حدثني الأخ الفاضل أبو الحسن علي بن أحمد الرماني قال: كان سيدي محمد الشرقي التادلاوي يومًا مع جماعة من إخوانه فحان وقت الصلاة فجاء المؤذن يؤذنه بالصلاة فتغافل عنه، ثم رجع إليه ثانيًا وثالثًا، فلما ضاق الأمر بالمؤذن شرع في إقامة الصلاة من غير إذن، فقال له الشيخ: ما أعجلك؟ إن الصلاة تقضى أو تدرك، ومجلس الأخوان لا يقضى.
[ ٨٦ ]
قلت: وهذا يذهب به العوام ويرتكبون ظاهره، وتأخير الصلاة عن وقتها لا يجوز لشيء من الأشغال أو الفضائل إلاّ العجز، وما لا يجوز لا يفعله الولي اللهم إلاّ مغلوبًا بوارد، ولا يقتدي به في تلك الحالة مع أن الموفق محفوظ، أما التأخير عن أول الوقت مثلًا فقد يكون لأمر مهم أو فضيلة تربو، ومحل العذر أو الترخص في السفر أو نحوه معلوم.
وحدثونا عن سيدي عبد الله بن " عمرو " المضغري أنه أرتحل إلى مليانة لقصد ملاقاة الشيخ أبي العباس سيدي أحمد بن يوسف الراشدي والأخذ عنه، فوافى البلد وقت صلاة العصر، وقد كان صلى، فلما انتهى إلى زاوية الشيخ سأل عنه فقيل له: إنه لم يصل العصر " بعد " فأنكر ذلك وقال: إن هذا الرجل لم يحافظ على أول الوقت، وانصرف عنه، وذهب إلى سيدي عبد العزيز القسمطيني فأخذ عنه - نفع الله بالجميع -.
وقد صار ذلك التأخير الذي وقع للشيخ سببًا لانصراف الآخر عنه حيث لم يسبق القدر بأن يكون من أصحابه وإلاّ فللناس أعذار.
ومن الملح في تأخير الصلاة أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن سودة قاضي مدينة فاس - ﵀ - كان يؤم بجامع القرويين وكان يؤخر صلاة الصبح تأخيرًا مفرطًا، فحدثني بعض الأصحاب قال: لقيت صبيًا من أهل فاس " إذ ذاك " فسألته عن صلاة الصبح في القرويين هل أدركها؟ فقال لي: والله لا تمشي إليها إلاّ بالمظلة، يعني التي تجعل على الرأس اتقاء الشمس، وهذا إفراط في المبالغة.
ومما اتفق في هذا الإنكار ولكن في العكس، وهو التقديم ومزاحمة الوقت، حدثونا عن الفقيه الصالح أبي عبد الله سيدي محمد بن سعيد الميرغتي أنه ورد على شيخنا وأستاذنا ومفيدنا الإمام أبي عبد الله سيدي محمد بن ناصر الدرعي - رحم الله الجميع ونفعنا بهم - فكان المؤذن إذا أذن " المغرب " ينكر عليه ويقول له استعجلت: فلما أكثر في ذلك وانتهى الأمر إلى الشيخ خرج إليه فسار معه إلى صومعة الجامع الكبير وذلك في عشي النهار، فجلسا بأعلى الصومعة يتحدثان والمؤذن الذي كان ينكر عليه في مسجد الخلوة بعيدًا عنهما بنحو مد البصر، وبقيا في حديثهما حتى غربت الشمس وأقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقال الشيخ للفقيه المذكور: أقد تبين الوقت؟ قال نعم، وبفور كلامه قال مؤذن الخلوة: الله أكبر، وجعل يؤذن فعجب الفقيه من هذا الاتفاق الغريب، وعلم أن الأذان كل يوم كان على الصحة، فلم يعد إلى الإنكار.
لله الأمر من قبل ومن بعد