الحمد لله الذي أنزل من سماء رحمته غيثًا نافعًا، فأنبت به في قلوب عباده زهرًا ناضرًا وثمرًا يانعًا.
زهر من العلم والعرفان مؤتلق في الطرس والنفس يستهدي بألوان
وثمر يجتنيه الأذكياء بتش مير ولا يجتنيه الفدم والواني
لله در كرام فاو فائزهم قدْمًا بحلب درور منه ملْبان
وبابتناء مبان منه سامية لا يبتني مثلها في دهره الباني
هذا هو المجد في الدارين والشرف ال محض الذي ما به في فضل ثان
" فاعكف عليه " مع الآناء معتنيًا ولا يكن لك عن تطلابه ثان
واعلم بأنك لن تحظى بصهْوته حتى تجوز المدى في كل ميدان
ما لم تسنح عليه كلما شجر يرجى الجني منه أرضي وعَبْدان
وتبذل النفس بعد المال مطرحًا لكل ترفيه أرواح وأبدان
وتغترب برهة في كل آلفة من ذات قربى وأوطان وإخوان
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ينبوع الأحكام والحكم، ومجموع شيم الفضائل وفضائل الشيم، وعلى آله ذوي المجد والكرم، وصحبه بحور العلوم ونجوم الظلم.
أما بعد، فإن الدهر أبو العجائب، وينبوع الغرائب، وفي المثل: الدهر حبلى لا يدري ما تلد، وقال الشاعر:
والليالي كما علمت حبالى مقْرِبات يلدن كل عجيبه
وقال طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وإن للعاقل على مرور الجديدين علمًا جديدًا حيث انتهى فهمه كما له عيش حيث تهدي ساقه قدمه وكنت قلت في نحو ذلك:
أراني حيثما أخطُ أجد ما لم أجد قطُّ
وإن الدهر حبلى كُلّ ما حين له سقط
لقد سايرته طفلًا إلى أن مسني وخط
فلم ينفك يشتد على المرء ويشتط
ولم يأل إذا استعلى يوم الهون أو يسطو
له في كل إذن من بني أبنائه قرط
وفي كل قذال وس مة بالنار أو شرط
وقد يحنو ويستأني وقد يحبو لمن يعطو
سماء ديمة تأتي بزهر زهرها رُقط
فحمر ومصفر وموفور ومُنْقَطُّ
ومجدود ومحروم ومستعمل ومنحط
ومنقاد ومعوج وكز الخلق أو سبط
قضاء مبرم ممن إليه الحل والربط
إلهٌ أمره الأمر ومنه الرفع والحط
ومنه اليسر والعسر ومنه القبض والبسط
له في كلِّ ما يومٍ شؤون منه تختط
وذو الفهم له علم جديد حيثما يخطو
ففكر واعتبر تعلم علومًا دونها الضبط
وتدرك غير ما في الصح ف يومًا خلد الخط
وسلم وأرض بالمقدو ر لا يذهب بك السخط
ولا تبرم إذا المولى يشدّ الحبل أو يمطو
فما ترجو من الرضوا ن أنْ تَرْضَى له شرط
وإني قد اتفقت لي سفرة بان بها عني الأهل شغلًا وتأنيسًا، وزايلني العلم تصنيفًا وتدريسًا، فأخذت أرسم في هذا المجموع بعض ما حضرني في الوِطاب، مما أحال فيه أو حان له إرطاب وسميته " المحاضرات " ليوافق اسمه مسماه، ويتضح عند ذكره معماه وفي المثل ": " خير العلم ما حوضر به " وإنما أذكر فيه فوائد وطرفًا، وقصائد ونتفًا، وذلك مما اتفق لي في أيام الدهر من ملح، أو لغيري مما ينتقى ويستملح، ولا أذكر نادرة فيها معنى شريف إلاّ شرحته، ولا لطيفًا إلا وشحته، وذلك هو لباب الكتاب، وفائدة الخطاب، والله الملهم للصواب.
