا على بائعه بشية قد عيبت فيه.
[ ٥٠ ]
الثاني أنه حكي عنه أنه كان في بعض أسفاره مر برجل من هذا الجنس، فقام الرجل إليه ورحب به ترحيبًا بالغًا، واستدعاه للنزول والتضييف بغاية الاستحثاث، فنزل ﵁ فبالغ الرجل في ضيافته وإكرامه مع غاية التاديب معه وتبجيله والبر به، فلما رأى الإمام ذلك قال في نفسه: سبحان الله! " مثل هذا " الخير لا يصدر عن مثل هذا الشخص بما تقرر الحكمة في أمثاله، وهذا الإنسان ينقض علينا القاعدة، فاغتمّ لذلك وبات مغمومًا متحيرًا فلما أصبح وتهيأ للرحيل لم يشعر إلاّ وقد ناوله الرجل سجِلًاّ فيه مكتوب كل ما أكل وكل ما انتفع به عنده، مقومًا بقيمة مضاعفة وقال له: ادفع لي ما أكلت، وإذا هو رجل صاحب مكر واحتيال على الناس بالضيافة ليتجر فيهم، فعند ذلك سُرِّيَ عن الإمام ﵁ وعلم أن القاعدة لم تنخرم، فوزن له ذلك عن طيب نفس وسرور بصحة القاعدة، انظر الأمثال الحديثة.
ودخل الشعبي سوق الرقيق فقالوا له: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي صورة حسنة أتنعم بها، يلتذ بها قلبي، وتعينني على عبادة ربي، وكأنه يتذكر ما عنده والتشويق إليه. وأدام " النظام " النظر إلى جارية حسنة فقال مولاها: لم؟ فقال: ما لي لا أتأمل منها ما أحل الله، وفيه دليل على حكمة الله واشتياق إلى ما وعد الله.
وقال الراجز:
ثلاثة تجلو عن القلب الحزن الماء والخضرة والوجه الحسن
وقال إسحاق الموصلي:
لا أشرب الراح إلاّ من يدي رشأٍ تقبيل راحته أشهى من الراح
ولا بد من التنبيه في هذا الباب لأمور: منها أن هذه الأسباب الحكميّة قسمان: قسم ظاهر، وهو ما يرجع إلى قوام الإنسان في معاشه غذاء ودواء، مباشرة أو بواسطة قريبة أو بعيدة كما في التمثيل ببعضه، وقسم خفي، وهو ما لم يصل إلى تلك المنزلة بذاته، وإن كان له بها مساس، فالأول لا ينكر على من يتعاطاه لوضوحه، والثاني هو الذي يقع فيه الإنكار كما مرّ كل ذلك.
ومنها أن الأمر العاديّ كما أنه لا تأثير فيه إلاّ لله تعالى كذلك لا ارتباط فيه عقلًا، وإنما هو أمر يجعله الله تعالى وتستمر عادته تعالى به اختيارًا منه، ومتى أراد أن يخرقه خرقه، كما شوهد ذلك في منجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، وسحرة السحرة، فكل ذلك خرق من الله تعالى لحكمة كما أجراه أولًا لحكمة: وقد أخرج أهل الحيرة السم القاتل للسيد خالد بن الوليد ﵁ طمعًا منهم في أن يقتلوه، فلما علم به أخذه فسمى الله تعالى وأكله، ولم يضره شيئًا ولا يحصى كم من عابد بقي حيًا بلا طعام ولا شراب.
ولما حاصر المعتصم عمورية نهاه المنجمون أن يتقدم لقتالهم في ذلك اليوم، فلما بلغ ذلك بعض أهل الدين في عسكره دخل عليه فقال له:
دع النجومَ لطرقيَّ يعيش بها وقم لوقتك وانهض أيها الملك
إن النبي وأصحابَ النبي نهوا عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
فنهض إليهم لوقته ففتح عليه.
وأصل هذا ما في الحديث: أن النبي ﷺ قال لأصحابه إثر سماء وقعت: " أتَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولَهُ أعْلَمُ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالى: أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وَكَافِرٌ، فَأمّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَاكَ مُؤْمِنٌ بي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأمّا مَنْ قالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَذَاكَ كَافِرٌ بي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ " وهذا هو الذي قررناه قَبْلُ من تحقيق التوحيد وليس فيه إنكار العادة الجارية.
والنوء عند العرب أن يطلع نجم، وقيل: أن يغرب، وهو الأصح " فيقع وهكذا " وقد أجرى الله تعالى عند طلوع النجوم وعند غروبها وعند اقتران بعضها ببعض أمورًا كثيرة في المملكة اختبارًا منه تعالى، ونبه إليها من شاء من عباده فحصل لهم علم الأنواء، وعلم الاقترانات وسائر علم التنجيم، وهي كلها عادات جارية بإذن الله تعالى، والمتنبهون إليها لمعتبرون لها منهم من آمن ومنهم من كفر، والمقياسُ الحديثُ السابقُ على ما مرّ من تفصيل أحوال الناس.
[ ٥١ ]
ومنها أنه قد يعد من هذا الباب ما ليس منه مما يرجع إلى مجرد تخيلات ووساويس، ولم يظهر فيه حكمة منوطة ولا عادة صحيحة جارية، وأكثره يكون بتسلط شياطين يعبثون بمن يتوهم ذلك، فلا يلتفت إلى هذا النوع بوجه من الوجوه، ولا سيما إن أبطل سنة وعارض حكمًا شرعيًا كالذي يقول: إني جربت أني متى أعرت أو سلفت أو تصدقت أو أضفت ضيفًا تصيبني مضرة، فهذه شيطانية.
وقد حكي عن بعض الناس أنهم ما يذبحون الضحية، وأنهم متى ذبحوها أصابتهم مصيبة، فلما اعتادوا ذلك تركوها، فتمادوا على هذا الضلال حتى انتهى الأمر إلى رجل منهم موفق فقال: والله لا أترك السنة ولأضحيَنّ، فلما ضحى يبِسَتْ يده اليمنى فقالوا: هذا الذي حذرناك، فقال: لا أبالي، فلما أتت الضحية من قابل ضحّى أيضًا فيبست يده الأخرى، فلما ضحى الثالثة يبست رجله، ولما ضحى الرابعة يبست رجله الأخرى، ولما ضحى الخامسة انطلق ولم يبق به بأس " وانقطعت تلك العادة الباطلة " وتبين أنه شيطان يعبث بهم ويفسد عليهم دينهم.
لله الأمر من قبل ومن بعد.