وجدت في بعض التقاييد لبعضهم ما معناه: لو رأى أرسطو قدر البرنس في اللباس، والكسكسون في الطعام، والحلق بالموسى، لاعترف للبربر بحكمة التدبير الدنيوي وأن لهم قصب السبق في ذلك، انتهى.
وقد كتب الكسكسون بالنون على ما وجدته مكتوبًا خلاف ما ينطق به الناس، وبالنون، حدثنا الرئيس الأجلّ أبو عبد الله محمد الحاج المتقدم الذكر قال: ذهب رجلان فاضلان من بلاد المغرب، وأظنه قال: أخوان، فدخلا بلاد الشام، فمرض أحدهما وطال به المرض حتى يئسوا منه، فرأى الآخر النبي ﷺ فقال له: أطعموه الكسكسون بهذه العبارة، قال: فاستصنعوه له فأكله فبرئ، وهذا إما خصوصية لهذا الطعام، أو بذكره ﷺ، فيثبت له الشرف، ويستدرك بذلك ما قلته من كونه لم يأكله ﷺ في حياته، وإما من باب ما تقرر من أن دواء الجسم عادته.
قد دخلنا مدينة فاس - حرسها الله - عام تسع وسبعين وألف فأصابني إسهال مفرط، وطال " بي " وكان الطبيب بعثني بأمري، فلم يترك دواء يستحسنه إلاّ صنعه لي، فلما لم يفد ذلك أرسل في غيبة مني إلى عمالي يقول لهم: انظروا إن كان " ثم " من الطعام ما يعتاده في بلده فأطعموه، فذكروا الأقط واصطنعوا عليه طعامًا فأكلته فعافاني الله تعالى.
وقد أصابني مرة أخرى ذلك فدخلت على السلطان رشيد ابن الشريف، وكان يكرمني ويجلني، فرأى تغيرًا في وجهي، فسألني فأخبرته فقال: وماذا صنعت من علاج؟ فقلت له: إن الطبيب يصنع لي شراب الريحان، فتضاحك ثم قال: سبحان الله! ما لنا ولشرب الريحان؟ وأين عهدناه؟ خذ سويق الشعير واخلطه بالماء فذلك دواؤه، ثم ضحك فقال: هذه مثل قصة العمراني الشريف، بات في ملوية عند بني فلان فجعل يقول: أعندكم شيء من شراب رمانتين؟ وهذا أعني التداوي بالشيء المعتاد، ولو في الأعراق أمر شهير واضح، وقد ذكره ابن الحاج ﵁ في " المدخل " وذكر قصة الملك النصراني الذي مرض فأعيا الأطباء علاجه حتى جاء بعض أهل الخبرة فسأل أمه وقال: إن أردت أن يعافى ابنك فاصدقيني عنه، فقالت: نعم، كان أبوه عقيمًا، فلما خفت ذهاب ملكهم مكنت أعرابيًا كان عندنا من نفسي، فهو أبو الملك، فقال الرجل على الفور: علي بحوار فجيء به وذبح وشوي قدامه وهو يشم رائحته، فكان ذلك بإذن الله تعالى سبب برئه.
وهذا من العجب، فإن هذا الملك الظاهر أنه ما أكل قط لحم الجمل، وإنما العروق نزعته فكيف بمن اعتاد أكل الطعام وربا عليه جسمه.
[ ٤٠ ]
ومن أظرف ما وقع في هذا ما حدثني به الطبيب المذكور، وهو الفاضل أبو عبد الله محمد الدراق الفاسي، قال: " كنت " دخلت طنجة بقصد ملاقاة الأطباء ورؤية الشخص الذي صوّروه تعلّم التشريح معاينةً، قال: فكان بعض أطباء الروم هنالك يعجب من أكلنا الكسكسون المذكور ويضحك منا ويقول: إنما تأكلون العجين في بطونكم، قال: فبينما نحن كذلك إذ دخلت عليه يومًا فوجدته عند رأس مريض محموم شديد الحمى وهو يسقيه الخمر، قال: فقلت له: ما هذا الذي تصنع أنت؟ وأي مناسبة بين الخمر والحمى والكل في غاية الحرارة؟ فقال: إنها لن تضره لاعتياده لها، فإنه كان يرضعها من ثدي أمه، وهو طفل صغير، قال فقلت له: سبحان الله! ونحن هكذا كنّا نرضع ما تنكر من الكسكسون من ثدي أمهاتنا ونحن صغار، فأي شيء يضرنا؟ فقال: صدقت، ولم يجد ما يقول.
ومن هذا المعنى اختلفت طباع الناس في الطعام باختلاف الإلف والعادة، فكلّ يستمرئ ما يألفه من الطعام ويشتهيه ويعاف الآخر، قال ﷺ في الضب: " إنّهُ لَيْسَ بِأرْضِ قَوْمِي فَتَجِدُني أعَافُهُ. فعلل ذلك بكونه ليس في أرضه.
ودخلت في أعوام الستين وألف مدينة مراكش عند رحلتي في طلب العلم وأن إذ ذاك صغير السن، فخرجت يومًا إلى الرحبة أنظر " إلى " المداحين، فوقفت على رجل مسن عليه حلقة عظيمة، وإذا هو مشتغل بحكاية الأمور المضحكة " للناس ". فكان أول ما قرع سمعي منه أن قال: اجتمع الفاسي والمراكشي والعربي والبربري والدراوي فقالوا: تعالوا فليذكر كل منا ما يشتهي من الطعام، ثم ذكر ما تمناه كل واحد بلغة بلده، وما يناسب بلده، ولا أدري أكان ذلك في الوجود أم شيء قدره، وهو كذلك " يكون "، وحاصله أن الفاسي تمنى مرق الحمام، ولا يبغي الزحام، والمراكشي تمنى الخالص واللحم الغنمي، والعربي تمنى البركوكش بالحليب والزبد، والبربري تمنى عصيدة انلي وهو صنف من الذرة بالزيت، والدراوي تمنى تمر الفقوس في تجمدرت وهو موضع بدرعة يكون فيه تمر فاخر، مع حريرة أمه زهراء، وحاصله تمر جيد وحريرة.
ولو عرضت هذه الحريرة على العربي لم يشر بها إلاّ من فاقة، إذ لا يعتادها مع الاختيار، ولو عرضت العصيدة على الفاسي لارتعدت فرائصه من رؤيتها، وهكذا.
وأغرب شيء وقع في أمر الاعتياد ما حكي في جارية الملك الهندي مع الاسكندر " فإن الاسكندر " لما دوَّخ الملوك واستولى على الأقاليم احتال بعض ملوك الهند في هلاكه، وكانت عنده جارية بديعة الحسن كاملة الأوصاف، فجعل يغذيها بالسموم، ويتلطف لها حتى اعتادت ذلك، ثم تناهت إلى أن تطبعت بذلك وصارت مسمومة، فأهداها للإسكندر، وقصد بذلك أن يمسها فيهلك، وهذا غريب.
وقد ذكر الأطباء هذه الحكاية فاستغربوا شأنها، وقد ذكرنا في اختلاف البلدان مع اختلاف طبائع الناس بها فيما مر ما يقرب من هذا المعنى ويرشحه.
لله الأمر من قبل ومن بعد