وقد أذكر بعض ما صورته هزل يستهجن، وفيه سر يستحسن، وكما أن المقصود من الأشجار ثمارها، فالمطلوب من الأخبار أسرارها، وإنما حملني على الأخذ فيه أمور: منها التفادي من البطالة، التي هي مدرجة الجهالة والضلالة، ومنها إفادة جاهل أو تنبيه غافل، ومنها تخليد المحفوظ لئلا ينسى. وتفصيله نوعًا وجنسا، ومنها استمطار علم جديد، عند الاشتغال بالتقييد، فإن العلم كالماء نبَّاع، وبعضه تباع، وما هو في قلب ذكي الفؤاد، إلاّ كما قال امرؤ القيس عند وصف الجواد:
يجم على الساقين بعد كلاله جموم عيون الحسي بعد المخيض
[ ١ ]
معنا تعليل النفس، ببعض الأنس، فإن النفس ترتاح للأحماض وتستشفي بروحه من الإمضاض ولا سيما مثلي ممن ترامت به الأقطار وتباعدت عنه الأوطان والأوطار وقلت في ذلك:
سلا هل سلا عن أهله قلب معْنيِّ بريب الهوى والبين عن جيرة الحيِّ
وهل ذلك الوجد الذي قد حشا الحشا مقيم على أديانه غير مكفيِّ
وهل قلبه يوم النوى متقلب تقلب مفؤود اللظى ساعة الشيِّ
وهل ينوي الأحباب مشفٍ على التوى وليس بوصل من حبيب بمشفيِّ
وهل أعشبت تلك الشعاب وأمرعت فجاج مراعيها بعهد ووسميِّ
وهل أُقْحُوانُ الجزع فاح ونده بعرف تهاداه الشمائل مسْكيِّ
وهل تالك الأزهار تهتز نضرة بكل جميل في الخميلة مَوْليِّ
وكل مُجودٍ في النجود تناوحت عليه الرياح من جنوبي وشرقيِّ
إذا ما السحاب الغر عاطينها الحيا تمايلن نشوى من مدام شباميِّ
وإن صافحتها بعد وهنٍ يد الصبا تنمت بأذكى من عبير وألويّ ِ
فما شئت فيها من يواقيت تجتلي ومن كوكب يعشي النوال درّيّ
ومن بسط تزري ابتهاجًا بمفرش أعدت بنو ساسان للبسط بَوْشيّ
وهل لسليمى من ثواء بدارها سقى الله تلك الدار أطيب ما رِيِّ
وحيا محياها الوسيم وإن لوت غريمًا تقاضى وصلها طول ما لي
وحيا زمانًا للوصل بيننا تباشير كالصبح المنير على رَيِّ
زمان ديار الحي دانٍ مزارها ونحن على عهد من الودّ مرعيِّ
نعمنا بإيناس البروق من الحمى أنيسًا وإن لم نحظ منه بإنسيِّ
ونسمة أرواح الصبا وهبوبها علينا نمومًا من صباها بمطويِّ
وتنشاق آبالأجارع تعتلي بنفحته للمستهامين عطريِّ
وكنّا على أنّا كأنّا بوصلها نغادي بكأس مطمئنين خمري
ونرتع في روض المنى وننال ما نشاء ولا نرتاع من بين مَهْوِيِّ
وعشنا زمانًا لا نعاني صبابة ولا نتباكى من سليمى ولا ميِّ
ولا نتشكّى من صدود ولا صدى ولا وجد مفؤود الجوانح مَبْريِّ
ليالي كان الشمل منضبط الكلى وحبل التوالي مُحصَدٌ غيرُ مَفريِّ
فلم تلبث الأقدار أن مددت بنا عنانًا إلى شط النوى غير مَثْنيِّ
فحالت موّامٍ دونها ذات منزع ودَيْنُ التداني قد غدا غير مقضيِّ
وكان الذي خفنا يكون من النوى وصرنا لأمر مُذْ أحايين مَخْشيِّ
على أن فضل الله ما انفك هامرًا علينا ولطف دائم غير مَزْوِيّ
فلا تغترر بالدهر يلقاك بشره فإن وراء البشر طعن الرُّدَيْنيِّ
ولا تأمنن من هوله إن ريحه تهب إذا هبَّت عصوفًا بلُجِّيِّ
ولا تغتبط من حظه بمنول ولو تاج ملْكٍ فوق أشمخ كرسيِّ
فما حالة منه تدوم على امرئ ولو خال جهلًا أنه غير مَدْهيِّ
وما هو إلاّ مثل دولابَ زارع فعُلويّه يعتاض حتمًا بسُفْليّ
فكم أنْزلتْ نَسْرَ السماء صروفُه وحلّت ببنت الماء دارة علْويّ
وكم ضعضعت ملكًا وأفنت ممالكًا وكم عاد عاني ريبها غير مَفديّ
وكم زَيّلت بين المحبين فاغتدى دم الصب من فتك الهوى غير موّديّ
قضاء من المولى له كل ساعة تَصرّفُ مختار وإنجازُ مَقضيّ
فأعْلقْ به أشطانَ قلبك واعتمد عليه تنل رشدًا وتنج من الغيّ
وقَف أبدًا في بابه متأدبًا منيبًا بسعي عِند مولاكِ مرضيّ
قنوعًا رَضُوًَا بالقضاء مسلمًا بقلب على التوحيد والصدق محني
فذاك الذي يرقى به لمنازل بها كل صديق حوى الفضل رِبّيّ
وإن كنت لم تسعدك في ذلك القُوى فزاحم بمسْطاع مع الحب والزِّيِّ
فإن جليس القوم ما إن يناله شقاء ومن عن حبهم غير مرميِّ
ومن قد حكاهم فهو متهم وكل ذا أتى في حديث عن ذوي الصدق مرويِّ
وكل امرئ يومًا سيجزى بما أتى من الخير بل يجزى على كل مَنْويِّ
لله الأمر من قبل ومن بعد